غسان عبد الخالق: مقتل البرنامج السياسي الإسلامي هوسه بالسلطة

غسان عبد الخالق: مقتل البرنامج السياسي الإسلامي هوسه بالسلطة
6538
عدد القراءات

2018-05-27

أجرى الحوار: عاصف الخالدي


قال الباحث والأكاديمي الأردني الدكتور غسان عبدالخالق إنّ العقلانية والتنوير، مرتبطان بقدرة المفكرين على جعل الأفكار تهبط إلى الشارع، وتتحول إلى حقائق يومية يعيشها الناس.

وأكد عميد كلية الآداب بجامعة فيلادلفيا في حواره مع "حفريات" على الفارق بين المشاريع الفكرية، والبرامج السياسية للأحزاب والحركات العربية؛ إسلاميةً وغير إسلامية، كاشفاً عن دورها في وأد محاولات عديدة لإنجاز مشروع عقلاني عربي، مضيفاً أنّه من الصعب على الباحث الجاد أن يشتبك مع الفكر والواقع، دون أن يقوم بتصفيات حساب مع الماضي.

غالباً ما نفشل في تقديم إجاباتٍ صحيحة عن الماضي لأننا لا نطرح الأسئلة الصحيحة

وذهب عبد الخالق، إلى كون العرب بحاجةٍ ماسة، لإعادة بناء العقل والذات والمصطلحات، وتجاوز الهزائم، مشدداً على أنّ نبذ الكراهية وإخراجها من الفكر والعلاقات مع الأنا والآخر، هي مفتاح من مفاتيح التغيير.

وغسان عبد الخالق هو رئيس جمعية النقاد الأردنيين، ويحمل شهادة الدبلوم في الدراسات الفلسفية العليا، والدكتوراة في الأدب القديم من الجامعة الأردنية. وله مؤلفات فكرية ونقدية عديدة إضافةً إلى مجموعة الأبحاث، مثل: "الصوت والصدى: دراسات تطبيقية في أدب الاستشراق"، "الدولة والمذهب: دراسات في الفكر العربي الإسلامي قديماً وحديثاً"، "الثقافة والحياة العربية: معاينات في ضوء مقولة صدام الحضارات وتحديات العولمة".

وهنا نص الحوار:

تصفية حساب مع الماضي

ثمة مفكرون كطه حسين وجدوا أنّ التجديد يبدأ من الداخل، من خلال قراءة مشاريع عربية، كمشروع شبلي الشميل وفرح أنطوان مثلاً، إلى أي حد يتقاطع مشروعك الفكري مع هذا الرأي؟

أرى أنّ سؤال الحداثة والتجديد، يبدأ من النظر فيما هو موجود ومتجسد، بوصفه تلخيصاً لمنظومة الفكر والواقع في آنٍ واحد، ولذلك، من الصعب على الباحث الجاد أن يشتبك مع الفكر والواقع، دون أن يقوم بتصفيات حساب مع الماضي.

وأقصد هنا بتصفيات الحساب مع الماضي، محاولة الفهم الموضوعية لما انقضى، ولا أقصد اتخاذ موقفٍ سلبي مسبق من الماضي، وأظن أننا غالباً ما نفشل في تقديم إجاباتٍ صحيحة عن الماضي؛ لأننا لا نطرح الأسئلة الصحيحة، كما لم نفرغ حتى الآن من مساءلة الماضي بصراحةٍ وشفافية، وأذكّر هنا أنّ دعاة ما بعد الحداثة، ليس أسهل عندهم أحياناً، من شطب جهود مثقفين وباحثين عرب بارزين في الماضي، انطلاقاً من القول أن جهودهم أصبحت مجرد تراث.

في حال اعتبرنا أنّ التجديد اليوم هو خيار العقلانية، هل يمكن اعتبار مشروعك محاولة ضمن محاولات استعادة هذه العقلانية؟

نعم، ويوجد العديد من الباحثين الذين يصنفونني على أنّني عقلاني نقدي، وأصنّف نفسي كذلك وفق ما صرحت به مراتٍ عديدة من قبل. من المهم أن يندمج النقد مع العقلانية؛ لأن العقلانية وحدها في العالم العربي، ربما تؤدي إلى "العدمية"، وذلك لأن هناك أسباباً تاريخية وأيديولوجية تمنعنا من الذهاب بالعقلانية إلى حدودها القصوى من خلال المناداة بقطيعةٍ تامة مع الماضي، وهذا مستحيل، كما حصل في أوروبا التي أدركت عدم القدرة على القيام بقطيعةٍ تامة مع الماضي. إذن، ليس من العقلانية في شيء، حذف الماضي. أظن أنّ علينا تحمل ضرائب الماضي، من خلال التعامل مع عقلانية تاريخيةٍ نقدية، تمكننا أيضاً من فهم استحقاقات الحاضر والمستقبل.

غلاف كتاب "الدولة والمذهب"

ما رأيك في أنّ المشاريع التي لم تقاطع الماضي، كمشاريع محمد أركون الفكرية، والجابري، وغيرهم، لم تأت لنا بقارب النجاة المأمول مثلاً في مواجهة مشروع إسلامي استعادي؟

بدايةً، من المهم أن نفرق بين المشروع الفكري والبرنامج السياسي، فمثلاً، حينما نتحدث عن أركون والجابري وغيرهما، فنحن نتحدّث عن مشاريع فكرية، وحينما نتحدّث عن التيارات الإسلامية بمختلف تجلياتها، فإننا نتحدّث عن برنامجٍ سياسي. وتحضرني هنا مقولة المفكر فهمي جدعان "حين تدخل الأيديولوجيا من الباب فإنّ المعرفة تغادر من الشباك".

فيما يتعلق بالمشاريع الفكرية العربية، فمشكلتها القديمة الحديثة، هي أنّها نخبوية وغير متاحةٍ للجماهير. وأرى أن خطابات المفكرين تزيد من نخبوية أفكارهم، مثل مشروع علم الكلام المعتزلي مثلاً، وينطبق هذا على مشروع الجابري وغيره. نحن بحاجةٍ إلى لغة اتصال جديدة، حتى تتحول الفكرة إلى حالةٍ موجودةٍ في الشارع، ويمكن رؤية هذا في فرنسا وألمانيا مثلاً، اللتين حوّلتا الفلسفة إلى نقاشٍ مجتمعي يومي.

من المهم أن يندمج النقد مع العقلانية لأنها وحدها في العالم العربي ربما تؤدي إلى العدمية

أما "المشروع الإسلامي"، فإنني أضعه بين قوسين أو مزدوجين، لأنني أراه برنامجاً أو مجموعة برامج، وليس مشروعاً. وهنا يعنيني أن أشير، إلى أنّ مقتل البرنامج السياسي الإسلامي، يكمن في كونه مهووساً بالسلطة قبل أن يتفاعل مع المجتمع باعتباره مرشحاً مقبولاً، كما في تجربة مصر مثلاً؛ والسقوط السريع للنظام الإسلامي فيها العام 2013 لأسباب موضوعية داخلية وخارجية، حيث لم يتعلم الإسلاميون من نماذج أخرى في دولٍ كماليزيا وتركيا.

والمقصود هنا، أنّ المجتمع يجب أن يكون شريكاً في الدفاع عن القوى المرشّحة للسلطة، من خلال المشاريع الاقتصادية والاجتماعية التي ينبغي لهذه القوى أن تبتكرها، لتمثل دليلاً مادياً وملموساً على أن الناس شركاء في السلطة ويحصلون على التقدير الكافي لأنفسهم وحاجاتهم.

وهنا، سواء كان هناك مشروع قومي أو ماركسي أو إسلامي، فهي مشاريع لم تتحول إلى حالات جماهيرية واضحة. والأهم من هذا أو ذاك، أنّ ما نسمّيه بالمشروع الفكري، لا يحظى بجهود كافية، من أجل تأسيس حواضن واقعية تلزم هذا المشروع، من أجل إشاعة ثقافة التنوير.

التنوير وشروط التسامح

كيف ترى سؤال التنوير، الذي يعد إشكالياً في ظل مقولة فهمي جدعان "يجب استخراج الإسلام الحضاري وعدم ترك الإسلام ليكون جماعةً سياسية"؟

أولاً، يجب الانتباه إلى حقيقة أنّ التنوير ليس مشروعاً قائماً بذاته، بل هو حالةٌ مشروطة، من خلال؛ تقبل الآخر، التسامح، الانفتاح، عدم الإقصاء ونبذ المواقف المسبقة، والرغبة بالمعرفة والتجديد.

هذه القيم، تلخص – ربما - مسألة التنوير، ونحن لا نستطيع القول إنّ هناك فكراً تنويرياً، بقدر ما يمكن الحديث عن مفكرين أو فلاسفة تنويريين، يمكنهم مواجهة الفكر القطعي والإطلاقي وحل الخلافات بالحوار فقط دون اللجوء إلى العنف.

هل تتم إعادة إنتاج العنف؟ خصوصاً أنّ "الربيع العربي" لم يشهد مراجعةً لمصطلحات كالتنوير، بل اكتفى تقريباً بالحكم عليها إن كانت جيدةً أم رديئة.

لا يتورّع كثيرون، ومنهم "تنويريون" أيضاً، عن استخدام العنف كحلّ، وربما أن الفضل يعود (أقول هذا آسفاً) إلى وسائل التواصل الاجتماعي خلال "الربيع العربي"، التي كشفت عن كثير من المتنمرين الذين مارسوا ويمارسون العنف اللفظي، وقد كانوا يدّعون العفاف الفكري كما كانوا يدّعون الدفاع عن حق الاختلاف، لكنهم لا يتورعون عن المناداة بقطع رؤوس خصومهم في أول فرصة.

الأصل برأيي، أن يتم تقديم الفكرة، وإتاحة الفرصة لكل متلقٍ حتى يؤوّلها كما يشاء؛ لأن التأويل هو ما يفتح الآفاق، لكننا نشهد منتجين للأفكار يطالبوننا بتقديم التأويل الذي يريدونه فقط، وهذا غير مثمر إن كان هناك من يسعى إلى التنوير والتغيير.

غلاف كتاب "الصوت والصدى"

الاستشراق خطابات عديدة

في كتابك "الصوت والصدى" وهو حول الاستشراق، نوّهت إلى أنّ العرب ربما أعجبوا بدور الضحية في علاقتهم مع الغرب، من خلال كتاب الاستشراق لإدوارد سعيد، وكتابات عبد الرحمن بدوي. هل ينطبق هذا على المشروع الإسلامي الصحوي منذ مطلع القرن العشرين أيضاً؟

أود الإشارة أولاً إلى بعض ما نبّهت عليه في كتابي "الصوت والصدى"، وهو أنّ الاستشراق ليس خطاباً واحداً ثابتاً، بل خطابات عديدة في حقبٍ زمنيةٍ مختلفة، ولو بدأنا بإدوارد سعيد، فسوف نلاحظ أنّه قدّم مجموعة قراءات انتقائية للاستشراق، كما أكّد أنه لا يؤرّخ في كتابه للاستشراق، بل يدخل بعض الخطابات الاستشراقية إلى "مختبر الفيلسوف ميشيل فوكو" ليدرسها في ظل المؤسسات الاستعمارية والسلطوية الغربية.

وأرى أنّ سعيد نجح في بعض فصول كتابه وأخفق في أخرى؛ فتلقفته التيارات الأيديولوجية الماركسية والقومية والإسلامية العربية منذ العام 1978، ثم سارعت لتوظيفه ضمن برنامجها السياسي، وهنا أؤكد ما قاله سعيد نفسه وحذف من طبعات كتابه المترجم للعربية "الثقافة والإمبريالية"؛ لقد استقبل بشكل مميز في عدة دولٍ وأماكن، وأدّى إلى فتح حوارات إيجابية، إلا في الوطن العربي، حيث استخدم كوثيقة إدانة، وليس كوثيقةٍ معرفية.

المشاريع الفكرية العربية مشكلتها القديمة الحديثة هي أنّها نخبوية وغير متاحة للجماهير

أما بخصوص عبد الرحمن بدوي وغيره، فأظنّ آسفاً، أنّهم استثمروا في موضوع الاستشراق لا أكثر، بفضل وجود استعداد مسبق لدى القارئ العربي، يحقق المكاسب المادية ويعزز "الكراهية" ويغذّيها، رغم وجود مستشرقين بارزين مثل "بروكلمان" الذي وثّق وقدّم طروحات عظيمة لم يتم تجاوزها في تاريخ الأدب العربي مثلاً.

وقد حاولت في كتابي عن الاستشراق، الحد من هذه الكراهية وإيجاد جوامع للتفاهم.

مجموعة مقالاتك التي نشرت على هامش أحداث 11 سبتمبر في كتاب بعنوان "ثلاثاء الرماد"، تحمل أيضاً عنواناً جامعاً هو "عام الحقيقة"، ما المقصود بعام الحقيقة؟

ما أقصده هنا أنه توجد أعوامٌ عديدة للحقيقة في تاريخنا العربي. مثلاً؛ دخول أسطول نابليون بونابارت إلى الاسكندرية في العام 1798 كان عاماً من أعوام الحقيقة العربية، وكذلك العام 1967 كان من أعوام الحقيقة.

وما أؤكده هنا، أنّ الهزيمة، سواء بمعناها السياسي أو الثقافي، ليست بالضرورة سلبيةً فقط؛ بل ربما تشكل بدايةً لإعادة النظر في الواقع والفكر، ومحاولةً لبناء الذات.

لكننا شهدنا بعد عام 2001 قدوم "الربيع العربي" في 2010، وانهياراً، إن صح التعبير، في الذات والدولة لم نشهد قبلهما أي مراجعات عميقة، بل استعاداتٍ لمشاريع جماعاتٍ إسلامية مثلاً.

لأكون واضحاً، احتلال مصر من جانب نابليون مثلاً، شكل رضةً عنيفة للوعي العربي والإسلامي أدّت إلى الانتقال من عصر سيوف المماليك إلى عصر النهضة.. وهذا الغزو أدّى إلى ظهور مشروع محمد علي الذي انتبه إلى ضرورة إرسال بعثاتٍ علمية إلى الخارج وتأصيل لغة العلم، أما العام 1967 فتمخّض عن بروز التيار العقلاني النقدي العربي، بعد أن كان الخطاب العربي قبله مجرد خطابٍ مغرورٍ ومغرم بالذات... فتوقفنا عن النظر إلى أنفسنا على أننا لا نقهر.

إذا كانت هذه "الهزائم" أنتجت محاولاتٍ عقلانية وفكرية وواقعية للتقدم، فكيف إذن نشهد هذا الكم الكبير من الخطاب الاستعادي "الإسلاموي" مثلاً منذ 2001، والذي تأجّج في "الربيع العربي"؟

يجب النظر بعين الاعتبار إلى حقيقة أنّ معظم الحركات "الإسلاموية" هي تجسيد للمخيال الغربي بامتياز، وبهذه المناسبة فإنني أحمل برنارد لويس مسؤولية كثيرٍ من المجازر في عالمنا العربي بسبب خطاباته الاستشراقية عن "الحدود الدموية للإسلام"، ما أسهم بظهور حركات كتنظيم داعش مثلاً الذي يمثل النسخة الدموية التي تم تصنيعها في مختبرات بعض مراكز القرار الغربي لتأكيد مقولات لويس. علماً بأن لويس طالما اعتقد أن القومية العربية والإسلام وجهان لعملة واحدة، ولا بد من "تحطيم الإسلام، حتى تتحطم القومية العربية أيضاً" بحسب لويس.

نحن بحاجة إلى لغة اتصال جديدة حتى تتحول الفكرة إلى حالة موجودة في الشارع

وبالطبع، لا بد للحركات التي تتم صناعتها كـ"داعش"، من أدواتٍ عربية تسهم في تجسيدها مادياً وفكرياً، وربما علينا الاعتراف بأنّ الأفكار الإصلاحية الدينية منذ ظهور رسالة "الرد على الدهريين" لمؤسس التيار الإسلامي العربي بشكل عام؛ جمال الدين الأفغاني، قد قوبلت برفضٍ عنيف من قبل الحركات الإسلامية؛ حيث لم تسمح هذه الحركات بأيّ محاولاتٍ إصلاحية أو نقدية عميقة، فالحركات الإسلامية، تعتبر وجودها غير قابلٍ لإصلاحات دينية؛ لأنه يعتمد على الحلول الحاسمة التي تنطلق من مقولات مثل "المجتمع فاسد ويتوجب إصلاحه"، وهذه المقولات مرتبطة بالحقيقة التي تدّعيها وتحتكرها هذه الحركات وتحاول من خلالها فرض أنظمةٍ أيديولوجية شاملة.

"الربيع العربي" مغدور

اقترحت إيجاد معجم لمصطلحات "الربيع العربي"، لكن في ظل ما سبق، أين الخير والشر الكامنان في هذا "الربيع"؟

أرى أن الربيع العربي كان نافذة تاريخية، يمكن المرور منها بسلاسة لو تمتع الجميع بالمصداقية، وهنا لا أدين الأنظمة العربية التي ثارت عليها شعوبها فقط، إنما أقصد القوى التي اندفعت إلى الشارع أيضاً، فهي لم تكن قوى منظّمة، ولم تحمل برامج أو بدائل، بل قصدت فقط الوصول إلى السلطة، كما أن هذه القوى لم تفرز قياداتٍ سياسية بارزة كما يحدث في كل الثورات عبر التاريخ.

التنوير ليس مشروعاً قائماً بذاته بل حالة مشروطة بتقبل الآخر والتسامح والانفتاح

من جهةٍ أخرى، أرى أنّ الأنظمة التي لم يعصف بها "الربيع"، تعاملت مع الواقع ببراغماتية، فتعاطت مع الشعوب بواقعية أكثر، لكنّها لم توظّف "الربيع" لإحداث نقلات نوعية على صعيد التسريع ببلورة مجتمع مدني.

هناك من تحدث عن موضوع المؤامرة في "الربيع العربي" لاحقاً، وعمل على إفراغ الانتفاضات الشعبية من مضامينها، ولعل الثورة السورية تشكّل مثالاً، بدليل تراجعها وفقدان مصداقيتها. وأرى أنّها نموذج للثورة التي أمكن اختراقها بقوة من الخارج، بغض النظر عن مدى اتفاقنا أو اختلافنا على ضرورة إنهاء النظام في سوريا.

هل أسهمت عودة الخطاب الديني وحركاته على مجريات الأحداث في ثورة كالثورة السورية؟

أعتقد أنّ هيمنة الخطاب الديني بمحمولاته التاريخية؛ كالجهاد المقدّس ومنازلة الأعداء، خدمت أكثر من هدف، حينما تمّ توجيه هذا الخطاب ضد المدنيين في سوريا مثلاً، ما أدّى إلى مجازر بحقهم؛ أي إنّ الحركات الإسلاموية دخلت في معارك مع المواطنين، ما قاد إلى نفورٍ من فكرة الدولة الدينية، كما أن هذه الحركات قدمت ذرائع ذهبية لتدخل القوى الخارجية.

وباختصار، أرى أنّ "الربيع العربي" مغدور، بمعنى أنه لم يخلص له أحد، بقدر ما أنتج أبطالاً للإعلام والتليفزيون. وأظن أنّ ليبيا تعد مثالاً على تفجير ثورةٍ تلفزيونية، تذكّرنا بالاقتحام التلفزيوني لمدينة بغداد العام 2003 والإيحاء بسقوطها... ثم سقطت فعلاً!

الاستشراق ليس خطاباً واحداً ثابتاً بل خطابات عديدة في حقبٍ زمنيةٍ مختلفة

وأعتقد أن الأنظمة العربية، كان يمكنها الإفادة من الهبّة الشعبية للطبقة المتوسطة بالتحديد؛ لأنّها حين خرجت إلى الشارع لم تطالب بأكثر من الإصلاح، ما كان يمكن استثماره لبلورة حالة سياسية جديدة، تسحب البساط من تحت أرجل الحرس القديم والإسلاميين في آن واحد، أظن أن بعض الأنظمة أضاعت فرصة امتلاك الحداثة.

من خلال أبحاثك، تبدو كمن يبحث عن سرديةٍ في ظل ضياع سرديات عربية أدبية وفكرية وغيرها، خصوصاً من أجل المستقبل والشباب، أترى أملاً ومستقبلاً في هذا؟

لست وحدي من أبحث، وعموماً فإنني أرى أنّ هذا الجيل مميز وغير منافق، ولديه ما يؤديه، غير أنّه للأسف أيضاً، جيلٌ غير ممكّن اقتصادياً وسياسياً، على الرغم من كل الإعلام الباهر والمنظمات الشبابية العريضة، الجميع يتحدثون عن تعظيم دور الشباب، غير أنّ الشباب لا يزالون محاصرين في الوطن العربي، والمستقبل لا يزال غامضاً.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



محمد الباز: لماذا يبدو الإعلام الإخواني محكوماً بالفشل؟

2020-03-23

أجرى الحوار:  ماهر فرغلي


قال الإعلامي والكاتب المصري محمد الباز إنّ الإعلام الإخواني مظهر من مظاهر صراع بين فصيل ودولة وإنّ هذا الصراع سينتهي عاجلاً أم آجلاً، مؤكداً في حواره مع "حفريات" أنّ العاملين في قنوات الجماعة ومنصاتها يتقاضون أجوراً كبيرة، بناء على ظرف استثنائي حين ينتهي سينتهون معه.

تجاهُل إعلام الإخوان على مستوى العاملين والمنطق والمضمون صبّ في مصلحة الجماعة والموالين لها

وأضاف مقدم برنامج 90 دقيقة، على قناة المحور، وبرنامج باب الله على قناة الغد أنّه "يجب أن نعترف أنّ الإخوان "أشطر" منا في "الإعلام الجديد"، لأنّ إعلام الإخوان كل اهتماماته منصبّة على نقد النظام، لذا فهو يترصد الأخطاء ويضخّمها، بل ويصنع أكاذيب عن الشأن الداخلي"، مستدركاً أنّ "مشكلة الإعلاميين الرسميين غير موفّقين في تسويق أنفسهم على السوشيال ميديا ومواقع التواصل"، وقال إنّ "الإعلام المصري يحتاج إلى جراحة قاسية، ومنها هيكلة وإبعاد أناس من المشهد لا علاقة لهم بالعملية الإعلامية برمّتها".
وانتقد رئيس مجلس إدارة مؤسسة الدستور والأستاذ بكلية الإعلام بجامعة القاهرة بعض برامج التنوير التلفزيونية لأنّها تنتج خطاباً يتجاهل التكوين الثقافي والنفسي للناس، على حدّ وصفه، موضحاً "أرى أنّ التنويريين المعاصرين يتخذون نفس منهجية الوصاية التي ينتقدونها، ويريدون فرض وجهة نظرهم على المتلقي مثل التيار السلفي تماماً".

ورأى الباز أنّ "احتكار الحديث في التراث لمؤسسة واحدة مشكلة كبيرة، ومن هنا لن ينفع التجديد بمجموعة أفكار تطبع في كتب، بل حين نرى إمام مسجد في قرية نائية يقف على المنبر ويردد ما ندعو له من التجديد".
وهنا نص الحوار:
مواجهة إعلام الإخوان
كيف تصف الإعلام الإخواني ومستقبله؟

هو مظهر من مظاهر صراع بين فصيل ودولة، وسينتهي هذا الصراع عاجلاً أم آجلاً.. سواء بانتصار الدولة أو بالتفاهم أو تغيير استراتيجية الجماعة، وللعلم هو الطبعة الثالثة من إعلام مناهض بدأ عقب العام 1956 بإذاعة ابني أبو الفتح، محمود وأحمد، اللذين كانا صاحبي جريدة المصري، ولما اختلفا مع عبدالناصر، بدآ بقصف إعلامي مستمر للدولة، وتكرر الأمر مرة أخرى مع الممثل عبدالغني قمر، الذي أقام في قبرص وأنشأ إذاعة في عهد الرئيس المصري الأسبق محمد أنور السادات.

اقرأ أيضاً: منابر الإخوان وإعلامهم: فساد الخطابات قبل فساد القنوات
ومع الفارق في الإمكانات الضخمة للقنوات الإخوانية، فهو إعلام خرج بظرف ذاتي وبمجرد انتهائه سينتهي هو معه، ولذا فإننا سنلاحظ التفاعل الداخلي والتصادم والاشتباكات داخل تلك القنوات الممولة قطرياً وتركياً، خاصة أنّ بعضهم صدّق نفسه، وتصور أنّه صاحب قضية، وكلهم يتقاضون أجوراً كبيرة، وأجورهم مرتبطة بظرف استثنائي حين ينتهي سينتهون معه، لكن النهاية لا نستطيع تحديد ميعادها الآن.
هل تتفق مع مَن يدعون إلى أن نتغاضى عن هذا الإعلام؟
لا؛ يجب ألا نتغاضى عنه لأن التجربة أثبتت أنّ تجاهله وعدم كشفه على مستوى العاملين والمنطق والمضمون، جعلت عناصر الجماعة والموالين لها يحتلون به مساحة في الذهنية، ونحن على المستوى النظري سنجد أننا لو أعطيناه اهتماماً زائداً فسنساويه بإعلام الدولة الرسمي؛ هذا صحيح، لكنه عملياً فإنه أثّر بالفعل وكان على وشك إخراج الناس في 20 أيلول (سبتمبر) العام 2019، والنجاح في صناعة فتنة، ولأننا تجاهلناه كان هناك حالة قلق حقيقية على المستوى الرسمي والشعبي، وهذا كان مؤشراً لأن نبدأ ونهتم بتفنيد ما يطرحه.

التنويريون المعاصرون يتخذون نفس منهجية الوصاية التي ينتقدونها، ويريدون فرض وجهة نظرهم على المتلقي مثل التيار السلفي تماماً

أنا على سبيل المثال قبل عامين بدأت ذلك وأنا أعمل في قناة المحور الخاصة، وفوجئت أنّ التلفزيون الرسمي فيما بعد سار على نفس النهج؛ لقد أدركوا ذلك مؤخراً، وبرأيي هناك أكثر من مسار.. إعلام تقليدي، ونيو ميديا، ويجب أن نعترف أنّ الإخوان "أشطر" منا في هذا النوع الأخير، لماذا؟ لأنّ إعلام الدولة جزء من اهتماماته هو التطرف والإرهاب، وأما إعلام الإخوان فكل اهتماماته هو نقد النظام، لذا فهو يترصد الأخطاء ويضخّمها، بل ويصنع أكاذيب عن الشأن الداخلي.. وهناك مشكلة أنّ الإعلاميين الرسميين غير موفّقين في تسويق أنفسهم على السوشيال ميديا ومواقع التواصل، ولو قارنت صفحات كل العاملين العرب بصفحات مذيعين غير محترفين في قنوات الجماعة لوجدت عناصر التنظيم أكثر متابعة، وذلك لأنّهم يركزون جهدهم، ومن هنا كان علينا أن نهتم بنفس الدرجة بذلك.

هناك من يرى أن تفكيك الخطاب الرئيسي والأيديولوجيات والأفكار المؤسسة يمكن أن يقضي على هذا الإعلام ومشروعه، هل تتفق مع ذلك؟
لا بد أنّ نفكك الخطاب، لكن بنفس الدرجة المتن والسند، بمعنى ما قالوه، والأشخاص وتحولاتهم، وبالنسبة لمسألة الأيديولوجيات فهناك قطاع كبير جداً مقتنع بما يطرحون دينياً، لكن الأداء وحده يمثل خطراً عليهم، وجماعة الإخوان بمصر فشلت سياسياً، وخرج الناس ضدها وليس ضد الدين.

اقرأ أيضاً: أزمة الأذرع الإعلامية لتنظيم الإخوان.. خلافات داخلية هيكلية أم تفجير ذاتي لانتهاء مهمته
من هنا أنا أرى أننا يجب أن نبين خطرهم على الهوية الوطنية، وعلى الاستقلال الوطني، وهذا أول الطريق لنجاحنا ضد هؤلاء المتطرفين، أما الدخول معهم في الأفكار التي منبعها ديني فسنجدهم ينتصرون، وهذا خطر لكنه واقع، فأنت حين تفكك الخلافة دينياً تفشل، لكن حين تفككها سياسياً تنجح.. تفكيك الأفكار المؤسسة صعب جداً لأنّ ثمة قطاعاً تستهويه تلك الأفكار الدينية.
على ذكر تفكيك الأفكار أليس ذلك مهمة المؤسسات الدينية؟
بكل تأكيد، لكنها مؤسسات دينية متكلسة، بل ولا أبالغ إذا قلت إنّ خطابها رجعي، لأنّ مَن لا يقدّم ما يقنع الناس ويخدمهم سيخسر كثيراً.. ولاحظ كيف كان الإخوان يعملون اجتماعياً ويسوّقون أنفسهم، وكيف يعيشون في الشارع بين الناس، وكيف كانوا يتكلمون كثيراً في الرقائق، والترغيب والترهيب، حتى لو كانوا غير ملتزمين دينياً، لكنهم كسبوا الناس بهذا الشكل، ومن هنا أنا لا أنحاز لحرب الأفكار المؤسسة، فأنا دوري في الإعلام أن أقول إنّه يكذب.

مشكلة الإعلام الرسمي

البعض يقولون إنّ الإعلام الرسمي غالباً يتخذ موقفاً دفاعياً، وهذا دليل كبير على ضعفه، ما رأيك؟
هذا حق يراد به باطل، لأنّه من الطبيعي أصحاب الحق دائماً يدافعون، ولأنّ معي الحق فأنا في موطن دفاع والباطل يهاجمني.. هو يريد أن يثبت أنه مصيب بنوع من العصبية والصوت المرتفع، ونحن نتكلم بهدوء، على سبيل المثال الدولة حين تقوم بافتتاح مشروعات فإنّه يشكك بصخب.
ما مشكلة إعلام الدولة الرسمي بالضبط؟
المشكلة أنّ الإعلام المعادي ليس قليل الإمكانات، ومدعوم بشكل كبير جداً، أما نحن فمعظم الأموال المدفوعة هي أجور وليست لإنتاج المحتوى، وأنت تعلم أنه على سبيل المثال لدي أكثر من 400 عامل، أنا أستطيع أن أعمل بـ80 فقط، لكن الباقين مفروضون، وهذا ما يستنزف الجهد والميزانية، ومن هنا فالإعلام المصري يحتاج إلى جراحة قاسية، ومنها هيكلة وإبعاد أناس من المشهد لا علاقة لهم بالعملية الإعلامية برمتها.. وأرجو أن نلاحظ تمويلنا طبيعي، وأما تمويلهم فهو مال موجَّه، وهم يراجعون ما حققوه من أهدافهم كل فترة زمنية.
البعض يتهم الإعلام المصري أنّه تراجع في الأعوام الماضية بسبب عدم وجود حرية النقد؟
بكل تأكيد الإعلام يحتاج لمناخ من الحريات، لكن الإعلام الإخواني المدعوم تركياً وقطرياً ليس عنده حرية نقد أيضاً، هو لديه حرية نسبية في نقد الدولة المصرية وفقط، فهو لا يستطيع أن ينتقد أردوغان أو عزمي بشارة وأيمن نور، وأيضاً نحن لدينا حرية نسبية.

ألا تتفق أنّ تأثير الإعلام الإخواني أخذ بالتراجع مؤخراً؟
بالتأكيد، بل إنّ هذا التراجع كبير جداً، والدليل أنّهم دخلوا اختبارات كثيرة وفشلوا فيها، فهم يحشدون مع كل مناسبة دينية ووطنية ويذهب ما يدعون إليه أدراج الرياح، وتبقى الدولة شامخة.. ولاحظ كيف سحبوا (المقاول محمد علي) من المشهد مجبرين لأنّه فشل وأصبح ورقة محروقة، ورغم أنه ليس إخوانياً مثل أيمن نور، ومحمد ناصر، فكلهم ليسوا إخواناً لأنّ الجماعة وأفرادها أصلاً فاشلين في الإعلام، وهم مستمرون لأنهم يتصورون أنهم في معارك منفصلة، قد ينهزمون فيها، لكن هناك حروباً كثيرة لا بد وأن ينتصروا فيها، وأعتقد أنّ التراجع والهزيمة هي حليفهم والإعلام المصري وليس التركي حقق نتائج ملموسة على الأرض وذلك مربوط بالنتائج وليس بالأحلام، وأعتقد أننا كنا في لعبة، لا يحسب فيها النصر بالمراوغة لكن بإحراز أهداف.
بين التنوير وتجديد الخطاب الديني
هل ترى أنّ برامج التنوير الفكرية التلفزيونية قد أدت مهمتها بنجاح أم لا؟

لا أرى نجاحها، أغلبها عبء على التنوير في مصر، لأنها تنتج خطاباً يتجاهل التكوين الثقافي والنفسي، والتنوير في أصله هو التعريف وترك الآخر لكي يتخذ موقفه بنفسه، إنّني أرى أن التنويريين المعاصرين يتخذون نفس المنهجية "السلفية" التي ينتقدونها، ويريدون فرض وجهة نظرهم على المتلقي مثل التيار السلفي تماماً..

اقرأ أيضاً: خطاب الكراهية في الإعلام: اعتبارات الدين والقبيلة والجنس
التنوير أن أشرح لك سيد قطب مثالاً، وأنت هنا تختار وتصل إلى الحقيقة التي لن أفرضها عليك، وأما الخطاب الحالي ففيه نوع من الوصاية، ولا أقصد بالطبع خطاب الفلاسفة الكبار مثل أركون أو شحرور، فهذا في أصله خطاب نخبوي، وهناك بكل تأكيد مساحة فلسفية للنخبوية بخطاب التنوير، وهذا خلل أساسي في المنهجية كما قلت لك، ونحن لا بد أن نكسر القواعد، والتفكيك مطلوب لكن ليس بهذه الطريقة، فأنا لا يشغلني قطع خالد بن الوليد لرأس مالك بن نويرة، فهذا كان في سياق تاريخي، والآخرون يستطيعون الحصول على سردية تاريخية مقابلة وهنا لن تنتهي المشكلة، إلا بدولة مدنية وقوانين حاكمة.

هل نحن إذن امام معضلة بانت في نقاش شيخ الأزهر مع الدكتور الخشت؟
بكل تأكيد ووضوح نعم، نحن أمام معضلة، ومشهد 3 حزيران (يونيو) 2013 بمصر بعد الثورة الشعبية يوضح الصورة، حين خرجت قيادة الجيش وحولها شيخ الأزهر والسلفيون والأنبا تواضروس، في رسالة واضحة أنّ الدين مهم، وأن مصر ليست ضد الدين، لكنها ضد فصيل متطرف يدّعي احتكاره.

إذا كان التراث لا يستحق التجديد كما قال شيخ الأزهر على أي أساس سيكون التجديد؟!

وشيخ الأزهر مخلص فيما يعتقد أنه صحيح، لكنني انتقدته في تعامله مع الآخر، وهذا جعلني أتشاءم لأن طريقته كانت تحط من قدر الآخر، فما بالك بالآخرين، والمحيطون به أخذوا منه نفس هذه الحالة من القوة، لأنّ هناك خلافاً جوهرياً، وهو أنّهم يتصورون أنهم المحافظون وحدهم على الدين التقليدي، وهنا إذا كان التراث لا يستحق التجديد كما قال شيخ الأزهر، على أي أساس سيكون التجديد؟! رغم أنه كان له سياقه وظروف الواقع، والرسول عليه السلام نفسه قام بالتجديد عندما قال مثلاً: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها".
أنا لستُ يائساً وأمتلئ بالأمل، لكن لاحظ مثلاً (الطلاق الشفوي) وكيف واجهه الأزهر، رغم أنّ الظروف الواقعية والسياسية تدعو إليه كما أخذتها بالاعتبار بعض الدول الإسلامية؛ احتكار الحديث في التراث لمؤسسة واحدة مشكلة كبيرة، ومن هنا لن ينفع التجديد بمجموعة أفكار تطبع في كتب، بل حين نرى إمام مسجد في قرية نائية يقف على المنبر ويردد ما ندعو له من التجديد.
هل أصبحت الدولة المصرية في مشكلة حقيقية في تجديد الخطاب الديني لأنه ليس لها مشروع؟
بل لديها مشروع كبير جداً، لكنها لم تفرضه حتى الآن، تقوم عليه ثلاث جهات: الأزهر، والأوقاف، ومجموعة دار الإفتاء، ومجموعة الاتجاه الصوفي بقيادة الشيخ علي جمعة وعمرو خالد والحبيب الجفري.

عمرو خالد...؟!
نعم، في الثلاثة أعوام الأخيرة حدثت له تحولات كبيرة جداً ونقلة في تفكيره، وكل هذه المشاريع تتصارع، وبعضها يأتي على استحياء، والدولة تتدخل أيضاً باستحياء لأنها تنظير للدين؛ هناك نوعان من تجديد الخطاب، واحد مساند للنظام وآخر مناهض متمثلاً بالإسلام السياسي، وأزمة بعض المجددين، أنهم يخلطون الأمر ويقومون بمحاربة الطرف المؤيد، مثل إسلام بحيري الذي قام بمجابهة وتفكيك الخطاب المساند مثل الأزهر.
بالنظر إلى تلك المشاريع، وأيضاً إلى جماعة الإخوان كيف ترى ما وصلنا إليه في هذا الشأن؟
لا ينفع أن يكون هناك تنظيم موازٍ، ولا بد أن تنتهي هذه الحالة مهما كانت التكلفة، وبعد ذلك نقوم بإجراء مراجعات لمن يستحق، لكن لا بد من ملاحظة أنّ عمليات الدمج لها تكلفة كبيرة، ولا بد أن يكون المجتمع مستعداً لها، وهنا سنكسب ليس بنسبة كاملة بل جزئية، لأن بعضهم سيعود للتطرف مرة أخرى.

للمشاركة:

أماني الطويل لـ "حفريات": مصر دخلت حيز الفقر المائي

صورة منى يسري
صحافية وكاتبة مصرية
2020-03-15

أجرت الحوار:  منى يسري


أكدت مديرة البرنامج الأفريقي بمركز الأهرام للدراسات الإستراتيجية، الدكتورة أماني الطويل، إنّ مصر دخلت حيز الفقر المائي، وأنّ حقّ مصر في مياه النيل محميٌّ بموجب الاتفاقيات الدولية، وإنّ إثيوبيا تستخدم عامل التلاعب بالوقت، وتظهر عدم الجدية والالتزام، حتى بعد حضور واشنطن كطرف في المفاوضات.

هناك دعم إسرائيلي لإثيوبيا في نهجها التفاوضي مع مصر والسودان، مثل فرض سياسة الأمر الواقع والتلاعب بعامل الوقت

وأوضحت الطويل أنّ الموقف المصري الأخير كان موفقاً؛ لأنّه يمنع إثيوبيا من المناورة السياسية التي تنتهجها منذ بداية المفاوضات، عام 2014، كما أنّ انسحابها الأخير، أظهر للجانب الأمريكي أنّ الجانبَين؛ المصري والسوداني، على قدر كبير من الجديّة والالتزام.
في هذا الحوار، الذي أجرته "حفريات" مع الدكتورة أماني الطويل، في مكتبها بمؤسسة الأهرام، تجيب عن تساؤلات بشأن مباحثات سدّ النهضة، ومآلات المفاوضات المستمرة منذ ستة أعوام، وتداعياتها على الشأن المصري.

المشكلة ليست فيما يجب أن تطلبه مصر؛ بل في أنّ إثيوبيا ترفض توقيع أيّ اتفاق، وترفض الالتزام بأيّ شيء

هنا نصّ الحوار:
دكتورة أماني: هل من الممكن إطلاعنا على آخر ما توصّلت إليه المباحثات الثلاثية التي تجري في واشنطن بخصوص سدّ النهضة؟

وقعت جلسة المباحثات الأخيرة في التاسع والعشرين من شباط (فبراير)، حول التوقيع على مسودة اتفاق تمّ التوافق عليها بالفعل، وحازت على رضا جميع الأطراف، حتى أنّ وزير الريّ السوداني، ياسر عبّاس، أعلن التوصل لاتفاق، لكن ما هي طبيعة الاتفاق؟ هذا ما يزال مبهماً؛ لأنّ تفاصيل الاتفاق لا تُعلن هنا، ثُمّ أرسل رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، مبعوثاً لكل من القاهرة والخرطوم، قبل 48 ساعة من عقد هذه المباحثات، وأيضاً لم يعلن عن فحوى ما جرى، لكن كان هناك تلميح في الخرطوم إلى تأجيل الجلسة، وليس عدم حضور إثيوبيا، والصحافة السودانية هي من صرحت بذلك، لكن دون الإشارة لمصدر المعلومات، بعد ذلك فوجئ الجميع بحضور مصر والسودان للجلسة، بينما أعلنت إثيوبيا عدم حضورها، موضحة أنّ البلاد رهن ظروف داخلية تحتم المزيد من التشاور، وفي نهاية المباحثات، وقّعت مصر، بالأحرف الأولى، على الاتفاقية، ولم يوقّع السودان بل دعا من خلال وزيرة خارجيته، أسماء عبد الله، إثيوبيا إلى التوقيع، وعليه أصدر وزير الخزانة الأمريكي بياناً قال فيه إنّ الانسحاب الإثيوبي مفاجئ وغير مقبول، موضحاً أنّه لن يتاح لإثيوبيا ملء البحيرة إلّا بعد تحقيق التوافق بين جميع الأطراف، وعليه اجتمع مجلس الوزراء الإثيوبي، معلنين أنّهم سيملؤون البحيرة، شاء من شاء وأبى من أبى، في تحدٍّ واضح للأطراف المتضررة من هذا الحدث، وأنّ الاتفاقية راعت مصالح دولتي المصب، ولم تراعِ مصالح دولة المنبع، وأنّهم سيلتزمون بمبادئ الاتفاق، الذي تمّ توقيعه في آذار (مارس) 2015، معلّقين بالتزامهم التفاوض مع طرفي النزاع.
إذاً، ما هي تداعيات توقيع مصر وحدها وانسحاب السودان؟ وهل يخدم هذا القرار مصالح مصر في تلك المباحثات؟
في رأيي الشخصي؛ الموقف المصري كان احترافياً، والتوقيع أفقد إثيوبيا أيّ هامش للمناورة السياسية، وأوضح الجدية والالتزام، للجانب الأمريكي من قبل مصر؛ لأنّه يعني أنّ مصر التزمت بما تمّ الاتفاق عليه بين جميع الأطراف، وأنّ هذا الاتفاق يرضيها بالفعل، وبالتالي لا مجال لمناورات إثيوبية، لكن مع الأسف هذا الاتفاق لا يلزم إثيوبيا بأيّ شيء، لأنّها لم توقع، لكن أفقدها اختيار المناورة، وأعتقد أنّ هذا كان سبب اللهجة العصبية التي عبّرت عنها إثيوبيا في البيان الذي أصدرته، واتضح تماماً أنّ إستراتيجيتها التلاعب بالوقت، والوصول إلى مرحلة الملء الأول للسدّ دون اتفاق، لكن على إثيوبيا أن تدرك أنّ موقفها قد عكس عدم الجدية للجانب الأمريكي، وهذا الأمر له ما له من العواقب السياسية، وكذلك تأكدت جدية الجانب السوداني باعتباره حليفاً لمصر، وهو ما يعدّ خسارة لإثيوبيا.

اقرأ أيضاً: محادثات سد النهضة: هل ثمّة ضوء في آخر النفق؟
 أصدر وزير الخزانة الأمريكي بياناً قال فيه إنّ الانسحاب الإثيوبي مفاجئ وغير مقبول

وهل ستصل إثيوبيا فعلاً لمرحلة ملء البحيرة؛ ما هي التنبؤات بذلك؟ وكيف نرى الدور الأمريكي كمحرك لموقف إثيوبيا؟
ليست مسألة تنبؤات، لكننا في لحظة يكتنفها عدد من المتغيّرات، هذه المتغيرات ستترتب عليها ردود فعل، ومن ثمّ علينا انتظار ردود الفعل، ونتساءل: هل يمكن أن تتفق الإرادة الأمريكية على موقف وزير الخزانة؟ لأنّ ما ألاحظه أنّ هناك قدراً من التباين بين موقف وزير الخارجية الأمريكي، وموقف وزير الخزانة الأمريكي، إذ أعلن وزير الخارجية قبل أسابيع أنّ الاتفاق ربما ينجز في شهور، وفي هذا إشارة إلى أنّ سقف التوقعات بإنهاء الاتفاق قد انخفض، لكنّ بيان وزير الخزانة يعبّر عن اتجاه آخر؛ فهل هناك اختلاف في الموقف الأمريكي نفسه تجاه إثيوبيا؟ بينما يعرف أنّ هناك علاقة شخصية تجمع وزير الخزانة بالرئيس ترامب، فهل تصريحه هو انعكاس أيضاً لموقف ترامب الشخصي، أمّا باقي الإدارة فلها موقف آخر، وهنا يمكننا القول؛ إنّ التوافق في الموقف الأمريكي تجاه إثيوبيا له تأثير كبير على الاتفاق، ربما سيجبر إثيوبيا على التوقف عن التلاعب بعامل الوقت، والحقيقة أنّ عدم وضوح الموقف الأمريكي يجعل ساحة اللعب مفتوحة، ولا نستطيع التنبؤ بما سيفعله الإثيوبيون.
بما أنّ إثيوبيا أعلنت التزامها باتفاقية 2015؛ فما الذي افتقدته تلك الاتفاقية جعل مصر تجدد المشاورات؟
ما حدث عام 2015، هو اتفاق مبادئ؛ بمعنى أّنّه لم يتم الاتفاق فيه على التزام إثيوبيا بتمرير الحصة المقررة "55 مليار متر مكعب" من مياه النيل إلى مصر،  لكنّها عقدت اتفاقية عامة، لأنّه إعلان مبادئ، كما أوضحت، وليس إعلان محددات، فالإعلان ينص على عدم الإضرار بشكل عام، فلنثبت إذاً عدم الإضرار، وهو ما يجعل الأمر مبهماً، وليس من حكم معين على إثيوبيا، فهو إعلان عام لا يرتقي إلى مستوى الاتفاقية القانونية، ولم يعترف بحقوق مصر المائية، ربما أعطى إثيوبيا ميزة نسبية، وهي الاعتراف الدولي ببناء السدّ، وأعطاها ضمنياً اعترافاً بالسيادة، في أطر عامة أيضاً، لكن ما أعلمه عن اتفاق 2015، كان وجود مساعٍ مصرية آنذاك لوجود اتفاقية ثانية بنصوص واضحة على حفظ الحصة المصرية من المياه، لكنّ الجانب الإثيوبي تعنّت في ذلك، وراهن الجانب المصري حينها على الوقت والاحتواء السياسي، وتقديم منافع لإثيوبيا، ربما تؤثر على موقفها المتعنت، وفي الوقت نفسه أثبتّ أنّ إثيوبيا لديها خطّ إستراتيجي ثابت يتضمن إثبات سيادتها على النهر، وتجميع كلّ نقطة تسقط على أراضيها من المياه، وصولاً لأن تكون دولة قائد مسيطر ومهيمن على مصالح الإقليم، وهذه هي طبيعة المعركة "سياسية وليست مائية".
دخلت مصر حيز الفقر المائي

إذاً؛ كيف يمكننا رؤية طبيعة الدور الإسرائيلي في ملف سدّ النهضة، الذي كثيراً ما تتحدث عنه وسائل الإعلام العالمية؟
الدور الإسرائيلي غير واضح، لكن أكاد أجزم أنّه على الأقل هناك دعم إسرائيلي لإثيوبيا في نهجها التفاوضي مع مصر والسودان، مثل فرض سياسة الأمر الواقع، والتلاعب بعامل الوقت، فهذا منهج إسرائيلي بامتياز، مجرب مسبقاً مع الفلسطينين بعد اتفاقية أوسلو، فالمسألة صارت تفاوض من أجل التفاوض، وهو ما فعله الإثيوبيون، منذ عام 2014 وحتى اليوم، وعبر 21 جولة تفاوض بين الدول الثلاث، و9 جولات تفاوض إضافية بحضور واشنطن، لكن أن نتحدث عن تخطيط إسرائيلي لتفاصيل تتعلق بسد النهضة، فهذه معلومات غير معلنة، ولا نستطيع الخوض فيها.
وما حقيقة إعلان وزارة الريّ تخفيض منسوب مياه النيل بمقدار 5 ملايين متر مكعب؟
هذه كانت إشاعة تداولاتها وسائل الإعلام العالمية، لكن يحدث خفض لمنسوب مياه النيل كل عام، بسبب الفيضان، وهو إجراء طبيعي واعتيادي.
إذاً؛ هل دخلت مصر تحت مظلة الفقر المائي؟ وما هي مظاهر ذلك الفقر بالنسبة إلى المواطنين؟
بالطبع، دخلت مصر حيز الفقر المائي، وقد أعلنت الحكومة ذلك، لأنّ نصيب الفرد من المياه لا يتجاوز الـ 570 متراً مكعباً سنوياً، بينما حدّ الفقر هو الألف متر مكعب في العام، ما يعني أنّ نصيب المواطن المصري، نصف حدّ الفقر، ونرى تبعات ذلك، فهناك بعض المساحات الزراعية لا تمتلك مياهاً، ويتم إحراقها مثلما يحدث في الفيوم، وتمّ التخلي عن مشروع الـ 200 ألف فدان، كما يمكن لمس هذا التأثير من خلال الشوارع، التي خلت من المساحات الخضراء، بسبب نقص المياه، كما أثر في صورة تغير التركيب المحصولي لمصر، وتخليها عن زراعة الأرز وقصب السكر، وهو ما يتسبب بقلق شعبيّ.

حتماً سيؤثر السدّ بمزيد من السلب في الحياة الزراعية؛ كيف ترين ذلك؟
بالطبع، فطبقاً للأنباء المتواترة، فإنّ حصة مصر المائية ستنخفض من 55 مليار متر مكعب سنوياً، إلى 20 ملياراً، وهو تخفيض كبير، إلى الثلث تقريباً في ظلّ هذه الزيادة السكانية، لكن في حقيقة الأمر؛ إنّ الـ 20 ملياراً ستصل إلى 60 ملياراً؛ لأنّنا نعيد تدوير الحصة المائية ثلاث مرات، ما يجعلها ثلاث أضعاف، أمّا الــ 55 ملياراً؛ فكانت تصل إلى 114 ملياراً، والحقيقة أنّنا لم نفقد المياه فقط، بل الاستفادة منها، والحقيقة أنّنا في موقف حرج للغاية.
وهل الخطة التي أعلنتها الحكومة لمواجهة ذلك الفقر كافية للحدّ من آثار هذا الفقر المائي؟
الحكومة أعلنت، على لسان رئيس الوزراء، خطتها لمواجهة الفواقد المائية، وأعلنت كذلك عن اتجاهها لتحلية مياه البحر، وهي إنشاءات مرتفعة التكلفة للغاية، لكنّها مجدية، خاصة بالنسبة إلى المدن الساحلية، وبالتالي ستخصص حصة مياه النيل لصالح مياه الشرب في المقام الأول.
لكن ما هي الحلول التي يجب أن تقترحها مصر على الجانب الإثيوبي للحدّ من كلّ هذا العواقب؟

المشكلة ليست فيما يجب أن تطلبه مصر؛ بل في أنّ إثيوبيا ترفض التوقيع على أيّ اتفاق، وترفض الالتزام بأيّ شيء، معتبرة أنّ ما تجود به لدولتي المصبّ هو من إحسانهم، وليس حقّاً قانونياً محمياً بالاتفاقيات الدولية، فما تمارسه إثيوبيا هو أقرب لـ "البلطجة السياسية"، تعتدي فيها على حقوق دولتي المصب المصانة بالقانون والاتفاقيات الدولية.

وما هو ردّ الفعل المصري على هذا التعنّت؟ وهل يمكنها التصعيد دولياً؟
مصر تتعامل مع الموضوع بحكمة، وتسير فيه، خطوة بخطوة، وتصعّد على قدر فعل الجانب الإثيوبي، ويكفل القانون الدولي لها حقّ التصعيد، لأنّ مياهها حقّ قانوني لا تجود به إثيوبيا.
ما تمارسه إثيوبيا أقرب لـ "البلطجة السياسية"، تعتدي فيها على حقوق دولتي المصب المصانة بالقانون والاتفاقيات الدولية

دعيني أسأل في إطار الموارد المائية لنهر النيل؛ لماذا لم تزد الحصة المائية لنهر النيل منذ الخمسينيات وحتى الآن؟
الموارد المائية الكاملة لنهر النيل، هي 86 مليار متر مكعب فقط، فليس هناك من زيادة إلّا إذا أقيمت مشروعات مائية، وهناك مشروعات كانت موجودة بالفعل، مثل قناة "جونجلي"، كان من المفترض أن تزيد موارد النهر 15 مليار متر مكعب، ويفترض تقسيمها بيننا وبين جنوب السودان، لكنّ الحرب الأهلية في جنوب السودان عطلت المشروع، وهناك مشروعات أخرى يتم اقتراحها، لكن وجود الحروب الأهلية وعدم الاستقرار السياسي في القارة، يحد من هذا التوسع في الموار المائية، وهناك 56 مليار متر مكعب مهدرة في المستنقعات، ولا توجد مشروعات لاستقطابها، بسبب عدم وجود تعاون سياسي بين الدول المسؤولة، وموقف إثيوبيا المتعنت، والصراعات المسلحة في مناطق المشروعات.

ما هي الخطوة القادمة التي يمكن أن تتخذها مصر للتصعيد في هذا الشأن؟
ربما تتحرك مصر نحو مجلس الأمن الدوليّ، كما أنّه يتحتم عليها واجب ممارسة نوع من أنواع التفاعل الإيجابي مع الاتحاد الأفريقي والعواصم الأفريقية المؤثرة في دوائر صناعة القرار، حتى يكون هناك نوع من أنوع الضغط على إثيوبيا، للانصياع لمحددات القانون الدولي.

إذاً، هذا النوع من الضغط السياسي مجدٍ للجانب المصري؟
بالطبع؛ لأنّ فرض عقوبات اقتصادية على أيّة دولة، مهما بلغت من قوة، ليس بالأمر الهيّن، وهذا ما على مصر الانتباه له؛ لأنّ الجانب الإثيوبي يقوم بدعايات إعلامية، ويبالغ في تقديراته لما يمكن أن يجلبه السدّ من طاقة؛ لأنّ السدّ سينتج، بحسب تصريحاتهم، 6 آلاف ميغا وات، وهو ما يشكك فيه الخبراء؛ لأنّ التوربينات التي أقيم السدّ عليها، لا تمتلك القدرة لإنتاج هذا الكمّ الهائل من الطاقة.

للمشاركة:

رئيس الوزراء الأسبق إياد علاوي لـ "حفريات": الإيرانيون يحكمون العراق

2020-03-12

أجرى الحوار:  محمود أمين


أكد رئيس ائتلاف الوطنية، رئيس الوزراء الأسبق، إياد علاوي، أنّ الإيرانيين يحكمون العراق، وقال إنّ تكليف ابن عمّه، محمد توفيق علاوي، برئاسة الحكومة العراقية الجديدة، جاء بـ "إرادة إيرانية وميليشاوية"، مشدداً على أنّ بلاده اليوم تعيش "اللا دولة"، جراء هيمنة الجماعات المسلحة على السلطةِ فيها.
وانتقد إياد علاوي هجوم التيار الصدري على المتظاهرين السلميين، وطالب بتشكيل حكومة منبثقة من الشارع الاحتجاجي. 

هنا نصّ الحوار:

دكتور إياد، لماذا فشل ابن عمكم محمد توفيق في تشكيل الحكومة مؤخراً؟

فشل بحسب المتوقع، لأنّ الأخ محمد جاء بدعم مخالف لما يطمح اليه المتظاهرون منذ أشهر، وهو لم يفهم المعادلة جيداً، ونصحتهُ سابقاً، واليوم أكرّر؛ من يـأبى قبول النصيحة التي لا تكلّفه شيئاً، فسيضطر في الغد إلى شراء الأسف بأغلى سعر، لأنّ من يُقرر أن يخوض معركةً، فينبغي أن ينظر أولاً إلى أخطاء من سبقوه، وألّا يغترّ بشعارات المتحولين قربه.

وهل يمكنك أن تكشف لنا سبب معارضتك لرفيقك في السياسة وابن عمّك، محمد توفيق علاوي، حينما كلف بتشكيل الكابينة الوزارية؟
المعارضة لم تكن شخصية لابن عمي العزيز، بل تمحورت حول سؤال كبير هو: من يحكم العراق الآن؟ بلادنا خاضعة لإرادات إقليمية ودولية، بالإضافة إلى إرادات مسلحين داخل العراق، وفي هذا الجو الملبد بالغيوم السوداء الداكنة؛ هل يستطيع أحد أن ينجو بنفسهِ وينجو بالعراق؟ ومن يأتي بإرادة إيرانية وإرادة ميليشاوية لن يستطع تحقيق رغبات المجتمع العراقي في التقدم والاستقرار، بل سينصاع للإرادة التي جاءت به.

بين حكومتكم عام ٢٠٠٤ وآخر حكومة عراقية راهنة؛ ما التغير الذي شهده العراق؟
شهد العراق بعد حكومتي تراجعاً كبيراً، للأسف الشديد، علماً بأنّ الحكومة التي ترأستها كانت حكومة قوية، والتراجع صبّ في 3 اتجاهات؛ أولاً تراجع في السيادة الوطنية، وثانياً تراجع في الوحدة المجتمعية، وثالثاً تراجع في الأوضاع الاقتصادية؛ هذا ما حصل في العراق طيلة هذه الفترة، المستمرة إلى الآن.

وما التغيير المتوقع للعراق في ظل الحكومة القادمة؟
في العراق عدة عقبات، منها: التدخل الإيراني الواضح في صياغة السياسات العراقية الإستراتيجية، وفي القرار السيادي العراقي، كما أنّ المليشيات المنفلتة هي المسيطرة على الشارع، ويرافق ذلك ضعف في بنيان الدولة، أو بالأحرى نعيش اليوم (اللا دولة)، وهناك مجلس نيابي قائم بشرعية 20% من العراقيين فقط، وحتى هذه النسبة القليلة شهدت عمليات تزوير، هذه أبرز العقبات الكبيرة التي ستواجه الحكومة المقبلة.

في رأيكم؛ ما الحلّ في ظلّ هذا المناخ الملتبس؟
أخبرت الأخ رئيس الجمهورية، برهم صالح، ورئيس الوزراء المستقيل، عادل عبد المهدي، بأنّ الحلّ الوحيد هو الاستماع للجماهير، التي يعبّر عنها المتظاهرون السلميون، واقترحتُ اقتراحاً عملياً على الأخ صالح، بتشكيل حكومة يمثلها ثلاثة أثلاث؛ ثلث من القوى السياسية البريئة من الفساد والدماء، وثلث من المتظاهرين، وثلث آخر من النقابات والاتحادات العمالية، لكنّ القرارات في النهاية دائماً ما تأتي من خارج الحدود، وهنا تكمن الخيبة والبؤس.

لماذا تتم مشاورات اختيار رئيس الكابينة الوزارية بعيداً عن مقترحات الشارع العراقي؟
الشعب العراقي المتظاهر يقتل كلّ يوم على مرأى العالم، وسط سكوت مطبق من الجميع؛ فلماذا يكون البديل الحكومي من خارج الدائرة الشعبية الوطنية النازفة؟ لماذا نحن السياسيين الذين أفسدنا البلاد نأتي مرة أخرى للحكم، ولا يسمح للمتظاهرين باختيار رئيس جديد للحكومة؟ خصوصاً أنّ المتظاهرين طرحوا عدة أسماء لرئاسة الوزراء، لكنّ رئيس الجمهورية لم يلتفت إليهم.
لست متشائماً، بقدر ما أتكلم عن الواقع الحزين.
وكيف تقرأ فعل التيار الصدري الأخير حيال ضرب التظاهرات وأنت، كسياسي، كنت قد تحالفتَ معهم سابقاً في تحالف الإصلاح؟
لم أتحالف مطلقاً، في أيّ يوم من الأيام، مع التيار الصدري، ولم أتحالف مع قوى مسلحة، وزعيم التيار صاحب مواقف مختلفة طيلة الأعوام الماضية، وكلامي لمقتدى الصدر: "ما فعلته لم يصب في مصلحتك ولا في مصلحة العراق".

هل ترى أنّ ثمة إمكانية للحوار بين الشارع والقوى السياسية الحاكمة، أم إنّ منطقة الحوار انتهت؟

منطقة الحوار ذهبت إلى غير رجعة، والقائمون على السلطة العراقية يرفضون فهم ما يجري في البلاد عموماً، والبلاد لا توجد فيها تظاهرات أو احتجاجات وقتية، بل انتفاضة جذرية، ترفض الواقع السياسي، وتريد إنتاج واقع جديد يلبي حاجات المجتمع العراقي الذي سُحق سحقاً حتى العظم؛ لذلك أنا ضدّ تبسيط الأمور الجارية في مختلف المحافظات، وقراءتي تؤكد أنّ هناك انعطافة تاريخية، وأنّ المتظاهرين لن يتراجعوا حتى لو أبيد الشعب عن بكرةِ أبيه، بل هناك تقدم وانضمامات جديدة من مختلف القطاعات الاجتماعية للاحتجاج..
من موقعك كسياسي عراقي؛ ماذا فعلت للمتظاهرين؟
خاطبت الجامعة العربية، وشرحت آفاق الراهن العراقي الاحتجاجي والسياسي معاً، وعملت على ترتيب منفذ للمتظاهرين للجامعة نفسها وللبرلمان الأوروبي؛ فأنا أريد خدمة أبناء شعبي، ولا أبحث عن مواقع ومسؤولية حكومية.

يُقال إنّ المعضلة لدى القادة السياسيين العراقيين وليست لدى المتظاهرين؛ حدّثنا عما يدور في الأروقة السياسية؟

خاطبت الجميع، عدا القادة الميليشاويين، ونبهتهم إلى مخاطر عدم وجود تصور واضح لما يحصل في العراق، فإذا كانوا يعتقدون أنّ هذه التظاهرات تعبر في الطريق الخطأ، ونفيت لهم وجود أيّة مؤامرة خلف التظاهرات بل المؤامرة كانت في إخفاق الحكومة المتعاقبة في تأدية ما عليها إلى هذا الشعب الكريم، ورئيس الجمهورية حاول أن يفعل شيئاً، لكنّ الدستور الخائب لا يعطيهِ الصلاحيات الكافية لاتخاذ قرارات إنقاذية.

في ضوء كلّ هذه المعطيات؛ هل ثمة حلّ سريع الآن؟
يجب أن تنتصر جهة من الجهات؛ إما أن ينتصر الشعب العراقي أو تنتصر الجهات الميليشياوية، والأخيرة لن تنتصر، كما أنّ إيران لن تنتصر على العراق والمنطقة العربية، إلا في حال الاصطفاف الأمريكي ثانيةً معها، كما حصل في عهد الرئيس السابق، باراك أوباما، وهذا إن حصل، لا سامح الله، سيبقى الشعب العراقي يناضل من أجل كرامتهِ واستحقاقاته.

وماذا عن مشكلة الدستور؛ وكيف تُعالَج هذه المشكلة؟ هل تكون بإعادة كتابتهِ أم بتعديله؟
الدستور هو الوثيقة المهمة التي تنظم الحياة، وطريقة السلطة وإدارة البلد، وتنظم الحقوق الأساسية للمواطنة، ويفتقد الدستور العراقي إلى المواطنة، وليس فيه وضوح لكيفية إدارة الدولة، بدليل غياب قانون توزيع الثروات الطبيعية، تفاقم المشاكل بين المركز وإقليم كردستان، ثمة صراع إداري بين العاصمة بغداد وسائر المحافظات الأخرى، كما لا يوجد قانون للنفط والغاز، ومجالس مساندة لمجلس الخدمة الاتحادي، فضلاً عن فقدان الرؤية في صلاحيات الرئاسات الثلاث (الحكومة والرئاسة والبرلمان) وتداخلها.

اقرأ أيضاً: نصر الله يكشف تفاصيل دور سليماني في لبنان والعراق
إنّ إعادة صياغة الدستور باتت ضرورة ملحّة من قبل شخصيات قانونية مختصة، لا من قبل شخصيات سياسية، كما فعلنا نحن عام 2005.
وما آخر ما يود أن يقوله الدكتور إياد علاوي في هذا الحوار القصير؟
ما أريد قوله؛ إنّي سأعيد النظر بعلاقاتي مع جميع الجهات التي لم تقف مع العراقيين وحراكهم السلمي.

للمشاركة:



تحالف دعم الشرعية يعلن حملة عسكرية نوعية ضدّ الحوثيين

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-03-30

شنّت مقاتلات تحالف دعم الشرعية في اليمن، اليوم، عدة غارات على مقار عسكرية تابعة لميليشيات الحوثي في العاصمة صنعاء.

وأعلن التحالف بدء عملية عسكرية نوعية لتدمير أهداف عسكرية مشروعة تتبع للميليشيا الحوثية الإرهابية، وفق ما نقلت وكالات أنباء عالمية.

كما أوضح أنّ العملية تهدف إلى تحييد وتدمير التهديد الباليستي والقدرات النوعية بين أيدي الميليشيات، والتي تهدّد حياة المدنيين.

وأكّد التحالف، في بيان له، استمراره باتخاذ الإجراءات والوسائل الحازمة والصارمة ضدّ انتهاكات الميليشيات المتعمدة باستهداف المدنيين، وشدّد على اتخاذ كافة الإجراءات الوقائية لحماية المدنيين من أي أضرار جانبية.

التحالف أعلن أنّ العملية تهدف إلى تحييد وتدمير التهديد الباليستي والقدرات النوعية لميليشيات الحوثي

يأتي هذا الإجراء بعد أن أطلقت ميليشيات الحوثي صواريخ باليستية، الأول من أمس، باتجاه الرياض وجازان.

وأعلن المتحدث الرسمي باسم قوات تحالف دعم الشرعية في اليمن، العقيد الركن تركي المالكي؛ أنّ قوات الدفاع الجوي الملكي السعودي اعترضت ودمرت صاروخين بالستيين، أطلقتهما الميليشيا الحوثية الإرهابية من صنعاء وصعدة،)، باتجاه الأعيان المدنية والمدنيين بالمملكة.

وأوضح أنّ الصاروخين البالستيين تمّ إطلاقهما باتجاه مدينة الرياض ومدينة جازان، ولا توجد خسائر بالأرواح حتى إصدار هذا البيان، وقد تسبب اعتراض الصاروخين بسقوط بعض الشظايا نتيجة عملية التدمير للصاروخين على بعض الأحياء السكنية بمدينة الرياض ومدينة جازان.

كما بيّن أنّ إطلاق الصواريخ البالستية من قبل الميليشيا الحوثية الإرهابية والحرس الثوري الإيراني في هذا التوقيت يعبّر عن التهديد الحقيقي لهذه الميليشيا الإرهابية والنظام الإيراني الداعم لها؛ حيث إنّ هذا الاعتداء الهمجي لا يستهدف المملكة العربية السعودية ومواطنيها والمقيمين على أراضيها؛ بل يستهدف وحدة العالم وتضامنه، خاصة في هذه الظروف الصعبة والعصيبة والتي يتوحّد فيها العالم أجمع لمحاربة تفشي الوباء العالمي كورونا.

 

للمشاركة:

مساهمة سخية من منصور بن زايد آل نهيان لمواجهة كورونا في بريطانيا

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-03-30

قرر نادي "مانشستر سيتي" بطل الدوري الإنجليزي الممتاز في الموسمين الماضيين، وضع أجزاء من ملعب "الاتحاد" في تصرف هيئة الخدمات الصحية الوطنية في بريطانيا، في إطار مكافحة تفشي فيروس كورونا المستجد، بحسب تقارير صحفية.

 

وسيضع النادي الإنجليزي، الذي يملكه الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، القاعات المخصصة لكبار الشخصيات في مدرجات إستاد الاتحاد، إضافة الى صالات المؤتمرات فيه، في تصرف هيئة الخدمات الصحية الوطنية "لمساعدتها في تدريب الأطباء والممرضين خلال الأزمة"، وفق ما أوردت "سكاي نيوز".

ومن المرجح أن تنتقل الهيئات الطبية إلى الملعب في الأيام القليلة المُقبلة.

نادي "مانشستر سيتي" يقرر وضع ملعب "الاتحاد" في تصرف هيئة الخدمات الصحية الوطنية في بريطانيا

ولم يعلق مان سيتي بشكل مباشر على هذه التقارير، لكنّه نشر، الأول من أمس، أشرطة مصورة لعدد من نجومه، يوجهون من خلالها رسائل دعم لهيئة الخدمات الصحية، المعروفة باسم "إن أتش أس"، ويحثون الناس على البقاء في منازلهم للمساهمة في مكافحة تفشي "كوفيد-19".

ومن هؤلاء اللاعبين: رحيم سترلينغ والبرتغالي، برناردو سيلفا، والفرنسي بنجامان مندي.

وسبق للعديد من اللاعبين والأندية في مختلف الدول إطلاق مبادرات مختلفة وجمع تبرعات لدعم مكافحة فيروس كورونا، في ظلّ توقف المنافسات الرياضية حول العالم بسبب "كوفيد-19".

وأعلنت السلطات الكروية الإنجليزية وقف المنافسات حتى 30 نيسان (أبريل)، على الأقل.

 

 

للمشاركة:

كورونا يجتاح تركيا وحكومة العدالة والتنمية تحاول التكتم..

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-03-30

تجاوزت تركيا الدول الأوروبية، وعلى رأسها إيطاليا، الأعلى في معدلات الإصابة بفيروس كورونا، من حيث سرعة الانتشار اليومي للإصابات، رغم مرور 18 يوماً فقط على إعلانها اكتشاف أول حالة إصابة بالفيروس.

ويشير التقرير المعد بحسب أعداد حالات الإصابة المؤكدة وتواريخ الكشف وحالات الوفاة؛ إلى أنّ اليوم الثامن عشر للوباء في تركيا سجل 1815 حالة إصابة مؤكدة في يوم واحد، ليصبح الإجمالي 9216 حالة إصابة، بينما إيطاليا، الأعلى في معدلات الوفيات حول العالم، وأكثر الدول الأوروبية من حيث عدد المصابين، فقد سجلت في اليوم الثامن عشر 1797 حالة في اليوم، ليصل إجمالي الحالات لديها آنذاك 9161 حالة؛ ما يعني أنّ معدل انتشار الفيروس في تركيا أسرع من إيطاليا.

تركيا تجاوزت الدول الأوروبية في معدلات الإصابة بفيروس كورونا، من حيث سرعة الانتشار

من جهة أخرى؛ شكّك نائب رئيس حزب الشعب الجمهوري المعارض، والي أغابابا، في أرقام الإصابات بفيروس كورونا واتهم حكومة حزب العدالة والتنمية بعدم الشفافية، حيث تحدث عن تضارب بين بيانات بوابة الحكومة الإلكترونية وبيانات وزارة الصحة.

وقال والي أغابابا، في سلسلة تغريدات على تويتر: "توفى 20 شخصا في إسطنبول، نتيجة الإصابة بفيروس كورونا، هذه الأسماء موجودة على موقع بوابة الحكومة الإلكترونية، بسبب الفيروس يموت 20 شخصاً في يوم واحد في مدينة واحدة، وفي نفس الوقت تعلن الحكومة أنّ إجمالي الوفيات في 81 مدينة في اليوم نفسه 16 حالة، هذه فضيحة".

في وقت لاحق؛ ذكر أغابابا أنّه "تمّ حظر الدخول إلى منظومة بيانات المتوفين"، قائلًا: "بعد التغريدة التي نشرتها مباشرة، تم حظر الدخول إلى منظومة معلومات المتوفين على بوابة الحكومة الإلكترونية. للأسف، لم تعد الشفافية التي أكدنا على ضرورتها منذ البداية موجودة، على وزارة الصحة أن تعلن فوراً البيانات الحقيقية للرأي العام".

أغابابا يتهم حكومة العدالة والتنمية بعدم الشفافية، ويؤكد أنّ هناك تضارباً في أعداد المصابين بكورونا

وسجلت تركيا حتى أمس 9 آلاف و217 إصابة، و131 وفاة بفيروس كورونا.

وبعد القفزة الكبيرة في الأرقام خلال الأسبوع الأخير، لجأت تركيا، أول من أمس، إلى عزل المدن عن بعضها، عبر وقف حركة القطارات بين مدنها وتقليل عدد رحلات الطيران الداخلية لمواجهة تفشي فيروس كورونا.

وكان رئيس حزب الشعب الجمهوري المعارض، كمال كيليتشدار أوغلو، قد توقع في حال خروج الأمر عن السيطرة أنّ أعداد المصابين بفيروس كورونا قد تصل إلى مليون مصاب، وأن يسجل الاقتصاد التركي انكماشاً بقيمة 30 نقطة.

 

للمشاركة:



هل يمكن أن أصاب بفيروس كورونا مرتين؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-03-30

بعض المرضى تعافوا من فيروس كوفيد- 19 وكانت كل نتائج الاختبارات التي أجريت لهم سلبية، ولكن في وقت لاحق تحولت نتيجة الاختبار إلى إيجابية. إن عدوى فيروس كورونا تشبه حالات البرد الشائعة والتي تؤدي عادة إلى خلق المناعة لدى المريض، فما الذي يختلف مع هذا الفيروس؟

يعد رجل في السبعينيات من العمر نموذجا مبكرا وصارخا على نوع من التعافي أزعج الأطباء. لقد وضع الشخص في العزل بمستشفى بالعاصمة اليابانية طوكيو في فبراير/ شباط الماضي بعد تشخيص إصابته بفيروس كورونا.

وبحسب هيئة الإذاعة اليابانية NHK فإنه تعافى وعاد إلى ممارسة حياته الطبيعية لدرجة أنه كان يستقل المواصلات العامة. ولكن بعد أيام قليلة مرض ثانية وأصيب بالحمى وعاد إلى المستشفى. وكانت المفاجأة بالنسبة له وللأطباء أن نتيجة تحليله للفيروس جاءت إيجابية ثانية. وهذا الرجل ليس الحالة الوحيدة من هذا النوع في اليابان، فقد حدث ذلك لآخرين ورغم أنهم أقلية، ولكن عددهم يلفت الأنظار، فلماذا يحدث ذلك؟

عودة الفيروس
يقول لويس إنجوانيس، أخصائي الفيروسات في المعهد الإسباني الوطني للتكنولوجيا الحيوية، لبي بي سي إن 14 في المئة من المرضى الذين تعافوا من كوفيد -19 أصيبوا به ثانية. وهو يعتقد أنهم لم يصابوا بالعدوى ثانية، ولكنها حالة "ارتجاع" للفيروس.

ويوضح إنجوانيس قائلا: "رؤيتي من بين رؤى أخرى محتملة، وعموماً فإن الإصابة بهذا الفيروس تخلق المناعة لدى الناس، ولكن رد فعل الجهاز المناعي ليس قويا جدا لدى البعض، فعندما يبطئ رد فعل جهاز المناعة فإن بقايا الفيروس الكامنة في الجسم تعود من جديد". الفيروس يعيش في الجسم وبعض الأنواع يمكنها أن تبقى في الجسم لثلاثة أشهر أو أكثر.

ويقول إنجوانيس: "عندما تتغير نتائج اختبار الفيروس لدى البعض من الإيجاب إلى السلب، فإن ذلك يفترض أنه طور مناعة ضد الفيروس، ولكن البعض منه يظل كامنا في الأنسجة التي لم تتعرض لدفاعات الجسم مثل الأعضاء الأخرى".

وهناك شيء آخر يثير اهتمام العلماء حول كوفيد-19 وهو: المدة القصيرة التي تفصل بين التعافي والتحليل الإيجابي للمريض ثانية.

حيرة العلماء
نعلم أن جهاز المناعة يعمل بشكل مختلف مع مختلف الأمراض. ففي حالة الحصبة يكفي لقاح واحد في الطفولة لمنح الشخص مناعة مدى الحياة. وهناك أمراض أخرى تحتاج إلى جرعات منتظمة مثل الأنفلونزا الشائعة التي يجب أن نأخذ لقاحها سنويا لأن الفيروس متغير.

محاولات للفهم
ولأن كوفيد-19 فيروس جديد فإن العلماء يحاولون فهم ما الذي يفسر قصرالمدة بين الإصابة بالعدوى الأولى والثانية. يقول إيزادورو مارتينيز، الباحث بمعهد كارلوس الثالث الصحي في مدريد، إنه رغم أن الإصابة بعدوى فيروس كورونا مجددا ممكنة، إلا أنه من الغريب أن ذلك يحدث بعد مدة قصيرة من التعافي.

ويضيف مارتينيز: "إذا لم تكن هناك مناعة دائمة، فإنه في الانتشار المقبل للوباء خلال عام أو اثنين، ستصاب مجددا بالعدوى، هذا أمر طبيعي".

وأوضح: "ولكنه أمر نادر الحدوث لشخص أن يصاب بالعدوى من نفس الفيروس عقب شفائه مباشرة منه. كذلك وبحسب معرفتنا، فإن فيروس كورونا هذا لا يتغير كثيرا كفيروس الأنفلونزا".

ارتفاع مؤقت
ويطرح مارتينيز تفسيرا مشابها لإنجوانيس. ويقول مارتينيز: "ربما ما يحدث أن أولئك الذين جاءت نتيجة تحاليلهم إيجابية مجددا لكوفيد-19 بعد التعافي يمرون بارتفاع مفاجئ ومؤقت في العدوى قبل أن تنتهي تماما". ولكن الباحثين يبديان الحذر فيؤكدان على الحاجة لمزيد من الدراسات لفهم كوفيد-19.

وقالت منظمة عموم الصحة الأمريكية PAHO لبي بي سي: "هذا الفيروس جديد ونتعلم عنه الجديد كل يوم"، لذلك ليس من المحتمل توفير شرح مؤكد لحالات الإصابة مجددا بالعدوى. ولكن العلم يحاول الحصول على إجابة لمساعدة الحكومات في تحديد ما هو الإجراء الصحي العام الذي عليها اتخاذه.

عن "بي بي سي"

للمشاركة:

هل يؤسس "كورونا" لتحالفات دولية جديدة؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-03-30

مهدي شحادة

بعيداً عن نظرية "المؤامرة" التي يهوى البعض ترويجها للدلالة من ورائها أن هناك قوة دولية ما اعلنت حرباً جرثومية على اعدائها لأسباب اقتصادية ،

وبمنأى عن مصداقية الاتهامات الموجهة لبعض الدول  وتحميلها مسؤولية  ولادة هذا الفيروس الخطير ،والتي تشير وفق ادعاءات البعض، تارة الى الولايات المتحدة الأميركية ، وتارة أخرى الى الصين ،

وفي ظل عدم بروز أية وثائق  تثبت نظرية "المؤامرة"، فلنقنع انفسنا  مبدئياً بالتفسير العلمي الذي خرج الى العلن مع بداية  وقوع اصابات بالكورونا  في (وهان) ، والتي تقول ان  ما ابتلى به العالم اليوم كان نتيجة تفاعل جرثومي حيواني في الصين، وأنتقل الى الإنسان عبر وسيلة غذائية ، والعالم بأسره يعاني اليوم من هذا الوباء الجديد في نشأته وتداعياته على البشر، وعلى عالم البحث الطبي ، وعلى المشتغلين بقطاع الصحة العامة .

وهذا ما يؤدي بالتالي الى استخلاص ثلاث نتائج لا يمكن التغافل عنها :

النتيجة الأولى هي أن ما من دولة سواء كان نظامها ديكتاتورياً او ليبرالياً أمكن لها التستر على اضرار كورونا في ظل تطور وسائل الاتصالات والمواصلات ، وسرعة ما تنقله وسائط التواصل الاجتماعي العابرة للحدود ولأنظمة "الرقابة" ، والقادرة على خرق أي سرية .

والنتيجة الثانية هي أن  فيروس كورونا أثبت سرعة انتشاره مستفيداً من نظام العولمة  الذي حوّل الكرة الأرضية  الى "قرية كونية" بحيث سهّل  حرية انتقال الأشخاص ، وهذه الحرية سهّلت  بدورها انتشار كورونا من دون حاجته الى الحصول على إذن أو على تأشيرة ، بدليل حدوث الوباء في منطقة محددة من الصين ، وإنتقاله خلال ايام الى العالم اجمع . مما يعني ان الوباء انضم الى طائفة القوى والأدوات العابرة للقارات .

والمفارقة هنا هي ان العولمة بأبعادها السياسية والاقتصادية والثقافية كانت تخدم انظمة رأسمالية دولية ، ويتم توظيفها لخدمة مآرب ومشاريع تصب  بشكل خاص في مصلحتها على حساب الفقراء من دول وشعوب ، ولكن مع فيروس كورونا انتفت أي فروقات طبقية  وسادت ما يمكن تسميته ب "اشتراكية المرض" بحيث لم يبق  الفقير كما الغني بمنأى عن هذا الوباء ، ولم تكن الأنظمة ومن يمثلها في هرمية السلطة  بعيدة عن مخاطره. وبذلك اصبح الوباء عابراً للطبقات الإجتماعية بكل متدرجاتها وتصنيفاتها.

والنتيجة الثالثة هي ان الممارسة البراغماتية الشائعة  نظرياً وعملياً  في العالم اليوم  وجدت لها حيزاً مهماً في كيفية تعامل الدول الكبرى مع تداعيات كورونا وما استدعى ذلك من توظيف مبادرات انسانية وطبية في خدمة غايات استراتيجية ذات ابعاد سياسية واقتصادية  ومالية .

فالمراكز البحثية تتسابق في ما بينها ، ليس لغاية حماية الروح البشرية، بل من اجل اكتشاف دواء أو لقاح يحقق لشركة ما العائدات الوفيرة، على أن تكون السباقة في احتكار سوق شفاء المصابين بعدوى كورونا .

وبعض القوى الدولية المقتدرة لجأت الى إقرار تقديم مساعدات "انسانية" لدول حليفة بالدرجة الأولى ، ولدول أخرى اقل اهمية بالنسبة لها بالدرجة الثانية .

ولهذا التصنيف خلفياته النفعية على المدى الطويل لأن منطلقاته وإن تكن "انسانية" ، إلا أن غاياته ستستثمر في مجالات لها علاقة بالمصالح المشتركة .

وحول هذه النقطة الأخيرة ، وفي خضم سيطرة "كورونا" على مفاصل الحياة بكل تفاصيلها في العالم أجمع، امكن رصد المساعدات التي تقدمها الصين المبتلية بالمرض ، الى دول عدة في العالم المتقدم او العالم النامي. كما امكن رصد ما تفعله ايضاً روسيا في هذا المضمار ، وبالإمكان ايضاً رصد المساعدات المتواضعة الصادرة من دول اوروبية .

وهنا تصبح السياسة البراغماتية مبررة إلى حدٍ ما من منطلق أن التأسيس لبناء منظومة مستقبلية من المصالح تم التسويق لها  آنياً بمبادرات ذات طابع انساني .

ولكن  السياسة البراغماتية التي لا يمكن تبريرها هي تلك التي تنتهجها الولايات المتحدة الأميركية اليوم في ظل الحرب الكونية على كورونا حيث لم تبادر حتى الأن إلى تقديم الدعم لأية جهة خارجية مفضلة الإنكفاء على نفسها  والأهتمام فقط بما يحصل داخل حدودها الجغرافية .

وهذه  السياسة البراغماتية ليست حديثة العهد على الممارسة الأميركية ، ولكنها ازدادت حدة مع وصول دونالد ترامب الى سدة الرئاسة والذي يتعامل مع العالم الأخر بعقلية "التاجر" المسكون بمسعى كيفية تحقيق المزيد من الربح من دون أي اعتبار للوسيلة، وشرط ان لا يقابل هذا الكسب أي التزام تجاه الأخر، لأنه – برأي ترامب وإدارته – من يملك عناصر القوة ويحتل مركز الصدارة  العالمية عسكرياً ومالياً واقتصادياً يحق له أن يفرض على الأخر ما يشاء من غير أن يُفرض عليه أي التزام .

وهنا ، وإزاء هذا الواقع الدولي ، يكون فيروس كورونا هو العامل المستجد الذي سيؤسس بعد القضاء عليه لمنظومات من العلاقات الدولية تختلف كثيراً عما هو سائد اليوم.

فالتعاطي في دوائر القرار الدولية اليوم ليس مع فيروس كورونا كوباء متفشٍ فقط ، بل ايضاً مع ما افرزه اقتصادياً ومالياً  حيث برزت بشكل واضح انعكاسات كورونا على البورصات العالمية ، وعلى شبكة المبادلات التجارية والمالية ، وعلى قطاعات الصناعة بمختلف اوجهها .

وهذا  الواقع ينبىء بإحتمال  بداية ولادة تحالفات جديدة قد لا تكون على قاعدة التبعية أو الولاء للأقوى ، كما هي الحال مع الولايات المتحدة ، كما قد لا تكون على شكل التكتلات  الأقليمية والدولية السائدة بدليل أن ايطاليا بات لديها الكثير من  الملاحظات على عضويتها في منظومة  الأتحاد الأوروبي، وبدليل أن كورونا اعاد إحياء رسم الحدود الجغرافية بين الدول الأوروبية حرصاً من كل دولة على مواطنيها فيما كان الظن ان هذه الحدود لم تعد موجودة إلا كخطوط على خارطة من ورق .

وقد يكون من العسير الأن رصد ملامح الخارطة المستقبلية  للتحالفات الدولية ، ولكن من المؤكد انها ستولد تباعاً لتؤسس لأنماط جديدة على المستويات الاقتصادية والسياسية .

عن "المدن"

للمشاركة:

لماذا تساعد الصين أوروبا في مواجهة وباء كورونا؟

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
2020-03-30

ترجمة: مدني قصري


تُكثّف الحكومة الصينية لفتات التضامن الطبي تجاه أوروبا، التي أصبحت مركزاً لوباء كورونا بعد مدينة ووهان في مقاطعة هوبي الصينية، ويقع هذا الكرم الصيني في قلب عملية علاقات عامة واسعة النطاق، قام بها الرئيس الصيني شي جين بينغ والحزب الشيوعي، لتحويل الانتقادات ضد مسؤوليتهم في انتشار وباء مميت.

أرسلت الصين فريقاً طبياً من 9 أشخاص وحوالي 30 طناً من الإمدادات الطبية إلى إيطاليا

ليس مستبعداً أنّ هذا الموقف من قبل الصين كفاعل خير للبشرية، قد يعطي نتائج، طالما أنّ القادة الأوروبيين اعتادوا على عدم إزعاج الشريك التجاري الثاني للاتحاد، فهل يميل الجمهور الأوروبي، الذي يتحمّل وطأة المعاناة بسبب الوباء إلى تجاهل الأعمال السيئة للسلطات الصينية؟
في ما يبدو وكأنّه إذلال جيوسياسي، ضاعفت أورسولا فون دير لين، رئيسة المفوضية الأوروبية والمدير التنفيذي للاتحاد الأوروبي، الذي يفتخر بأنّه يمثل "أكبر اقتصاد في العالم"، الانحناءات أمام الهدايا الصغيرة من المعدات الطبية الصينية، إذ تقول؛ "تحدثتُ مع رئيس مجلس الدولة الصيني لي كه تشيانغ، الذي أعلن أنّ الصين ستزوّد أوروبا بمليوني قناع جراحي، و200 ألف قناع "N95"، و50 ألف اختبار فحص. في كانون الثاني (يناير)، تبرّع الاتحاد الأوروبي بخمسين طناً من المعدات إلى الصين، واليوم نشكر الصين على مساعدتها، من الجيد مساعدة بعضنا البعض عند الحاجة".

وقد تدخلت الصين عندما عجز الاتحاد الأوروبي عن تقديم مساعدة كبيرة لإيطاليا، ثالث اقتصاد في الاتحاد والتي تضرّرت بشدة من الفيروس، خاصة عندما حظرت ألمانيا، أقوى دولة في الاتحاد الأوروبي، جميع صادرات الأقنعة والقفازات وغيرها من معدات الحماية، لتجنّب الوقوع في حالة نقص.

اقرأ أيضاً: كيف يخوض الجزائريون معركتهم مع كورونا؟
وأرسلت الصين فريقاً طبياً من 9 أشخاص من الصليب الأحمر الصيني إلى إيطاليا وحوالي 30 طناً من الإمدادات الطبية في 12 آذار (مارس) الجاري، وقال رئيس الصليب الأحمر الإيطالي، فرانشيسكو روكا، إنّ الشحنة "كشفت قوة التضامن الدولي"، مضيفاً؛ "في هذه اللحظات من التوتر الشديد والصعوبة الشديدة، تُمثّل هذه الإمدادات مصدر ارتياح كبير لنا. ستكون هذه المساعدة ذات استخدام مؤقت فقط، ولكنّ هذا لا ينتقص شيئاً من أهميتها، الآن نحن بحاجة ماسة إلى الأقنعة، نحن بحاجة إلى أجهزة التنفس. لهذه التبرعات من الصليب الأحمر الصيني للحكومة الإيطالية أهمية لا تُقدّر لبلدنا".
كما أرسلت الصين في الأيام الأخيرة إمدادات طبية لكل من:
اليونان؛ في 21 آذار (مارس) الجاري وصلت طائرة تابعة لشركة إير تشاينا، تحمل 8 أطنان من المعدات الطبية، بما في ذلك 550 ألف قناع جراحي ومعدات حماية مختلفة مثل؛ النظارات والقفازات وأغطية الأحذية، إلى مطار أثينا الدولي، وذكر السفير الصيني لدى اليونان تشانغ تشيو مقولة للفيلسوف أرسطو؛ "من هو الصديق؟ إنّه روح واحدة تعيش في جسدين"، مضيفاً "الأصدقاء الحقيقيون يظهرون في الأوقات الصعبة"، وأنّ "الصين واليونان تقاتلان عن كثب ضد الفيروس التاجي". وخلص تشانغ تشي إلى أنّ هذا "يؤكد مرة أخرى العلاقات والصداقة الممتازة بين الشعبين".

عندما ظهرت الحالات الأولى للفيروس؛ لم يحشد الحزب الشيوعي الصيني موارده التي لا تُعدّ ولا تحصى إلا لإخفاء الحقيقة

صربيا؛ في 21 آذار (مارس) الجاري، أرسلت الصين 6 أطباء وأجهزة تنفس صناعية وأقنعة جراحية إلى صربيا لمساعدة بلغراد على وقف انتشار فيروس كورونا، وقال الرئيس الصربي ألكسندر فوتشيتش "شكراً جزيلاً للرئيس شي جين بينغ والحزب الشيوعي الصيني والشعب الصيني"، كما قال السفير الصيني في بلجراد "تشن بو"؛ إنّ المساعدة دليل ساطع على "الصداقة الحديدية" بين البلدين، وذكرت وكالة الأنباء الصينية "شينغهوا" أنّ "الرئيس شي يُعلّق أهمية كبيرة على تطوير العلاقات الصينية الصربية، ويعتقد أنّ الصداقة طويلة الأمد بين الشعبين ستكتسب المزيد من العمق من خلال القتال المشترك ضد الوباء، كما يأمل الرئيس شي في تعميق الشراكة الإستراتيجية بين البلدين والوصول إلى آفاق جديدة".

إسبانيا؛ في 21 آذار (مارس) الجاري، تبرّع مؤسس ورئيس شركة "Huawei" الصينية لإسبانيا بملايين الأقنعة، التي وصلت إلى مطار سرقسطة شمال شرق إسبانيا في 23 آذار (مارس) الجاري، وسيتم تخزين الأقنعة في مستودع لموزّع الملابس الإسباني "Zara"، الذي سيضع شبكته اللوجستية في خدمة الحكومة الإسبانية، ربما لن يتم عزل هذه الشحنة لأنّ عشرات الموردين الصينيين والمقاولين من شركة "Zara" أشاروا إلى أنّهم يتهيأون لإرسال معدات طبية إلى إسبانيا، وحذّرت الولايات المتحدة الأمريكية إسبانيا من المخاطر الكامنة من فتح شبكات اتصالات الجيل الخامس أمام مزودي تكنولوجيا الهاتف المحمول الصينيين، بما في ذلك هواوي.

تحاول الصين تمرير نفسها كمنقذ لأوروبا من أجل تحسين موقفها على المسرح العالمي وانتزاع القيادة العالمية من أمريكا

جمهورية التشيك؛ في 21 آذار (مارس) الجاري، هبطت طائرة شحن أوكرانية محملة بـ 100 طن من الإمدادات الطبية من الصين، في مطار باردوبيس، وهي مدينة تقع على بعد 100 كيلومتر شرق براغ، وفي 20 آذار (مارس) الجاري، قامت طائرة صينية بتفريغ مليون قناع في جمهورية التشيك، ومن المتوقع أن يتم طلب 5 ملايين جهاز تنفس صناعي و30 مليون قناع و250 ألف بدلة واقية من الصين.
هولندا؛ في 18 آذار (مارس) الجاري، تبرّعت شركة "China Eastern Airlines" و"China Southern Airlines" و"Xiamen Airlines"، وجلهم شركاء "KLM Royal Dutch Airlines"، بـ 20 ألف قناع و50 ألف زوج من القفازات الطبية لصالح شركة KLM، وقد وصلت الشحنة إلى مطار أمستردام شيفول على متن رحلة طيران شيامن. وقال بيتر إلبيرز، الرئيس التنفيذي لشركة KLM؛ "تمرُّ بلادنا ومؤسستنا بأوقات صعبة للغاية، لذلك نحن سعداء جداً بهذا الدعم المقدم لـ KLM وهولندا. قبل أقل من شهرين تبرعت KLM للصين، والآن نتلقى منها مساعدة رائعة وبسخاء".

اقرأ أيضاً: الحب في زمن كورونا: خطوبة آية وباسم "أونلاين"
فرنسا؛ في 18 آذار (مارس) الجاري، أرسلت الصين إلى فرنسا، ثاني أقوى دولة في الاتحاد الأوروبي، مجموعة من الإمدادات الطبية؛ بما في ذلك الأقنعة الواقية والأقنعة الجراحية والبدلات الواقية والقفازات الطبية، وغرّدت السفارة الصينية في فرنسا قائلة؛ "متحدون، سننتصر!". وفي اليوم التالي، أرسلت الصين إلى فرنسا دفعة ثانية من الإمدادات الطبية، وقالت السفارة الصينية على تويتر "الشعب الصيني يقف إلى جانب الشعب الفرنسي، إنّ التضامن والتعاون سيسمحان لنا بالتغلّب على هذا الوباء".
بولندا؛ في 18 آذار (مارس) الجاري، وعدت الحكومة الصينية بإرسال عشرات الآلاف من المواد الواقية و10 آلاف مجموعة فحص فيروس كورونا إلى بولندا، وفي 13 آذار (مارس) الجاري، قامت السفارة الصينية في وارسو برعاية مؤتمر عبر الفيديو؛ تبادل خلاله خبراء من الصين وأوروبا الوسطى معارفهم حول مكافحة الفيروس التاجي، وشكر وزير الخارجية جاسيك تشابوتوفيتش الصين على دعمها في مكافحة الوباء، وشدّد على ضرورة مواصلة التعاون وتبادل الخبرات مع بكين.

 تدخلت الصين عندما عجز الاتحاد الأوروبي عن تقديم مساعدة كبيرة لإيطاليا
بلجيكا؛ في 18 آذار (مارس) الجاري، هبطت طائرة شحن صينية في مطار لييج وعلى متنها مليون ونصف المليون من الأقنعة التي سيتم توزيعها في بلجيكا وفرنسا وسلوفينيا، هذه المعدات الطبية هي هدية من "جاك ما"، مؤسس شركة علي بابا الصينية العملاقة للتجارة الإلكترونية المعروفة باسم "أمازون الصينية".
جمهورية التشيك؛ في 18 آذار (مارس) الجاري، هبطت طائرة في براغ وعلى متنها 150 ألف اختبار لفيروس كورونا، وقد دفعت وزارة الصحة حوالي 450 ألف يورو مقابل 100 ألف اختبار منهم، في حين تم دفع ثمن الـ 50 ألف الآخرين من قبل وزارة الداخلية، وتم تأمين وسائل النقل من قبل وزارة الدفاع.

اقرأ أيضاً: شوارع السعودية خالية بسبب كورونا: الترقب سيد المكان
إسبانيا؛ في 17 آذار (مارس) الجاري، قامت طائرة صينية بتفريغ 500 ألف قناع جراحي في مطار سرقسطة، وقال الرئيس الصيني شي جين بينغ لرئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز؛ "الشمس تشرق دائماً بعد المطر"، مضيفاً أنّ الصداقة بين الصين وإسبانيا ستخرج أقوى من الأزمة، وأنّ العلاقات الثنائية ستتألق بعد المعركة المشتركة ضد الفيروس، وقال شي إنّه بعد الوباء، يتعين على البلدين تكثيف التبادلات والتعاون في مجموعة واسعة من المجالات.
بلجيكا؛ في 16 آذار (مارس) الجاري، وصلت دفعات مختلفة من الإمدادات الطبية المُمولة من مؤسسة "جاك ما" ومؤسسة "علي بابا" إلى مطار لييج للمساعدة في منع فيروس كورونا في بلجيكا.
وقد أوضحت مجلة "Fortune" الدعاية الصينية على النحو التالي:
"بالنسبة للصين، تُعدّ اليد الممدودة إلى أوروبا جزءاً لا يتجزأ من مشروع بناء قيادة دولية تأتي مباشرة بعد سياسة الكتمان التي ساهمت في انتشار الفيروس بعيداً جداً عن الحدود الصينية، حيث سعت حكومة الرئيس شي جين بينغ لإسكات المنتقدين، بمن فيهم الصحفيين والمعلقين عبر الإنترنت، ونشرت أيضاً نظريات المؤامرة حول أصل الفيروس".

ستكون الصين هي التي تكتشف اللقاح الأكثر حيوية لمكافحة الفيروس، وتوزعه في جميع أنحاء العالم

وعلى الصعيد الجيوسياسي، تحاول الصين تمرير نفسها كمنقذ لأوروبا، من أجل تحسين موقفها على المسرح العالمي؛ فهي الآن في حالة تنافس مع إدارة ترامب، إذ تخوض الصين والولايات المتحدة معركة على جميع الجبهات لكسب نفوذ عالمي، وقد طردت بكين أكثر من 12 صحفياً أمريكياً هذا الأسبوع، مع سعيها لصرف الانتباه عن إدارتها للمرض.
وفي مقابلة مع صحيفة الغارديان البريطانية، قالت ناتاشا قسام، وهي دبلوماسية أسترالية سابقة؛ "نرى الآن مسؤولين صينيين ووسائل إعلام رسمية صينية يؤكدون أنّ الصين قد أعطت بقية العالم الوقت للاستعداد لهذا الوباء، لقد علِمنا أنّ آلة الدعاية الصينية كانت قادرة على إعادة كتابة التاريخ في الصين، لكنّنا نجد الآن أنّ إعادة الكتابة هذه تحدث أيضاً في الخارج، لقد تم بالفعل كتابة انتصار الصين على "Covid-19" وتحاول السلطات توصيل الرسالة إلى الخارج.
وفي مقال نشرته صحيفة "Libertad Digital" الإسبانية؛ شرح المُعلّق "Emilio Campmany " الموضوع بذكاء، قائلاً؛ لقد جنّدت الصين كل أجهزتها الدعائية الضخمة، إنّ إيطاليا، التي شعرت بحق أنّ الاتحاد الأوروبي قد تخلى عنها، ممتنة اليوم للمساعدة التي تقدمها لها دول آسيا، لقد ناقشت وسائل الإعلام الإيطالية هذه القضية بشكل مكثف وعلى نطاق واسع.

حقائق العملية الدعائية
تُخفي هذه العملية الدعائية حقائق ذات طبيعة مختلفة؛ فالحقيقة الأولى والأهم هي أنّ هذا الوباء له مُذنب، وأنّ هذا المُذنب هو النظام الصيني، ليس من قبيل نظرية المؤامرة قول ذلك، لقد ثبت أنّ أسواق الحيوانات الحيّة الصينية تُمثّل خطراً وبائياً، كما أنّ النظام الشيوعي للجمهورية الشعبية، الذي لا يمزح أبداً حول أي شيء ويسيطر على جميع جوانب الحياة الصينية، لم يتمكّن من إنهاء خطر هذه السوق. وعندما ظهرت الحالات الأولى؛ أنفق الحزب الشيوعي الفعّال على ما يبدو؛ وقتاً طويلاً للتفاعل مع الأزمة، ولم يحشد موارده التي لا تُعدّ ولا تحصى إلا لإخفاء الحقيقة، وعندما استحال عليه إخفاء الحقيقة، تدخّل بوحشية، وبهذا الثمن نجح في القضاء على الوباء، لكنّ إهماله تَسبّبَ بانتشار الفيروس في العالم كله.

اقرأ أيضاً: الإمارات تكافح فيروس كورونا في سوريا
الحقيقة الثانية هي أنّ الشيوعية ليست أفضل أداة ضد الفيروس، لقد حقّق الذكاء الرأسمالي نتائج أفضل بكثير في دول مثل كوريا الجنوبية، وقد أظهرت كوريا أفضل من الصين؛ كم يمكن لسياسة الفحص الضخمة أنّ تؤتي ثمارها، إنّها أفضل سياسة حتى الآن، ولا يمكن تصديق أنّ الإيطاليين والإسبان أنفقوا وقتاً طويلاً في فهم ذلك، هذه التأخيرات تُفسرها الدعاية الشيوعية أكثر مما يفسره كون أنّ هذه البلدان الأوروبية يحكمها أشخاص غير أكفاء.
ما الذي تستفيده الصين من الوباء؟
تعتزم الصين الاستفادة من هذه الكارثة لانتزاع القيادة العالمية من الولايات المتحدة؛ ستكون الدولة الشيوعية التي تصنع لنا الأدوية الأكثر حيوية لمكافحة الفيروس، وسوف تكتشف اللقاح قبل الجميع وتوزّعه في جميع أنحاء العالم في وقت قياسي، ثم ستشتري أصولنا وتستثمر في بلداننا لإنقاذ اقتصاداتنا، وفي نهاية القصة، ستقول الصين بصوت عال وواضح أنها مُخلصنا.


مصدر الترجمة عن الفرنسية:

https://fr.gatestoneinstitute.org/15791/coronaviru s-chine-propagande

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية