غضب ومشاحنات بذريعة الصيام.. تعرّف إلى "الترمضينة" في المغرب

غضب ومشاحنات بذريعة الصيام.. تعرّف إلى "الترمضينة" في المغرب

مشاهدة

20/04/2021

مع بداية شهر رمضان المبارك، الذي جعله الله شهراً للغفران والتسامح والرحمة وفرصة لتصفية النفوس من خلال مبادرة المتخاصم بالعفو والصفح، تتواتر بعض السلوكيات الفردية التي تنزع إلى العنف والسب والقذف وتبادل الضرب بين بعض الصائمين في المجتمعات العربية والإسلامية، ومنها المجتمع المغربي الذي يُطلق على هذه السلوكيات اسم "الترمضينة".

الترمضينة مصطلح مغربي وظاهرة مجتمعية تشير إلى ممارسات غير مقبولة، لأشخاص سريعي الغضب والانفعال خلال شهر رمضان

ويربط الكثير من الصائمين العديد من السلوكيات المستهجنة بالصيام ويعلّقون على شماعة "الترمضينة" أو الغضب، تصرفاتهم العنيفة تجاه الآخرين سواء في البيت مع بقية أفراد الأسرة، حيث تشتكي العديد من الزوجات في الأسر العربية من عصبية أزواجهن المبالغ فيها في فترة الصيام ومن سرعة نشوب الخلافات بينهم وبين الزوجة والأبناء بسبب مزاجهم السيئ، أو في الشارع حيث تكثر المشاجرات التي تتطور تدريجياً إلى عنف لفظي أو جسدي قد تستعمل فيه الأسلحة البيضاء، كما قد يؤدي إلى جرائم قتل بشعة، لأسباب بسيطة في غالب الأحيان.

وتشاهد هذه السلوكيات طوال نهار رمضان، وتتصاعد قبيل آذان المغرب عندما تتحوّل الشوارع إلى ساحات لتبادل شتى أساليب التهديد والوعيد، ويطلق السائقون العنان لأبواق سياراتهم لتعم الفوضى في الشوارع قبل حلول وقت الإفطار.

النوم والمخدرات

بحسب باحثين في علم الاجتماع، فإنّ الصيام قد يؤثّر على نشاط الإنسان ومردودية عمله، لكن لا يوجد أي رابط بين الصيام ومزاج الغضب الذي يسيطر على الصائم. ويرجع الباحثون سبب الغضب والعصبية التي تعتري البعض خلال شهر رمضان إلى شعور الأغلبية بالانقطاع عن مادة "النيكوتين" الموجود في السجائر والمخدرات والقهوة، والحل - حسب هؤلاء - هو الإقلاع عن تلك المواد تدريجياً ولفترة كافية قبل رمضان حتى لا يتأثر الفرد بنقصها.

ذلك أنّ الغضب والاستثارة عنوان بارز لأصحاب "الترمضينة"، وهذه الحالة، مؤشر قوي على اضطراب مزاجي وسلوكي وأمراض نفسية غير مشخصة، صار شهر رمضان موعد بروزها وتفجّرها.

ويقول أطباء إنّ الإدمان على مواد كالمخدرات والتبغ والكافيين، بالإضافة إلى التحوّل الذي يطرأ على الساعة البيولوجية للإنسان، عاملان يسببان حالة من التوتر والغضب كون خلايا الدماغ تفتقر إلى تلك المواد وقد تكون سبباً في تهيج الصائم ما تنتج عنه حوادث خطيرة.

قد يؤثر الصيام على نشاط الإنسان ومردودية عمله، لكن لا يوجد أي رابط بين الصيام ومزاج الغضب الذي يسيطر على الصائم

وكشفت عدد من الأبحاث والدراسات الطبية أنّ عدم حصول الشخص على كفايته من النوم، قد يؤثر بشكل مباشر على مزاجه خلال النهار، مما يزيد من مستوى التوتر والقلق النفسي لديه.

ويعتبر خبراء الصحة النفسية شهر رمضان هو أفضل فرصة بالنسبة للمدمنين من أجل الإقلاع النهائي عن تدخين السجائر والتوقف عن تعاطي المخدرات، مشددين على ضرورة الحفاظ على دورة النوم العادية، وعدم السهر إلى ساعات متأخرة، لتجنّب الشعور بالتعب والتوتر والغضب أثناء النهار.

حجة لممارسة العنف

ومع تزايد مظاهر العنف بشكل ملحوظ خلال شهر رمضان، بجميع مناطق المغرب وبصورة أكبر في المدن الكبرى، فإنّ عدداً من الباحثين الاجتماعيين يشددون على أنّ ممارسة العنف لا ترتبط بوقت أو شهر محدد، ويؤكدون أنّ المجتمع يشهد مثل تلك السلوكات طيلة أيام العام.

وإضافة إلى الأشخاص سريعي الغضب ومدمني السجائر، يشير علماء الاجتماع إلى أنّ هناك نوعاً ثالثاً من الأشخاص الذين يعلقون تصرفاتهم خلال هذا الشهر على شماعة "الترمضينة"، وهم الأشخاص الذين يحاولون فرض سيطرتهم على الآخرين من خلال القيام بأعمال عنف وترهيب في الشارع العام.

وهو الأمر الذي يتفق معه الباحث المتخصص في علم النفس الاجتماعي، محسن بنزاكور، الذي يرفض ربط ظاهرة "الترمضينة" وما تحمله من سلوكات عنيفة بشهر رمضان، مؤكداً على أنّ هذه الممارسات غير مقبولة ومتنافية مع قيم شهر الصيام.

الإدمان على المخدرات والتبغ والكافيين، بالإضافة إلى التحوّل الذي يطرأ على الساعة البيولوجية للإنسان، عاملان يسببان حالة من التوتر والغضب لدى الصائم

ويؤكد بنزاكور، وفق ما أورد موقع "أصوات مغاربية"، أنّ "الترمضينة وهي مصطلح مغربي وظاهرة مجتمعية وحجة من لا حجة له لتبرير ممارسات غير مقبولة، لأشخاص سريعي الغضب والانفعال والذين ينشرون أجواء غير صحية في الشارع أو داخل منازلهم على مدار العام".

وبصفة عامة، يرى بنزاكور أنّ  ظاهرة "الترمضينة" تحايل على الخلل الحاصل في العلاقة بين الأفراد، خاصة عندما يغيب عنها الصبر وحس التحضّر لتسيطر أفعال عنيفة غير مُبرّرة.

شهر الطمأنينة

ويرفض علماء الدين أي علاقة بين رمضان ومثل هذه السلوكيات العدوانية لبعض الصائمين، مشيرين إلى ضرورة عدم انسياق الصائمين وراء مظاهر وسلوكيات سيئة قد تؤدي بهم إلى الدخول في ملاسنات أو معارك حادة خلال هذا الشهر.

وفي هذا السياق يقول خطيب الجمعة، وعضو المجلس العلمي الإسلامي، محمد الحياني، إنّ بعض السلوكات المشينة خلال شهر رمضان والتي تصنف ضمن خانة "الترمضينة"، تتنافى بشكل تام مع أهداف الصوم، الذي يعتبر بمثابة حصن منيع يقي من الوقوع في مثل تلك الأفعال العنيفة، وفق ما أورد موقع "سكاي نيوز".

يرفض علماء الدين أي علاقة بين رمضان والسلوكيات العدوانية لدى بعض الصائمين، مشيرين إلى ضرورة عدم انسياق الصائمين وراء مظاهر وسلوكيات سيئة

ويضيف الحياني أنّه "انطلاقاً من أحاديث النبي محمد صلى الله عليه وسلم؛ فإنّ الصيام يعتبر وقاية تمنع الصائم من أن يتعرّض أو يُعرّض الآخرين للسب والشتم والخصومة وغيرها من السلوكات التي تنتشر خلال هذا الشهر الفضيل".

ويشدّد خطيب الجمعة على أنّ الصيام الذي يُنمّي لدى الفرد القدرة على التحكّم في الذات ويعتبر بمثابة تهذيب للنفس والسلوك، يجب أن تطغى على أجوائه العامة حالة من الصفاء والنقاء الروحي، حتى يصل الصائمون إلى الطمأنينة والهدوء النفسي، اللذين يقطعان الطريق أمام أي سلوك مشين من شأنه أن يُعكّر صفو شهر الصيام والعبادة.

الصفحة الرئيسية