فتح وحماس وما صنع الحداد في موسكو .. تحدي المسافات الطويلة

4830
عدد القراءات

2019-02-14

حركتا "فتح" و"حماس" تتجولان في موسكو؛ أعني أنّهما في جولة حوارات هناك، وقد مرت أعوام طويلة وهما على الطريق السريع للحوار والتفاوض، وما يزال بينهما ما صنع الحداد من اختلاف في الرؤية والنهج والأفكار وطريقة التفكير، حتى ذهب الطرفان بخلافاتهما كلّ مذهب، ولم تستطع سبعون عاماً من النكبة والظلم والدم والاحتلال، أن تجمع الكلمة أو توحد الصف، وأن تجعلهما تلتقيان على فهم مشترك ورؤية واحدة، لكن المسافة من موسكو إلى فلسطين طويلة جداً، والمسافات الطويلة حتماً ستخلق تشويشاً واضحاً في الرؤية.

لم تستطع سبعون عاماً من النكبة والظلم والدم والاحتلال أن تجمع كلمة حركتي فتح وحماس أو توحد صفهما

"فتح" و"حماس"؛ ليستا مجرد فصيلين، وهما يذهبان دوماً إلى أيّ حوار بهذا الاعتبار الجارف، إنهما دولتان، أو شبه دولتين، بشبه شعبين مختلفين كلّ منهما له قضيته وحربه ومواجهاته، في رأس حماس أفكار سوداء عن فتح، وفي رأس الأخيرة أفكار لا تقل قتامة عن الأخرى، ولو لم يكن هذا صحيحاً وحقيقياً لما امتد الانقسام الذي وصل حد الصراع لأعوام طويلة.

لم يبدأ الانقسام كما يتم التأريخ له بنشوء سلطتين سياسيتين وتنفيذيتين، في صيف عام 2007، في الضفة الغربية وقطاع غزة، إحداهما تحت سيطرة حركة فتح في الضفة الغربية والأخرى تحت سيطرة حركة حماس في قطاع غزة، بعد فوز حماس في الانتخابات التشريعية في مطلع عام 2006، وليس أيضاً من تاريخ أوسلو 1993، إنها أبعد من هذا التاريخ، منذ أن نشأت الحركتان تماماً، لكن الذروة في الانقسام خلقها أوسلو وخلقتها سلطتا 2007 في الضفة والقطاع.

اقرأ أيضاً: حماس تقيد الصحفيين.. ما هو قرارها الجديد؟!

المقلق في حوارات الحركتين؛ أنه دائماً ما يكون هنالك قبول من طرف ورفض من طرف آخر، وشروط من طرف وتحفظات من الآخر، وهكذا يبقى جدل الشروط واللاشروط قائماً وحاسماً في دفع الانقسام إلى الأمام.

في موسكو اليوم؛ تلتقي إلى جانب الطرفين الزعيمين، عشرة فصائل أخرى، لبحث الأوضاع الداخلية، لكن التصريحات تشير إلى أنّ ملف المصالحة ما يزال مغلقاً، وأنّ ما تمّ هو نقاش عام للتحديات، منها التهويد والاستيطان، واللافت عبر مسارات الحوارات البينية أنّ الاستيطان والمصالحة أكبر عقدتين في حبل الوصل بين الطرفين من جهة، وبينهما وبين إسرائيل من جهة أخرى، فالمصالحة عورة الحوارات البينية، والمستوطنات عورة المفاوضات.

اقرأ أيضاً: لماذا رفضت حماس أموال قطر؟

هكذا يمكن فهم هذه الحالة المربكة التي وصلت إليها العملية السلمية، حتى أنّ الإسرائيليين أنفسهم يدركون هذا الأمر، وفي الوعي السياسي الإسرائيلي تجري كثير من النقاشات والحوارات العاصفة حول هذا الشأن، وللمثال التاريخي؛ نذكر ما جرى من نقاش واسع داخل إسرائيل، وعرضته صحيفة "هآرتس"، بنسختها الإنجليزية في 10 نيسان (أبريل) 2001؛ حيث كتبت الصحيفة: (إنّ حكومةً إسرائيلية تقول إنّ هدفها هو التوصل إلى حلّ للنزاع مع الفلسطينيين بالوسائل السلمية، وإنها تحاول حالياً وضع حدّ للعنف والإرهاب، عليها أن تعلن نهاية البناء في المستوطنات).

أيضاً -كمثال من تاريخ المفاوضات- وزير الخارجية الأمريكي، جايمس بيكر، في 22 أيار (مايو) 1991، قال في الكونغرس: "كلّ مرة أذهب فيها إلى إسرائيل للبحث في عملية السلام يواجهني الإعلان عن بناء مستوطنات جديدة، ولا أعتقد أن هناك عقبة أكبر من الأنشطة الاستيطانية والتي لا تفتر، بل تستمر في وتيرة حثيثة".

اليوم موسكو وغداً سيكمل الطرفان جولات عواصم الدنيا بحثاً عن اتفاق مفقود يكرس حالة اللاسلم واللاحرب

إنّ عملية السلام المتعثرة دائماً مرهونة باستمرار بأعمال الاستيطان، لأنّه من جانب فلسطيني يشكل تهديداً خطيراً لفكرة الدولة الفلسطينية لاعتبارات جغرافية، ومن جانب إسرائيلي يشكل تهديداً خطيراً أيضاً لكيان الاحتلال من جهتين (جغرافية وديمغرافية)، وهذا ما يجعل إسرائيل تتمسك بقوة بفكرها الاستيطاني الذي شكل على مدار تاريخ الاحتلال قوة حقيقية دافعة لفكرة قوميتها اليهودية، وللدقة؛ فإنّ كلّ الأحاديث والنقاشات لم تقل بوقف الاستيطان، وإنما كان الحديث دائماً عن تجميده وحسب، وبهذه اللغة تكون عملية السلام دائماً مفخخة، ويؤشر بوضوح إلى أنّ جملة "السلام العادل والشامل والدائم" ليست بالمصداقية التي نتوقعها؛ لأنّ تجميد الاستيطان اليوم وإطلاقة غداً أو بعد غد لا يعني شيئاً.

اقرأ أيضاً: إغلاق مؤسسات حماس الإعلامية: أزمة مالية أم انعكاس لأزمات إقليمية؟

أما عملية بناء دولة فلسطينية فهي مرهونة أولاً بالمصالحة، قبل أي شيء آخر، لا يمكن لمتخاصمين أن ينجحا في تحقيق هدف مشترك، واختلافهما المتنامي والمستمر، يجعل دوماً الظروف مواتية للفشل.

كانت حوارات الطرفين متعددة، ويتم عزفها على أوتار متنوعة عربياً ودولياً، ولنا أن نقرأ أوراق اتفاق مكة، في شباط (فبراير) 2007، أو أوراق حوارات مصر، في أيلول (سبتمبر) 2009، وأوراق حوار دمشق في تشرين الثاني (نوفمبر) 2010، وليس انتهاءً بأوراق حوار القاهرة، الذي أنتج اتفاق مصالحة في 2017.

اليوم موسكو، وغداً سيكمل الطرفان جولات عواصم الدنيا، بحثاً عن اتفاق مفقود، يكرس حالة اللاسلم واللاحرب بين فلسطين والاحتلال، وهي حالة تخدم الكيان الصهيوني أكثر من الارتهان لشروط السلام والتقيد بلوازمه وأحكامه.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



كيف استجابت الحركات السلفية رقمياً في ظلّ الربيع العربي؟

صورة رباب كمال
إعلامية وكاتبة مصرية
2019-08-22

الربيع العربي "Arab Spring" مصطلح صاغه مارك لينش، أستاذ العلوم السياسية بجامعة جورج واشنطن، يوم 6 كانون الثاني (يناير) 2011، من خلال مقال نشر له في مجلة "فورين بولسي"(Foreign Policy)، بعنوان (Obama’s Arab Spring) أو "ربيع أوباما العربي".  ومع صعود تيارات الإسلام السياسي؛ تحوّل المصطلح إعلامياً إلى "خريف الأصولية".

اقرأ أيضاً: المغرب: هل ينجح السلفيون التائبون في مواجهة التطرف؟
ما سُمّي بالربيع العربي كان بيئة مهيّأة لصعود تيارات سلفية، تفرض رؤيتها الشرعية على المجتمعات، لتختزل فيها الديمقراطية في صندوق اقتراع، ما جعل أبسط الحقوق الإنسانية رهن الاستفتاءات التي خاطبت المشاعر الدينية للجماهير.
هكذا تتحول الديمقراطية، وما سُمّي ربيعها العربي، في يد الإسلاميين، إلى آلة لفرض الغلبة والاستقواء الديني، لا حكم الأغلبية المؤسس على عدم المساس بحقوق المواطنة والمساواة الأساسية. 

السلفية المعاصرة في ميزان "الربيع العربي"
يعدُّ "الربيع العربي" منعطفاً تاريخياً في الحالة السلفية المعاصرة، لكن ما هي السلفية المعاصرة تحديداً؟

تتحول الديمقراطية وما سُمّي ربيعها العربي في يد الإسلاميين إلى آلة لفرض الغلبة والاستقواء الديني

يُستخدم مصطلح السلفية المعاصرة بهدف وصف التيارات السلفية في العصر الراهن، وهي تيارات تلتزم منهج السلف من منظورها وتحاول فرضه، وبعض من يستخدمون هذا المصطلح يفعلون ذلك بغرض تمييز السلفية المعاصرة عن منهج السلف الصالح، فيعدّون كلمة "معاصر" مرادفة للتشدد المستجد في الفكر الإسلامي، ويرون أنّ التشدد سمة معاصرة وليست ماضويّة.
شهد "الربيع العربي" تحوّلاً كثيراً من تنظيمات السلفية التقليدية والدعوية إلى العمل السياسي في العالم العربي، فخرج حزب النور السلفي في مصر من رحم الدعوة السلفية في الإسكندرية، كما نشأت أحزاب سلفية أقل انتشاراً في جماهيريتها، مثل: حزب الفضيلة، وحزب الأصالة، وحزب البناء والتنمية، وحزب السلامة والبناء.

اقرأ أيضاً: ما علاقة محنة خلق القرآن بصعود الصحوة السلفية؟
وجاء الانتشار الأوفر لحزب النور؛ كونه حزباً تأسس على خلفية العمل الدعوي والخيري الذي استطاعت الدعوة السلفية السكندرية (المدرسة السلفية فيما بعد) أن تحققه على الأرض من انتشار في كافة المحافظات، وعلى إثره تم بناء قواعد جماهيرية عبر الأعوام.

شهد الربيع العربي تحوّل كثير من تنظيمات السلفية التقليدية والدعوية إلى العمل السياسي

لكنّ الحضور السلفي لم يقتصر على مصر وحدها؛ فسلفيو تونس تظاهروا للمطالبة بضرورة صياغة مادة دستورية تنصّ على أنّ "الإسلام هو المصدر الأساسي للتشريع في تونس"، أما سلفية اليمن ما قبل الثورات، فلقد تشابهت مع السلفية المصرية في تشكيل القواعد الجماهيرية من خلال العمل الدعوي والخيري والمدارس الشرعية، فتميزت السلفية عن كثير من الأحزاب السياسية في تشكيل قاعدة اجتماعية منتشرة وواسعة في أرجاء البلاد.
وأثناء احتجاجات 2011؛ انقسمت السلفية في مواقفها، بين مؤيدين للسلطة يتمسكون بطاعة النظام بوصفه "ولي أمر المسلمين"، مثل؛ الشيخ يحيي بن الحجوري، ومؤيدين للثورة، مثل؛ تيارَي الإحسان والحكمة.
في مصر تبنى بعض السلفيين توجهاً رافضاً لانخراط السلفية في مشروع حزبي، مثل؛ خطاب الشيخ محمد سعيد رسلان، الذي قال: "أين الأحزاب في كتاب الله؟! هو حزب واحد: حزب الله، أتباع صحابة الرسول" ثم استشهد بالآية القرآنية: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بمَا لَديْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [سورة الروم: (32)]؛ فهو رافض للأحزاب بشكل عام، ويرى في التحزب تشبّهاً بالكافرين وافتراءً على الشريعة.

اقرأ أيضاً: لماذا يشعر السلفيون بالتفوق؟
لكن "الربيع العربي" أوحى لكثير من السلفيين بالتفكر في جدوى الخصومة مع السياسة، وجاء الرد من أبرز التيارات السلفية (الدعوة السكندرية) التي انخرطت في العمل الحزبي مع إبداء تحفظات على ديمقراطية مطلقة.
هذا التوجه المتحفظ إزاء الديمقراطية، هو ما يثير الريبة لدى معارضي السلفية من التيار المدني، أو على الأقل التيار غير المتسلف؛ حيث يخشون من ديمقراطية المرة الواحدة، ومن ثمّ إقامة الدولة الثيوقراطية الإسلامية بلا رجعة. 
على اختلاف المنهجية السلفية؛ بين مؤيد للتحزب ورافض له، تشترك السلفيات -على اختلافها- في قضية "أسلمة المجتمع"؛ فيصبح تطبيق الشريعة مطالبات جماهيرية، والغرض من هذه المنهجية هو العمل من قاعدة الهرم إلى أعلاه، كما قال الشيخ البرهامي، نائب رئيس الدعوة السلفية في مصر، في محاضرة ألقاها العام 2006؛ حيث رأى أنّ إقامة "الجماعة" الملتزمة بالفهم الصحيح للإسلام وعقائده وأحكامه هي السبيل للتغيير.
السلفية والثورة الرقمية
دخول السلفية الدعوية معترك السياسة لم يكن النتاج الأوحد للثورات؛ فقد حرّكت الثورات مجموعات شبابية سلفية، سواء دعوية أو حركية، تجاه الإعلام الرقمي، والتي أسماها الباحث المغربي منتصر حمادة "الغزو الإسلامي الحركي للثورة الرقمية"، ورغم أنّه قدّم نموذجاً من بلاده "المغرب"، إلا أنّ تجربة تفاعل الظاهرة الإسلامية الحركية مع الثورة الرقمية على شبكة الإنترنت حالة تواجدت في تونس ومصر، ومن ثم انتشرت في أنحاء البلاد العربية، وانتشرت معها ظاهرة اللجان الإلكترونية، وهي لجان مختصة تشنّ غارات من التبليغات على صفحات ومواقع العلمانيين.

تشترك السلفيات على اختلافها في قضية "أسلمة المجتمع" فيصبح تطبيق الشريعة مطالبات جماهيرية

الدعوة الإسلامية والسلفية وجدت في مطلع الألفية الثالثة مجالاً واسعاً في الإعلام التليفزيوني الفضائي، وانهمرت على المشاهد قنوات دينية سلفية الهوى، فيما عرفت بين مشاهديها بالقنوات الملتزمة، وقدّم فيها مشايخ السلفية برامجهم، وافتقرت العنصر الشبابي في مجملها، أما ظاهرة الدعاة الجدد؛ الذين تميزوا بملابسهم العصرية من بنطال وقميص، فكانوا من خارج التيار السلفي الصريح.
وفي هذا الصدد؛ فتح الإعلام الرقمي المجال أمام سلفية عصرية، ولعلّ أبرزها في مصر حركة "سلفيو كوستا"، ويتألف اسمها من شطرين، أحدهما "سلفيو"؛ نسبة إلى السلف الصالح، والآخر "كوستا"؛ نسبة إلى مقهى غربي شهير وسط القاهرة، وضمّت الحركة 25% من الأقباط في مجلسها، واهتمت بالعمل الخيري والمجتمعي، ويبدو أنّ "سلفيو كوستا" تنظيم حاول جاهداً إضفاء سمة الاعتدال على السلفية.  
لكنّ مربط الفرس؛ هو علاقة الحركة بالحريات وقيم المواطنة، وربما أعلنت الحركة ضرورة تأمين الحرية العقائدية للمسيحيين، لكن لم يختلف الخطاب هنا عن خطاب جماعة الإخوان المسلمين أو حزب النور السلفي، اللذين تعهّدا بالشيء نفسه.

ثورات الربيع العربي حرّكت مجموعات شبابية سلفية سواء دعوية أو حركية تجاه الإعلام الرقمي

لم تُختبر حركة "سلفيو كوستا" في قضايا أقليات عقائدية غير إبراهيمية، مثل قضية البهائية، أو في قضية المساواة بين الجنسين حقيقة، وكان محمد طلبة، أحد أبرز المؤسسين، يتحدث في نموذج احترامهم للمرأة عن السيدة عائشة، رضي الله عنها، زوجة الرسول صلى الله عليه وسلم، فتميّز خطاب الحريات بلغة شاعرية ماضوية تفتقد التعامل مع القضايا المعاصرة أو تتفادها قدر المستطاع. 
لكنّ "سلفيو كوستا" كان حراكاً غريباً عن السلفية، وكان يمثل حالة الاستثناء في انتقاء المفردات الحداثية داخل خطابه، ما جعل خطابه يبتعد عن الأيديولوجيا السلفية في كثير من الأحيان.
انتقد عضو مفتي الجماعة الإسلامية، أسامة حافظ، حركة "سلفيو كوستا"، قائلاً: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾، موضحاً أنّ الحركة لا تلتزم بصحيح المنهج الشرعي في السياسة الشرعية؛ بل تعتمد على الهوى، لكنّ اختيار نموذج الاستثناء "الشكلي" في "سلفيو كوستا" لا يحيد بالدراسة عن الملامح العامة للخطاب السلفي المتفاعل مع الثورة الرقمية.
الأسلمة والاختراق والتقية في الخطاب السلفي التواصلي
اعتمد تفاعل الحركات السلفية على ثلاثة محددات، لا تختلف عن المحددات على أرض الواقع، وهي على النحو الآتي: الأسلمة، والاختراق، والتقية، بحسب ما جاء في دراسة بعنوان "الغزو الإسلامي الحركي للثورة الرقمية، نموذج الإسلاميين المغاربة"، لمنتصر حمادة، ص 11 و15.
أولاً: الأسلمة
القاسم المشترك بين التنظيمات السلفية بشكل خاص والإسلامية بشكل عام، هي النهل من مرجعية إسلامية، بهدف أسلمة الدولة والمجتمع والتعليم، وتختلف السلفيات في مسار مشروع الأسلمة، فبعض السلفيات ترى أنّ ذلك يتحقّق بالانقلاب الفوري، وبعضها يميل إلى التمهّل والتدرّج، وبعض السلفيات ترى ضرورة التحالف مع فرقاء سياسيين كمرحلة أولية قبل الانقلاب عليهم بهدف تفعيل مشروع التمكين.
ثانياً: الاختراق
أي اختراق جميع الطبقات المجتمعية، العليا والمتوسطة والكادحة، واختراق مؤسسات الدولة رويداً رويداً، وتفعيل قاعدة ملء المكان الشاغر في شتى القطاعات، واختراق مؤسسات المجتمع المدني وتأسيس منظمات أهلية إسلامية الطابع، وهذا يذكرنا بما جاء في كتاب "نقد الخطاب الديني" للدكتور نصر حامد أبو زيد، حين تطرق لأزمة المجتمع المدني في ظل سيطرة الإسلاميين وتراجع القوى المدنية عن اتخاذ مواقف واضحة.
ثالثاً: التقية
الفاعل الأساسي في خطاب السلفية هو التقية؛ التي ينصلح بها المجتمع كلّما تمسك بمنهج السلف الصالح، وانتقلت التقية من العمل الحركي إلى الفضاء الرقمي، وفي حقيقة الأمر؛ يعدّ الفضاء الرقمي عملاً حركياً.
سلفنة الإنترنت
تنافست التيارات الإسلامية، على اختلاف منهجياتها، للسيطرة على الفضاء الرقمي فيما بينها، وتنافست مع المؤسسات الدينية الحكومية، مثل الأزهر، فانتشرت المواقع السلفية التي تنافس الأزهر في فتاواه.

حسب دراسة لمنتصر حمادة تفاعل الحركات السلفية رقمياً وفق ثلاثة محددات: الأسلمة والاختراق والتقية

لربما تبلورت ظاهرة سلفنة الإنترنت مع موجة الثورات، العام 2011، لكنّ نواتها كانت ظاهرة من قبل الثورة، وهو ما رصده الكاتب مصطفى شفيق علام، في مقال بعنوان "سلفنة الإنترنت، السلفية وتجليات التمدد بالفضاء الرقمي"، ويقول فيه: إنّ الاتجاهات السلفية، على اختلافها، استخدمت الإنترنت كوسيلة للفريضة الدعوية، وضرورة يحتمها الواقع، بل وعدّته باباً من أبواب الجهاد بالكلمة، ودرباً من دروب الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، مثل موقع شبكة "سحاب" السلفية، "أنا السلفي"، إضافة إلى مواقع إحياء تراث شيوخ التيار السلفي، مثل موقع ابن باز والشيخ الألباني، ...إلخ.
وكذلك التنظيمات الحركية السياسية قامت بتطويع الثورة الرقمية في نشر خطابها السياسي، بينما تجلّى الاستخدام الأخطر للثورة الرقمية على يد الجهاديين، خاصة تنظيم داعش، الذي تفنن في إخراج أفلام وثائقية قصيرة عن عملياته بتقنيات حديثة أشبه بأفلام الحركة الأمريكية، ليبثّها عبر مواقعه الرسمية التي بات يغرد من خلالها على قطع الرؤوس وحرق الأسرى.

للمشاركة:

ابن سينا.. أفكار كبيرة رغم التكفير والإقصاء!

صورة أحمد الديباوي
باحث في الفكر الإسلامي
2019-08-22

في آب (أغسطس) من كلّ عام، يحتفل محرِّك البحث العالمي (جوجل) بالفيلسوف الطبيب، أبي علي الحسين بن عبد الله، الشهير بالشيخ الرئيس ابن سينا، الذي تحلّ في هذا الشهر ذكرى ميلاده الـ1039، إذْ وُلِد عام 370هـ/ 980م في قرية أفشنة، بالقرب من بخارى (أوزبكستان حالياً)، وتوفّي في همدان (إيران حالياً) عام 427هـ/ 1037م، وقبره معروف بها.

نبوغه في الطبّ والرياضيات والكيمياء والمنطق والموسيقى لا تقل بحال عن شهرته في الفلسفة

لا يأتي هذا الاحتفاء بهذا الفيلسوف المسلم، المعروف في الغرب باسمه اللاتيني "Avicenna"، من فراغ؛ خصوصاً مع وجود آلاف الفلاسفة والأطباء والعلماء ذوي التخصصات المختلِفة حول العالم، لكنّ ابن سينا لم يكن صاحب اختصاص واحد؛ بل كان موسوعياً، فشهرته ونبوغه في الطبّ والرياضيات والكيمياء والمنطق والموسيقى، لا تقل بحال عن شهرته في الفلسفة؛ لذلك لا غرو في أن تتصدّر صورة متخيَّلة له القاعة الرئيسة بكلية الطبّ في باريس، ما يعني أنه كان الأكثر تأثيراً في مجال الطبّ، ولاسيما أنّ كتابه العظيم "القانون في الطبّ" كان  يمثّل النص الطبي المعتَمد في العالم الإسلامي وأوروبا، لأكثر من ستة قرون، فانتشر في أوروبا بشكل واسع، واعتمده الأوربيون بعد ترجمات متعددة له ليكون معياراً لصناعة الطبّ لديهم، ولا أدلّ على ذلك من أنّه، في شهر آذار (مارس) الماضي؛ اكتُشِفت ترجمة أيرلندية، تُعدّ الأولى، لهذا الكتاب، ما يؤكّد أهميته كمرجع طبي تعليمي لم تقلّ شهرته في أوروبا عن شهرة الكتاب المقدَّس.
مؤلَّفات ابن سينا وفلسفته
وصلنا من مؤلَّفات ابن سينا ٢٤٠ كتاباً، لكن ما يزال كثير منها مخطوطاً حتى الآن في مكتبة إسطنبول بتركيا، أما العدد الذي أورده الأب جورج شحاتة قنواتي في اللائحة التي جمعها لمؤلفاته، والذي يبلغ ٢٧٦ مصنفاً، فقد ضمّ تلك النصوص المشكوك في نسبتها إلى الشيخ الرئيس، وكذا بعض التصنيفات المنحولة عليه، وفي هذا إشارة إلى اشتهاره كعالم موسوعي يقبل بنشاط على التأليف والدراسة، رغم أنّ حياته القصيرة نسبياً (57 عاماً) حفلت بممارسة السياسة، والاحتكاك بالأمراء ورجالات الدولة احتكاكاً لا يخلو من تبادل المصالح والاضطراب في الوقت نفسه، حتى أنّه سُجن في قلعة (فردقان/ فرجان) لمدة أربعة أشهر، أنجز فيها كتابه "القانون"، وحرّر رسالته "حي بن يقظان"، وهي غير رسالة ابن طفيل التي تحمل الاسم نفسه، وبعد خروجه يلجأ إلى علاء الدين أمير أصبهان، فيلازمه ثلاثة عشر عاماً حتى وفاته.

كتابه "القانون في الطبّ" مثّل النص الطبي المعتَمد في العالم الإسلامي وأوروبا لأكثر من 6 قرون

لم يعتمد ابن سينا في مجال الفلسفة على مذهب واحد من مذاهب الفلسفة اليونانية، فلم يكن مشّائياً تابعاً لأرسطو فقط؛ بل بنى فلسفته متكئاً على مزيج من مذاهب اليونان الفلسفية، كالأفلاطونية والأفلاطونية المحدثة، كما أفاد من المدارس الهندية والفارسية القديمة، فجاء مذهبه الفلسفي خليطاً شاملاً لأكثر من رأي، ولأكثر من مذهب، وإن لم يخلُ بالطبع من التلفيق!
لم يتقيّد ابن سينا، إذاً، بآراء أرسطو وحده، بل لم يتقيد بآراء أحد من الفلاسفة الذين سبقوه، فقد كان صاحب استقلال في الرأي، وهو أمر لم يلتفت إليه كثير من الأساتذة والباحثين؛ لذلك قال جورج طرابيشي، في معجم الفلاسفة  (ص 27)، وهو يتحدث عن ابن سينا: "لم يحظَ على الدوام بمَن يفهمه؛ فقد بذل الشهرستاني في مفتتح القرن الثاني عشر، والغزالي في مختتم القرن الحادي عشر، مثلاً، قصاراهما للحدّ من تأثير ابن سينا، بل للقضاء عليه، طاعنين في أرسطوطاليسيته، التي أُسيء فهمها، ولم يفلح دفاع نصير الدين الطوسي، ومرافعات ابن رشد وتلاميذه، في التخفيف من أثر هجمات الغزالي"!
الأسباب الحقيقية لتكفيره والتشنيع عليه
بالتأكيد؛ كان أصله الفارسي واعتناقه المذهب الإسماعيلي، أحد أسباب نقمة كثير من الفقهاء وعلماء الكلام الأشاعرة عليه، والطعن في دينه وأخلاقه، فاتُّهم بالإلحاد والكُفر، خصوصاً من ابن تيمية والغزالي، فهما -وغيرهما من مكفّريه- لم ينتقدوا فلسفته فقط، ولم يختلفوا مع بضع مسائل منها، لكنهم كانوا ينظرون إليه على أنّه أحد أعلام الإسماعيليين الزنادقة الذين يكيدون للإسلام وأصوله، وبثّ الفلسفات الوثنية القديمة في الفكر الإسلامي، وكأنهم لم يقرؤوا قوله: "..كلّما كنتُ أتحيَّر في مسألة ولم أكن أظفر بالحدِّ الأوسط في قياسٍ تردَّدْتُ إلى الجامع، وصلَّيْتُ وابتهلتُ إلى مبدع الكل، حتى فتح لي المنغلق، وتيسَّر المتعسِّر".

اقرأ أيضاً: 10 محطات في حياة ابن سينا الذي كفّره الغزالي
وبذلك كان سوء الفهم والمذهبية عاملين رئيسين في تكفيره والتشنيع عليه ورميه بالزندقة والفجور، وهي اتهامات لمّا تزل متداولة حتى الآن، خصوصاً من جانب التيارات السلفية والإسلاموية، ولعلّ هذا يفسّر سبب وجود أكثر مصنفاته مخطوطة لا منشورة، فضلاً عن اختفاء أكثرها.
جذور تقدمية في فِكره
يحمل كتابه "الشفاء"؛ الذي حرّره أثناء إقامته بأصفهان، جذوراً تقدمية خصوصاً على المستوى السوسيولوجي، ففيه "يعرض ابن سينا أفكاراً في العمل، وفي التعطُّل، وفي قضية حرية المرأة، وهي كلّها أفكار كان لا بدّ من أن يتصرم ألفاً من السنين حتى يقبل بها غالبية الناس!"، على حدّ قول جورج طرابيشي في معجمه، وقد ناقش في كتابه هذا وجوب تأمين الدولة العمل للكلّ، أو إعانتهم على الحياة، وهو ما يسمى اليوم "إعانة بطالة"، كما أنه نبّه إلى وجوب تحمل الدولة أعباء إعانة أصحاب الإعاقات الجسدية، كما تكلم في هذا الكتاب عن قضية حرية المرأة، وفلسفتي العدل والسعادة.

اقرأ أيضاً: الحلاج: تصادمَ مع السلطتين الدينية والسياسية فتوضأ بدمه
كما كان ابن سينا بارعاً في الموسيقى، فكان أول من علَّل كيفية حدوث الأنغام الغليظة المنخفضة والأنغام الرفيعة العالية، وأول من تحدَّث عن السُلَّم الملوَّن المكوّن من أنصاف نغماتٍ متتالية، وأول من تحدَّث عن الفواصل الموسيقية المتحدة، وللأسف، فإن كتابه "المدخل إلى صنعة الموسيقى" مفقود، ولم نعرف آراءه في الموسيقى سوى من كتابه "الشفاء"، كما تنبّه فيلسوفنا إلى أثر الموسيقى النفسي في علاج الأمراض، وكذا في التعليم.

للمشاركة:

الأساطير المُؤسّسة للسرديّة الجهادية

2019-08-21

في ذهنية كلّ جهادي تقع عملية شحن عقائدي متدرجة وكثيفة، تفسّر لنا كلّ هذا الإقبال على الموت، لا يمكن أن نفهم عملية "الانتحار" التي هي في عُرفهم "شهادة"، عبر ركوب السيارات المفخخة، أو ارتداء الأحزمة الناسفة، أو غيرها من ضروب الانتحار، من أجل عقيدة "الجماعة"، إلا بالبحث عن الأصول المولّدة للعنف ذاتها وحوافزها.
هذه المقالة تكشف ما أسميه "الأساطير المؤسسة للسرديّة الجهادية".

البحث في الجذور التاريخية لمقولة المَظْلُوميّة يعيد إلى هزيمة الأندلس والحروب الصليبية أو ربّما إلى ما قبلها

السؤال الأساسي الذي تدور حوله المقالة: هو البحث عن المحفزات الأساسية للفعل الجهادي، الذي هو فعل يتراكم زمنياً ومضمونياً عن طريق مجموعة أوهام أو أساطير، تتحول في ذهنية الجهادي إلى حقائق مطلقة، ومنها نفهم كلّ هذا الإقبال على الموت، وكلّ هذا البحث الغريب عن "الشهادة".
الأمر لا يتعلق بمجرد وُعود أُخروية بجنّة "عرضها السموات والأرض"، وبـ "حور عين"، فقط على أهمية الوعد الأخروي، ولكنّها ترتبط بتأثيث سياقي تعبوي لذهنية الجهادي وإقناعه بأن يُقاتل، أو أن يُفجّر نفسه من أجل "نصرة الأمة" و"غلبة الإسلام" على ما دونه.

سأحاول التطرق إلى الموضوع من خلال خُلاصات دراساتي العديدة، وكتابيَّ حول الظاهرة الجهادية: الأول كان تحت عنوان "تحت راية العقاب: سلفيون جهاديون تونسيون"، الذي صدر عام 2015، والثاني كان تحت عنوان "كنتُ في الرقّة: هارب من الدولة الإسلامية" الذي صدر عام 2017.

اقرأ أيضاً: عودة الجهاديين الفرنسيين: هل ينتصر القانون أم الرأي العام؟
كلا الكتابين يتبعان مسارات وقصص الجهاديين، من خلال هذه المسارات سنحاول البحث عن تشكّل هذه الأوهام والأساطير، التي تحوّلت إلى يقينيات، والتي أسّست للسرديّة الجهادية.
طبعاً يحتاج استعمال مصطلح "الجهادية" في التعاطي مع الظاهرة إلى تبريرات وحُجج تفسّر سبب الاعتماد عليه دون غيره من المصطلحات التي تُوَصّفُ الظاهرة. الأمر في نظري يتطلب نقاشاً طويلاً، ربما ليس هنا مجاله، ولكن يستلزم تحديدات لا بدّ منها.
إشكالية المصطلح
بداية؛ من المهم القول إنّنا أمام ظاهرة معقدة ومركبة، وهو ما أدّى إلى اختلاف اصطلاحي حقيقي، حول إطلاق مصطلح يكون جامعاً وشاملاً لها؛ نحن أمام تعدّد اصطلاحي في تسمية الظاهرة؛ فنحن نسميها إرهاباً، والأكيد أنّها كذلك، ونحن نسمّيها أصولية، وهي بالتأكيد كذلك، مع إقرارنا بأنّ ليس كلّ الأصوليات مُؤدية الى العنف؛ فهناك جماعات أصولية كثيرة في العالم، دينية وعرقية، لا تستعمل العنف.
من المهم التحديد أنّه عندما يتعلق الأمر بمفهوم العنف؛ فإنّنا نعني هنا العنف المادي المسلح دون غيره؛ لأنّ مفهوم العنف بحدّ ذاته واسع ويحتمل تأويلات عدّة، فهناك العنف المعنوي، كما هناك العنف اللفظي والعنف الرمزي، وغيرهما من أشكال العنف.

لا يمكن فهم الشحن العقائدي، والإقبال على الموت والانتحار، دون الأخذ بعين الاعتبار الأساطير المؤسسة للسردية الجهادية

فضلاً عن تسميات الإرهاب، الأصولية، هناك من يطلق على الظاهرة التطرف العنيف، وهي التسمية التي أصبحت تُطلق على الظاهرة من قبل المنظمات الدولية؛ كالأمم المتحدة، ومنظمة اليونسكو، وغيرهما من منظمات المجتمع المدني.
كما يطلق على الظاهرة أيضاً مصطلح راديكالية، ويطلق عليها تاريخياً أيضاً، اختصاراً، الإسلامية "islamisme"، وفاعلوها "les islamistes".
لكلّ هذه الاصطلاحات سياقاتها ومنازل استعمالاتها؛ ففي الإعلام نجنحُ إلى استعمال مصطلح الإرهاب كمصطلح يُعبّر عن الظاهرة، تُشرّع المعاني السلبية لهذا المصطلح للانخراط في "الحرب" على الظاهرة، باعتبارها تُهدّد الدولة والسلم الاجتماعي معاً.
رغم أنّنا نتحدث في هذه المقالة على الإرهاب بشكل مخصوص، وهو إرهاب الجماعات الإسلامية، فإنّه من المهم القول إنّ مصطلح الإرهاب، وعلى الأقل نظرياً لا يرتبط بدين معين، فبعض الجماعات الدينية الأخرى من غير الإسلامية، استعملت العنف في مراحل دينية سابقة ولاحقة من التاريخ، كما أنّ هناك دولاً، ولمصالحها الاقتصادية والسياسية، تستعمل واستعملت الإرهاب، وهو الذي دُرج على استعماله من قبل الباحثين والمفكرين "بإرهاب الدول".
من بين هذه المصطلحات المُتعدّدة للظاهرة نفسها، والتي يمكن أن نحدّدها هنا، وهي استعمال العنف من قبل الجماعات الإسلامية المتطرفة.

اقرأ أيضاً: ماذا يحمل تنامي دور النساء في صفوف حركة الشباب الجهادية؟
أميل لاستعمال مصطلح "الجهادية" أو التنظيمات الجهادية في تُوصيف هذه الجماعات، وذلك لعدّة أسباب، من بينها: أنّ "المصطلح أقرب للتوصيف الواقعي فنحن أمام تنظيمات تتخذ من مقولة "الجهاد" عنواناً رئيساً لأعمالها العنيفة؛ بل إنّ مقولة الجهاد هي مقولة رئيسة ومركزية في أدبيات هذه الجماعات.
تاريخ الجماعات الإسلامية هو تاريخ مستمرّ لاستعمال هذا المصطلح، يمكن أن نُعدّد تاريخ منظمات عديدة استعانت بالمصطلح كعنوان رئيس في تسمياتها من قبيل "قاعدة الجهاد" التي أسّسها أسامة بن لادن، عام 1988، وتنظيم "التوحيد والجهاد" الذي أسّسه أبو مصعب الزرقاوي، عام 2003، ثمّ حوّله فيما بعد إلى تنظيم "قاعدة الجهاد ببلاد الرافدين".
تحوّل مصطلح الجهاد عبر الزمن لعنوان جامع لتسميات العشرات من التنظيمات الجهادية الأخرى في العالم.

اقرأ أيضاً: شجرة الجهاد: التاريخ العائليّ للتنظيمات المتطرفة في مصر
لا يتعلق الأمر بتسميات المنظمات والجماعات فقط؛ بل في أنّه يمثل المفهوم المركزي الذي يتخذه مُنظرو هذه الجماعات في أعمالهم وكتاباتهم، من قبيل أبي محمد المقدسي، عبر كتاباته المتعددة، ومنبره "التوحيد والجهاد"، مروراً بأبي مصعب السوري، وأبي قتادة الفلسطيني، وكتابه "الجهاد والاجتهاد"، وانتهاءً بمنظري تنظيم الدولة الإسلامية، أو داعش، من قبيل: أبي بكر ناجي، وتركي البنعلي، وغيرهما.
طبعاً هناك تحفّظ من قبل البعض على إضفاء الشرعية على أفعال هذه المنظمات في حالة استعمال مصطلح الجهاد أو الجهادية، الأمر نفسه ينطبق على استعمال مصطلحات من قبيل "الدولة الإسلامية" مثلاً، أو "الحركات الإسلامية" التي تطلقها هذه الجماعات على نفسها، وهي اعتراضات -في نظري- عاطفية أكثر منها تستند إلى فهم لجوهر الظاهرة وطبيعتها.

اقرأ أيضاً: من هو الجهادي الفرنسي؟ .. هذه الدراسة تجيبك
يطول الحديث في الحقيقة حول إشكالية المصطلح على أهميتها، وسأكتفي بأنّ العديد من المختصين في مراكز الأبحاث في أوروبا والولايات المتحدة، تستعمل مصطلح الجهادية كمصطلح تعدّه الأقرب إلى العلمية في التعبير عن الظاهرة.

في المنهج والتبريرات المُخاتلة

أهمية التدقيق في المسألة الاصطلاحية تتنزل في إطار الفهم الأكثر علمية للظاهرة، بعيداً عن التفسيرات والتبريرات العاطفية، وفي هذا السياق؛ يجنح العديد من الباحثين من ذوي النزعة التبريرية الاعتذارية، وأحياناً من خلفيات سياسية، إلى القول: إنّ الأمر لا علاقة له "بالجهاد" كمصطلح ثقافي وحضاري، بالتالي؛ يَرُدُّون أصول العنف الجهادي إلى أسباب اقتصادية، من قبيل الفقر، أو اجتماعية؛ من قبيل التهميش والحُقْرة، أو سياسية؛ من قبيل القمع.
في هذا الباب بالذات تتنزل أهمية هذا المبحث، أي "السرديّة الجهادية"، وأصولها، والبحث عن حوافزها؛ هل يتعلق الأمر بمجرد دوافع اقتصادية واجتماعية وسياسة على أهميتها، أم أنّ الأمر يتعلق بأسباب أخرى أكثر عمقاً؟
في مبحث النظر في الأصول المولّدة للعنف الجهادي هناك تفسيرات متعدّدة تخضع لفهم جزئي للظاهرة أحياناً، ولمنطق إيجاد المُبرّرات السياسية لها أحياناً أخرى؛ نحن هنا أمام مدارس متعدّدة لتفسير الظاهرة بقيت نتائجها محدودة وجزئيّة في فهمها، بالتالي لم تستطع الحدّ من انتشارها وتواصلها عبر الزمن.

اقرأ أيضاً: جهاد الطلب.. هل أصّل الفقهاء لصناعة الأعداء؟
لا تزعم هذه المقالة تقديم فهم مكتمل للظاهرة، ولا إيجاد الترياق المناسب لوقف انتشارها، ولكنّها محاولة لفهم أكثر عمقاً للآليات الداخلية التي تحركها.
في هذا المبحث بالذات؛ أعتقد أنّ هناك قاعدة تحليلية في موضوع الجهادية لا يمكن التغافل عنها، أو التقليل منها لفهمها، هذه القاعدة التحليلية نصّها: أنّه: لا يمكن فهم الظاهرة الجهادية إلا في شموليتها؛ أي أنّنا لا يمكن أن نفهم الظاهرة الجهادية دون الأخذ بعين الاعتبار بكافة أشكالها وتمظهراتها في العديد من البلدان، فالاقتصار على تمظهراتها في بلد واحد، كتونس مثلاً، أو مصر، أو السعودية، أو غيرها من البلدان، يُوقع في الخطأ وعدم الإدراك الحقيقي لطبيعتها.
فالذين يستندون على التفسير الاجتماعي – الاقتصادي؛ أي الفقر والتهميش، كسبب رئيسي لولادة وانتشار الظاهرة في تونس على سبيل المثال، سيجدون أنّ المثال السعودي أو الجزراوي، أي الجهاديين القادمين من الجزيرة العربية، يُقلّل من أهمية تحليلهم وفهمم للظاهرة، وربما ينسف كلّ الحُجج التي تقول إنّ الفقر والتهميش كعوامل اقتصادية واجتماعية هي السبب في انتشارها.

اقرأ أيضاً: هل يمكن تحويل جهادي إلى مكافح للتطرف
فالجزراوية؛ الذين انضمّوا بالآلاف للتنظيمات المتطرفة، يتمتعون في غالبيتهم بمكانة اقتصادية واجتماعية متميزة في بلدانهم، ولم يكن التهميش أو الفقر دافعاً لانضمامهم لهذه الجماعات.
فضلاً عن التفسير الاقتصادي – الاجتماعي؛ هناك تفسير سياسي- ديني، يقول إنّ القمع السياسي والتضييق الديني يؤديان إلى تفريخ التنظيمات المتطرفة وإقبال الشباب على هذه الجماعات، وانضمامهم إليها.
ينسف مثال الجهاديين القادمين من أوروبا وأمريكا، والدول الغربية عموماً، هذا التفسير؛ فالآلاف من الأوروبيين الذين انضموا إلى تنظيم داعش أو القاعدة من قبل جاؤوا من بلدان تتمتع بحريّات دينية واسعة، وديمقراطيات عريقة، بالتالي؛ فإنّ القول إنّ القمع السياسي والديني مصدر أساسي لولادة الظاهرة له محدوديته؛ بل لا معنى له في هذه الحالة.
إذا طُبّق تفسير القمع السياسي والديني كسبب لنشوء الظاهرة أو نموها، في بلدان من قبيل فرنسا أو بريطانيا أو ألمانيا؛ فإننا نعجز عن فهم كيفية انضمام شباب هذه الدول بالآلاف لتنظيم داعش، على سبيل المثال. 
عملية المقارنة بين تمظهرات الظاهرة في العديد من البلدان وحدها قادرة على كشف المحركات الداخلية للظاهرة، الأمر يتعلق بالبحث عمّا يمكن أن نسمّيه العامل المشترك الجامع، أو البصمة المكرّرة بين جميع الجماعات الجهادية بصرف النظر عن اختلافات سياقاتها وتاريخها وبيئاتها.

اقرأ أيضاً: محنة ابن حنبل.. مع "السَّلفيات الجهادية"
مسارات الجهاديين واختلاف انتماءاتهم، الاجتماعية والجغرافية واللّسانية والإثنية، تمكّننا من نتيجة لا يرقى إليها أيّ شكّ؛ هي أنّ العامل الثقافي – العقائدي يُعدّ أكثر العوامل شمولية في تفسير الظاهرة، هذا العامل نجده في كلّ أمثلة التنظيمات الجهادية، مهما تفرقت جغرافياتها، واختلفت أصولها الإثنية أو اللغوية.
نحن هنا أولاً أمام تفسير ثقافي – عقائدي، مبني على شحن عقائدي مستمدّ من قراءة مهيمنة للنصوص الدينية، وثانياً: أمام تفسير ثقافي- عقائدي ينبني على استغلال السياق السياسي والاجتماعي والتاريخي، الذي أنتج الحركات الإسلامية بشكل عام، والحركات الجهادية بشكل خاص.

اقرأ أيضاً: داردو سكافينو: الجهاديون ليسوا حفنة من الحمقى
في هذا الإطار؛ من المهم القول إنّ الحجج التحفيزية والتجيشية ذاتها التي استعملتها حركة الإسلام السياسي، ممثلة في تنظيم الإخوان المسلمين، والتي تخلّت عنها في بلدان عدّة لظروف مختلفة، تستعملها الحركات الجهادية اليوم.
نحن هنا أمام قضية الأصول الأولى، أمام الحاضنة الفكرية والأيديولوجية نفسها.
في تاريخ حركات الإسلام السياسي؛ تبدو كتابات سيد قطب النصوص التي تعود إليها كلّ الحركات الإسلامية، إخوانية كانت أو سلفية جهادية، على اعتبارها "الأصل المشترك".
ليس من مهمة هذه المقالة البحث في جديّة حركات الإسلام السياسي، ممثلة في تفرعات الإخوان المسلمين في العالم، في تبني قيم الديمقراطية والمزاوجة بينها وبين الإسلام، وليس من مهامها إثبات أو التشكيك في سلمية الحركات الإسلامية التي تُدرج نفسها في "اللعبة الديمقراطية"؛ فهذا مبحث آخر يطول الحديث فيه.
من المؤكَّد أنّ المقولات المحركة للحركات الجهادية، اليوم، هي المقولات ذاتها التي أنتجها وكرّسها الإسلام السياسي في بداياته، يكفي أن نشير إلى أنّ شعارات "الإسلام هو الحلّ"، أو "الإسلام دين ودولة"؛ هي شعارات إخوانية؛ هذه الشعارات هي، وبامتياز، في قلب المشروع الجهادي اليوم.

اقرأ أيضاً: لنكن صرحاء... أين الخلل في البنية العقلية الجهادية المعاصرة؟
ربّما تخلت بعض الأحزاب الإخوانية، لأسباب عدّة، على هذا الشعارات في العديد من البلدان، ولكنّها ما تزال تمثل القلب النابض لكلّ المشروع الشعبوي والتعبوي الإخواني، الأمر ينطبق على مطلب "الدولة الإسلامية"؛ الذي هو مطلب إخواني بامتياز، يكفي هنا الرجوع إلى أدبيات حسن البنا وسيد قطب، وكل مُنظّري حركات الإسلام السياسي؛ لفهم مركزيّة هذا المطلب في أدبياتهم.
هذا المطلب هو اليوم جوهر ومُرتجى وحلم التنظيمات الجهادية، وقد رأينا آثاره في إعلان أبي بكر البغدادي تأسيس هذه الدولة قبل أن تنهار بعد حوالي خمسة أعوام من إنشائها.

في الأساطير المؤسسة
شكّلت شعارات مثل "الإسلام هو الحل" و"الإسلام دين ودولة"، وشعارات أخرى، المحتوى المضموني للتفسير الثقافي – العقائدي للظاهرة الجهادية؛ هذا التفسير بُني في رأيي على أربع أساطير مؤسِّسة، شكّلت على الدوام العوامل المحفزة لعملية الشحن العقائدي والتعبئة التي تأسس عليها مشروع الإسلام السياسي، والتي تمثّل العمود الفقريّ لكلّ عملية التجييش الجهادي اليوم، هذه الأساطير تباعاً هي:

١– أسطورة المَظْلُوميّة

نحن أمام حافز مُؤسّس للظاهرة الجهادية خاصة، والإسلام السياسي عامة، في تنظيرات قادة الحركات الجهادية؛ إنّ العالم العربي والإسلامي يعيش مَظلمة مستمرة، هي مظلومية في الماضي والحاضر والمستقبل.
إذا بحثنا في الجذور التاريخية لمقولة المَظْلُوميّة؛ فإنّنا ربما نعود إلى هزيمة الأندلس والحروب الصليبية، أو ربّما نعود إلى ما قبلها؛ أي إلى هزائم وغزوات واجتياحات أخرى عاشها العالم الإسلامي.
المظلومية تشكّلت تاريخياً، واستفاد منها الإسلام السياسي، كما استفادت منها العديد من الحركات السياسية الأخرى، ولكنّها بلغت عند أصحاب الطرح الجهادي ذروتها، يطول تعداد المظلوميات، ولكنّنا سنقتصر في تحليلنا على مظلوميات تاريخ الحركة الجهادية المعاصرة.

اقرأ أيضاً: تقرير أمريكي يحذّر من نوع جديد من الجهاد..
في هذا السياق؛ سوف نعثر على خمس مظلوميات أساسية، كانت حافزاً لهجرة الآلاف من الشباب المسلم، للقتال إلى جانب التنظيمات الجهادية: 
أ– مظلومية القضية الفلسطينية: شكّلت على الدوام منبعاً لكلّ التجييش السياسي، بَنت عليها الحركات اليسارية القومية شرعيتها في الستينيات والسبعينيات، ليقع افتكاك هذه المظلومية بصفة حصرية اليوم، من قبل حركات الإسلام السياسي في المنطقة (حماس، الجهاد الإسلامي، حزب الله).
ب– مظلومية الغزو السوفييتي لأفغانستان (1979)، وبداية هجرة الشباب العربي للقتال هناك، كانت الحرب الأفغانية حافزاً مضافاً للمظلومية الفلسطينية، ونشأ مع هذه المظلومية الجيل الأول من الجهاديين: الأفغان العرب، جيل خاص، كانت أولى معاركه في الجزائر إبان العشرية السوداء.  
ج- الاحتلال الأمريكي للعراق: بعد عقدين تقريباً من المظلومية الأفغانية؛ تأسست مظلومية جديدة، هي المظلومية العراقية، ونشأ معها الجيل الثاني من الجهاديين.
د– المظلومية السورية: مع انطلاق "الثورة السورية"، بلغت التنظيمات الجهادية فورتها التاريخية، وهاجر الشباب بالآلاف إلى "أرض الشام" للجهاد، ونشأ فيها الجيل الثالث من الجهاديين.
ج– مظلومية الاستعمار: فضلاً عن هذه المظلوميات الأربع التي ذكرتها سابقاً، تتغذى الجهادية من مظلوميات أخرى عديدة، غير أنّ مظلومية الاستعمار القديم والجديد، تشكّل أبرز المظلوميات التي تستعملها الحركات الجهادية للتعبئة والتجنيد عن طريق استعمال قضية نهب استغلال الثروات الوطنية كمحفز وعامل لكراهية "الآخر". 

اقرأ أيضاً: هل حقاً أنّ "الإرهاب ولد في المغرب" وماذا عن "مجرّة الجهاديين"؟
من المهم التنويه في سياق الحديث عن القضايا الآنفة الذكر؛ إلى أنّنا لا نتحدث عن "عدالة" هذه القضايا، أو شرعيتها السياسية أو الإنسانية، بقدر ما نتحدث عن توظيفها في عملية التعبئة والتجييش الجهادي. 
وقد تتخذ المظلومية أشكالاً أخرى محلية لا ترتبط بالضرورة بالعدو الخارجي؛ بل بالعدو الداخلي (الحُكام والسلطات)، من قبيل منع السلطات والحكّام من "تطبيق شرع الله"، أو "الزجّ بالشباب المسلم في السجون"؛ بسبب تديّنه، وهي مظلومية كثيراً ما استعملتها حركات الإسلام السياسي عامة، والحركة الجهادية خاصة، في تونس ومصر، على سبيل المثال.

٢– أسطورة الخلاص الإسلامي
محور هذه الأسطورة؛ مقولة "الإسلام هو الحلّ"، صحيح أنّ هذا الشعار هو شعار إخواني بالأساس، وبه استقطبت الحركات الإخوانية، وعلى امتداد أكثر من نصف قرن، أتباعها، وعبّأتهم، وحرّضتهم، غير أنّ هذا الشعار اتّخذ صبغته القصوى ونسخته النقيّة مع الحركات الجهادية.
محتوى هذه الفكرة؛ أنّه "لا يصلح حال هذه الأمة إلا بما صلح أولها"، كما يقول الحديث، ولا يمكن أن يتم ذلك إلا بتحكيم الإسلام شريعة ومنهج حياة؛ عن طريق اعتماد "الحاكمية" على مصطلح المُنظر الإسلامي الهندي "أبي الأعلى المودودي".

اقرأ أيضاً: فيلسوف فرنسي يحلل لماذا يقدم الشباب أنفسهم طواعية إلى التنظيمات الجهادية
تعد الحركات الجهادية بأنّ "خلاص البشرية"، وفق عبارة سيد قطب، وهنا نعود إلى ما عدّه المنظّر الأول، أو المُعلم للحركات الجهادية العربية في العالم، لا يأتي إلا بتحكيم الإسلام، إذا تخلّت الحركات الإخوانية في بعض الأقطار، وربّما مرحلياً، عن هذا الشعار؛ فإنّه تحوّل في منهج الحركات الجهادية إلى أحد الحوافز الأساسية للتجنيد.
فكرة الخلاص فكرة مركزية في الأدبيات الإسلامية، وهي لا تتعلق فقط بإعطاء أمل للحركة الإسلامية و"للأمة الإسلامية"، للنهوض والتقدم؛ أنّها أكثر من ذلك هي خلاص للعالم أجمع، هذه الفكرة نجدها منذ الأسطر الأولى لمقدمة "معالم في الطريق"؛ حيث يقول سيد قطب: "تقف البشرية اليوم على حافة الهاوية، لا بسبب التهديد بالفناء المعلق على رأسها، فهذا عرض للمرض، وليس المرض، ولكن بسبب إفلاسها في عالم القيم"، وينتهي قطب إلى تقديم الترياق: "والإسلام (وحده)؛ هو الذي يملك تلك القيم وهذا المنهج" (ص 3 و4، مقدمة "معالم في الطريق"، مكتبة الشروق، الطبعة السادسة، 1989).
خَلاص العالم في السردية الجهادية لن يأتي إلا عن طريق حلّ وحيد؛ هو "تطبيق الإسلام"، غير أنّ تطبيق هذه المقولة واعتمادها لا يتم إلا بمقولة أخرى، لا تقل عنها خطورة، وهي أسطورة الفرقة الناجية.

٣- أسطورة الفرقة الناجية
عندما يَقتنع الشاب الجهادي بأنّ أمّته مظلومة ومهدَّدة، وأنّ لا سبيل لإزاحة الظلم عنها إلا بتحكيم الشريعة، وبالتالي الاقتناع الكامل بأسطورة "الخلاص الإسلامي" كحلّ، تقوم التعبئة العقائدية بإقناعه بفكرة جوهرية أخرى؛ هي أنّ هذا الخلاص الإسلامي لا يمكن تحقيقه إلا بصفوة الصفوة من المسلمين، أو الطلائعيين الحاملين للمشروع الإسلامي، وهذا لا يتأتى إلا بغرس فكرة أساسية، وأسطورة لا تقل أهمية عن الأسطورتين الآنفتين، وهي أسطورة "الفرقة الناجية"؛ التي تحمل رسالة الإسلام وتوصلها ليس فقط للمسلمين، في نقاوتها وطهارتها، ولكن للعالم بأكمله!

اقرأ أيضاً: اعترافات تكشف مسار الجهاديين الأجانب من التجنيد إلى القتال
ربّما يطول الحديث في البحث عن جذور فكرة "الفرقة الناجية"، لكنّها فكرة مُتأصلة في المخيال الإسلامي، قديماً وحديثاً، فيشعر "الإخواني" بأنّه انضمّ فعلياً إلى "الفرقة الناجية" عندما تقع تزكيته وينضمّ إلى "نظام الأسرة" الذي حدّد هرميته تنظيم الإخوان المسلمين في مصر، كما يشعر الجهادي بأنّه انضمّ فعلياً إلى "الفرقة الناجية"؛ عندما يتمّ ضمّه إلى "جلسة سرية" تضمّ الإخوة المُقتنعين "بالمنهج" الجهادي.
طبعاً فكرة "الفرقة الناجية" نجدها في تيارات إسلامية أخرى، من قبيل الجماعات الصوفية وجماعة الدعوة والتبليغ، وغيرها من الجماعات، ولكن هَمّنا هو البحث في هذه المقولة كمحرك أساسي لفعل التكفير والقتل، الذي هو سمة التيارات الجهادية.

ما العمل أمام هذه الأساطير أو اليقينيات في ذهنية الجهاديين، والتي نجدها منتشرة في نصوصنا الدينية، وفي مناهجنا التربوية؟

على هذه المقولة "الفرقة الناجية"، وما يستتبعها من فقه "نواقض الإسلام" تنصّب التيارات الجهادية نفسها كممثل وحيد لله، وبالتالي شرعية القتل باسمه.
طبعاً تُبنى مقولة "الفرقة الناجية" على الحديث النبوي المشهور، الذي يقول: "ألا إنّ من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على اثنتين وسبعين ملة، وهذه الملّة ستفترق على ثلاث وسبعين، اثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة، وهي الجماعة" (حديث رواه أبو داود والحاكم، وصحّحه ابن تيمية في مجموع الفتاوى والشاطبي في الاعتصام).
طبعاً يختلف الفقهاء في رواية الحديث، وألفاظه تزيد وتنقص، وصحته وضعفه كذلك، وهذا مبحث آخر، لكنّ الأهمّ أنّه كان نصّاً أساسياً في عملية شَرْعَنة الإقصاء والتكفير التي تعتمدها الجماعات الجهادية.
الاعتماد على هذه المقولة أدّى إلى عملية تكفير لا نهاية لها بين الجماعات الجهادية طوال الخمسين عاماً الأخيرة؛ فقد كفّرت الجماعة الإسلامية المسلحة، في التسعينيات، مقاتلي الجيش الإسلامي للإنقاذ في الجزائر، وانتهى الجهاز الأمني لتنظيم الدولة الإسلامية إلى تكفير وتصفية أعضاء جماعة "الحازمية"، أتباع أحمد ابن عمر الحازمي، في فترة ما يسمى بالدولة الإسلامية في العراق والشام.
طبعاً لن نتحدث في هذا السياق عن أثر مقولة "الفرقة الناجية" في تكفير الجماعات الجهادية في أحيان كثيرة لعموم المسلمين، وبشكل مستمر للحُكَّام، وتكفير الجماعات والطوائف الإسلامية الأخرى؛ فهذا الأمر لا يحتاج إلى أدلة أو براهين كثيرة.

اقرأ أيضاً: الجهاديات.. هكذا تغير دور المرأة في صفوف التنظيمات المتطرفة
مقولة "الفرقة الناجية"، واقتناع الجهادي بها تؤدي به آليّاً إلى "الخروج" والانعزال، وربما كانت جماعة "التكفير والهجرة"، التي نشأت في مصر، في أواسط الستينيات، مثالاً جيداً للانعزالية والخروج على المجتمع، التي تأسّست على شعور أعضاء الجماعة بأنّهم يمثلون "الفرقة الناجية" المنصورة، التي وكّلها الله بتنفيذ تعاليمه وتحقيق مُراده في الأرض.
أسطورة اعتقاد الجهادي الراسخ بأنّه ينتمي إلى "الفرقة الناجية" تُعدّ مرحلة متقدمة جداً من التعبئة الجهادية؛ فعندما يصل الشاب إلى هذا الاعتقاد، فإنّه يكون قد اندمج فعلياً في "الجماعة" المنصورة في ذهنيته، وقطع بشكل كامل مع "المجتمع الجاهلي"، الذي كان ينتمي إليه، هذه المرحلة المُتقدمة في ذهنية الجهادي تتراكم مع سيطرة مقولة أخرى، أو أسطورة أخرى، لا تقل عنها أهمية، وهي مقولة انتصار "الإسلام ونهاية العالم". 
٤- أسطورة انتصار الإسلام ونهاية العالم
عندما يصل الجهادي إلى مرحلة انتمائه إلى الفرقة الناجية، يُعبَّأ عقائدياً بمقولة "انتصار الإسلام وسيادته على العالم"، الأمر يتعلق بحتمية إلهية في ذهنية كلّ جهادي، النصر هنا هو وعد الله، ولا يخلف الله وعده، والتاريخ الإيماني يقول للجهادي: إنّ العالم لا يمكن أن ينتهي إلا بانتصار المسلمين وسيادتهم على البشرية، وإنّه سيكون جندياً في هذا الانتصار الكبير، وستذهب أشلاؤه قرباناً لهذا الوعد. بُنيت أسطورة انتصار الإسلام ونهاية العالم في الذهنية الجهادية على العديد من التفسيرات للآيات القرآنية، والكثير من الأحاديث النبوية، من قبيل الحديث الشهير الذي يقول: "لا تقوم الساعة حتّى ينزل الروم بالأعماق، أو بدابق، فيخرج إليهم جيش من المدينة من خيار أهل الأرض...".
من المعلوم أنّ تنظيم الدولة داعش وظّف هذا الحديث توظيفاً منقطع النظير، واستغل وجود قرية دابق في سوريا، التي سيطر عليها في مرحلة معينة، للترويج لمعركة انتصار الإسلام ونهاية العالم، واستقدام حوالي 27 ألفاً من المقاتلين الأجانب للمشاركة في معركة نهاية العالم التي لم تَتمْ! كما اتّخذ تنظيم داعش من تسمية "دابق" عنواناً لمجلته الإعلامية، كما اتّخذ من تسمية "أعماق" شعاراً لوكالته الإخبارية التي كانت تنقل نشاطات ومعارك التنظيم على مواقع التواصل الاجتماعي.

اقرأ أيضاً: "جهاد النساء" .. لماذا اخترن داعش؟
تحفل الأدبيات الجهادية بكلّ المؤيدات النصّية التي تنبئ بأسطورة انتصار الإسلام في نهاية العالم، ويجد الجهاديون في علامات اقتراب الساعة ومعركتها النهائية ما يشبع نهمهم في هذه المعركة، التي سيكون اليهود أحد أطرافها الرئيسة، لا نعدم في المدونة النصية ما يشير إلى الأصول التاريخية للكراهية ضدّ اليهود والمعركة ضدّهم كعلامة لهذا النصر القادم؛ من قبيل الحديث الذي يتوعد بالانتصار النهائي عليهم والذي يقول: "لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا اليهود، حتى يقول الحجر وراءه اليهودي: يا مسلم، هذا يهودي ورائي فاقتله" (رواه مسلم).

بمثل هذه الأحاديث، وغيرها، تشكّلت الذهنية الجهادية عبر الزمن متوعّدة بالانتصار النهائي للإسلام ونهاية العالم.
تربّت أجيال متعاقبة من الجهاديين، طوال الخمسين عاماً الأخيرة، على هذه الأسطورة التي كانت أحد أبرز مقولات الشحن العقائدي، والتي دفعت بالمئات من الشباب الجهادي إلى الموت في "الغزوات" والعمليات الانتحارية.
ختاماً، وعبر هذه الأساطير المؤسّسة، وبها نفهم الذهنية الجهادية، وهي بمثابة "يقينيات" لا يرقى الشكّ بالنسبة إلى الذين تبنوا "المنهج" من الشباب العربي والإسلامي.
لا يمكن فهم كلّ هذا الشحن العقائدي، وكلّ هذا الإقبال على الموت والانتحار، دون الأخذ بعين الاعتبار بكلّ هذه الأساطير المؤسسة للسردية الجهادية.
نحن أمام مقولات ويقينيات في ذهنية الجهاديين تُدرجُ في هذا التفسير الثقافي – العقائدي للظاهرة الجهادية.

اقرأ أيضاً: لماذا يهاجم الجهاديون الصوفيين؟
ما العمل أمام مثل هذه الأساطير أو اليقينيات في ذهنية الجهاديين، والتي نجدها منتشرة في نصوصنا الدينية، وفي مناهجنا التربوية، وفي مدارسنا، وفي أسرنا، وحتى في بعض وسائل إعلامنا التي تزعم أنّها تحارب الإرهاب؟!
طبعاً؛ ليس من مهام هذه المقالة إيجاد الترياق المناسب من أجل تفكيك هذه الأساطير ودحضها، فهذا عمل يتجاوز المجهود المتواضع للكاتب في تفسير الظاهرة، إلى مجهود آخر يتعلق بكلّ النظام السياسي والثقافي والتربوي الذي يريد مكافحة التطرف العنيف أو الظاهرة الجهادية.
يكفي هذه المقالة شرفاً أنّها من ضمن محاولات الإشارة إلى "أصول الشرّ"، وحوافز العنف وما يعتقد الكاتب أنّها "أساطير"، بمعنى أوهام، تحوّلت إلى يقينيات في ذهنية الجهاديين. 
كلمة أخيرة مهمة في هذا الإطار: إنّ حصر هذه الأساطير وتحديدها باعتبارها أصولاً أربعة للفعل الجهادي، لا يعني عدم وجود أساطير أخرى، غير أنّ حضور هذه الأساطير الآنفة الذكر في الذهنية الجهادية أمر لا غنى عنه في فهم وتفسير كلّ هذا العنف باسم الله ونصوصه، أساطير تفسر لنا كلّ ظلام النفق الطويل الذي دخلناه منذ حوالي نصف قرن. 

• هذه المقالة تنشر بالتزامن مع موقع "صواب"

للمشاركة:



دمشق تفتح ممراً إنسانياً.. تطورات معارك إدلب

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-22

أعلنت وزارة الخارجية السورية، اليوم، عن فتح "معبر إنساني" لإتاحة المجال أمام المدنيين الراغبين في الخروج من مناطق سيطرة المسلحين، في محافظة إدلب، في وقت أحكم جيش النظام السوري قبضته على مدينة خان شيخون الإستراتيجية.

وقال مصدر رسمي في الخارجية السورية لوكالة "سانا": إنّ المعبر سيكون في منطقة "صوران" في ريف حماه الشمالي؛ "لتمكين المواطنين الراغبين في الخروج من مناطق سيطرة الإرهابيين في ريفي حماه الشمالي وريف إدلب الجنوبي".

الخارجية السورية تعلن فتح "معبر إنساني" لخروج المدنيين من مناطق سيطرة المسلحين في محافظة إدلب

وأضاف المصدر؛ "هذه الخطوة تأتي في إطار الاهتمام بأوضاع المواطنين والتخفيف من معاناتهم جراء ممارسات المجموعات الإرهابية".

وكانت القوات السورية، ضمن معركة إدلب المندلعة منذ أواخر نيسان (أبريل) الماضي، ضد الفصائل المسلحة، قد أعلنت سيطرتها بالكامل، أمس، على مدينة خان شيخون الإستراتيجية في إدلب.

واستعادت هذه القوات أيضاً مناطق في محيط المدينة، مما يعني إغلاق كافة المنافذ أمام إحدى نقاط المراقبة التابعة للقوات التركية.

وكانت هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقاً) انسحبت من المدينة قبل يومين، وقالت إنّ الأمر "إعادة انتشار" بسبب "القصف العنيف" الذي يشنّه الجيش السوري وحليفته روسيا.

وتسيطر هيئة تحرير الشام على غالبية محافظة إدلب والمناطق المحاذية لها؛ حيث تنتشر أيضاً فصائل معارضة أقل نفوذاً.

وأعلنت أنقرة، الإثنين، تعرّض رتل عسكري تابع لها لضربة جوية، بعد وصوله إلى ريف إدلب الجنوبي، وحذرت دمشق لاحقا من "اللعب بالنار"، مستبعدة نقل نقطة المراقبة في مورك.

القوات السورية تسيطر بالكامل على خان شيخون الإستراتيجية في إدلب وهيئة تحرير الشام تعيد الانتشار

وما يزال الرتل التركي، الذي يضم حوالي 50 آلية عسكرية، متوقفاً قرب الطريق الدولي شمال خان شيخون.

وإدلب مشمولة باتفاق روسي تركي، تمّ توقيعه في سوتشي، في أيلول (سبتمبر) الماضي، نصّ على إنشاء منطقة منزوعة السلاح تفصل بين قوات الحكومة والفصائل على أن ينسحب مقاتلو الفصائل منها.

وأرسى الاتفاق بعد توقيعه هدوءاً نسبياً، قبل أن يصعد الجيش السوري قصفه، في نهاية نيسان (أبريل) الماضي، وانضمّت إليه الطائرات الروسية لاحقاً، وفي الثامن من الشهر الجاري، بدأ يتقدم ميدانياً في ريف إدلب الجنوبي.

 

للمشاركة:

تركيا: احتجاجات على بيع مصنع الدبابات

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-22

تظاهر عدد كبير من الأتراك، أول من أمس، في مدينة سكاريا، غرب تركيا، بدعوى من قيادات حزب الشعب الجمهوري المعارض وبرلمانيين عن الحزب، احتجاجاً على خصخصة مصنع صفائح الدبابات التابعة لوزارة الدفاع.

وصرّح رئيس كتلة النواب التابعين لحزب الشعب الجمهوري المعارض بالبرلمان ونائب الحزب عن سكاريا، أنغين أوزكوتش، في تصريحات صحفية على هامش الاعتصام: إنّ "القضية ليست قضية خصخصة مصنع، وإنما قضية وطن بأكمله"، وفق ما نقلت صحيفة "زمان".

عدد كبير من الأتراك يحتجون على خصخصة مصنع صفائح الدبابات التابعة لوزارة الدفاع لصالح قطر

وتابع قائلاً: "مصنع صفائح الدبابات كان قد أسند لشركة تشغيل المصانع العسكرية والترسانات التركية (أسفات) بالقرار الجمهوري رقم 1105، لكن في حقيقة الأمر كان هذا الإسناد بمثابة حيلة تم اللجوء إليها لنقل المصنع العسكري إلى قطر".

وأضاف المعارض التركي: "نظراً لأنّه لم يتبقَّ في تركيا شيء للبيع، لجأ النظام إلى بيع المصانع العسكرية، وهذا المصنع ملك للدولة والشعب وليس للبيع بأي حال من الأحوال".

وكانت شبكة "نورديك مونيتور" السويدية، المختصة في الشؤون العسكرية والأمنية، قد كشفت في تقرير حديث مدعوم بالوثائق، في كانون الثاني (يناير) الماضي، عن وجود اتفاقية مالية بين الحكومة التركية وقطر، يقضي بتسليم مصنع دبابات تركي إلى قطر مقابل 20 مليار دولار أمريكي.

كما أوضح التقرير؛ أنّ شركة "بي إم سي" التي ستدير مصنع الدبابات التركي، يديرها رجل الأعمال، أدهم صانجاك، وهو عضو في الهيئة التنفيذية لحزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا، فضلاً عن أنه أحد أقارب أمينة، زوجة أردوغان.

شركة "بي إم سي" التي ستدير مصنع الدبابات التركي يديرها قيادي في حزب العدالة والتنمية أدهم صانجاك

ويمنح هذا الاتفاق حقوق تشغيل مصنع الدبابات الوطني التركي لمدة 25 عاماً، للشركة الجديدة، دون أيّة عطاءات تنافسية أو عملية شفافة، وتملك القوات المسلحة القطرية 49.9% من أسهم الشركة المشغلة.

وفي الشهر نفسه الذي صدر فيه التقرير، تظاهر المئات من العاملين في المؤسسات الحربية، اعتراضاً على وجود مستثمرين قطريين ضمن إدارة مصنع "صفائح الدبابات" الموجود في مدينة سقاريا لمدة 25 عاماً.

وكانت الجريدة الرسمية التركية قد نشرت، بعددها الصادر بتاريخ 20 كانون الأول (ديسمبر) 2018، قراراً لرئيس الجمهورية، أردوغان، ينصّ على ضمّ مديرية مصانع الصيانة الرئيسة الأولى، التابعة للمديرية العامة للمصانع العسكرية، التابعة لوزارة الدفاع، إلى برنامج الخصخصة.

للمشاركة:

ميليشيات الحوثي تواصل إرهابها داخلياً وخارجياً

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-22

اعترض تحالف دعم الشرعية في اليمن، اليوم، طائرتين بدون طيار أطلقتهما ميليشيا الحوثي الإرهابية من محافظة عمران باتجاه السعودية.

تحالف دعم الشرعية في اليمن يعترض طائرتين بدون طيار أطلقتهما ميليشيا الحوثي الإرهابية باتجاه السعودية

وصرّح المتحدث الرسمي باسم التحالف، العقيد الركن تركي المالكي؛ بأنّ قوات التحالف تمكّنت، صباح اليوم الخميس، من اعتراض وإسقاط طائرتين بدون طيار (مسيّرتين)، أطلقتهما الميليشيا الحوثية الإرهابية المدعومة من إيران، من محافظة عمران باتجاه خميس مشيط، بحسب ما جاء في وكالة الأنباء السعودية "واس".

وأوضح العقيد المالكي؛ أنّ "جميع محاولات الميليشيا الحوثية الإرهابية المدعومة من إيران بإطلاق الطائرات بدون طيار مصيرها الفشل".

وشدّد على أنّ التحالف يتخذ "كافة الإجراءات العملياتية وأفضل ممارسات قواعد الاشتباك للتعامل مع هذه الطائرات لحماية المدنيين".

وبيّن أنّ "المحاولات الإرهابية المتكررة تعبّر عن حالة اليأس لدى هذه الميليشيا الإرهابية، وتؤكّد إجرام وكلاء إيران بالمنطقة، ومن يقف وراءَها، كما أنّها تؤكد حجم الخسائر بعناصرها الإرهابية الذين تزجّ بهم كلّ يوم في معركة خاسرة، مما سبب لها حالة من السخط الاجتماعي والشعبي".

وأكّد استمرار قيادة القوات المشتركة للتحالف بتنفيذ الإجراءات الرادعة ضدّ هذه الميليشيا الإرهابية، لتحييد وتدمير هذه القدرات، وبكلّ صرامة، وبما يتوافق مع القانون الدولي الإنساني وقواعده العرفية.

 وفي سياق متصل بجرائم الحوثيين؛ نفّذت الميليشيات الإرهابية المدعومة من إيران، أمس، حملة مسلحة على قرية "خربة الصباري" في منطقة العود بمديرية النادرة (محافظة إب، وسط اليمن).

ميليشيات الحوثي تشنّ حملة في منطقة العود وتنهب تحت تهديد السلاح ممتلكات خاصة بالمواطنين

وأفادت مصادر محلية؛ بأنّ ميليشيات الحوثي أطبقت حصاراً على القرية، وتقوم تحت تهديد السلاح بنهب ممتلكات خاصة بالمواطنين، خصوصاً في المناطق المجاورة لمنطقة العود، في محافظتي إب والضالع.

يذكر أنّ العود تُعدّ من مناطق التماس، وهي على مقربة من المواجهات الدائرة بين القوات الحكومية الشرعية وميليشيا الحوثي في محافظتي إب والضالع.

وذكرت المصادر؛ أنّ الحملة المسلحة يقف وراءها مشرف الحوثيين في "عزلة حدة" في مديرية النادرة، عبد الله محمد حمود ضوس.

وطبقاً للشهادات والإفادات المحلية؛ يعمد ضوس في الآونة الأخيرة إلى انتهاك حرمات سكان المنطقة وابتزازهم مادياً.

وحمّل أهالي وسكان في القرية ضوس وميليشياته مسؤولية ما حدث، ويحدث، وما تتعرض له المنطقة والسكان من "جرائم وانتهاكات وحشية لا إنسانية".

 

للمشاركة:



ابن سينا.. ظاهرة فكرية في رجل

2019-08-22

في الثاني والعشرين من آب (أغسطس) يحتفي العالم بذكرى ميلاد الفيلسوف والطبيب والعالم الإسلامي الموسوعي ابن سينا، الذي يعد واحداً من أبرز أعلام الحضارة العربية الإسلامية، ومن أكثرها إثارة للجدل خاصة في ميدان الفلسفة الإسلامية التي كان له فيها إسهامات لا يمكن تجاوزها، وإن جرّت عليه اتهامات التكفير التي ما تزال تلاحقه حتى اليوم.
نبوغ مبكر
وُلد  أبو علي الحسين بن عبد الله بن الحسن بن علي الشهير بابن سينا عام 980م في قرية أفنشة قرب مدينة بخارى التي تقع حالياً في أوزباكستان، والده أحد دعاة الطائفة الإسماعيلية من أصول فارسيّة من مدينة بلخ بأفغانستان.
ظهرت علامات النبوغ عليه منذ صغره؛ إذ حفظ القرآن الكريم كاملاً وهو لم يجاوز العاشرة من عمره، وتمكّن  من التفوُّق على أقرانه وحتى مُعلّميه وهو لم يجاوز الرابعة عشرة، فخلال سنوات قليلة تمكّن من استيعاب الفقه الإسلامي والفلسفة والعلوم الطبيعية والمنطق، وعلوم إقليدس، وكتاب المجسطي لبطليموس.

اقرأ أيضاً: ابن سينا.. أفكار كبيرة رغم التكفير والإقصاء!
لم يطل مقامه في مسقط رأسه طويلاً، فما لبث أن ارتحل إلى مدينة بخارى؛ حيث تلقى العلم في مدرستها، فدرس أشهر العلوم في زمانه، أما علاقته بالفلسفة فبدأت على يد العالم البخاري أبو عبد الله الناتلي الذي تفرّغ لتدريسه كتاب (المدخل إلى علم المنطق)، المعروف باسم إيساغوجي الذي وضعه فرفوريوس الصوري ليكون مدخلاً للمقولات أو المنطق، وكان التحق ببلاط السلطان نوح بن منصور أحد أمراء سلالة بني سامان ،التي كانت تحكم ما وراء النهر، وأسند إليه متابعة أعماله المالية، وبعدها بدأ برحلته العلمية.

وصفه ابن القيم في كتابه الصواعق المرسلة بأنّه "الملحد  بل رأس ملاحدة الملّة"
ركّز في مراهقته جلّ جهوده على تعلُّم الطب، حتى أتقنه، فبعدما أنهى جميع العلوم التي درسها على يد شيخه الناتلي طلب من أبيه أنْ يُرسله لِدراسةِ الطب عند بعض الأطباءِ المعروفين مثل؛ الحسين بن نوح القمريْ وأبي سهل المسيب طبيبي السلطان نوح بن منصور، فأرسله إليهما وأمضى 3 أعوام بصحبتهما، ليضع كُلَّ معرفته لمعالجة الفقراء دونَ أن يأخذ أجراً منهم، وعندما أصبح في السادسة عشرة توصل إلى كثير من العلاجات الجديدة لأمراض كانت مستعصية قبله؛ إذ تمكن هذا الطبيب الشاب من علاج سُلطان بخارى، من مرض فقد فيه الأمل جميع الأطباء المشهورين آنذاك، ولم يطلب ابن سينا مكافأة إلا موافقة السلطان على السماح له باستخدام مكتبته، فكان له ذلك.
مع الفلسفة والطب
عُرف ابن سينا بولعه بأعمال أرسطو خاصة في مجال الميتافيزيقيا، التي عانى في البداية من فهمها حتى اطلع على شرح الفارابي لكتاب ما بعد الطبيعة لأرسطو، الذي تأثر به بنظرية الفيض وصدور الموجودات عن الخالق؛ حيث قسّم الموجودات إلى ممكن وواجب؛ فالإله واجب بذاته أما الموجودات ممكنة بذاتها وواجبة بالإله، ومن مبادئه قوله إنّه لا يصدر عن الواحد إلا الواحد وهو القائل في كتابه النجاة "إن الواحد من حيث هو واحد، إنما يوجد عنه واحد" وقال أيضاً في كتاب الإشارات "الأول ليس فيه حيثيات الواحد لواحدانيته، فيلزم كما علمت أن لا يكون مبدأ إلا لواحد بسيط".‏‏‏ والمبدأ الثالث الذي أخذ به ابن سينا هو مبدأ الإبداع أو التعقل، وقال إن تعقل الإله هو "علة للوجود على ما يعقله"..‏‏‏

يعد ابن سينا واحداً من أبرز أعلام الحضارة العربية الإسلامية ومن أكثرها إثارة للجدل خاصة في الفلسفة

غادر ابن سينا بخارى عندما بلغ 22 عاماً إثر وفاة والده، وانتقل إلى مدينة جرجان بالقرب من بحر قزوين، وأخذ يلقي مُحاضرات في المنطق وعلم الفلك، وهناك التقى أبا ريحان البيروني الذي ربطته به علاقة علمية مميزة، وكان بينهما مساجلات علمية لطيفة يمكن الاطلاع عليها في كتاب "رسائل ابن سينا".
وبعد ذلك سافر إلى مدينة الري ثم إلى همدان، التي ألفّ فيها كتابه الأشهر القانون في الطب، وهناك اشتهر صيته أيضاً بعدما قام بعلاج شمس الدولة، ملك همدان، من المغص الشديد الذي أصابه.
تُرجم كتابه القانون في الطب إلى اللاتينية في منتصف القرن الثاني عشر تحت اسم Canon medicinae ثم إلى العبرية العام 1279، وظل هذا الكتاب المرجع الرئيسي في العلوم الطبية في أوروبا حتى أواخر القرن السابع عشر؛ حيث كان مقرّراً تدريسياً في كثير من جامعاتها، ويكفي لمعرفة، أهمية هذا المرجع العلمي الذي يحتوي أكثر من مليون كلمة، أنّ يوهان جوتنبرج مخترع الطباعة طبع ثلاث أجزاء منه العام 1472 بواسطة مطبعته التي اخترعها قبل سنوات قليلة من هذا التاريخ، ليعود ويطبع الترجمة اللاتينية كاملة في العام 1473.
ظل كتابه "القانون" المرجع الرئيسي في العلوم الطبية في أوروبا حتى أواخر القرن السابع عشر

إسهامات جديدة
بعد همدان، انتقل إلى مدينة أصفهان؛ حيث أتم العديد من كتاباته في شتى المجالات، فكانت له مساهماته في الرياضيات والموسيقى والجيولوجيا وحتى علم الأصوات والفلك إذ قدَّم العديد من الملاحظات الفلكية؛ حيث ابتكر وسيلة لتحسين دقة القراءات الفلكية، وفي الفيزياء درس الأشكال المختلفة للطاقة والحرارة والضوء والميكانيكا، ومفاهيم القوة، والفراغ، واللانهاية. ويعد كتابه "الشفاء" موسوعة كبرى في العلوم الطبيعية وما بعد الطبيعة،  ولا يقل أهمية عن نظيره القانون، وتطرّق فيه إلى نظريات الفلسفة وعلوم المنطق والطبيعة ونقد فيه كثيراً من مقالات للفلسفة اليونانية.

اقرأ أيضاً: 10 محطات في حياة ابن سينا الذي كفّره الغزالي
كان ابن سينا يرى أنّه حسبنا ما كُتِب من شروح لمذاهب القدماء، وأنه آن لنا أن نضع فلسفة خاصة بنا؛ لكن هذا لا يعني أنّه ابتكر مذهبا فلسفياً جديداً بقدر ما أضفى على الفلسفة القديمة حلة جديدة، لا سيما في مؤلفاته "الاشارات والتنبيهات" و"الحكمة المشرقية"، وكان يقول "إن العلوم كثيرة و الشهوات لها مختلفة، ولكنها تنقسم – أول ما تنقسم – إلى قسمين: علوم لا يصلح أن تجري أحكامها الدهر كله، بل في طائفة من الزمان ثم تسقط بعدها، وعلوم متساوية النسب الى جميع أجزاء الدهر، وهذه العلوم أولى العلوم بأن تسمى حكمة".
تابع سفره في آخر حياته برفقة أبي جعفر الخازن كطبيب ومستشار أدبي وعلمي، إلى أن توفي في شهر حزيران (يونيو) من عام 1037 ميلادياً ودُفن في همدان بإيران، وقيل إن أحد مساعديه هو من سمّمه.

رحل ابن سينا بعد أن ترك نحو 450 كتاباً وصلنا منها نحو 240 فقط
وكحال كثيرين ممن اشتغلوا بالفلسفة اتهمه كثيرون بأنّه من القرامطة الباطنية، فوصفه ابن القيم في كتابه "الصواعق المرسلة" بأنّه: "الملحد، بل رأس ملاحدة الملة"، وممن كفّره أبو حامد الغزالي في كتابه "المنقذ من الضلال"، ونسب إليه مقولاته الثلاث بقدم العالم، ونفي المعاد الجسماني، وأنّ الله لا يعلم الجزئيات بعلم جزئي، بل بعلم كلّي، وكان رد عليه في " تهافت الفلاسفة " في عشرين مسألة، وكفّره في هذه المسائل.

ركّز في مراهقته جلّ جهوده على تعلُّم الطب حتى أتقنه قبل أن ينتقل إلى مختلف العلوم

أما ابن خلكان في كتابه وفيات الأعيان فذكر أنّه في آخر أيامه أعلن توبته من هذه الأقوال، حيث قال: "وقد ضعف جداً وأشرفت قوته على السقوط، فأهمل المداواة وقال: المدبر الذي في بدني قد عجز عن تدبيره فلا تنفعني المعالجة، ثم اغتسل وتاب وتصدّق بما معه على الفقراء، وردّ المظالم على من عرفه، وأعتق مماليكه، وجعل يختم في كل ثلاثة أيام ختمة، ثم مات".
كان يقول "الوهم نصف الداء، والاطمئنان نصف الدواء، والصبر أول خطوات الشفاء"، فلم يكن يقتصر العلاج عنده على عقاقير صماء، بل كان يؤمن أن بداية الشفاء أمر نفسي بالدرجة الأولى، وفي هذا السياق تروى عنه قصص عجيبة عن استخدامه قوة العقل الباطن، كما فعل في علاج شاب مريض بالعِشق وآخر كان يتوهم أنه بقرة!
رحل ابن سينا بعد أن ترك نحو 450 كتاباً، وصلنا منها نحو 240 فقط، ولُقب بالمعلم الثالث بعد أرسطو والفارابي، كما عُرف بأمير الأطباء وأرسطو الإسلام، فلم يكن مستغرباً أن يثير حسد بعض معاصريه وغيرتهم منه، وهو القائل "بُلينا بقوم يظنون أن الله لم يهد سواهم".
يقول عنه المستشرق الألماني ت. ج. دي بور: "كان تأثير ابن سينا في الفلسفة المسيحية في العصور الوسطى عظيم الشأن، واعتبر في المقام كأرسطو"، أما مؤرخ العلم الشهير جورج ساتون فيصفه بأنّه "ظاهرة فكرية عظيمة ربما لا نجد من يساويه في ذكائه أو نشاطه الإنتاجي.. إن فكر ابن سينا يمثل المثل الأعلى للفلسفة في القرون الوسطى"، فليس مستغرباً أن تزيّن صورة ابن سينا كبرى قاعات كلية الطب بجامعة "باريس" حتى الآن.

للمشاركة:

خَصم الصحوة الأول!

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-22

تركي الدخيل

لم يتركِ الأديب السعودي، والوزير، والشاعر، والكاتب، والمثقف، الدكتور غازي القصيبي، الحروب التي واجهتها بلاده، من دون أن يسل سيفه في كل الاتجاهات، مشاركاً في كل الجبهات، دون أن يكون قسم من هذه الحروب، الهدف فيه القصيبي، لذاته، بل كان الهدف رأس الحكومة، القدح في اختيارات الحاكم، قدح فيه، وكثيراً ما يلجأ الخصوم لهذه الطريقة، فهي تجنبهم المواجهة المباشرة، مع الرجل القوي، ولا تحرمهم متعة نقده، بشكل غير مباشر.
في أول فبراير (شباط) 1979. عاد الخميني (ت: 1989)، على متن طائرة فرنسية، من باريس إلى إيران، ثائراً، مرشداً للثورة، التي انقلبت على الشاه، حينها علم القصيبي، بوعيه وقراءته للأحداث وحدسه، أن ما بعد الخميني، لن يكون كما قبله، فالحدث آذن بفتح أبواب التطرف الإسلامي الشيعي، ثم تبعه التطرف السني.
بعد الثورة الإيرانية، اقتحم جهيمان العتيبي (ت: يناير «كانون الثاني» 1980) وأتباعه، الحرم المكي الشريف، بمكة المكرمة، في 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1979، في عمل إرهابي، هزَّ العالم.
كان القصيبي، شاهداً على تفاصيل الحرب العراقية الإيرانية، في الثمانينات، وله شهادات متلفزة حول الوقائع، وكتاب أيضاً وكان يعلم أن الحالة الخمينية، ستجر ويلاتها إلى بقية المجتمعات الإسلامية.
ومع غزو الرئيس العراقي، صدام حسين للكويت، (أغسطس 1990)، صعد صوت متطرف، ظاهره معاداة دخول القوات الأجنبية، وباطنه العداء للأنظمة السياسية الخليجية، التي تحاول التصدي لطغيان صدام، وجنون عظمته.
ظاهرة رفض الاستعانة بالقوات الأجنبية، والأميركية تحديداً حينها، كانت طور التشكل بالمعنى الآيديولوجي، ووصفها الدكتور رضوان السيد، بـ«الإحيائية»، نسبة لنظيراتها من الفورات المسيحية.
وكان القصيبي، من أوائل من وصف، تلك الظاهرة بـ«الصحوة»، وهذا وارد جداً، فله تسجيل تلفزيوني يعود للثمانينات، يستخدم المصطلح، وإن لم يكن في سياق النقد، بطبيعة الحال.
المدرسة الدينية التقليدية، الممثلة بهيئة كبار العلماء في السعودية، وقيادتي الشيخ عبد العزيز بن باز، (ت: 1999)، وكان المفتي العام للسعودية، ويقيم بالرياض، والشيخ محمد بن عثيمين، (ت: 2011)، وكان يقيم في عنيزة بالقصيم، رحمهما الله، شكَلت موقفاً شرعياً يجيز دفع المعتدي، عبر الاستعانة بالقوات الأجنبية.
في مقابل، مجموعة من الدعاة الشباب، الذين كانوا يقودون المنابر في تلك الفترة، وبدا لهم امتلاك وعي سياسي، يجعلهم يتفوقون على كبار العلماء، ويوجب عليهم التصدي لهذا الأمر. كان بعضهم يعرض تارة ويصرح تارة، بأن مما يعيب كبار العلماء، تبعيتهم للسياسي، ولا يتورع بعضهم في القول بأنهم لا يرفضون له طلباً.
يمكن اعتبار هذه الحادثة هي أول تباين ومفاصلة للتيارات الإسلامية، مع الدولة، أمام عامة الناس، بشكل جلي وواضح.
تيار الدعاة الشباب، كان أبرزه: سلمان العودة، المقيم في القصيم، وسفر الحوالي، المقيم بين مكة وجدة، وناصر العمر، المقيم في الرياض، وعايض القرني، المقيم في جنوب السعودية؛ ويرون أن الاستعانة بالقوات الأجنبية، محرم، وأنه باب الشرور، والممهد لغزو بلاد التوحيد، وإقامة القوات الأجنبية، مسنوداً برأي جماعة الإخوان المسلمين، التي صدمت القيادة السعودية، بموقفها، إذ لم تعارض غزو صدام حسين، بل أيدته، بعد أن فتحت المملكة أبوابها للجماعة منذ عقود، ومنحتهم البيوت، والجنسيات، والوظائف، واستوعبتهم، سياسياً واجتماعياً وثقافياً، بعد خلافهم المصيري، مع الرئيس المصري الأسبق، جمال عبد الناصر.
في الوقت ذاته، أصدر فريق المشايخ الكبار، بياناً من هيئة كبار العلماء، يجيز لولي الأمر الاستعانة بغير المسلم، لدفع ضرر الغزو.
المشايخ الشباب، يملكون سطوة المنبر، والتنقل محاضرين، في مساجد كبرى في السعودية كلها، في جوامع تستوعب آلاف الحضور، ثم تنسخ الأشرطة، فيما سمي بمعركة الكاسيت، مئات آلاف النسخ، توزع في السعودية، والخليج، والعالم العربي كله، في تأثير ربما يفوق تأثير الإعلام التقليدي.
هذه الأشرطة تحمل سحر الحديث الديني من جهة، ومعارضة الدولة من جهة ثانية، بالإضافة إلى كونها تستبطن موقفاً سلبياً من قطب العالم الأوحد، الولايات المتحدة، والمهزوم حضارياً، عادة ما يكون ميالاً لتبني المواقف ضد الأقوياء، ولو لم يشكلوا له ضرراً حقيقياً!
خطاب الدعاة الشباب، لم يكن يقتصر في رفضه لموقف الحكومة السعودية من الاستعانة بالقوات الأجنبية، بل كان استمراراً لمواقف رافضة، لما اعتبره هذا التيار، تياراً للمنكرات، تشمل في تصنيفهم آنذاك: الاختلاط، مشاركة المرأة في الحياة العامة، وأي مظهر من مظاهر عدم ارتداء المرأة عباءة سوداء، تغطي وجهها وجسدها من الرأس للقدم، وهو ما يطلق عليه تبرجاً، وأي مظاهر للموسيقى والفنون... وغيرها الكثير الكثير.
أحس غازي القصيبي، بأن الحالة ليست طبيعية، وأن نوع الخطاب المستخدم في حرب الكاسيت، يحمل في طياته نقضاً للدولة، أكثر من كونه مجرد تحفظ على ارتكاب معاصٍ دينية، بالمعنى الفقهي، أو تجاوزات شرعية عامة.
انبرى القصيبي، بقلمه يدافع عن مصالح بلاده، بوجه فتوى أيَّدها كبار علماء البلاد، فقام التيار الآخر بالتشغيب عليه وكيل التهم له ولكل تيار لا يتوافق معهم.
ألف حينها غازي، كتابه الشهير: «حتى لا تكون فتنة»، وتضمن خمسة فصول، جعلها رسائل موجهة لرموز التيار الذي أشرنا إليه.
ردَّ القصيبي في الكتاب، على التهم الموجهة له بالعلمنة، والتكفير، وإغلاق باب الاجتهاد، ومسؤولية علماء المسلمين في ترسيخ التعددية، فالاجتهاد هو التجديد.
لم يدّعِ القصيبي يوماً أنه من الفقهاء، وإنما لظرف قلة المحاججين، لذلك التيار ذي الصوت العالي، وجد القصيبي أن البحث الفقهي بات ضرورة لمواجهة خطاب الجمود، واهتم بذلك في عدد من كتبه، ومقالاته، وسجالاته، فصنف: «ثورة في السنة النبوية»، و«الإلمام بغزل الفقهاء الأعلام».
في حوارٍ له مع الأستاذ محمد رضا نصر الله، بعيد هجمات الحادي عشر من سبتمبر (أيلول)، وقبيل غزو إسقاط صدام 2003. كان القصيبي يعتصر ألماً من مستوى انفلات الخطاب المعادي والمتطرف، وركز في الحوار على ضرورة محاربة التطرف من المنابع، مما دفعه، ضمن فهمه العميق للموضوع، ليترجم كتاب: «المؤمن الصادق»، لإريك هوفر، وهو يبحث في الدوافع السيكولوجية للإنسان المتطرف. يقول غازي في حوار نصر الله: «إن ثمة فهماً مغلوطاً نحو الغرب، إذ ننسب أي جريمة تحدث لهم، من دون الفصل بين الآيديولوجيات العنصرية التي لديهم وبين الغرب، بمعناه الحضاري العام المفيد، الذي يجب أن نفهمه ونحاوره ونعاصر منجزه».
رحم الله غازي القصيبي، إذ كان سبَّاقاً في نقد ظاهرة، كانت جماهيريتها، واستخدامها سلاح التكفير، والتفسيق، والتبديع، ضد مخالفيها، يجعل الخصومة معها باهظة الثمن، اجتماعياً، وعملياً، وإدارياً.
عندما يستعديك ذلك التيار، ستجد فجأة جموعاً من الناس، جمهوراً لا يفكر فيما يُقال له، يناصبك العداوة والخصومة، ويتقرب إلى الله بالدعاء عليك، وكيل الضرر لك.
أي عدل في الخصومة هذا؟!
أخذت، هذه التيارات، على عاتقها وعد الانتقام من القصيبي، فصارعته طوال حياته، ولما أصر القصيبي، وكان وزير العمل حينها، على تأنيث بائعات محلات الملابس النسائية الخاصة، غضب الخصوم، دون مبرر منطقي، من قرار يحافظ على خصوصية المرأة، حتى اجتمع معه مجموعة ممن يسمون المحتسبين، ودعا عليه أحدهم الله، أن يصيبه بالأمراض الخبيثة، علناً أمام العشرات، في تسجيل منتشر!
لم تهدأ المعركة ضد غازي، مذ شبابه حتى شاخ، لكنه، رحمه الله، استطاع أن يسير بثباتٍ على رأيه، لم يجامل أبداً، حين يتعلق الأمر بمصير المجتمع، ومصلحة البلد.
بدأ القصيبي حياته، بكتيب صغير بعنوان: «معركة بلا راية»، ومضى كل حياته بمعركة، راياتها: حب الوطن، ونشر التنوير، ومحاربة التخلف.
كان الشاعر غازي، يصف خصومات الإنسان غازي، حين قال:
أما تعبتَ من الأعداء ما برحوا
يحاورونَك بالكبريت والنارِ؟!

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:

اغتيال محمود درويش

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-22

يوسف أبو لوز

مرّت الذكرى الحادية عشرة على رحيل محمود درويش الأسبوع الماضي في أقل من الاستعادة العادية، لا بل، إن بعض الصحف العربية لم تأت على ذكر المناسبة برمّتها، وسيكون القارئ حسن النّية إذا اعتبر أن من تقاليد بعض الصحف توقفّها عن الصدور في إجازات الأعياد، وصادف 9/8/2019 اليوم الذي رحل فيه درويش قبل العيد بيومين، لكن كل هذا الكلام هو نوع من تغطية الشمس بغربال، ولنعترف أن صاحب «أوراق الزيتون» و«مديح الظل العالي» و«لماذا تركت الحصان وحيداً» يجري اغتياله حتى وهو غائب، وكلمة «اغتياله» هذه ثقيلة، ولكن كان لا بدّ منها على رغم ثقلها ونحن نرى واحداً من كبار الشعراء العرب على مرّ كل تاريخ الشعر يتم تجاهله على هذا النحو غير البريء.
في قصيدة لمحمود درويش بعنوان «يحبونني ميّتاً» يقول:- «.. يحبونني ميّتاً ليقولوا: لقد كان منّا، وكان لنا»، وفي القصيدة ذاتها يقول: «.. متى تطلقون الرصاص عليَّ؟ سألتُ. أجابوا تمّهل وصفّوا الكؤوس وراحوا يغنّون للشعب، قلت: متى تبدأون اغتيالي؟، فقالوا ابتدأنا».. إلى أن يقول أخيراً في هذه القصيدة الصغيرة ولكن النبوئية.. «.. سأسألكم أن تكونوا بطيئين، أن تقتلوني رويداً رويداً لأكتب شعراً أخيراً لزوجة قلبي..».
ليس لدي تاريخ نشر أو تاريخ كتابة لهذه القصيدة، ولكن، لماذا هي قصيدة نبوئية أو توقعية؟؟.. لنبحث عن الإجابة في القصيدة نفسها..
يقول درويش «يحبونني ميّتاً».. وبالفعل، كان الكثير من الشعراء الفلسطينيين والعرب يعتبرون درويش الشجرة التي تخفي الغابة، وأن نجومّيته أطفأت تلك الأنوار البعيدة المبثوثة من بعض الشعراء، وأن قصيدة واحدة من درويش تعادل مجموعات ومجموعات لمثل هؤلاء الشعراء النكرات، أما عندما كان درويش يقرأ شعره في عمان وتونس والقاهرة وبيروت والرباط والجزائر، فيقيم في الأمسية ما يشبه دولة درويش أو شعب درويش بسبب الآلاف من الجمهور الذي يصغي من رأسه إلى قدميه أمام الكاريزما المذهلة لهذا الشاعر وهو يلقي بأناقة وكبرياء.. أقول عندما كان يجري كل ذلك على مرأى ممّن يحبّونه ميّتاً كان هؤلاء يصابون بالإحباط، ويعودون إلى بيوتهم وزوجاتهم مكسوري الخاطر «بإحرام».
يقول درويش: ..«متى تطلقون الرصاص عليّ؟»، وفي حقيقة الرصاص المادّي لا أحد أطلق الرصاص على درويش، وهو أيضاً لم يطلق الرصاص على أحد، وعندما أعطاه ياسر عرفات مسدساً في أثناء حصار بيروت ليدافع عن نفسه ألقى بالمسدس ولم يستعمله.
.. ثم أخيراً يقول درويش.. «..متى تبدأون اغتيالي»،.. وكما جاء في رأس هذه المقالة، فالاغتيال لدرويش جرى في حياته، ويجري في موته، وعندما صدرت مجموعته «لا أريد لهذه القصيدة أن تنتهي» بعد موته.. ظهر طابور طويل ممّن اغتالوا درويش.. وكان هو يسألهم أن يكونوا بطيئين في القتل.. رويداً، رويداً.

عن "الخليج" الإماراتية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية