فك شفرة المهاجر (2)..رحلة الألف ميل بين حقول "القاعدة"

5748
عدد القراءات

2017-12-05

عشرون عاماً من الهجرة قضاها المصري "أبو حمزة المهاجر" متنقلاً بين حقول القاعدة في أماكن شتّى .. كان يجيد التحرك دون أن يترك وراءه أثراً.. رجل يتمتع بحسٍّ أمنيّ قلّما تجده عند غيره.. فمن ذرى جبال الأفغان، إلى قائد كان من بين 20 أسسوا "التوحيد والجهاد" في العراق، فأفضى به الحال لأن يكون زعيماً للقاعدة، بعد "أبو مصعب الزرقاوي". الرحلة الطويلة كانت من المفترض أنْ تعطي لأجهزة الأمن فرصة كبيرة لجمع أكبر قدر من المعلومات عنه، لكن حتى لحظة مصرعه لم يكن ثمة شيء مؤكد حوله.

إعدام سفير
أعدمت جماعته السفير المصري في العراق، إيهاب الشريف، بدم بارد أمام الكاميرا في حزيران (يوليو) 2005، كان مشهداً مؤلماً لجموع المصريين، الذين لم يكونوا يعرفون ساعتها أنّ عبدالمنعم هو الرجل الثاني في التنظيم المسؤول عن قتله.

أعدمت جماعة المهاجر السفير المصري في العراق بدم بارد أمام الكاميرا العام 2005

التقينا بشخصية مصرية أمنية، كانت قد اختطفت أيضاً في العراق، قبل عملية قتل السفير، هو اللواء محمد ممدوح قطب، الذي روى لنا قصة اختطافه من مجموعة عراقية مسلّحة لم تكن تابعة للقاعدة، وعندما علمت أنّه كان يعلّم الأطفال القرآن في المسجد، قامت بالإفراج عنه.
حكى لنا قطب أنّه التقى بالشريف وحذره من السفر إلى بغداد، إلا أنّه لم يستجب لنصيحته، فشدد عليه بأخذ الحيطة والحذر، "لكنه قضاء الله كان قد نفذ".

صورة للسفير المصري إيهاب الشريف قبيل إعدامه

المعقل الأول
للتيار الجهادي في محافظة الشرقية جذور ضاربة، منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي، منذ أن أخذت تلك الحركة في التبلور، فقد أقام هناك مؤسس حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، فتحي الشقاقي.
يقول الخبير في شؤون التنظيمات الإسلامية عمرو عبدالمنعم، وهو صاحب تجرية جهادية في السابق، إنّ الشقاقي كان يدرس في رواق "الشوام" في الأزهر، لكنه كان دائم التردد والمكوث في محافظة الشرقية بحكم دراسته في جامعة الزقازيق أيضاً.
كان للشقاقي تنظيم شبه علني أطلق عليه "الطلائع" يقوم باستنهاض العزم لنصرة القضية الفلسطينية، إلا أنّ هذا التنظيم امتدت ذيوله فيما بعد حتى آل به الحال إلى أن سمي تنظيم " طلائع الفتح".

نجح المهاجر وأستاذه إبراهيم البنا في تأسيس جهاز استخباراتي للقاعدة في اليمن

كانت السلفية الدعوية وجماعات الإخوان هي التي تبدو لها السيطرة على المشهد الديني هناك، إلا أنّ الخفي والكامن هو تغول التيار الجهادي، الذي لم يكن يعلن عن نفسه بوضوح بحكم تركيبته العقيدية والتنظيمية.
لقد كانت لوفاة سليمان خاطر، الجندي الشرقاوي، الذي حصدت رصاصاته العام 1985على الحدود الشرقية عدداً من السائحين الإسرائيليين، ولقي مصرعه سجيناً، أثر كبير في تحول الكثيرين في اتجاه الأيديولوجية الجهادية.
يعود منتصر الزيات ليحدثنا عن الشرقية فيقول: كان القيادي الجهادي، ثروت صلاح شحاته، وهو من هذه المحافظة، وبوجوده بجانب أيمن الظواهري في أفغانستان، يقوم باختبار وتوظيف عدد من شباب تلك المحافظة بعد أن كان على دراية كاملة بها.
ويؤكد أحد قادة تنظيم الجهاد البارزين نبيل نعيم ما قاله الزيات؛ لكنه يضيف أنّ مسؤول "المهاجر" المباشر كان قيادياً آخر، هو الدكتور أحمد حسين عجيزة، وهو أيضاً من الشرقية.

صورة للقيادي الجهادي، ثروت صلاح شحاته

اليمن.. بداية الحكاية

قبل أحداث 11 سبتمبر 2001 حطّ أيمن الظواهري في اليمن قبل استقراره حيناً في السودان، وثمة معلومات تشير إلى ذهاب المهاجر إلى السودان باعترافات من قيل إنّه أستاذه، إبراهيم محمد صالح البنا، أمام السلطات اليمنية العام 2010، وأنه نجح و"أبو حمزة" في تأسيس جهاز استخباراتي للقاعدة في اليمن، وقد قتل البنا في صحراء اليمن مطلع العام 2017.
اقترب المهاجر من مصري آخر في اليمن، يدعى أحمد بسيوني دويدار الشهير بــ"بسيوني القاعدة"، وصف بين أقرانه بـــ"ملك الصمت" وبــ"أمير السّرية" ومن أجل هذا ولّاه "الظواهري" مسؤولية القاعدة في اليمن، لكنّ الملاحظ أنّ البنا وبسيوني حُكم عليهما أيضاً غيابياً في قضية "العائدون من ألبانيا" العام 1999 تلك القضية التي تشي بجذور التشابك بين هؤلاء جميعاً.

ظلّ المهاجر لصيقاً خفيّاً بالزرقاوي حتى تأسيسه لمشروعه في العراق الذي ورثه عنه

استغلّ عبدالمنعم عز الدين البدوي (المهاجر) كنية صديقه شريف هزاع "أبو أيوب المصري" وقام بتزوير جواز للسفر باسمه، وكان معه صديقهما إبراهيم محمد صالح البنا الذي قال هزاع إنّه كان يجيد تزوير الأوراق الرسمية والتخفي والتنقل بين الدول بسهولة، لكنه لم يغادر اليمن مطلقاً منذ وصوله العام 1993 حتى أطلق عليه بن لادن الأسطورة.
وفي حديثه معنا عبر شبكة التواصل الاجتماعي "فيسبوك" قال هزاع إنّ البنا هو الذي تبنى المهاجر الذي سافر إلى العراق لاحقاً بأوراق مزورة، وقام بتدريبه على أعمال الاستخبارات، كما أنّه هو الذي رشّحه لتولي أمر التنظيم في العراق لاحقاً بأوراق مزورة أيضاً بعد مقتل الزرقاوي العام 2006.، قال هزاع إنّ كنية المهاجر الحقيقية هي "أبو الدرداء"، لقد كان متعدد الكُنى والأسماء الحركية.

طلب المهاجر من أقرانه الزواج فعرضوا عليه شابة يمنية تدعى حسناء علي يحيى حسين، لكنها لم تكن تعرف على وجه التحديد هويته الحقيقية، فتزوجها بجواز سفر يحمل اسم يوسف حداد لبيب، وهو الاسم الذي حط به على الأراضي اليمنية.
قالت حسناء، وفق ما نقلت صحيفة الجارديان العام 2010 عن مسؤولين أمريكيين في أحد سجون العاصمة العراقية بغداد، إنّها لم تكن تعلم حينها أنّ زوجها هو "المهاجر"، وأنّها تزوجته في العام 1998 إلا أنّها لم تكتشف حقيقته إلا في العام 2006 ووصفته بـ"الغامض والغريب".
يقول الباحث في الحركات الجهادية علي عبدالعال لـ"حفريات" إنّه لا يمكن أن يدلي قيادي أو عنصر في القاعدة بمعلومات تتعلق بوضعه التنظيمي لزوجته أو أي من أقربائه، للدرجة التي يمكن أن يصف بها من يقاتلون في ذلك التنظيم بأنّهم قتلة وإرهابيون.

"صورة نادرة لليمنية حسناء علي، زوجة "المهاجر

قرنا الشيطان

بعد الهجرة الثانية لأفغانستان العام 1998م كان المهاجر وبصحبته ذاك الرجل قد هبطا من جديد على الأراضي الأفغانية.، سر عميق ربط بين المهاجر وأبو الزرقاوي في أفغانستان في هجرتيهما الأولى والثانية؛ فالمهاجر كان ابناً مخلصاً للظواهري بينما كان الزرقاوي مؤمناً بأفكاره الخاصة ومشروعه المتمايز؛ إذ لم يعط الزرقاوي في هجرته الأولى لأفغانستان بيعة لأحد، فقد كان يسعى لإقامة جماعة خاصة به تخرج من رحم الجهاد الأفغاني يصنعها هو على يديه ومحددة المنهج والطريق وظل في الهجرة الثانية على هذه القناعة.
بعدما وصل أبو مصعب لقندهار أرسل تنظيم القاعدة وفداً لمقابلته كان على رأسه المسؤول الأمني في جيش قاعدة الإسلام العالمي سيف العدل، الذي كان قد تلقى تقريراً يشير إلى أنّ أبو مصعب ورفاقه لديهم أفكار متشددة في بعض القضايا منها ما يتعلق بأحكام الولاء والبراء،  في النهاية رضيت القاعدة باستقلالية الزرقاوي وحاولت استغلاله ومجموعته في مشروعها العام.
فوض بن لادن وأيمن الظواهري، الزرقاوي لتنفيذ خطة تقضي بالتواجد والانتشار في الدول المحاذية لإسرائيل "لتنفيذ عمليات ضد الكيان الصهيوني" لجلب التعاطف مع القاعدة، باعتبار أنّ القضية الفلسطينية هي قلب الأمة النابض الجريح، ودخول التنظيم على تماس معها مهم للغاية لدغدغة مشاعر الأمة.. مصدرنا في هذا وما بعده هو ما نشره سيف العدل في مقاله المطول "السيرة الجهادية للقائد الذباح أبي مصعب الزرقاوي" عقب مقتله.
استندت النقطة الأساسية في المشروع الموكل للزرقاوي على ضرورة إيجاد منطقة في أفغانستان، يتم فيها إنشاء معسكر بسيط للتدريب اليومي، وتهدف إلى استقطاب عناصر من الأردن، وفلسطين، وسورية، ولبنان ومصر، والعراق، وتركيا، لأهمية هذه المناطق بالنسبة للقاعدة ولضعف عناصرها فيها.
في هذه الأثناء كانت معالم تنظيم التوحيد والجهاد في سيناء قد بدأت في التشكّل على يد المصري خالد مساعد.

صواعق 11 سبتمبر

ظلّ المهاجر لصيقاً خفياً بالزرقاوي حتى في تأسيسه لمعسكر هيرات المحاذي للحدود الإيرانية، فالمهاجر كان أحد أركان المشروع الجديد، فمصر كانت، وفق العدل، أهم الدول المستهدفة بتشكيل خلايا يوكل لها ضرب العدو الصهيوني في عمقها.
كانت هيرات المدينة التي خضعت لتلك المواصفات، وهي أقرب مدينة أفغانية إلى الحدود الإيرانية، وبذلك فهي بعيدة عن مراكز تجمع القاعدة، والوصول إليها والخروج منها أكثر يسراً، وهدفت القاعدة من ذلك إلى إبعاد "أبو مصعب" ومجموعته (غير المبايعة والمختلفة في بعض التفاصيل) عن مركز تنظيم القاعدة وقادته، وأرادت فقط التنسيق والتعاون لخدمة أهداف مشتركة، كما طرحوا عليه إنشاء محطتين في طهران ومشهد من أجل تسهيل عملية عبور المقاتلين من وإلى أفغانستان، وهو ما وافق عليه الزرقاوي في النهاية.

فوجئ الزرقاوي والمهاجر بضربة 11 سبتمبر 2001 التي لم تكن القاعدة قد أطلعتهما على شيء منها

مرت الأيام سريعاً وكبر تنظيم الزرقاوي في هيرات، وبدأ بالتبشير ببداية مجتمع إسلامي مصغر متوقعاً زيادته في المستقبل القريب، بعد أن ظن أنّ طريق إيران ممهد وسالك، وأنّ طريق باكستان لم تعد القاعدة برمتها في حاجة إليه.. وتقاطر المقاتلون من ذوي جنسيات متنوعة (سوريون، لبنانيون، عراقيون) على معسكر هيرات. وبدأ الزرقاوي في بناء علاقة جيدة مع تنظيم أنصار الإسلام، وقفزت شخصيته من رجل متحمس ذي إمكانيات متواضعة إلى قيادة عسكرية لديها قدرات على التنظير الشرعي ووضع الخطط الإستراتيجية والميدانية.. حتى جاءت الرياح على عكس ما كانت تبحر سفينته.
فوجئ الزرقاوي بضربة الحادي عشر من سبتمبر العام 2001 التي لم تكن القاعدة قد أطلعته على شيء منها، ولم يكن لديها خطة واضحة مدروسة لمواجهة تداعياتها حتى بدأ الهجوم الأميركي في نهاية العام 2001، فعاد إلى هيرات لحماية جماعته فقصف معسكره وانسحبت القاعدة وطالبان من المنطقة بعد أن قُصفت تجمعاتهم ومخازن سلاحهم ووقعت مجموعة من جماعته في أسر القوات الشيعية الموالية لإيران التي كانت تتربص بمعسكرهم، وشُرِّد الباقون تحت نيران القصف العنيف، وأصيب الزرقاوي، ثم أتت أوامر قادة القاعدة بتوافدهم تباعاً على إيران.
الدخول في المصيدة
دخلوا في المصيدة وهم لا يدرون، فبعد إعطائهم الأمان من النظام الإيراني بدأت أجهزة الأمن هناك في شنّ حملة اعتقالات واسعة استهدفت جماعة الزرقاوي تحديداً، فتم اعتقال نحو 80% من المقاتلين، إلا أن أبو مصعب وثلة ممن كانوا معه كانوا قد فروا في اتجاه الحدود الشمالية بين العراق وإيران، وهي المنطقة التي لم يكن الزرقاوي منذ البداية راغباً في التوجه إليها، مفضلاً عليها الشيشان وأفغانستان.
توجه أبو مصعب إلى كردستان التي لم تكن يوماً في برنامجه، ولم يتوافق مع رفيقه الأردني رائد خريسات المعروف باسم عبـد الرحـمن الشامي عليها الذي كان قد سبقه إليها وأنشأ معسكراً للتدريب هناك، إلا أنّه لقي حتفه في القتال مع التحالف الشمالي الكردي العراقي في  تشرين الأول (أكتوبر) 2001 فالتفّت طائفة ممن كانوا معه حول أبو مصعب.
وعن هذه الحقبة ذكر في ديوانه "هموم وآلام" باقتضاب قائلاً: "لمّا سقَطت دولةُ الإسلامِ "أفغانستان" عرفنا معنى التّيه، ولِمَ لا، فنحنُ من عاشرْنا التشرّد، وتخطّفتنا أيادي الغدْر في البُلدان، وبالكادِ استرَحنا من عَناء الأسفار وتفرّق الإخوان، فرَحلنا ورحَل معي كثيرٌ مِن إخْواني، وما زِلْت أتقلّب من بلدٍ إلى بلد حتّى تفرّقنا كلّ مفرقِ، وأجهزَ المجوسُ في إيرانَ على منْ تبقّى مِنْ إخواني بعد خديعةٍ عظيمة، فجلسْت يوماً أتذكّر حلاوةَ الصّحبة وطعْم المحبّة في حلْقي شهد، وإذا بي أفوقُ على مَرارة الفُرقة وحقيقتها، فتذكّرت أبا السّماحِ ذاك الشّهْم الشُّجاع الكَريم النّبيل، وأين هو موضعه الآن".

كان المهاجر حريصاً طيلة الوقت في الحفاظ قدر المستطاع على ما كتب، فقد كان يدون كل مذكراته، لكنها فقدت كلها

ألقت الريح الهوجاء بهما – وفق العدل- من إيران إلى العراق، حاملين جرحاً عميقاً من "غدر الشيعة والإيرانيين" بهما وبجماعتهما الناشئة التي لم يكد يجني ثمارها بعد حتى حرمه الإيرانيون منها، فانتكست بين قتيل وجريح ومشرد فكتماها في نفسيهما المهمومة ووجدانهما المشحوذ.
سقط النظام البعثي تحت عجلات الدبابات الأمريكية، وبدأت إعادة تشكل الخارطة السياسية لتزحف الطائفة الشيعية على معالمها وتشتعل شرارة العنف الطائفي، وليجد الزرقاوي نفسه في قلب المثلث السني حاملاً راية من رايات الدفاع عن السنة ليس في مواجهة المحتل الأمريكي فحسب؛ بل في مواجهة الجماعات والمليشيات الشيعية التي انجرفت في استهداف جمهور السنة على خلفية الفراغ السياسي الذي خلفه سقوط نظام صدام حسين، وبدأت سلسلة من الاستهداف لأئمة الطائفة الشيعية وعمومها دون تفريق.
شكل أبو مصعب العام 2003 تنظيمه الذي أطلق عليه "التوحيد والجهاد" بعيداً عن تنظيم القاعدة؛ في البداية ووضع له منهجه الفكري والعسكري، ثم أرسل رؤيته في رسالة سرية لأسامة بن لادن شرح فيه بشكل مفصل استراتيجيته للعمل على الساحة العراقية، ثم تلا ذلك إعلان مبايعته للقاعدة فيما بدا أن رسالته السرية كانت شرطاً لقبول وضعيته على ما هي عليه، وجاء قبول بن لادن لبيعته إقرارا منه لما وضعه الزرقاوي من استراتيجية تردد وقتها أنها لم تكن تلقى قبولا لدى شريحة واسعة في أوساط القاعدة.
شخص ما كان يراسل بن لادن والظواهري وهو بجوار الزرقاوي، يخبرهما بجميع ما يدور على الساحة العراقية وأوضاع التنظيم، كان يدعى "كارم"، هذا الشخص عرف فيما بعد بأنّه المهاجر.. حسب وثائق أبوت آباد التي وجدت مع بن لادن بعد مقتله العام 2011.
مع الحور العين في الفلوجة
تطاير زجاج النوافذ وعلا غبار البارود، كان عبدالمنعم جليساً بين رفقائه،  وشظايا القنابل تطيح بالرؤوس،  إلا أنه أخرج ورقة يتلو منها أبيات شعر كان قد نسجها في الحور العين: "نظراتُ عينِيها سِهامٌ تكْلِمُ، وكواعبُ ياقوتٍ هنَّ نواهدٌ، بَيْنَ الشِّفاهِ حلاوةٌ سكْرٌ بهِ..."،  وفتح أحدهم كاميرا ليسجل به ذلك الحدث .. وتعالت الضحكات.

تحتاج هذه الشخصية أن تثبت وتعزي نفسها في لحظة الصراع هذه، بأنه سيترك الدنيا ويذوق مرارة الموت في مقابل الجنان

سقطت هذه الكاميرا في أيدي القوات الأمريكية، وذاع ذاك الفيديو على شبكة الإنترنت، إلا أننا قد وجدناه قد تحدث عن هذه القصيدة في ديوانه الشعري فقال: "هذه القَصيدة كَتبتُها وقد أُحيط بيتُنا من كلّ مكانٍ واشتدّ القَصْف وزحَف العَدوّ إلينا، وسَحب الإخوةُ الأقْسام واستعدّوا للمَوت".
ويسترسل: "جلسْتُ أكتُب هذهِ القَصيدة ثمّ أوقَفتُ الإخوةَ وقُلت لهم: كتَبتُ قَصيدةً في الحُور. قالوا: كيفَ لكَ قلبٌ على الكِتابة، وهلْ هَذا وقْتُه؟، قُلتُ: ومَتى إذَن وقتُها؟، وهلْ للحُور وتذكّرِها موضعٌ إلّا هذا الموضِع والوقت؟، وبِالفِعْل أكثرَ من ثُلثَي مَن كانَ مَعيَ قُتِلوا، في ثاني يومٍ من هذهِ الجَلسة".
بات تدخل الطبيب النفسي، محمد المهدي، ملحّاً، فهو يرى وفق قوله لـ"حفريات" أنّ في لحظة الاقتراب من الموت، تحتاج هذه الشخصية أن تثبت وتعزي نفسها في لحظة الصراع هذه، بأنه سيترك الدنيا ويذوق مرارة الموت في مقابل الجنان، كما أنه يريد أن يقطع كل صراع داخلي يمكن أن يراوده في صحة طريقه الذي سلكه من عدمه.
كان المهاجر حريصاً طيلة الوقت على الحفاظ قدر المستطاع على ما كتب، فقد كان يدون كل مذكراته، لكنها فُقدت كلها، مع حرص "أبو مصعب الزرقاوي"، على أن تظل موجودة، فكتب يقول: "ما بينَ يديكَ يا أخي إنّما هو نُتفٌ من قصائدَ طويلةٍ ضاعت منّي وحاولتُ أن أتذكّر بعضَها قدر المُستطاع، وما ضاعَ من قصائدي ثلاثةُ أضعاف ما بين يديك أو يزيد".
"ثُمّ إنّ أعداءَ الله أخذوها مرّتين وقصفوها مرّة، وفي كلّ مرة أحاول أن أتذكّر بعضها فتأتي الأخرى لتذهب بالبقيّة، وفي أحداث الفلّوجة الثّانية طلَب منّي أخي أبو مصعب ألاّ أدعَ الورقة والقلم، فكنتُ أسجّل شِعري ومشاعري، حتّى اشتدّ الخطبُ، وكنتُ أقفز من بيتٍ لبيت وأضعُ دفتري إلى جانب مخزني، حتى حوصِرتُ في أحد البيوت وأيقنْت بالهَلاك ولم أشكّ في ذلك، فأبصرتُ عجوزاً كان لها فضل كبيرٌ عليّ، فقُلت لها: يا أمّي هذا مالي، هوَ لكِ، وهذا الدّفتر حاوِلي إيصالَه إلى إخواني فإنه عندي لا يقدّر بمال، وكنتُ أرجو أن يصلَ إلى ابني ولعلّه يقرؤه بعدما يكبُر فيعرفُ ما كان عليه أبوه، فلا يحيد، ولعلّه يتّعظُ، لكن ضاعَ الدّفتر".

 

اقرأ المزيد...

الوسوم: