فلسطينيون يسكنون الكهوف يصادقون الخوف ويحلمون بالشمس

فلسطين

فلسطينيون يسكنون الكهوف يصادقون الخوف ويحلمون بالشمس

مشاهدة

21/02/2019

لم يجد المواطن، قدورة بني عودة، سوى العيش في كهف بأحد الجبال، جنوب مدينة القدس المحتلة، اتخذه مسكناً له ولعائلته هرباً من البرد القارص والأمطار الغزيرة، بعد أن أقدمت قوات الاحتلال الإسرائيلي على تدمير منزله في بلدة بيت حنينا، شرق القدس، بذريعة البناء دون الحصول على التراخيص اللازمة.

اقرأ أيضاً: أسرى فلسطينيون يتابعون تعليمهم خلف القضبان ويتحدون عتمة السجون

بني عودة (38 عاماً) يعيش برفقة عائلته المكونة من 8 أفراد، في كهف لا تتجاوز مساحته 170 متراً مربعاً، بعد أن منعته السلطات الإسرائيلية وبلدية الاحتلال من استئجار بيت له داخل مدينة القدس؛ لتزداد معاناته مع دخول فصل الشتاء وازدياد حدة المنخفضات الجوية التي تتعرض لها الأراضي الفلسطينية.

 اتخذه مسكناً له ولعائلته هرباً من البرد القارص والأمطار الغزيرة

طهي الطعام على روث الحيوانات

يتحدث بني عودة عن معاناته المستمرة، ويقول لــ "حفريات": "منذ أكثر من عامين، وأنا أعيش برفقة أسرتي في أحد الكهوف المطلة على مدينة القدس، الذي يفتقر إلى أدنى مقومات الحياة الآدمية، وتمنع قوات الاحتلال الإسرائيلي تزويدي بالكهرباء والمياه، وأعتمد على جمع الحطب وتجفيف روث الحيوانات لطهي الطعام والتدفئة، وأستخدم الحمير والبغال لتنقل أولادي، تجنباً للسير على أقدامهم لمسافة تزيد عن 10 كيلو مترات للوصول إلى مدارسهم".

يتمنى الفلسطيني قدورة بني عودة وعائلته السكن في منزل تتوفر فيه المقومات الأساسية للحياة، بدلاً من كهفه المظلم

ويضيف "الكهف الذي أعيش فيه يفتقر للمرافق الأساسية؛ فلا حمام ولا مطبخ، سوى غرفتين، تم تخصيص إحداهما لمبيت الأغنام والدواجن والغرفة الأخرى للعيش بها برفقة عائلتي، ورغم تعرض جميع أركان الكهف الداخلية للرطوبة الشديدة، واكتساء جميع جنباته باللون الأسود، نتيجة إشعال النيران ليلاً للتدفئة خلال فصل الشتاء، الذي أدّى إلى إصابة عدد من أفراد أسرتي بأمراض مزمنة في الجهاز التنفسي، لعدم وجود نوافذ أو فتحات كبيرة للتهوية تسمح بدخول كميات كافية من الهواء إلى داخل المغارة".
مصادقة الأفاعي والعقارب
ويؤكد بني عودة أنّ "العيش بداخل الكهف أمر في غاية الخطورة، ونتعرض عدة مرات لهجمات القوارض والأفاعي والعقارب، إلا أننا أصبحنا نعتاد على هذه الحياة اللاإنسانية، متخذين من تربية الأغنام والطيور والزراعة ملاذاً ومصدراً لتوفير الطعام، مع رفض السلطات الإسرائيلية منحي تصريحاً للعمل داخل الخط الأخضر، أو أحياء مدينة القدس، بحجج واهية، بعد أن تمّ تجريدي من هويتي الزرقاء الإسرائيلية، التي تمنح للسكان في مدينة القدس دون أسباب تذكر".

اقرأ أيضاً: القطار الهوائي.. مشروع إسرائيلي لتهويد سماء القدس
الكهف الذي يعيش فيه بني عودة وعائلته آيل للسقوط نتيجة للتشققات الكبيرة التي أصابت جدرانه وسقفه؛ وذلك كون المنطقة التي يتواجد فيها الكهف قد تعرضت في وقت سابق إلى إطلاق وابل من القنابل والصواريخ من قبل الطائرات الحربية الإسرائيلية في مهمات تدريبية لقوات الجيش الإسرائيلي، ولا يمتلك بني عودة التكاليف المالية اللازمة لإعادة ترميمه أو الانتقال إلى سكن آخر.
يقول: "كلما حاولت بناء غرفة من الطوب والإسمنت في أرضي التي ورثتها عن أجدادي، تقوم القوات الإسرائيلية بهدمها، وهو ما حدث معي منتصف العام الماضي (2018)؛ عندما حضرت قوات عسكرية كبيرة وقامت بهدم الغرفة التي شارف بناؤها على الانتهاء، ولم يتم الاكتفاء بذلك فقط؛ بل جرى تسليمي إقراراً من قبل بلدية الاحتلال بالقدس بفرض غرامة مالية تقدر بــ 12 ألف شيكل بحجة البناء بدون ترخيص".

اقرأ أيضاً: تهويد يافا.. حكاية نكبة لم تتوقف
ويشدد بني عودة على أنّه "رغم الممارسات الإسرائيلية العنصرية لن يترك أرضه ولا الكهف الذي يعيش وأسرته فيه، وسيبقى صامداً، رغم معيشته التي تفتقر لأدنى مقومات الحياة الإنسانية، وأنه يضطر للتعايش مع مأساته في ظلّ عدم اكتراث مؤسسات السلطة الفلسطينية بمأساتهم الحرجة، كي يتم انتشالهم وتوفير مساكن مؤقتة لهم".
ولمحاولة التضييق على سكان مدينة القدس وطردهم منها، يقول بني عودة: إنّ "الفلسطينيين بمدينة القدس يعانون أوضاعاً مأساوية صعبة، وتتم معاملتهم كمواطنين من الدرجة الثالثة، وتسعى "إسرائيل" بقوتها العنصرية لطردهم من المدينة المقدسة من خلال سياساتها التي تقوم بها لهدم منازلهم بقوة السلاح، وتهجيرهم منها، وإحلال الجماعات الإسرائيلية المتطرفة مكانهم".
ويتمنى بني عودة أن يتمكن من العيش وعائلته في منزل تتوفر فيه سائر المقومات الأساسية للحياة، وأن يتمتع برؤية أشعة الشمس تغزو كهفه المظلم.
معيشة تفتقر لأدنى مقومات الحياة الإنسانية

هكذا تحول منزل العويضات لكومة حجارة
ولم يكن حال المواطن تيسير العويضات (42 عاماً)، من بلدة العيسوية، بأفضل من غيره، وذلك بعد قيام قوات الاحتلال الإسرائيلي بتسليمه إخطاراً خلال عام 2017؛ بهدم منزله الذي يؤويه هو زوجته وأطفاله الستة بحجة البناء بدون ترخيص، وبعد محاولات عديدة داخل محكمة العدل العليا الإسرائيلية لإثبات ملكية منزله، وقررت المحكمة هدمه ليشاهده وهو يتحول أمام عينيه إلى كومة من الحجارة، الأمر الذي دفعه للعيش في مغارة تقع على سفح أحد جبال القدس الشرقية.

اقرأ أيضاً: الخليل في مواجهة التهويد.. هل تقاوم وتحتفظ بذاكرتها وهويتها؟
يقول العويضات لـ "حفريات": "توجهت وعائلتي إلى إحدى المغارات في جبال القدس، وقمت بإعادة تأهيلها وتقسيمها لحجرات لتتناسب مع حياتنا البدائية الجديدة، ونعيش داخل الكهف، في ظلّ البرد القارص، مع عدم احتوائه على باب يحمي مدخله ولا وجود للكهرباء والمياه بداخله، ويتم الاعتماد على الحطب والشموع للإضاءة، وعلى الآبار للحصول على المياه".
ويكابد المواطن الفلسطيني مشقة كبيرة في العيش في هذا الكهف، الذي يفتقر لمختلف المقومات المعيشية: "لم أعد أحتمل شظف العيش داخله، وفي محاولة سابقة لتحسين حياتي؛ قامت جمعيات ومؤسسات دولية بالتبرع بعدد من الألواح الشمسية لإنارة الكهف، وتشغيل بعض الأجهزة الكهربائية الضرورية، إلّا أنه سرعان ما حضرت قوات كبيرة من الجيش الإسرائيلي وقامت بمصادرة الخلايا الشمسية".

اقرأ أيضاً: هكذا تحارب المناظرات الشبابية في فلسطين التعصب وتعزز الحوار
ويعاني أطفال العويضات من صعوبة كبيرة في الوصول إلى مدارسهم، التي تبعد أكثر من 15 كيلومتراً عن الكهف الذي نعيش فيه، ويضطرون يومياً لتسلق المنحدرات الصخرية الوعرة للوصول إليها، بعد قيام قوات الاحتلال بإغلاق الطرق الفرعية المؤدية للمدرسة الوحيدة القريبة من الكهف بالحجارة والسواتر الترابية، "وقد سبق أن تعرّض أحد أطفالي لكسور في سائر أنحاء جسده بعد سقوطه من سفح أحد الجبال أثناء ذهابه لمدرسته".

يعاني الأطفال من صعوبة كبيرة في الوصول إلى مدارسهم
وفضلاً عن ذلك، فقد تعرضت العائلة لمرات عديدة للإخلاء قسراً من الكهف الذي يسكنونه، وترحيلهم منه دون سابق إنذار من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي، ومصادرة أغنامهم، وإزالة حظائرها، قبل أن يعودوا للعيش فيها مرة أخرى، وذلك بحجة أن المنطقة التي يتواجد بها الكهف تقع في المنطقة "ج"، وهي خاضعة للسيطرة الإسرائيلية الكاملة".
ويعتمد العويضات على تربية الأغنام وزراعة القمح والشعير لتوفير الحد الأدنى لمتطلبات أسرته، ويتطلع لحياة أفضل، يستطيع فيها الاستقرار وعائلته بمنزل مستقل كبقية الناس.
ويعاني سكان مدينة القدس من حملة تطهير عرقي ممنهجة تتبعها السلطات الإسرائيلية؛ لتهجير المواطنين المقدسيين منها، بهدف ضمّ أجزاء كبيرة من المدينة المقدسة وربطها بالمستوطنات الإسرائيلية المجاورة.
ما هو مشروع (5800) لعام 2050؟
وبحسب مركز عبد الله الحوراني للدراسات والتوثيق؛ فإنّ الكنيست الإسرائيلي طرح مشروعاً، عام 1971، يهدف إلى زيادة مساحة مدينة القدس إلى نحو (600 كم2)؛ أي 10% من مساحة الضفة الغربية، بهدف أن تكون مدينة القدس ذات أغلبية يهودية، ويتخذ مشروع القدس الكبرى البعد الطولي من الغرب إلى الشرق بحدود "45 كم"، وبعرض"20 كم"؛ أي إنّه سيقسم الضفة الغربية شمالاً وجنوباً بشكل نهائي، وهذا تمّ على أرض الواقع، وهي مرحلة (الفصل).

تسعى "إسرائيل" لتفريع القدس من سكانها وإظهارها كمدينة حضارية مزدهرة للشعب اليهودي، قادرة على أن تنافس أهم مدن العالم

ومن المخطط له أن يعيش في مدينة القدس خمسة ملايين شخص، غالبيتهم من اليهود، وأن يزورها نحو 12 مليون سائح سنوياً، لإنعاش السياحة الدينية للمدينة والسياحة العلاجية، وستوفر الخطة نحو 80 ألف فرصة عمل تحقيقاً لمبدأ "القدس هي قلب دولة إسرائيل والشعب اليهودي"، ولإظهار القدس كمدينة حضارية مزدهرة للشعب اليهودي، قادرة على أن تنافس أهم مدن العالم من الناحيتين السياحية والتجارية.
ووفق المركز؛ فإنّ الحلقة الأكبر من هذا المشروع المتدحرج، وهي ما يسمى مشروع (5800) لعام 2050، تتضمن إقامة مطار دولي كبير في منطقة وادي موسى، وربط مستوطنات شرق القدس بغربها، بواسطة شبكة من سكك الحديد والجسور، وتوسيع شبكات الطرق لتكون قادرة على استيعاب أعداد أكبر من المسافرين والسياح، إضافة إلى حركة شحن خاصة إلى الخارج، وإقامة مناطق صناعية جديدة وفنادق وأسواق تجارية.

اقرأ أيضاً: ماذا تعرف عن صناعة الفخار في الخليل؟ وما مصير هذه المهنة؟
وطالب مجلس الأمن الدولي، التابع للأمم المتحدة "إسرائيل"، عام 2004، بوقف هدم المنازل الفلسطينية، وفق القرار رقم (1544)، إضافة إلى ما جاء في المواد (14 و53 و33) من اتفاقية جنيف الرابعة، والمادة (50) من اتفاقية لاهاي، التي تحظر جميعها على دولة الاحتلال أن تدمر أيّة ممتلكات خاصة، ثابتة أو منقولة، تتعلق بأفراد أو جماعات، دون وجود دواعٍ "حربية"، لكن "إسرائيل" كقوة قائمة بالاحتلال تضرب بعرض الحائط قرارات الشرعية الدولية، وهي أيضاً تخالف قواعد القانون الدولي.

الصفحة الرئيسية