فلسطين ونهاية العهد العثماني: كيف ضاعت البلاد؟

794
عدد القراءات

2018-12-27

أضحت الأحداث المتراكمة عبر التاريخ بخصوص قضية فلسطين محل نزاع، بينما بقي الأشخاص أبطال هذه الأحداث محل جدلٍ كبير، خصوصاً في الفترة التي تفككت فيها الإمبراطورية العثمانية تاركةً وراءها أراضي ممزقة لم تحصل على حرياتها كقوميات، ولم تعد تجد أي حمايةٍ من الاستعمار.

اقرأ أيضاً: 10 أساطير يؤمن بها الغرب.. حول الصراع الفلسطيني "الإسرائيلي"

وأحد أهم هؤلاء الأشخاص المرتبطين بفلسطين، هو السلطان عبد الحميد الثاني، الذي يوصف بالرجل الذي لم يبع البلاد، فيما يمنح السياق التاريخي الذي عاش فيه وحكم فيه إشاراتٍ عديدة عكسية تكاد تناقض هذه الفكرة، فالرجل الفرد (عبد الحميد) كانت قوانين بلاده للأراضي والمهاجرين مضادةً لقدرته على حماية فلسطين، إضافةً إلى الوضع السياسي والعسكري للإمبراطورية العثمانية، والغطرسة الأوروبية الواضحة ضد سيادة العثمانيين على أراضيهم.

فهل يمكن اليوم الكشف عن الموقف الحقيقي للسلطان تجاه الحركة الصهيونية؟ وهل بدأت السيطرة على فلسطين في عهده أولاً؟

الجغرافيا الغامضة

في كتابها "دور السلطان عبد الحميد الثاني في تسهيل السيطرة الصهيونية على فلسطين"، ترى الباحثة وأستاذة التاريخ العربي الحديث فدوى نصيرات، أن "أزمات دولية داخلية أخذت تهدد مصير الدولة العثمانية في 1876 ومنذ تولي عبد الحميد السلطة آنذاك وجد ثوراتٍ تعم أقاليم كالبوسنة والهرسك، وتمدداً لروسيا على حدود الإمبراطورية، وبدا عجز العثمانيين عن حماية حدودهم، خصوصاً بعد احتلال فرنسا لتونس في 1881 وبريطانيا لمصر في 1882".

تأسست أول مستعمرة صهيونية في فلسطين سنة 1878، وبدأت طلائع المهاجرين الصهاينة تصل سنة 1882

وتضيف نصيرات في كتابها الصادر عن مركز "دراسات الوحدة العربية" في 2014، أن "السلطان الذكي والطامح للاستقلالية، كان يقبع في دولته على خزانة مالٍ خاوية" لم تمكنه ربما من تفعيل قوى إمبراطوريته في حماية حدودها، أما الهجرة اليهودية إلى البلاد العربية، وخصوصاً فلسطين، فإن الدولة العثمانية بقيادة عبد الحميد، حظرت قدوم اليهود كمهاجرين إلى فلسطين تحديداً، وسمحت لهم بالبقاء والتملك في بلاد أخرى شريطة الالتزام بفرمانات الدولة العثمانية، غير أن نصيرات تعلق على هذه الحقيقة التاريخية بالقول إن "احتجاجات القناصل الأجانب والغربيين على هذه السياسة العثمانية، وإصرارهم على ضمان حقوق رعاياهم الأجانب في الدولة العثمانية، كان يسبب تراجعاً عثمانياً عن حظر الهجرة اليهودية إلى فلسطين".

باحثٌ آخر، هو الباحث الفلسطيني عمران أبو صبيح، يشير في كتابه "الهجرة اليهودية حقائق وأرقام ورصد وتحليل للهجرة اليهودية من فلسطين وإليها 1882-1990". إلى أن أعداد اليهود المهاجرين من أوروبا لفلسطين ازدادت، وبلغت منذ سياسات عبد الحميد في 1882 لمنعهم من الهجرة، "زيادةً نسبتها 5 إلى 11 بالمئة من سكان فلسطين"، وصولاً إلى العام 1890 الذي تم فيه تأسيس العديد من المستعمرات الاستيطانية، وبحلول عام 1900، انتشرت بعضها في يافا والقدس وطبريا وغيرها".

بدأت الإمبراطورية العثمانية تنهار نهائياً في عهد عبد الحميد الثاني

ويضيف أبو صبيح، في كتابه الصادر عن "دار الجليل" في 1991، أن "موجات الهجرة اليهودية الأولى شكلت بنيةً تحتيةً لتمكن رؤوس الأموال الصهيونية في فلسطين فيما بعد، وبدايةً ممهدةً للاحتلال الصهيوني لاحقاً". وفي الموقع الرسمي لمؤسسة "القدس للثقافة والتراث"، يرد ضمن القسم المخصص لفترة الحكم العثماني لفلسطين في عهد السلطان عبد الحميد النص التالي:

اقرأ أيضاً: استمرار النهج الاستعماري في فلسطين

"تأسست أول مستعمرة صهيونية في فلسطين سنة 1878، وبدأت طلائع المهاجرين الصهاينة تصل سنة 1882. وفي السنة نفسها، بدأ البارون إدموند دي روتشيلد، وهو مليونير يهودي فرنسي، حملة تأييده للاستعمار اليهودي في فلسطين . وفي سنة 1896، أنشأ البارون موريس دي هيرش، وهو مليونير يهودي ألماني؛ "رابطة الاستعمار اليهودي " في فلسطين، وفي سنة 1901، أُنشئ الصندوق القومي اليهودي في لندن، للحصول على أراض في فلسطين تدخل الحيازة اليهودية ولا تخرج منها أبدا".

 

 

 

ويبدو أن شخصية السلطان الطامحة للحفاظ على إمبراطوريته موحدة، ومحميةً من القوميات التي أخذت تغزو أوروبا بوضوح، وتغزو الأراضي الواقعة تحت سيطرة العثمانيين، فشلت، وفقاً لما أورده الباحثون من وثائق، بل وفي الوقت الذي بدأت تحتل فيه بلاد عربية كتونس ومصر، وتستعد أخرى كسوريا والعراق وسواهما للنضال من أجل الاستقلال، بدأت دولة الاحتلال تتشكل، دون أن تنفع سمعة عبد الحميد أو شخصيته، في منعها من ذلك.

وبمرور الوقت، أخذت فلسطين تتحول إلى جسمٍ جغرافيٍ غامض، فهي تحت حكم العثمانيين لكنها تتعرض للاستيطان، وهي أرضٌ عربية، لكنها ممنوعة من الاستقلال كدولةٍ لها كيانها وأراضيها، حيث من الممنوع أن تتشكل قوميةٌ فلسطينية، طالما توجد إمبراطوريةٌ عثمانية!

قلعة القدس في العهد العثماني المنهار لم تنفع في الدفاع عن فلسطين

الفردوس المفقود

ثمانون عاماً تقريباً، هي مدة احتلال فلسطين من قبل الصهاينة اليوم، ويختلف العرب عموماً على قدسية وبطولة العثمانيين في الدفاع عن فلسطين، رغم أن تمزقهم وتنازلهم عن أراضي إمبراطوريتهم الواسعة، كلف الفلسطينيين خسارة فلسطين، مقابل حفاظهم على معقلهم الأخير (تركيا)، ولم يبق للعرب سوى البحث عن مكانٍ لهم في عالمٍ جديد تشكله الدول القومية، لكن توجب عليهم مواجهة الاحتلال قبل كل شيء، ومثلهم فلسطين.

نصيرات: عجز العثمانيون عن حماية حدودهم خصوصاً بعد احتلال فرنسا لتونس في 1881 وبريطانيا لمصر في 1882

ولعل أوضح دليلٍ على أن الإمبراطورية العثمانية لم تستطع الوقوف عائقاً في وجه (صهينة فلسطين) وخصوصاً من قبل الإمبراطورية الألمانية التي كانت داعماً لليهود وهرتزل مطلع القرن العشرين، وخليفةً للعثمانيين في الوقت ذاته، يكمن في مقولة هرتزل في مذكراته الشهيرة، وكان يوجه كلامه في حينه إلى إلى قيصر ألمانيا في 1898 "لو كانت الحكومة التركية تمتلك بعد نظر أو أدنى اهتمام بنشاطاتي، لطردتني من أراضيها ومن فلسطين".

وكان نشاط هرتزل ومن معه تجلى بشكلٍ مؤلمٍ تجاه أراضي فلسطين، وذلك وفقاً لما يوثقه المؤرخ محمد عبد العزيز عوض في كتابه "مقدمة في تاريخ فلسطين الحديث 1931 -1914". فيذكر بدقةٍ أسماء المستوطنات الصهيونية وتواريخ تأسيسها في عهد السلطان عبد الحميد، ومن أهمها:

غلاف كتاب "مقدمة في تاريخ فلسطين الحديث"

"مستوطنة مكفيه وتأسست في 1870 بالقرب من يافا، ومستوطنة بتاح تكفا، وتأسست في 1878 شمال يافا، ومستوطنة روش بينا قرب مدينة صفد الفلسطينية في 1882، وغيرها العديد من مستعمرات ومستوطنات الصهاينة في عهد عبد الحميد".

وبحلول العام 1908، يجمع المؤرخون والباحثون السابقون، على رقمٍ أساسي، هو 400 ألف دونم أرض، كان الصهاينة واليهود قد حصلوا عليها من أراضي فلسطين، أنشأوا على جزءٍ كبيرٍ منها 68 مستعمرةً ومستوطنةً معظمها زراعية.

قدم الصهاينة إلى فلسطين ببطء وسلاسة تحت أنظار العثمانيين

أما الدكتورة والباحثة فدوى نصيرات، فتخلص إلى نتيجةٍ مفادها أن "سياسة السلطان عبد الحميد في منع الاستيطان عن فلسطين ظلت بعيدةً عن التطبيق، وأن سياسة الدولة العثمانية، فشلت في حماية فلسطين وفق شواهدٍ وأدلةٍ كثيرة، بعكس ما يتحدث عنه المدافعون عن السلطان عبد الحميد".

اقرأ أيضاً: الحياة الثقافية في فلسطين قبل النكبة... شواهد تكذب الدعاية الصهيونية

ولعل فردوس العرب المفقود (فلسطين)، لم تعد بحاجةٍ إلى تصنيم الأبطال حولها، بعد أن باتت اليوم مهددةً بالضياع نهائياً بصورةٍ أكثر من ذي قبل، ولم ينفعها لا العثمانيون ولا سواهم من قادة ذلك الزمان من مستعمرين ومحتلين، فيما لا يزال أهلها صامدين، دون الحاجة إلى أساطير منع العثمانيين للاستيطان من عدمه.

اقرأ المزيد...

الوسوم: