فيلسوف فرنسي يحلل لماذا يقدم الشباب أنفسهم طواعية إلى التنظيمات الجهادية

صورة كريم شفيق
صحافي وكاتب مصري
9136
عدد القراءات

2019-05-12

في ظلّ الانبعاثات المتكررة لظاهرة العنف الديني، والتي تعمد إلى توظيف الدين كمرجعية تؤسس من خلالها تنظيمات جهادية، تشنّ هجماتها التدميرية ضدّ أفراد ومؤسسات ودول، في مجتمعاتها وخارجها، تظلّ العديد من المقاربات تحاول فهم وتفكيك تلك الحالة على عدة مستويات، أبرزها: التكوين النفسي والأيديولوجي، الذي يعدّ بصورة جوهرية أساساً للترابط التنظيمي، بينما تمنحه الناحية العقائدية ترابطه الأولي.

اقرأ أيضاً: التنظيمات الجهادية في المغرب العربي.. صراع محتدم
وبخلاف التحليل القائم على الهوية، تساهم البنى الطبقية في تكوين مدخل معرفي آخر، تتشكل على سطحه رؤية مغايرة لاستيعاب الأفكار المتشددة، وتلك الرؤية "الانتحارية" للعالم، حين يقرر فرد تقديم نفسه قرباناً للعدم، ويفجر ذاته لهدف وحاجة ما.
"العنف، بالأساس، ينتج عن الغضب حين يتسرب للشخص إحساس بعدم العدالة"

اقتران الدين بالعنف
"العنف، بالأساس، ينتج عن الغضب حين يتسرب للشخص إحساس بعدم العدالة". تبدو تلك العبارة للفيلسوفة الألمانية، حنة أرندت، مدخلاً مقتضباً وسريعاً، يفسد العديد من المقولات الرائجة التي ترى الدين هو المحدد الوحيد للهوية الإنسانية، ومن ثم، تنبني عليه مجمل ممارساتها وأنشطتها، وهو ما يؤدي إلى إهدار عوامل أخرى، وإقصاء سياقات مختلفة، تبرز من خلالها قيم وسلوكيات الأفراد.

مع تنامي العمليات الإرهابية التي تورطت فيها الجماعات الإسلامية، انتشرت جلّ التفسيرات لتربط بين الإرهاب وأزمات المجتمعات الإسلامية

وصحيح أنّ التأويل الديني لجماعات الإسلام السياسي، وبعض المرجعيات الفقهية المتشددة، تحمل في خطابها تحريضاً على العنف، وسفك الدماء، وتدشين حروب مقدسة، فتحصل على شرعيتها ضد خصومها وأعدائها، من خلال التراث الديني، بمختلف مصادره، فتجعل نضالها بمثابة عملية كفاحية و"تطهيرية" للعالم، في سبيل الحكم الديني المطلق، لكن ذلك كلّه يمكن أن يكون تفسيراً جزئياً للظاهرة الإشكالية، ولا يقدم طرحاً عملياً لشرطه الأساسي، الذي يمنحه البيئة الحاضنة، التي تمكن تلك العضلة المتطرفة من النمو والنضج.  
إذاً، لا يمكن الربط الجذري، كلياً، بين الدين والعنف، ومع تنامي العمليات الإرهابية التي تورطت فيها الجماعات الإسلامية، انتشرت جلّ التفسيرات لتربط بين الإرهاب وأزمات المجتمعات الإسلامية، التي ترى أنّ دينها وقع في فخّ الراديكالية، لم تخرج رؤى هؤلاء عن جدل الهوية، وصراعها مع الآخر، نتيجة مفهوم صدام الحضارات، الذي حاول الغرب تأبيده، لتشكيل رهاب إسلامي، بهدف تنحية العوامل الآخرى، من ناحية، وتخليص نفسه من ظواهر العنف المقترنة بأنظمته السياسية، من ناحية أخرى. وفي جملة بليغة، يقول المفكر الأمريكي، وليام كافانو، في كتابه "أسطورة العنف الديني": "أرى أنّ حجج اقتران الدين بالعنف تخدم مصالح محددة لمستهلكيها في الغرب".
 كتاب "شرّنا يأتي مما هو أبعد"

نحو فهم آخر للجهاد والموت
وفي هذا السياق، يمدّنا الفيلسوف الفرنسي، آلان باديو، في كتابه "شرّنا يأتي مما هو أبعد"، وهو في الأصل محاضرة، قدمها إبان الاعتداءات التي تعرضت لها فرنسا، في 13 تشرين الثاني (نوفمبر) العام 2016، بالعديد من الأفكار والأطروحات النقاشية التي تحفر أسفل ظاهرة الإرهاب.
وكعادته، ينطلق من الحادث الظرفي والراهن إلى محاولة استيعاب الظاهرة، من خلال حشدها ضمن نسق معرفي، يضفي عليه آثاره الفلسفية، وتتضح منها مواقفه السياسية الملتزمة، وبطريقته التي يستلهمها من انتمائه للمدرسة الأفلاطونية، وقياسه الرياضي الذي يضع المعطيات والبرهان وصولاً للنتيجة.

اقرأ أيضاً: الحركات الجهادية في إفريقيا... تحالف وتقاتل وعنف
يتحرى باديو فهم بنية المجتمع المعاصر الذي تهيمن عليه الرأسمالية المعولمة، ونظامها الاستغلالي، والذي أدى، برأيه، إلى سيادة نزعة من الوحشية، نجمت عن  التفاوت الطبقي الرهيب، وحالة التهميش والعزل، بالتبعية، تسببت في ضعف الدول الوطنية والقومية وتقويض كياناتها، وخلق أنظمة أو بالأحرى أنماط مختلفة من القوة تمارس هيمنتها وسيطرتها الخارجية.
ينبذ صاحب "الوجود والحدث" مجمل المقاربات الثقافوية والحضارية، التي تناقش ظاهرة الإسلام السياسي، ونشوء التنظيمات الجهادية، وينتقد التعالي الغربي الذي يصف الاعتداءات الإرهابية، بأنها عملية عدوان للقيم "الحضارية" للغرب، والتي ينبغي الحفاظ عليها أمام طغيان وهجمة "التخلف" و"الرجعية"، لدى أبناء الجنوب والمجتمعات العربية والإسلامية.
 المجتمع المعاصر تهيمن عليه الرأسمالية المعولمة

من هم القتلة؟
ينفذ باديو في تشريحه لأزمة الإرهاب المؤسلم، من خلال أزمة الرأسمالية، وتناقضاتها الداخلية، وما ترتب عليها من هيمنة طبقة أوليغاركية، احتكرت في قبضتها المال والثروة، بينما طردت أغلب سكان العالم من مناطق النفوذ، والتبادل الإقتصادي، وسوق العمل والإنتاج. وفي ظلّ الاختلالات في تلك المنظومة التي تحكم العالم، وتفرض سيادتها، تشكلت في مقابلها "هيمنة العصابات" كبديل عن الدول المنحسرة، والتي أضحت، في تعبير كارل ماركس، وكلاء محليين لرأس المال، المركز في العالم. 
وبحسب الفيلسوف الفرنسي؛ فإنّ نسبة 1% من سكان العالم، تستحوذ على 46% من الثروات، وهو ما يقترب من النصف تقريباً، ونسبة10% تتملك نحو 86 % من الثروات، بينما نسبة50% من العالم لا تملك شيئاً، ما يعني أنّ هناك كتلة فقيرة تقارب نصف سكان الأرض، تعيش غالبيتها في أفريقيا وآسيا.

اقرأ أيضاً: كيف وظفت السلفية الجهادية مفهوم الطاغوت في القرآن الكريم؟
وترتب على بنية العالم المعاصر، كما يوضحها باديو، ظهور ثلاث ذاتيات، لكن قبل عرض نماذجهم، يمكن الإشارة إلى أنّ صناعة وتكريس الصورة الذهنية حول الخطر الإسلامي تعكس رغبة لتجاوز الأزمة الحقيقية في بنية المجتمع العالمي المعاصر، الذي يحصر الأزمة في المسلمين والمهاجرين واللاجئين، والانفلات من طرح وعي بجوهر الأزمة التي أفضت لتلك الظواهر المفشية والتعمية عن أسبابها، فالإسلام "هو مجرد غطاء لأزمة عميقة".
الفاشية المعاصرة والبربرية التقليدية
ثمة ذاتية غربية؛ هي تلك التي تعيش التناقض بين مركزية التفوق والقلق من التدهور والتراجع، حيال الهجمات المعادية من الإسلامويين، فتلجأ إلى سياسة الأمن والتخويف، بهدف حماية نفسها. وهناك ذاتية عدمية، يصفها باديو، بأنها تنزع إلى منطق التدمير والتآمر في علاقتها بالغرب، وترتدي في سبيل ذلك كلّ الأغطية الأسطورية، التي توفر، عبر رمزيتها، قطيعة تامة مع الغرب.

تقديم الشباب أنفسهم طواعية إلى التنظيمات الجهادية إنما يعكس حالة الفراغ والعدمية اللتين تعاني منهما الرأسمالية

وأخيراً، ذاتية راغبة في التغرب، تتمثل في حركات الهجرة القادمة من بلدان الفقر، والحروب الأهلية، فتريد أن تستورد النموذج الغربي وتندمج فيه.
يخلص الفيلسوف الفرنسي إلى أنّ تقديم هؤلاء الشباب أنفسهم طواعية إلى التنظيمات الجهادية، إنما يعكس حالة الفراغ والعدمية اللتين تعاني منهما الرأسمالية العالمية، وأدت لولادة هؤلاء المحبطين الذين يتوقون لنمط حياة محرومين منها، ولذات غائبة عنهم، وبالتالي، تحولت العمليات الإرهابية (الإجرامية)، كما يشير باديو، إلى نمط من الإخراج الاستعراضي للموت، تتجمع فيه كل تلك العناصر المكبوتة داخلهم.

الإسلام ليس فاشياً

والدين في تلك الحالة، والإسلام على وجه الخصوص، ليس هو أساس الفاشية المعاصرة، إنما الفاشية فيما يؤسلم، كما يحددها باديو، وبالتالي، ليس الإسلام هو ما يضفي الطابع الفاشي، بيد أن الدول الغربية التي تقوم وسائل الإعلام فيها بتوصيف العمليات الإرهابية بـ "البربرية" و"الهمجية"، تستخدم السلاح ذاته وتحول الساحة المدنية لمسرح قتال، وتستهدف المدنيين كضحايا عرضيين، وهو لا يقل في الواقع عن بربرية وهمجية الرأسمالية المعولمة التي تقتل الناس الأبرياء، أطفالاً وأمهات وشيوخ، بالمئات والآلاف، معتمدة على أحدث تكنولوجيا القتل الجماعي، كما الحال في الحروب التي خاضها الغرب والإسرائيليون في فلسطين والعراق؛ إذ تصل نسبة الموت في الجانب الغربي نحو الواحد مقابل العشرين، وذلك من أجل البحث عن أسواق لتصريف فائض إنتاجه، ومناطق خصبة لاستغلال ثرواتها الطبيعية والبشرية.

اقرأ أيضاً: الجماعات الجهادية...هل هي شكل جديد للاستعمار؟
فإذا كان ثمة فرق بين بربرية الفاشيين المعاصرين، وبربرية الرأسمالية المعولمة؛ فهو مجرد فرق في الدرجة وليس في الجوهر؛ إذ إنّ كلّ ما في الأمر؛ أنّ البربرية الأولى متخلفة، في حين أنّ البربرية الثانية متحضرة، كما يرد في الخطاب الدعائي لدى الغرب، ومثله لدى التيارات الإسلاموية.
لذا، يؤكد باديو أنّ ما بات يعرف بـ "داعش"، مثلاً، لا يمثل سوى مظهر من مظاهر الفاشية المعاصرة، الغارقة في بنية المجتمع العالمي، والتي لا تجد معها مخرجاً سوى الاشتغال بآلياتها، وإعلان العداء لها، في نفس الوقت، فتقوم بتجنيد الشباب الذين يقعون على هامش فئة المستهلكين، لاقتراف المذابح والتفجيرات، بينما يظل الدين مجرد قشرة سطحية، ليوحي فقط بدلالات النصر والتمكين والفتح المبين.

اقرأ المزيد...

الوسوم: