فيلم "بيروت": السرديّة الأمريكيّة عن الحرب الأهليّة اللبنانيّة

2712
عدد القراءات

2018-08-07

يحاول الفيلم الأمريكي "بيروت"، الذي طرح للعرض نيسان (أبريل) الماضي، تصوير المشهد في لبنان، بين عامَي ١٩٧٢ و١٩٨٢، فيبدأ بمشهد يجمع بين رجال دبلوماسيين في بيت دبلوماسيّ أمريكيّ، سيدور حوله العمل، اسمه جون هام، الذي سيظهر في الفيلم باسم مايسون، وهو مشهد استشراقيّ؛ حيث يظهر شخصٌ بلباس خليجيّ، وامرأة بمشهد أم كلثوم، وسط كلمات عربيّة "متكسّرة" على لسان زوجته ناديا.

يستهلّ الفيلم، وهو من إخراج براد أندرسون، وتأليف توني غليوري، بخلاصة رؤيته لتاريخ الحرب في لبنان؛ إذ يقوم مايسون (البطل)، بتصوير لبنان، عندما طلبَ منه الدبلوماسيّون المدعوون لحفلة سُكر في بيته، باعتباره خبيراً فيها، وعاش أعواماً طويلة بها، على النّحو الآتي: "بيروت مثل بيتٍ بلا مالك، والشيء الذي يجمع بين المستأجرين هو موهبتهم في الخيانة، في لحظةٍ ما، دقّ غرباء الباب، ففتحوا، كان الفلسطينيون، اختلفَ السّكان بشأنهم، أدخلوهم في نهاية الأمر".

الفيلم، من إخراج الأمريكي: براد أندرسون

يدور الفيلم بالأساس حول حالة الفلسطينيين في لبنان تحديداً؛ فمايسون، الذي يظهر بثوب إنسانيّ رحيم، قد احتضنَ الطفل كريم، الآتي من مخيّم فلسطينيّ من غرب بيروت، وعدّه واحداً من العائلة، في حين أنّ المخابرات الأمريكيّة أمرت دبلوماسيّيها في بيروت بأخذ كريم، بسبب أخيه رافد أبو رجال، الذي يتمّ تصويره في العمل كعدوّ أول للنظام العالميّ، وفي حين يرفض مايسون تسليمه، تقع الفوضى في بيته، ويُطلق النار، وتقتَل زوجته ناديا، ويسرَق كريم على يد عصابة أخيه رافد أبو رجال.

يتمّ اختزال المشهد بصورة طائفيّة حيث إنّ المسلمين والمسيحيّين واليهود متعايشون وإنّ الفلسطينيّين هم الغرباء

"مرحباً بك في بيروت"، تلك هي العبارة التي اختتمَ بها مايسون وصفه لبيروت السابق، بأنّه بيتٌ بلا مالك في نهاية المشهد الأوّل من الفيلم، لا يحاول المشهد الأوّل، الواقع في ١٩٧٢، رواية سرديّة عن لبنان وتاريخها، وإنّما يتمّ اختزال المشهد بصورة طائفيّة؛ حيث إنّ المسلمين والمسيحيّين واليهود متعايشون، وبصورة صهيونيّة؛ حيث إنّ الفلسطينيّين هم "الغرباء"، الذين حلّوا وخرّبوا هذا الانسجام البيروتيّ.

فجأة، ينتقل الفيلم، بعد هذا المشهد التدميريّ وسرقة كريم، إلى بوسطن، بالولايات المتحدة، ونشاهد مايسون شخصاً عربيداً لا يترك شرب الخمر، ومفاوضاً لامعاً لشركة تجاريّة.

وفجأةً، تطلب منه المخابرات الأمريكيّة أن يعود إلى بيروت، بطريقة جبريّة؛ لأنّ هناك محاضرة تخلّف عنها المحاضر، وعليه أن يحلّ مكانه، لكن ما أن يأتي إلى بيروت، وهنا ينبغي أن نتوقّف قليلاً، وتبدأ السرديّة الحقيقيّة للفيلم.

يحاول إظهار الفلسطينيين باعتبارهم من أفسدوا جمال بيروت

يعود مايسون إلى بيروت، بعد عشرة أعوام؛ بلدٌ مدمّر، يضرب الناس فيه بعضهم في الشوارع، حواجز في كلّ مكان، يقول له السائق، بنبرة استشراقيّة: إنّها حربٌ طائفيّة؛ فجماعةٌ يقولون السبب هم المسلمون، وآخرون يقولون هم المسيحيّون، ويردِف له، وزوجته تقول له إنّهم "جماعة الشيعة"، عشرة أعوام غيّرت بيروت، التي يحاول الفيلم تصوير الفلسطينيين و"المقاتلين" باعتبارهم من أفسدوا جمالها العالميّ.

بالطبع، لا بدّ من التذكير بأنّ الفيلم لم يُصوَّر في لبنان، إنّما في المغرب (ومن العجيب أنّ فيروز، كصوت لبنانيّ مدوّ، لم يظهر لها أثر في الفيلم أبداً)، وهذه سَقطةٌ فنيّة كبيرة؛ فلا تبدو بيروت، كما هي، إنّما هجين غريب حاول الفيلم اصطناعه ليمثّل بيروت "الحقيقيّة"، وليس المكان هو المعضلة بالتأكيد؛ المعضلة هي كيف يرتبط الفني بالسياسي، كيف يلعبُ فيلم على تصوير تاريخ سياسيّ لبلد متنوّع وكبير كلبنان، بهذا القدر من "حرب المؤامرات" الأمريكيّة، بتوصيف المشهد باعتباره نزاعاً كان الفلسطينيّون هم من أشعله.

الفيلم لم يُصوَّر في لبنان إنّما في المغرب ومن العجيب أنّ فيروز، كصوت لبنانيّ مدوّ، لم يظهر لها أثر في الفيلم أبداً

إذاً، يعود مايسون إلى بيروت، وسط خلفيّة من الموسيقى "الشرقيّة" الشجيّة، وينزل في فندق لا يسلم من التفجيرات والأحداث التي تجري حوله، وبعد يوم، يكتشف مايسون أنّ المهمّة التي جاء لتنفيذها؛ هي "إنقاذ" صديقه القديم كال، الذي يعمل مع المخابرات الأمريكيّة؛ حيث اختطفته جماعة فلسطينيّة مقاتلة، ويُظهر الفيلم أنّ مَن سرقه هو "كريم"، الشاب الفلسطينيّ الذي تبنّاه مايسون، والذي اختطفته المخابرات الأمريكيّة.

كان مشهداً ممتازاً، ذلك المشهد الذي يلتقي فيه مايسون بكريم، بعد أن يفضّ كريم اللثام عن وجهه، عشرة أعوام غيّرت العالم والنّاس، حدّد كريم التفاوض بلغةٍ واضحة: "كي يفرجوا عن كال، لا بدّ أن يسلّموهم أخاه رافد أبو رجال، الذي، كما يقول كريم، اختطفه الصهاينة". في مشهدٍ بليغ، يقول مايسون لكريم: ولم تقاتلونا، ولا تقاتلون إسرائيل؟ يردّ كريم بحزم: إذا كان الابن بعيد المنال حالياً، فلنحارب الأب (إشارةً إلى أنّ إسرائيل ليست سوى ابن شرعي للمشروع الأمريكيّ).

وبعد ذهاب مايسون إلى إسرائيل، للتفاوض معهم على إخراج كال مقابل الإفراج عن رافد أبو رجال، يُظهر الفيلم سرديّة صهيونيّة عن الفلسطينيّ، باعتباره مجرماً وإرهابياً، كما في حالة أبو رجال الذي عرض الفيلم تاريخاً لعمليّاته ضدّ إسرائيليين أبرياء، لا ذنب لهم.

كما يحاول الفيلم إظهار إسرائيل حامية لنفسها من الخطر المجاور، لكن بعد مفاوضات، لا يكون أبو رجال لدى الإسرائيليين، وإنّما نكتشف، في آخر الفيلم، أنّ "منظمة التحرير"، التي يُدينها الفيلم على طوله، اختطفته، ويفرجون عنه مقابل 3.9 مليون دولار، ويسلّمونه في ليلة ظلماء إلى كريم، وبالتالي يُسلّمهم كال، لكن في هذا المشهد، تكون المخابرات الأمريكيّة على صلةٍ بموقع التسليم، ويقومون بتصفية أبو رجال قتلاً أمام أخيه، للتخلّص منه.

الفيلم محبوك بسرديّة أمريكيّة تماماً

رغم السّرد الكثير الموجود في الفيلم، والحبكات التي حاول المخرج ضبطها بحنكةٍ، والتي لم أتعرّض إلّا إلى المهمّ فيها، إلّا أنّ الفيلم يمرّر، بوعي تامّ، السرديّة الأمريكيّة عن لبنان؛ فيصوّر أمريكا باعتبارها حامية السلام في بيروت، وأنّها تحاول أن تكون صداً ضدّ "الإرهاب الفلسطينيّ"، وحاميةً لإسرائيل في الجوار؛ ففي نهاية الفيلم، وبعد أن يعود كال للتشمّس والتطبّب من أثر الاعتقال المُرّ، يظهر علم الولايات المتحدة ملء الشاشة يرفرفُ، يحرّكه الهواء يمنة ويسرى.

فيلم  يحاول توصيف حرب أهليّة دون أن يتعرّض لأحداث فعليّة إنما يعمل على ضخّ فكرة حول إرهابيّة الفلسطينيّ واللبنانيّ

يبدو الأمريكيّ مناضلاً يفعل المستحيل لإنقاذ ذويه من الهمج، الفلسطينيين واللبنانيين؛ فالفلسطينيون الذي وردوا في أول الفيلم، على أنّهم داقّو أبواب اللبنانيين، هم السبب في هذا الاضطراب والعنف والإرهاب الذي يحاول العمل تصويره.

في الختام، وبعد أن تنتهي الأحداث، تأتي نشرة إذاعيّة صهيونيّة تخبر باقتحام إسرائيل للبنان، وفي نشرة موازية؛ يذاع خبر حرق السفارة الأمريكيّة، لكنّ المعلّق الأمريكيّ يقول: إنّ أمريكا رغم كلّ ما سيحصلُ لها في الشرق الأوسط، لن تتخلّى عن أهدافها السلميّة في المنطقة.

ورغم ما يقدّمه الفيلم من كواليس استخباراتيّة، توضح كيف تمّت الحرب اللبنانيّة، قبل أكثر من ثلاثة عقود، غير أنّ الفيلم محبوك بسرديّة أمريكيّة تماماً، وقائمة على استشراق محض حول العرب، وإظهار إسرائيل كبلد يحمي نفسه، ولنا أن نتخيّل أنّ فيلماً يحاول توصيف حرب أهليّة لا يتعرّض فيه لتاريخ، ولا لأحداث فعليّة، إنما يعمل على ضخّ فكرة حول إرهابيّة الفلسطينيّ واللبنانيّ، لا غير.

اقرأ المزيد...

الوسوم: