فيلم "جواب اعتقال": تناول نمطي لظاهرة التنظيمات الإرهابية

5998
عدد القراءات

2018-02-27

لم يكن فيلم "جواب اعتقال"، للمؤلف والمخرج محمد سامي، حالة فريدة من نوعها في تناول السينما المصرية لظاهرة الإرهاب والتنظيمات المتطرفة؛ إذ الفخ هو ذاته من حيث تسطيح الفكر الذي تقوم عليه هذه التنظيمات وتنميط شخصياتها.

"جواب اعتقال" وجلّ الأفلام المماثلة له تجعل من معتنقي الأفكار المتطرفة مجرد عاطلين عن العمل، أو مجرّد شبّان حالمين كانت لهم تجارب مريرة مع جهاز أمن الدولة، أو من فئة ساكني العشوائيات، لكنّ أحداً لربما لم يتطرّق للفئة المترَفة التي تنضم لهذه التنظيمات؛ بل والفئة المتعلمة وتلك التي تنتمي لتخصصات علمية على وجه التحديد، كما يتضّخ عند الكشف عن هوية كثر ممن باتوا ينخرطون في هذه الحركات على أرض الواقع.

وقع الفيلم في فخ تسطيح عمل التنظيمات الإرهابية، فيما الواقع يعكس جسامة ما تخطط وتقوم به بدقة

"جواب اعتقال"، الذي لعب بطولته الممثل محمد رمضان، استثمر "موضة الآكشن"، التي كرّسها البطل في جلّ الأفلام التي يشارك بها إن لم تكن جميعها، مع منح الفيلم مسحة دراما تتعلق بالعائلة والزوجة والتاريخ النفسي والشخصي والبيئي، ومع حوارات مكررة لضباط الداخلية، الذين يعيدون الأسطوانات ذاتها في غالبية الأعمال. لذا، فإنّ شيئاً جديداً لم يحمله هذا الفيلم الذي استبشر به كثر في ظل ما تشهده مصر والعالم من هجمات إرهابية متزايدة.

استثمر محمد رمضان "موضة الآكشن"، التي كرّسها  في جلّ الأفلام التي يشارك بها إن لم تكن جميعها

السمة الأبرز في "جواب اعتقال"، وغيره من أفلام على هذه الشاكلة، هي تسطيح التخطيطات والتنظيمات الإرهابية إلى حد يبعث على السخرية والضحك في مرات كثيرة، فيما الواقع الذي يعترف به العالم أجمع هو جسامة هذه التخطيطات والتنظيمات ودقتها وفداحة الفكر الذي تقوم عليه.

كما أنّ هناك إفراطاً في الجانب الحركي ومشاهد الـ "آكشن" على حساب التناول العميق لظاهرة بهذه الخطورة، فيبدو التناول -في الغالب- كأنما هو أقرب لرفع العتب منه لتناول الحالة بمبضع فني.

تسعى الأفلام المصرية في الأعوام الأخيرة لترديد الخطاب الممجوج إياه، والذي لا يعدو كونه "كليشيهات" وهو أن الدين الإسلامي براء من هذه الأفكار، وأن لا أساس لها في العقيدة، وهو ما يعدّ بحد ذاته تناولاً نمطياً؛ إذ إنّ من يعود لكثير من الأفكار السلفية والإخوانية يجدها تستقي من إرث عليه علامات استفهام لا تنتهي. لذا، فإنّ مجرد ترديد هذه الثيمة بهذه الطريقة المكررة هو اعتراف علني بالعجز عن مناقشة جذور الأمر، وبالتالي استعصاء حلّه.

يُنتظر من الأفلام التي تعالج الإرهاب أن تتحدث عن الفكر الشعبي الذي احتضن هذه التنظيمات لشدة ما يحفل بالكراهية

حاول "جواب اعتقال" -على سبيل المثال- تناول زاوية قد تكون غير مطروقة كثيراً من قبل وهي النزاعات الداخلية داخل هذه التنظيمات الإرهابية، لكن التناول جاء مفرطاً في سطحيته ومن دون وجود حبكة واضحة في الأحداث؛ بل إنّ المُشاهد توقع منذ بداية العمل أن يذهب شقيق محمد رمضان (خالد الدجوي) ضحية في النهاية؛ لشدة ما يهجس به شقيقه الأكبر الذي لا يرغب أن تنزلق قدمه في هذا المستنقع، وهنا تبرز مزيد من الركاكة في التناول؛ إذ كانت هذه (الخلافات الداخلية داخل التنظيمات) واحدة من النقاط التي بالوسع الاعتماد عليها لإنقاذ الفيلم لو عوملت بطريقة صحيحة وذكية، لكن التناول جاء منقوصاً وغير مدروس، ما جعل حتى نقطة الفرادة تنقلب ضد الفيلم عوضاً عن أن تكون مساندة له.

التناول جاء مفرطاً في سطحيته ومن دون وجود حبكة واضحة في الأحداث

ثمة شخصية "كبير السحرة" الذي يؤتى على ذِكرها في جلّ الأعمال التي تتناول حكاية التنظيمات الإرهابية، وهي الشخصية التي تودي بالأبرياء ليس فقط في نير العمليات الإرهابية؛ بل في غياهب الفكر المتطرف من خلال التجنيد في المساجد، وهذه كانت موجودة في فيلم "جواب اعتقال"، لكنها كانت على درجة من النمطية إلى حد كان فيه الخط الدرامي للشخصية واضحاً منذ البداية ولم يتطلب كثيراً من التخمين؛ إذ هو الشيخ الذي يتولّى الخطابة وتلقين الفكر المتطرف لمرتادي الحلقات في مساجد بعينها، وفي الوقت ذاته هو من يتصدّر شاشات التلفزة ليدّعي أنّ الأمور تسير على ما يرام وأنّ الطرح الإسلامي بعيد عن التطرّف.

هذه نقطة كان بالوسع استثمارها جيداً أيضاً، لكنها أضعفت العمل لسطحية تناولها، وهي الخطاب الديني إعلامياً، وكيف استطاع حشو كمية كراهية كبيرة من دون أن يتنبّه إليه كثر، بدءاً من مهاجمة المذاهب الإسلامية الأخرى وليس انتهاءً بالاعتداء بالقول والتحريض على الاعتداء بالفعل على كل من يخالف العقيدة الإسلامية، من قبيل فتاوى التضييق على النصارى في الطريق وعدم جواز تهنئتهم في أعيادهم وعدم جواز الدعاء لمذاهب إسلامية أخرى بالنصر حين يشتبكون مع الاحتلال الإسرائيلي! هذه لربما كانت واحدة من أهم النقاط التي يجدر التعريج عليها وكشف مغالطاتها لكنها مرت مرور الكرام فهَوَت بـ"جواب اعتقال" كثيراً.

من الأجدى عدم جعل الإرهابي حبيس فئة الفقراء، بل مكاشفة شخصيات تعتلي مناصب عليا بالأفكار الإرهابية التي تحملها

السينوغرافيا في الفيلم كانت جيدة، من حيث البيئة التي تم تصوير المَشاهد بها، والإضاءة والملابس والمكياج وما إلى ذلك من تفاصيل، لكنها كانت عامل هبوط للفيلم لشدة ما هي نمطية ومكررة في أعمال مصرية كثيرة تتناول ثيمة الإرهاب وجماعاته.

لربما يُنتظر من الأفلام التي تسعى لعلاج الإرهاب لاحقاً أن تقلب التعامل كله هذه المرة: أن تتحدث عن الإرهاب الذي يُحاك في القصور وعلى مستويات عالية والذي تُشرف عليه بعض الدول في العالم لتمرير أجندات لها، وأن تتحدث عن الفكر الشعبي الذي احتضن هذه التنظيمات وغذّاها لشدة ما يحفل بالكراهية، ولربما من الأجدى لاحقاً عدم جعل الإرهابي حبيس فئة الفقراء والعشوائيين؛ بل مكاشفة شخصيات تعتلي مناصب عليا بأفكارها الإرهابية التي تحمل وتروّج، ولربما، فوق هذا وذاك، يُنتظر من هذه الأعمال أن تجعل من اختصاصيين في الحركات الإسلامية مشرفين على كتابة سيناريوهاتها؛ إذ يبدو الخلط جلياً بشكل فجّ بين الإخوان والسلفيين والداعشيين والقاعديين، وما إلى ذلك من وجوه لعملة أرجعت العالمين؛ العربي والإسلامي عقوداً للوراء.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



في ذكرى سميح القاسم "الناطق غير الرسمي باسم الأمتين العربية والإسلامية"

2019-08-19

في حواره الأخير مع صحيفة "ذوات" الإلكترونية، ظل الشاعر الفلسطيني سميح القاسم، الذي تمر اليوم ذكرى رحيله، محتفظاً بطاقة الأمل وعنفوان الرفض، وكبرياء المقاتل العنيد؛ كأنه اختار أن يعيش أبداً، مع أنّ الموت كان على مقربة منه. مات جسد الشاعر، لكنّ روحه وأشعاره وفروسيّته ظلت خالدة شامخة كقصائده المفعمة بالكفاح والتحدي.

اقرأ أيضاً: في ذكرى الغياب.. قصائد درويش جرس يذكّر بمآسي العرب
في ذلك الحوار، الذي أجراه الزميل يوسف الشايب، فتح القاسم خزائن ذاكرته على مصراعيها، من دون أن يتخلى عن غضبه في مواجهة حملات التشكيك بمواقفه الوطنية، مشدداً على أنّ الاحتلال الإسرائيلي عابر، ومؤكداً بنرجسيته المحببة: أنا الناطق غير الرسمي باسم الأمة العربية كلها، وكذلك الأمة الإسلامية!

الكتابة عن السفرجل الفاسد حداثة أما الكتابة عن محمد الدرّة فليست كذلك لأنه محمد وليس فرانسوا

تحدث القاسم في اللقاء في محاور ساخنة، بعضها طازج وبعضها استعاده من أروقة الذاكرة التي لربما لا تقل "طزاجة" عن حاضر عبثي، فتناول إشاعات إلقائه قصيدة رثاء لرئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إسحق رابين، وعن الحصار الذي تفرضه دول عربية عدة عليه وعلى كل مبدعي الأراضي الفلسطينية المحتلة في العام 1948 لمجرد قرار والديه، ومن ثم هو، البقاء في أرضه.
كما تحدث عن دور المثقف الفلسطيني تاريخياً في التعاطي مع هموم شعبه وقضاياه، بل سرد حكايات نادرة تدين شعراء عرباً كباراً وشخصيات سياسية ودينية عربية وفلسطينية، انعطفوا عن قصد، أو استدراج، ليرموا بثقلهم الشعري ورمزيتهم المعنوية بين الناس في خدمة الصهيونية، قبل حتى قيام دولة إسرائيل على أنقاض ذكريات الفلسطينيين، ومنازلهم، وجثامين شهدائهم.

اقرأ أيضاً: بيت الشعر يحتفي بمحمود درويش في الرباط
كما لم يغفل القاسم عن الحديث حول الشعر العربي وخصوصيته، والدخول في جدل "قصيدة الحداثة"، مؤكداً أنّ هناك شعراء عرباً تفوقوا بحداثتهم على أكبر رموز الحداثة الشعرية في أوروبا.
ديوان "سأخرج من صورتي ذات يوم"

الشاعر الطفل
وحين نبش القاسم في ذاكرته البعيدة عثر على الشاعر الطفل في داخله وكيف تشكّل: كنت في الصف السابع الابتدائي حين اكتشف معلم اللغة العربية "شاعراً في الصف" من خلال موضوع إنشاء وردت فيه مقاطع موزونة ومقفّاة، وذهلت حين اتضح أنني أنا هو "الشاعر" الذي أشار إليه معلم اللغة العربية. حين قدمت إلى المدرسة في الغداة شاحباً محبطاً، وأخبرت المعلم أنني سهرت الليل، ولم أستطع كتابة قصيدة جديدة، داعب المعلم إلياس شَعري ضاحكاً: لا تذهب إلى القصيدة يا بني، دعها هي تأتي إليك، وستأتي.. لا تقلق.

اقرأ أيضاً: رغم رحيلهما.. نزار قباني ودرويش الأكثر متابعة على تويتر
كان هذا هو الدرس الأول في النقد الأدبي الذي تعلمته في طفولتي، وطفولة قصيدتي، وتمسكت بعبرته طيلة حياتي اللاحقة.
القصيدة الصادقة
وبسؤاله عما قاله صديقه الشاعر محمود درويش الذي رحل قبله، بخصوص وصف الصهاينة بأنهم "عابرون في كلام عابر"، قال إنه يوافق ما قاله درويش "بكل تأكيد" موضحاً: مرحلة الاحتلال وما يرافقها من شتات فلسطيني عابرةٌ، لأنّ القصيدة تنبأت بذلك. تشتُتنا بين رام الله والرامة في الجليل أمر طبيعي في هذه المرحلة غير الطبيعية. هذه المرحلة غير الطبيعية مرحلة عابرة؛ لأنّ القصيدة الفلسطينية قالت لها ستكونين لها مرحلة عابرة. هذا ما قالته القصيدة، والقصيدة لا تشتغل بالتكتيك ولا بالخرائط ولا تفاوض. القصيدة تقول حلمها وجموحها بكل حرية، ولذلك فليس هناك شيء أكثر صدقاً من "القصيدة الصادقة". 

حين نسحق بحذاء جندي أجنبي لابد أن نصيح قصيدتنا هي آهاتنا وهي وسيلتنا في رفض الدوس بالحذاء

واستذكر القاسم عودة قيادة منظمة التحرير الفلسطينية من تونس إلى فلسطين: يوم ودّعنا قيادة المنظمة في تونس، قلت لأهل تونس "جايين نأخد البنت منظمة التحرير لعريسها الوطن". وقلت بأنّ الدولة الفلسطينية قادمة، فردّ عليّ أحدهم بأنني أهذي، وبأنّ ما أقوله خيال شعراء، فأكدت بأنه ليس على الأرض أكثر واقعية من خيال الشعراء، وخيال الشعراء يقول بأنّ الاحتلال زائل لأنه باطل. الاحتلال يتعارض مع المنطق التاريخي ومع الوعي الإنساني ومع الأديان والشرائع السماوية والأرضية، ومع مهب رياح العصر الذي يرفض الاحتلال والعنصرية ونهب الأرض وبناء البيوت عليها للوافدين من كل أنحاء الأرض، ويرفض ما يسمى "الاستيطان"، وهو استعمار كولونيالي بكل معنى الكلمة. هذا ما قالته القصيدة الفلسطينية منذ بداية الصراع.

ديوان "عجائب قانا الجديدة"
وسئل القاسم خلال الحوار: هل تعتقد أنّ القصيدة فعل نضالي؟ فجاءت إجابته: وكيف لا؟ الشاعر الفلسطيني كان يدرك حقوقه، وعلى وعي بها منذ بدايات القرن الماضي. يمكنني الحديث بإسهاب عن نضالات القصيدة الفلسطينية، وعن فضائح لشعراء عرب وشخصيات سياسية ودينية فلسطينية وعربية تورطت في مديح المندوب البريطاني السامي "الصهيوني"، والمشاركة في افتتاح الجامعة العبرية ومشاريع يهودية أخرى، من بينها مشاركةُ مفتي يافا في افتتاح مشروع لصناعة الخمور في "غوش عتصيون" قبل العام 1948، ونظمُ الشاعر العراقي الشهير معروف الرصافي قصيدةً يصف فيها ليلة لقائه بهربرت صموئيل بأنها كـ "ليلة القدر"، ومشاركة مفتي القدس ومطرانها الأكبر في وضع حجر الأساس للجامعة العبرية.

اقرأ أيضاً: النثر والشعر.. التوأمان اللدودان
بداية الصراع لم تبدأ مع جيلنا، كانت هناك أجيال سابقة. قبل أعوام أصدرتُ بالتعاون مع "اليونسكو" كتاباً بعنوان "مطالع في أنطلوجيا الشعر الفلسطيني في ألف عام"، بدأت من كشاجم الرملي الذي كان يلقب بـ"متنبي فلسطين" قبل ألف عام، وكان الهدف من هذا الكتاب الرد على مقولة الاحتلال الفلسطيني بأنّ الشعب الفلسطيني غير حضاري، ولو كان يملك حضارةً لما ترك أرضه، وأننا لم نعرف الحضارة إلا بقدوم الحركة الصهيونية وقيامها بتجفيف مستنقعات الخضيرة وبدء العمران على طريقة هرتسل في كتابه "المدينة القديمة الجديدة". ويرمز هرتسل للفلسطيني في كتابه هذا بشخصية رشيد بيك، وهو إقطاعي يرى أنّ المشروع الصهيوني يجلب العمران والحضارة فيقدم أرضه للمشروع الصهيوني، وينسجم معه وينخرط فيه.

اقرأ أيضاً: فكرة المختارات تجوز في الشعر ولا تجوز في النثر
وماذا عن شعر المقاومة.. هل اغتيل مع توقيع اتفاقية أوسلو؟ سئل القاسم، فكان رده: لست من أنصار عقلية المؤامرة، من مؤامرة على اللغة العربية، لكن في الأعوام الأخيرة نشأت بعض القضايا التي يجب أن تكون واضحة للجيل الجديد، كما كانت واضحة بالنسبة إلينا.
ظهر تيار يتحدث عن أنّ زمن شعر المقاومة وشعر القضية ولى، وأنّ لا لزوم ومبرر له، وأنّ الفنيات في القصيدة تتناقض مع السياسة. وقال القاسم: نحن كشعب عربي بالعموم، وكشعب فلسطيني على وجه الخصوص، لابد أن ندرك أنّ الثقافة هي خندقنا الأخير. ليس لدينا سلاح طيران، ولا دبابات، ولا نفط، ولا نحاس، ولا ذهب، ولا حديد. ليس لدى شعبنا إلا ثقافته، واعتزازه بتاريخه، وثقته بعدالة قضيته، فنحن ضحايا عدوان. نحن لسنا عنصريين ولسنا إرهابيين بل ضحايا العنصرية والإرهاب.

اقرأ أيضاً: زوجات الشعراء والكتاب
الغريب أنهم يحتلون أرضنا ويبنون المستوطنات عليها، وحين نطالب بحقوقنا كبشر يتهموننا بالإرهاب. نحن لا نطلب إلا بحقنا في العيش بحرية في بيوتنا، ونأمن على أهلنا ومأكلنا. نحن لا نطالب بضم سويسرا إلى فلسطين. نحن ضحايا ويسعون إلى تصويرنا على أننا جلادون.

نريد أن نعيش أحراراً
نحن لا نرتجي نجومية من وراء شعر المقاومة وشعر القضية. "حلّوا قضيتي وقضية شعبي وروحوا بستين داهية إنتو والشعر". نحن لم نصنع الكارثة لنكتب شعر مقاومة وشعر قضية. ما به شعر الحب والمرأة والطبيعة، لكن حين نسحق بحذاء جندي أجنبي لابد أن نصيح. قصيدتنا هي آهاتنا وهي وسيلتنا في رفض الدوس بالحذاء. "حلوا عن ضهرنا وما بدنا مجد الشعر ولا نجومية الشعر". ما نريده أن نعيش أحراراً كبقية شعوب الأرض. حين نتحرر في فلسطين ونتخلص من آثار جريمة "سايكس بيكو"، لن يعود هناك مبرر لكتابة شعر المقاومة.

مرحلة الاحتلال وما يرافقها من شتات فلسطيني عابرةٌ لأنّ القصيدة تنبأت بذلك لأنها لا تشتغل بالتكتيك ولا بالخرائط ولا تفاوض

حينها قد يكون عمري ربما 200 أو 220 سنة، وسأبحث آنذاك عن "صبية حلوة" لأكتب شعر الغزل فيها. شعر المقاومة والقضية ضرورة تاريخية، ما دام هناك احتلال وعنصرية وعنف وديكتاتوريات وطاغوت. شعر المقاومة ليس فقط ضد الاحتلال، بل ضد الغاطوت العربي، وضد التخلف والجهل، وضد ما أسميه "الجاهلية الجديدة". جميع أدباء التاريخ كانوا يتحدثون عن قضاياهم الوطنية، فلماذا تحلل لهم وتحرم علينا. ذات مرة هاجم ناقد فرنسي فيكتور هوغو لـ"كثرة حديثه عن الشعب"، فرد عليه هوجو بسؤال استنكاري مفاده "وهل الشعب قافية رديئة؟!".
وبسؤاله عن موقعه من شعر الحداثة قال القاسم: لا أدري ما مفهوم الحداثة في الشعر. لا أعتقد أنّ شعر السفرجل الفاسد شعر حديث، أو كما صرح شاعر أوروبي بأنه لا يستطيع كتابة الشعر دون شمّ رائحة السفرجل الفاسد. الكتابة عن السفرجل الفاسد حداثة، أما الكتابة عن محمد الدرّة فليست كذلك؛ لأنه محمد وليس فرانسوا.

للمشاركة:

كيف أصبح "تشيرنوبل" أنجح مسلسل في التاريخ؟

2019-08-06

تبدو معالجة الكارثة بالكذب مسألةً معقدةً جداً قياساً بالزمن، خصوصاً إذا بقيت آثار تلك الكارثة تتوسع مثل بقعةِ دمٍ على ثوبٍ أبيض كبير معروض على الناس. وهذا بالضبط ما يحاول أن يشير إليه المسلسل الأشهر "تشيرنوبل" الذي أطلقته شبكة "HBO" التلفزيونية في أيار (مايو) الماضي.

أبرز ما يميز القصة يكمن في أن كل ما نحتاجه يومياً من أجل الحياة أو نحيا به يصبح مميتاً

وكانت حادثة التسرب النووي من مفاعل تشيرنوبل، حظيت بالكثير من التعتيم حين حصولها في السادس والعشرين من نيسان (إبريل) 1986 خلال حقبة الاتحاد السوفييتي، ولعلها كانت أول كارثةٍ كونية نووية من نوعها، مما جعلها تثير الكثير من التساؤلات، خصوصاً أنّ مسألة محاسبة طرفٍ واحد بشأنها، تبدو معقدةً على المدى الطويل، إذا عرفنا أنّ الكثير من الدول تمتلك مفاعلاتٍ نووية، وأنّ مثالاً سيئاً مثل تشيرنوبل، كان ليؤثر على فكرة امتلاكها تلك المفاعلات، فما الذي قدمه المسلسل أيضاً حتى يحظى بكل هذه الشهرة اليوم؟ بعد مرور 34 عاماً على الكارثة.

حادثة التسرب النووي من مفاعل تشيرنوبل حظيت بالكثير من التعتيم

القصة على الشاشة
حلقات المسلسل الخمس التي جاءت في مدةٍ لا تزيد عن خمس ساعاتٍ ونصف الساعة تحبس الأنفاس، بسبب التكثيف العالي الذي تتميز به القصة (السيناريو)، ولعل أبرز ما يميز  القصة يكمن في فكرةٍ مفادها أنّ كل ما نحتاجه يومياً من أجل الحياة، أو نحيا به، يصبح مميتاً. وذلك من خلال عكس المقولة الشهيرة "إنّ كل شيءٍ يتحول إلى سلاحٍ إذا نحن أتقنّا استخدامه"، لكن هذه المرة، كان الفشل في استخدام مصادر الطاقة النووية ووجود سلسلة أخطاء متراكمة سبباً في حصول كارثةٍ مرعبة سببها عدم الإتقان.

اقرأ أيضاً: مسلسل "دقيقة صمت" وقفة على روح الوطن

"إن كل شيءٍ ملوث"، تلك هي العبارة التي تحكم مجريات المسلسل منذ بدايته إلى نهايته، فكل مصدرٍ للحياة كالماء والأنهار والحليب والقمح والخضار والفواكه والأشجار باتت ملوثةً بالإشعاع النووي الذي تسرب من المفاعل رقم 4. وبالنسبة للعامة من أهل المنطقة المحيطة بتشيرنوبل، لم يكن الحدث عادياً، لكنه لم يكن مفهوماً كذلك. فما هو هذا القاتل المتخفي الذي يتسرب إلى كل شيء؟ إنه ليس وحشاً في الحقيقة يمكن مواجهته والتغلب عليه، بل إنه لا يُرى، وبالتالي فإنّ قدرته على القتل لا مثيل لها. ولعل هذه النقطة بالذات تم التركيز عليها في المسلسل، من خلال حديث أحد أبطال المسلسل وهو كبير المحققين "ليغاسوف" الذي يقول إنّ اليورانيوم بمثابة "رصاص" وإنّ كل ذرةٍ منه قاتلة، أما التسرب من المفاعل، فقد بلغ مليارات الذرات.

النيران كانت العدو الوحيد الظاهر فيما التسربب الإشعاعي كان قاتلاً لا يراه أحد

لكنّ هذه النقطة أيضاً، كانت المحور الرئيسي للنقاد في آرائهم حول المسلسل الذي تفوق على أشهر مسلسلات التاريخ مثل "breaking bad" و"game of thrones"، حيث رأى بعضهم أنّ هنالك مبالغة في "تحويل القصة الحقيقية، إلى نوعٍ آخر من الحقيقة، إلا أنّ ذلك غير مهم ما دام صانعو المسلسل اختاروا حقيقةً درامية". بحسب ما جاء في مقالة هنري فونتين بصحيفة "نيويورك تايمز" في 2 حزيران (يونيو) الماضي.

اقرأ أيضاً: "جن": مسلسل متواضع المستوى أثار زوبعة في فنجان
ويضيف فونتين، أنّ "مشاهد المصابين الملطخين بالدماء لم تكن صالحةً لحادثة تسربٍ نووي، إضافةً إلى أنّ الشخصيات الرئيسية ككبير المحققين وعالمة الفيزياء التي تبحث عن سبب الحادثة هي شخصيات مفتعلةٌ أو مبالغٌ في أدوارها"، هذا إضافةً إلى الدخان الذي كان يغلف مشاهد المسلسل في معظم حلقاته كأنه دليلٌ للمشاهد على (الدمار)، رغم أنّ التسرب الإشعاعي أساس القصة، لا يترك خلفه أي أثر.

اقرأ أيضاً: جدل في الشارع الأردني بعد عرض مسلسل "جن" عبر "نتفليكس"
وبالنسبة للنقاد أيضاً، قال المحرر الثقافي في صحيفة "السبيكتاتور" جيمس ديلنجويل، إنّ تشيرنوبل المسلسل من المؤكد أنه لا يشبه تشيرنوبل الكارثة. فالكارثة الأساسية ربما كانت "الكذب والتعتيم اللذينِ طورا الحادثة إلى كارثةٍ فعلاً، لكن فعلياً، كم عدد القتلى الحقيقيين؟ كم عدد المصابين؟ كم دولةً عرضت التعاون لإنهاء الحادثة؟" وفقاً لمقالته المنشورة في 8 حزيران (يونيو) الماضي. ويقدم الكاتب معلوماتٍ عديدة، من أبرزها أنّ الحادثة لم تتسبب بمقتل مئة شخصٍ حتى، ولم يزد عدد المصابين على ألفي مصاب. لكن المسلسل ناجحٌ جداً بأي حال، فقد داعبت الحادثة خيال عدة أجيالٍ ممن عاصروها أو ولدوا بعدها، لأنها بقيت غامضةً لسنوات. وها هم يرونها عبر الشاشة بطريقةٍ تجعلهم يعيشونها لأول مرة، كأنها الحقيقة الوحيدة التي يعرفونها عن تشيرنوبل.

أبطال المسلسل الأساسيون مبالغٌ في أدوارهم كما رأى بعض النقاد

القصة بين الواقع والخيال
يشير  ديلنجويل في مقالته ذاتها، إلى أنه "بالنسبة للآثار الجانبية التي استمرت على سكان المنطقة، من إصاباتٍ بالسرطانات (سرطان الغدة الدرقية حاصةً) والولادات لأجنةٍ مشوهة، وغيرها من أحداثٍ تالية، فإنها خاضعةٌ لنقاشٍ علميٍ كبير وتساؤلاتٍ عديدة".

داعبت تشيرنوبل خيال العديدين ممن عاصروها أو ولدوا بعدها لأنها بقيت غامضةً وها هم يرونها بطريقة تجعلهم يعيشونها لأول مرة

ومع ديلنجويل، يتفق العديد من النقاد في صحفٍ مختلفةٍ كالغارديان البريطانية مثلاً، بينما وعلى العكس، احتفلت "بي بي سي" بالمسلسل، ورأت أنه يمثل "حقيقة الأمر كما لم يعرفها أحد".
ورغم هذا النقد، يمكن العودة إلى الكاتبة البيلاروسية سفيتلانا ألكسيفيتش، الحائزة على جائزة نوبل 2015 للسبب ذاته ربما الذي جعل من تشيرنوبل أعظم مسلسلٍ في التاريخ خلال أقل من شهر. ففي أعمالها الروائية، خصوصاً (أصوات تشيرنوبل)، ركزت ألكسيفيتش على إيصال ما أسمته بـ "صوت من لا صوت لهم" وتحويل أولئك الذي كانوا مجرد حجارةٍ مرصوصةٍ في جدار التاريخ، إلى قصص مستقلة بحد ذاتها. فرسمت من خلال روايتها المستندة على شهاداتٍ حقيقية مسجلة لسكان المنطقة حول الحادثة، الآلام التي عاناها هؤلاء، وبصورةٍ محزنةٍ واقعية، ومرعبة أحياناً. حتى إنه "تم قطع أشجار الغابات ودفنها هناك، لأنها ملوثة بالإشعاع".

اقرأ أيضاً: "دفعة القاهرة": مسلسل ممتع لكنه مخيّب للآمال
المسلسل، الذي لا بد أنّ مؤلفه "كريغ مازن" تأثر بأليكسيفيتش، تعرض الرواية ذلك الخوف المرعب من الإشعاع، أو متلازمة "الراديوفوبيا" التي كانت تنتشر بين الناس لأول مرةٍ في التاريخ. فلا أحد يشرح للناس والضحايا ماذا يحدث، ولا أحد يقول كيف حدث ما حدث، ولا أحد يهتم بهم اهتماماً كافياً، لأنه لا أحد يعرف إن كان هنالك شيء سينقذهم. كل هذا الذي قالته ألكسيفيتش تمت استعادته نوعاً ما في المسلسل، لكن دون وجود ربطٍ علميٍ واضح حول التلوث الإشعاعي وماهيته وكيف يؤثر على جسد الإنسان.
ولم يوضح المسلسل المدة الزمنية والمسافة الجغرافية لهذا التأثير  الإشعاعي (التي تُعد أقل رعباً أحياناً). بل في الواقع، بالغ في أشياء كثيرة، واستخدم مآسي ضحايا تشيرنوبل كأداة للإشارة إلى المؤسسات المتعفنة في النظام السوفييتي القديم، بينما كان الضحايا هم كل القصة بالنسبة لألكسيفيتش. أما حادثة التسرب وما يشوبها من خفايا علمية وأخطاء تقنية وسياسية، فإنه غالباً لم يكن ممكناً تفادي آثارها لو حدثت في أي بلدٍ آخر.

اقرأ أيضاً: هل تجتمع الإنسانية مع العنف في الثقافة العامة؟.. مسلسل الهيبة نموذجاً
وبصورةٍ عامة، ووفقاً للنقاد عموماً، أبهر المسلسل مشاهديه، ومن المؤكد أنّ العديد منهم رأى فيه رسالةً سياسيةً ما، خصوصاً الروس الذين لم يعجبهم المسلسل واعتبروا أنه مملوءٌ بالتلفيقات. لكن التساؤل حول خطر المفاعلات النووية، سواء كانت سلميةً أم عسكرية، يظل هو الأقل حظاً في الاستمرار والتطور كتساؤلٍ عالميٍ مهم على هامش المسلسل. الذي نجح كدراما نجاحاً باهراً، وكل شيء قابل للنجاح، ما دام يدعي تصوير الحقيقة، وجعلها من دمٍ ولحم.

للمشاركة:

أماكن واقعية وشخصيات سحرية: تمرين المكان عند محمد خان

2019-08-05

تُطالعنا، بشاشة سوداء قاتمة، في بداية فيلم إبداعيّ بعنوان "خرج ولم يعد" 1984، للمخرج الراحل، محمد خان، (1942-2016) عبارة، ربّما تمثّل مدخلاً ملائماً للتعاطي مع سينما خان، تقول ببساطة: "ربّما كانت الشخصيّات من الخيال، لكن ثقْ أنّ الأماكن من الواقع". وفي الذكرى الثالثة لرحيل واحدٍ من أهمّ المخرجين على الإطلاق، والمتميّز في حقبةٍ مليئة بمبدعين كبار من أمثاله، يكون الأسى ههنا مضاعفاً بصورة لا تُحتمَل بسبب التدهور الذي تعيشه السينما الرسمية في مصر، والتي كان الراحل خان شاهداً على تقهقرها، لكنّه استطاع وسط هذا الغُثاء أن يصنع في كلّ فيلم صوتاً خاصّاً، وحكايةً لا تمثّل الواقع فحسب، بل تخلقه أيضاً.

اقرأ أيضاً: السينما الجزائرية ومرثيات اليأس السياسي

فبدايةً من عمله الأوّل "ضربة شمس" 1978، وحتى آخر عمل "قبل زحمة الصّيف" 2015، ونحن نجدُ أنّ كلّ فيلمٍ لخان ممزوج بحبكة خاصّة، من تدرّب على سينما خان يعرف تماماً أنّها اللمسة "الخانيّة" التي تضفي على الواقع صفة الشوتّات (Shots)، وكأنّها إضاءة على المكان الحقيقيّ جداً، بقدر إيلامه الشديد، بما يحمله من فوضى وديكتاتوريّة، وعمران مشوّه، ومكان مسلوب يعيشه أشخاص يفقدون ما هو ذاتيّ في سبيل تحصيل لقمة العيش.
"خرج ولم يعد" 1984

الواقعيّة الجديدة.. إعادة مساءلة
المشهور في الوسط السينمائي، وفي أوساط مَن يعتنون بالسينما والتحليل السينمائي، أنّ محمد خان ممّا أُطلق عليه "مدرسة الواقعيّة الجديدة" رفقة المخرجين المُجايلين له؛ عاطف الطيب وداوود عبد السيّد وخيري بشارة. ورغم أنّه لا مشكلة في الإطار العام لهؤلاء المخرجين، والذي يمكن نعته فعلاً بتلك النزعة، إلّا أنّ المشكلة بالتحديد تكمن، ومن ثمّ السؤال الذي أُريد التفكير فيه ههنا، في أنّ هذا التوصيف أحياناً ما يفقد معناه، ويلغي الفوارق التي تميّز كلّ مخرج مُبدع من هؤلاء المخرجين عن بعضهم البعض. وبالتالي، أيّ معنى لواقعيّة جديدة؟ وكيف يمكن أن نلقط الخيط اللامع الذي تميّز به خان داخل هذه المدرسة العريقة، والتي لا شكّ أنّها أخرجت أفلاماً غايةً في الإبداع، عالميّة رغم محليّتها، أو ربّما لعدم اعتراف "العالمي" بما هو محلّي.

كان خان شاهداً على تقهقر السينما في مصر لكنّه استطاع وسط هذا الغُثاء أن يصنع في كلّ فيلم صوتاً خاصّاً

لا شكّ أن محمد خان قد عملَ، في البداية، في وسطٍ مليء بمخرجين مهمّين، وسأركز على هؤلاء المخرجين الذين يُلصق بهم عندما يتمّ ذكره وذكر أعماله، كعاطف الطيّب وغيره. إلّا أنّ مقارنةً بينه وبين الطيّب مثلاً لتوضّح لنا تفاوتاً وتغايراً كبيريْن في مفهوم "الواقعيّة" وفي الشخصيات التي يرسمها كل مخرج.

في واحدٍ من أشهر وألمع أفلام عاطف الطيّب، ألا وهو فيلم "سوّاق الأتوبيس" 1982، سنجدُ الفارق الجليّ بين سينماتين مختلفتين. في "سواق الأتوبيس" تتجلّى ما أسمّيه بـ"الواقعيّة الفجّة" لعاطف الطيّب: الأشخاص حادّون، صارخون في وجه الحكومة والظلم والناس، شخصيّات طيّبة ونبيلة ووطنية تماماً، وأخرى شريرة ولا مجال للخير لديها، غرامٌ بين البطل حسن (الفنان نور الشريف) وميرفت أمين، يضيع من أجل حسابات الواقع الماديّة تماماً.

اقرأ أيضاً: "الممر" فيلم مغامرات تقليدي أم علامة بارزة في السينما المصرية؟

شخصيّات الطيّب فجّون جداً، لا مجال لديهم لبشرية ما، هم إمّا خيّرون أو سيئون عن بكرة أبيهم، وبالتالي أفلام الطيب مزعجة، فهي لا تعطي مساحةً للتفكير مثلاً في الشخصيات: إنّها تجبرك على الانحياز لشخصية دون أخرى، وللانخراط في الواقع كما هو دون رؤية التعقيدات التي تكمن "ما وراء الخير والشر" إذا استعرنا من نيتشه.

 "ضربة شمس" 1978

في مقابل "الواقعيّة الفجّة" هذه للطيّب، هناك واقعيّة محمد خان السحرية، التي ترسمُ شخصيات تشبهنا، شخصيات تخطئ وتصيب، غير منطويةٍ داخل أحلام كبرى، أو في سرديّة وطنويّة مزعجة. ففي "الحريّف" مثلاً، وهو من أجمل أفلام خان التي لم أرد الإطالة بشأنه ههنا لأنه يحتاج لمقال خاصّ به، سنصادف البطل فارس (عادل إمام) شخصاً عاديّاً تماماً، يمارس حياته بكلّ خفّتها ذاتيّاً وبكلّ ثقلها الواقعيّ جداً، والصادق، والأليم. فارس، الحرّيف، هو ذلك العامل العادي الذي يحترف مهنة في الصباح في مصنع أحذية، وفي المساء يحترف لعب الكرة، وهنا رمزيّة كبيرة من محمد خان لا بد من الالتفات إلى ذكائها؛ فالملعب هو الحياة، ورغم أنّ فارس حرّيف فعلاً ومشهور بالكسب الدائم، إلّا أنّه يشعرُ بالخيبة والخسارة الذاتيّة دوماً، وخاسر لعمله وحياته الأسريّة.

يحاول خان ابتكار عالم ذاتيّ لكل شخصيّة بالفيلم مع اهتمام كبير بفكرة المكان التي كان هو نفسه مولعاً بها

ورغم أنّ خان عملَ تحت ظروف واقع مماثل تماماً لمخرجين أمثاله كداوود عبد السيد أيضاً بالإضافة، كما ذكرت، لعاطف الطيب، إلّا أن عبد السيد مختلف عن الاثنين السابقين، قد نحا منحىً مركّباً تميّز به عن كلّ أقرانه في السينما المصريّة؛ تلك الوجوديّة والنزعات الذاتية والخوف من الوحدة ومساءلة السلطة الدائمة والتفكير في قدرات غير عادية للتمكن من العيش في عالمٍ، أو واقعٍ، غير عادي.

ما قصدته من تلك المقارنة هو تفكيك الغموض الذي يكتنفُ هذه التسمية التي تمّ إلحاق الراحل محمد خان بها، ليس دفاعاً عنه ولا كرهاً في المخرجين الآخرين. وإنّما الأمر أنّ لكلٍّ عالماً "عالم حياة"، إذا استعرنا من الفلسفة، خاصاً به، يقوم بصناعته واستلهامه في آنٍ واحد. عوالم خان السينمائيّة رغم أنها واقعة تحت ضغوطات فترة عصيبة مرت بها مصر من تحوّل جذريّ نحو النيوليبرالية وإضعاف المجال العُمّالي، والإفقار الملاصق لكل سيرورات اللبرلة الجديدة، مثله مثل مجايليه تماماً، إلّا أنّه يحاول دائماً ابتكار عالم ذاتيّ لكل شخصيّة في الفيلم، مع اهتمام كبير بفكرة "المكان" التي كان هو نفسه مولعاً بها. ولذا، فأفلام خان هي شخصيات سحريّة بأماكن واقعية، واقعية جداً.

"سوّاق الأتوبيس" 1982

عودة مواطن.. الشهادة على الخراب

لا أحد ممّن يشاهد سينما محمد خان، إلّا ويلمس دائماً عشقه للمدينة، ولتفاصيل المكان. هناك ولع لدى خان في إظهار بيئة العمل الذي يقوم به، ليرفعها إلى درجة من الفانتازيا الواقعية، وكأنّك للمرة الأولى تجترح مشاهدة هذا المكان، رغم أنك تعيش فيه. خان مولع بالمدينة ولما لها من سطوة في البعد النفسيّ. ومع كون خان يظهر لنا القاهرة التي نعرفها، لكننا لا نعرفها في الآن نفسه، إلا أنه متميز عن يوسف شاهين، الذي يخلق مدينة لا تمت لنا بصلة في أغلب أعماله، لا سيما الثلاثية.

خان وضع المصريين أمام ثلاثة خيارات ما تزال إلى الآن ويبدو أنّ ما يتحكم فيها هو الظرف الاقتصادي

رغم هذه الملاحظة العامة والاستباقية، إلا أنني أود التركيز على فيلم خان "عودة مواطن" 1986، والذي أراه من أنضج أعمال خان، هو "الحرّيف". ففي "عودة مواطن"، نحن نلمس البعد الاقتصادي للقاهرة التواقة إلى الكزومبوليتانيّة، وانخراطها في المشروع النيوليبرالي، وما لحق به من تبعات ما يزال الوضع المصري يرزح تحتها.

يعود يحيى الفخراني "شاكر" من دولةٍ خليجيّة "قطر"، بعدما كوّن مبلغاً جيداً من المال، على نية الاستقرار في مصر. ويكون الفيلم هو عبارة عن تغيرات المدينة، الاقتصاد والذوات أنفسهم؛ من خلال رؤية العائد من الخليج، الشخصية المألوفة التي ذهبت في الثمانينيّات لتكوين ثروة صغيرة تضمن لها البقاء في الطبقة الوسطى في مصر حينها.

اقرأ أيضاً: مصر: سينما الغيبوبة إذ تصادر أشواق الإنسان البسيط

ستكون أسرة العائد هي موطن تركيز خان، حيث سيجد أن الفضاء الذي ترك إخوته فيه نفسه قد تغيّر. لا أريد أن أسرد الفيلم. بيد أنني أودّ أن ألمح إلى أنّ خان من خلال الشخصيات التي رسمها، برأيي، رافقتنا إلى يومنا هذا، مع تعديلات زمانية بكل تأكيد.

"الحريّف"

حاول خان في "عودة مواطن" التغلل في البعد الاقتصاديّ وكشف الزيف الذي ميّز تجار العمارات الذين سرقوا، بالتضليل، أمواله على أساس أن يستلم شقة كانت مباعة لعشرة أشخاص غيره. أما أخوه مهدي "أحمد عبد العزيز" فهو فريد في تمثله لدور الشاب الذي يتعاطى أدوية اكتئاب احتجاجاً على الواقع، ويدخن بشراهة، ولا يهتمّ لشيء. حاول خان رسم صورة مهدي على هيئة الخريج الذي لا يجد عملاً "آثار الخصخصة والنيوليبراليّة"، والذي يرفض الزواج لأخته لا لشيء إلا لأن "فكرة الزواج خاطئة حتى ولو معك ملايين. الزمن دا لا يمكن حد يكون فيه مبسوط"، لأننا كمصريين سنصل إلى مئة مليون شخص. "أنت عارف يا شاكر لما نبقى 100 مليون دا معناه ايه؟ إن الناس تاكل بعضها. يرضيك شعب عريق زينا يبقى من أكلة لحوم البشر؟"، يسأل مهدي أخاه شاكر.

واقعيّة محمد خان السحرية ترسمُ شخصيات تشبهنا شخصيات تخطئ وتصيب غير منطوية داخل أحلام كبرى

أما الأخ الثاني إبراهيم "شريف منير" فمتفائل، يحب الحمام الزاجل، الذي سنعرف فيما بعد أنّه يساريّ مثله مثل خاله المسجون السياسيّ السابق، يجد أمانه ووظيفته الاجتماعية في التواصل مع تيار يساري عبر الحمام. ويلفت خان النظر أيضاً إلى البعد التحرري للمرأة في ضوء الشرط المعولم، بحيث ستعيش أخته الكبرى مع عشيقها، وستتزوج أخته الأخرى، وسيودع مهدي في مصحة نفسية يلعب الشطرنج ويرى بعقلانيّة أن المصحّة أكثر راحة من الواقع، وسيُزج بإبراهيم في غياهب أمن الدولة. وستتفكك الأسرة ذات الطبقة الوسطى، ليحتار هذا العائد، شاكر، في فهم الطبيعة الجديدة التي حلّت بالمكان.

إنّ خان وضعنا كمصريين أمام ثلاث خيارات ما تزال إلى الآن، ويبدو أنّها خيارات كلّ ما يتحكم فيها هو الظرف الاقتصادي.

-الشخص العاطل رغم حصوله على شهادة، أو المصحة النفسيّة كأفق من ضيق القاهرة العجوز.

-التمرّد الجذريّ كسبيل حتميّ للسجن.

-العودة إلى الخليج كمجال للعمل وللقبض بالدولار والانخراط في الطبقة الوسطى "الهادئة سياسياً".

ولذا، فالحقيقة أن "عودة مواطن" هو عمل عظيم في أنّه يعبّر عن خرابنا، وعن المدينة المتحولة، التي تأكل من نفسها ومنّا كل يوم شيئاً.

 "عودة مواطن" 1986

"خرج ولم يعد": الريف كفردوس

وفي عمل مميّز آخر لخان، ألا وهو فيلم "خرج ولم يعد" (١٩٨٤)، سنجدُ الثيمةَ نفسها في التركيز على المكان، وخرابه المستمرّ، والبطل الذي ينحدر به الحال يوماً فيوماً، مثله مثل سقف بيته المتهالك الذي وقعِ بالفعل وانهدّ البيت على مَن فيه. في "خرجَ ولم يعد"، يكون عطيّة (الفنان الكبير يحيى الفخرانيّ) موظفاً كلّ طموحه أن يكون مديراً عامّاً في يوم (حلم أبيه الذي مات دون أن يحققه، ووعده شاكر، كما حكى لليلى علوي في الفيلم، بأن يموت مطمئناً بأنّه سيكونه)، وكلّه أمل أن يحصّل شقة ليتزوج الفتاة التي خطبها لسنواتٍ دون جدوى، مما يضطره إلى السفر إلى الرّيف، حيث أصله، ليبيع قطعة الأرض التي كانت ميراثاً حتى يحصّل شقة.

اقرأ أيضاً: داوود عبد السيد: تحويل الأدب إلى السينما "افتراس"

"خرجَ ولم يعد" هو مشهديّة تامّة، وليس فيلماً، هو كاميرا متنقّلة توضّح المعاناة والبؤس غير العاديّ الذي يحياه إنسان مفرط جداً في عاديّته. فبعد وصوله إلى الريف، وحدوث حكايات كثيرة، يقع في حبّ خيريّة (ليلى علوي)، والريف، والعيش في بيت الأكّيل الكبير كمال بك (فريد شوقي) الذي ستكون رمزيّة الأكل الشّره في بيته لها ما لها مما حاول محمد خان بإبداع تصويره.

اقرأ أيضاً: هل يمكن أن تصنع السينما إرهابياً حقيقياً؟

الريف ببساطة، في هذا الفيلم، هو الجنّة التي يعود إليّها الإنسان، والمدينة هي الأرض، بكلّ ما عليها. "خرجَ ولم يعد" هو كفرانٌ بالأرض، أو ملل من الإقامة فيها، وضجرٌ من هذا الركام البشريّ والسكانيّ والعمران المتهالك. ويبدو أنّنا لا نعود للقرية أو الريف، بل هي شرط تصوّرنا لحياة أهدأ وأقلّ ظلماً وعنفواناً من المدينة الطائشة والظالمة والتي تتجلّى فيها الفروقات الطبقيّة بشكل مزرٍ.

اقرأ أيضاً: فلسطين عرفت دور السينما منذ مئة عام وأنتجت أفلاماً رغم المآسي

إلّا أنّ المهمّ في هذا الفيلم الجميل جداً هو اكتشاف ما أخذته المدينة منّا، لدرجة أنّ الأكل -حتى ولو بشراهة- هو أمر مستغرب بالنسبة إلى عطيّة القادم من المدينة؛ فالأكل في الريف سلوك دائم، وعاديّ، ويحصل بشكلٍ أليف وحميميّ. بينما المشهد كان مستغرباً بالنسبة إلى عامل مدينيّ قاهريّ لأنّ القاهرة هي كلّ ما ليس ذلك ببساطة. هي العزلة الضروريّة عن الطقوس الجماعيّة هذه مثلاً، وهي سعي لا يهدأ بين المكتب (الوظيفة) والمكان العامّ (الشارع الذي تغمره مياه المجاري) والبيت (الذي سينهدّ عمّا قريب لرثاثة بنائه)، وما بين ذلك كلّه حياة فرديّة مليئة بالبؤس والفقر واللاحميميّة.

اقرأ أيضاً: كيف خدمت السينما أعمال إحسان عبدالقدوس؟

إذا كان خان، الذي أخرجَ لنا كلّ هذه الأفلام العظيمة قد أنجز شيئاً يستحق، وهو فعل الكثير من الأشياء، لا شيء واحد، فهو أنّه درّبنا على رؤية المكان، وعلى الإنصات للشخصيات، والتصالح مع عاديّتنا تماماً، مع هؤلاء الذين يشبهوننا في المقهى والبيت والوظيفة.

للمشاركة:



نزاعات المؤسسة الدينية الإيرانية تخرج للعلن

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-20

بدأ الصراع على منصب المرشد الأعلى للثورة الإسلامية يخرج للعلن بين المتحكمين عموماً في الشأن الإيراني، بما هو سياسي وديني واجتماعي، والموجهين أيضا للبوصلة الإيرانية على مستوى العلاقات الخارجية والنزاعات الإقليمية؛ حيث اندلعت حرب كلامية كانت الشتائم والتهديدات سمتها البارزة، بين رئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام الإيراني، آية الله صادق آمولي لاريجاني، وعضو فقهاء مجلس صيانة الدستور، آية الله محمد يزدي، باتهامهما بعضهما بالكذب والتدليس والفساد.

وسط الخلاف الحالي بين آية الله صادق آمولي لاريجاني وآية الله محمد يزدي، الضوء على الصراع الذي يشق تيار المؤسسة الدينية في إيران، وفق ما نقل موقع "ميديل إيست أون لاين".

آية الله صادق آمولي لاريجاني وآية الله محمد يزدي يتهمان بعضهما بالكذب والتدليس والفساد

وإلى وقت قريب كان الحديث عن خصومات ونزاعات رجال الدين البارزين في إيران أمراً "محرَّماً" وخطّاً أحمر، لكن المؤسسة الدينية المتحكمة في معظم الشأن الإيراني والمرجعية الأعلى في البلاد اهتزت منذ فترة، على وقع احتجاجات كسرت حاجز الخوف واخترقت جدار الصمت المطبق المفروضة بعصا ميليشيات الحرس الثوري، لتتهم خامنئي ذاته بالفساد وتطالب برحيل نظام الملالي الذي أطبق على صدر عامة الإيرانيين وخنق حرياتهم.

وكانت الوكالات الإيرانية الرسمية، الأحد، قد نشرت رسالة مفتوحة للاريجاني اتهم فيها يزدي بـ "نشر الأكاذيب وبثّ الإشاعات والتشهير"، وذلك ردّاً على اتهام يزدي له بتشييد القصور تحت غطاء الحوزات الدينية واستغلال منصبه عندما كان رئيساً للقضاء.

وسارع رئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام الإيراني إلى تكذيب روايات تتحدث عن اعتزامه الهجرة إلى النجف الأشرف في العراق، كما نفى -في الوقت ذاته- أن تكون السلطات الأمنية الإيرانية قد اعتقلت مدير مكتبه بتهم فساد.

وذهب عضو فقهاء مجلس صيانة الدستور إلى أبعد من ذلك؛ حين شكّك في أهلية لاريجاني العلمية والدينية، قائلاً إنّ ذهابه إلى النجف أو بقائه في قم لن يكون له تأثير يذكَر لسبب بسيط؛ أنّه لم يكن له (أي لاريجاني) أي تأثير ديني يذكر.

بدوره، ردّ رئيس مصلحة تشخيص النظام على استهزاء يزدي بالقول في رسالته: "لا أحد يأخذ آراءك ودروسك في الحوزة الدينية في قم على محمل الجدّ".

هذا وقد عرّت الحرب الكلامية بين الرجلين جزءاً يسيراً من الفساد المستشري في المؤسسة الدينية الإيرانية التي تختزلها مرجعية قم وتفرعاتها، لتهزّ بذلك الثقة في المؤسسة التي يقودها خامنئي منذ عقود والمتهم بدوره ببناء إمبراطورية اقتصادية.

 

 

للمشاركة:

تركيا تحشد قواتها إلى إدلب.. آخر التطورات في المنطقة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-19

وصلت تعزيزات عسكرية تركية إلى جنوب محافظة إدلب، اليوم، غداة سيطرة قوات النظام السوري على الأطراف الشمالية الغربية لمدينة خان شيخون، الواقعة في المنطقة.

ويشمل الرتل التركي، الذي وصل إلى مدينة معرة النعمان، الواقعة على بعد 15 كيلومتراً شمال خان شيخون، في ريف إدلب الجنوبي، على قرابة خمسين آلية من مصفّحات وناقلات جند وعربات لوجستية، إضافة إلى خمس دبابات على الأقل، وفق "فرانس برس".

من جهتها، نقلت وكالة الأنباء الرسمية السورية "سانا"، عن مصدر رسمي في وزارة الخارجية تنديده بدخول "آليات تركية محمّلة بالذخائر، في طريقها إلى خان شيخون لنجدة الإرهابيين المهزومين من جبهة النصرة"، معتبرة أنّ ذلك "يؤكد مجدداً استمرار الدعم الذي يقدمه النظام التركي للمجموعات الإرهابية".

وصلت تعزيزات عسكرية تركية إلى جنوب محافظة إدلب غداة سيطرة قوات النظام السوري مناطق من خان شيخون

وأشارت إلى أنّ هذا "السلوك العدواني التركي لن يؤثر في أيّ شكل على عزيمة وإصرار الجيش على مطاردة فلول الإرهابيين في خان شيخون".

ومنذ نهاية نيسان (أبريل)، تتعرض مناطق في إدلب وأجزاء من محافظات مجاورة تسيطر عليها هيئة تحرير الشام (النصرة سابقاً)، وتنتشر فيها فصائل أخرى معارضة أقلّ نفوذاً، لقصف شبه يومي من جيش النظام وحليفته روسيا، وبدأت قوات النظام في الثامن من الشهر الجاري التقدم ميدانياً في ريف إدلب الجنوبي.

وتشهد سوريا نزاعاً دامياً تسبّب منذ اندلاعه في 2011، بمقتل أكثر من 370 ألف شخص وأحدث دماراً هائلاً في البنى التحتية، وأدى إلى نزوح وتشريد أكثر من نصف السكان، داخل البلاد وخارجها.

 

للمشاركة:

إرهاب الحوثيين يطال دور الأيتام.. تفاصيل

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-19

استولى مسلحون حوثیون على دار لإیواء الأیتام في محافظة الحدیدة، غرب الیمن.

وأجبر الحوثیون عشرات الأیتام على مغادرة دار المعالي لإیواء الأیتام في مدینة المراوعة، عقب اقتحامها بقیادة المشرف الحوثي المدعو "أبو المجد یاسر المروني"، وفق موقع "المشهد" اليمني.

ميليشيات الحوثي الإرهابية تستولي على دار للأيتام في الحديدة وتجبر عشرات الأيتام على مغادرتها

وقال مصدر محلي في المدیریة: إنّ المروني ومدیر المدیریة، المدعو أدھم ثوابة، أقرّا بتحویل الدار إلى مقرّ لعقد الدورات الصیفیة، واستخدام المدرسة التابعة له لعقد ما تسمّى "الدورات الثقافیة الطائفیة".

وأضاف المصدر؛ "اضطرت إدارة الدار لإخلائها من الأیتام، خوفاً على سلامتھم، بعد أن أصبح مسلحو الحوثي ومشرفوھم یسیطرون عليها بشكل دائم، ویستخدمونها لأغراض خاصة بھم، وأصبح الأیتام بلا مأوى أو سكن".

یذكر أنّ الدار تشرف على إدارتھا مجموعة من المتطوعات، وتعتمد بشكل كبیر على دعم فاعلي الخیر والمغتربین.

إلى ذلك؛ دمّرت ميليشيا الحوثي أحد الطرق العامة الرئيسة في محافظة الحديدة، بالتزامن مع مواصلة تصعيدها العسكري والقصف العشوائي المكثف على منازل المدنيين، ضمن خروقاتها المستمرة للهدنة الأممية.

ميليشيات الحوثي فجّرت عبّارات وجسوراً على الطريق الرابط بين مديريتي التحيتا وزبيد جنوب الحديدة.

على صعيد آخر، قالت مصادر محلية، أمس: إنّ "ميليشيات الحوثي فجرت عبّارات وجسوراً على الطريق الإسفلتي الرابط بين مديريتي التحيتا وزبيد، جنوب الحديدة".

وذكرت المصادر؛ أنّ الميليشيات الحوثية استخدمت في تدمير الطريق العام وقلع الإسفلت، الألغام والمتفجرات والجرافات.

وسبق أن فخخت ميليشيات الحوثي أكثر من 73 جسراً ومجرى لسيول الأمطار في الطرق الرئيسة التي تربط العديد من مديريات الحديدة، من خلال استخدام شبكات ألغام مرتبطة بصواريخ وقذائف وزرعها بالطرقات والجسور.

في السياق ذاته؛ أصيب مدني بجروح بليغة، أمس، جراء استهداف ميليشيا الحوثي بالقصف المدفعي المكثف على قرى المواطنين في منطقة المتينة السكنية، جنوب الحديدة.

القوات المشتركة في الساحل الغربي تحبِط محاولة تسلل لميليشيات الحوثي نحو مركز مديرية التحيتا

وذكر سكان محليون؛ أنّ المواطن إبراهيم داؤود سليمان تعرض لإصابة بليغة، في مناطق متفرقة من جسده بشظايا قذيفة الهاون التي أطلقتها الميليشيا.

هذا وأفشلت القوات المشتركة في الساحل الغربي جنوب الحديدة، محاولة تسلل لميليشيات الحوثي نحو مركز مديرية التحيتا، بالتزامن مع قطع خدمة الإنترنت والاتصالات الأرضية عن المديرية.

وأحبطت القوات المشتركة هجوماً ومحاولة تسلل قامت بها الميليشيات الحوثية، من الناحية الجنوبية ومن المزارع المطلة على مدينة التحيتا تحت غطاء ناري كثيف.

 

 

للمشاركة:



اللامركزية عقيدة إخوانية غذاؤها الفراغ والفوضى

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-20

بهاء العوام

إنه موسم العودة إلى الحياة السياسية في المنطقة العربية. هكذا تقرأ جماعات الإخوان المرحلة الراهنة. الفرصة سانحة في الجزائر وليبيا والسودان وتونس وسوريا بسبب الفراغ أو الفوضى في هذه الدول، أما في دول أخرى مثل تركيا وقطر ومصر والمغرب، فيمكن أن تمارس أذرع التنظيم أدوارا مساعدة في تلك العودة.

الحديث عن تمدد الإخوان في المنطقة لا يقارب المبالغة. وفي الوقت ذاته لا يحتمل التفخيم ليصنع منهم قوة لا تقهر. هم بكل بساطة تيار سياسي لا يعرف حدودا في استغلال الدين لصالح أهدافه، توسع في بلاد لم تعرف بعد الاستعمار القديم أنظمة ديمقراطية ودساتير تتيح للناس المشاركة السياسية في الحكم.

الاستغلال اللاأخلاقي لله والدين، سهل على الإخوان التكيف وفقا للبيئة التي يعيشون فيها. كل حزب ينتمي إلى التنظيم بشكل مباشر أو غير مباشر يكتسي ما يلائم الدولة التي يعمل فيها. و”الغاية تبرر الوسيلة” هي القاعدة الأولى التي تستند عليها أحزاب وتيارات الإخوان حول العالم وليس في المنطقة العربية فقط.

غاية الإخوان هي أن يحكموا حيث ينشطون ولكل جماعة أن تختار الوسائل اللازمة لذلك. لا حرج في طريق الوصول إلى الحكم سواء شقت بالدم أو عبر التحالف مع الشيطان. المهم أن تؤدّي جميع الطرق إلى السيطرة على المكان والأشخاص. في الحي والمنطقة والمدينة والمؤسسة والمدرسة والجامعة وكل تجمع.

الأحزاب الإخوانية تصوغ أدواتها على مقاس الدول التي تنشط فيها؛ ثمة لامركزية يفرضها اختلاف البيئات ولكنها لا تمس نزعة الفكر الإخواني إلى الحكم في أي زمان ومكان، حتى ولو في حافلة للشرطة تقل معتقلين من نشطاء تظاهروا ضد نظام حسني مبارك في مصر عام 2011، كما شاهدنا في فيلم “اشتباك”.

في الفيلم الذي أنتج عام 2016 كان الإخوان أكثرية بين المعتقلين في حافلة الشرطة. اختاروا زعيما لهم وبدأوا ببسط نفوذهم في الحافلة بالقوة إلى أن سيطروا عليها وتوجهوا بها إلى مناطق تجمعات “ثوار” الإخوان، فهوجمت وقتل كل من فيها بمن فيهم أفراد الجماعة الذين سطوا على الحافلة وقادوها إلى حتفها.

النهاية المأساوية هي مآلات تجارب الإخوان في الحكم دائما، والإدارة التعسفية العقيمة للأمكنة التي يسيطرون عليها، سواء عبر صناديق الاقتراع أو بالتحالف مع العسكر، هي الميزة الأساسية لحكمهم. مشكلة الإخوان هي في الفكرة والتطبيق معا، فكرة أنانية إقصائية كاذبة تترجم بأدوات انتهازية وأساليب ملتوية.

أبشع صور انتهازية الإخوان تتجلى في تربصهم بالثورات الشعبية لاستغلالها وقطف ثمارها. يدعون أنهم جزء من الحراك ويحق لهم ما يحق لغيرهم، رغم أنهم وحدهم، دون غيرهم، يبحثون في التغيير دوما عن مصلحتهم الخاصة وليست مصلحة البلاد التي ثار من أجلها الناس وواجهوا فيها أنظمة استبدادية فاسدة.

ولا يضير الإخوان أن تتناقض أداوت أحزابهم في ما بينهم، أو تتناقض مع منطلقات الفكر الإخواني الأصلي. لا ضير أن يركب حزب إخواني موجة المدنية في البلاد إن كانت ستحط به على شاطئ السلطة، ولا بأس من دعم مرشح علماني لرئاسة البرلمان أو الجمهورية أو الحكومة، إن كانوا سيقودون المكان عبره.

في تونس مثلا ترى حزب النهضة منفتحا على مدنية الدولة، أما إخوان سوريا فيتلعثمون عند استخدام هذه المفردة للحديث حول مستقبل البلاد. حركة مجتمع السلم في الجزائر تؤيد الجيش في حوار “وطني” مبهم الأهداف. أما في السودان فيحارب الإخوان المجلس العسكري بحجة أنه لا يحاورهم، قيادي منهم قال ذلك وعلى الملأ عبر شاشة تتكلم بلسان إخوان العالم.

في ليبيا وسوريا، يتحالف الإخوان مع قطر وتركيا ويستعدون لفرصة الانقضاض على السلطة. لم يفلح الإخوان في قطف ثمار الحراك الشعبي مباشرة لأن التدخلات الخارجية قادت الدولتين إلى حروب أهلية، فانضم الإخوان إلى هذه الحروب وحرصوا على استمرار اشتعالها، تحت شعار: إن لم تكن السلطة لنا فلن يهنأ بها غيرنا.

يريد الإخوان تطبيق هذا الشعار في مصر ولا يملون المحاولة. السعي وراء السلطة عبر الدم لا يتعارض أبدا مع مبادئهم مهما حاولوا ادّعاء عكس ذلك. ربما يمكنهم الهروب من الإدانة الرسمية في الإرهاب الذي يُمارسونه في بعض الأماكن، ولكن دولا عديدة وضعتهم على رأس قوائم الإرهاب فيها وأطلقت الحرب عليهم.

ما يثير الاستغراب هو ذلك الوهم الذي تعيشه الدول الغربية في التفريق بين الإخوان والإرهاب. هو في الحقيقة ليس وهما بقدر ما هو تحالف شيطاني آخر نسجه الإخوان مع هذه الدول على مدار عقود طويلة. شروطه تغيرت خلال تلك السنوات طبعا، ولكن الثابت الوحيد هو أن يبقى الإخوان في خدمة مصالح هذه الدول بالمنطقة العربية أولا، ويحافظون على استقرار مجتمعات الغرب ثانيا.

لا يخالف التنظيم الدولي للإخوان قواعد اللعبة التي تمارسها أحزاب التنظيم عربيا، فالسلطة هي مبتغاه أيضا، ليس عبر البرلمان أو الحكومة، في الوقت الراهن على الأقل، وإنما عبر احتكار تمثيل المسلمين في هذه الدول واحتكار التفاوض باسمهم والتعبير عن توجهاتهم ومواقفهم من القضايا الداخلية والخارجية.

نجح الإخوان في بريطانيا والولايات المتحدة في تمثيل المسلمين لسنوات طويلة. كانوا يجلسون مع الحكومات المتعاقبة لهذه الدول للبحث في شؤون الجالية في البلاد. اليوم تغيرت المعادلة وظهرت تيارات إسلامية ترفض فكر الإخوان وتعتز بالانتماء إلى دول الغرب قبل أي انتماء آخر. من هذه التيارات وصل وزراء ومسؤولون إلى الحكم في تلك الدول، مثل وزير الخزينة البريطانية ساجد جاويد وعمدة لندن صادق خان.

أدركت الدول الغربية، وعلى رأسها بريطانيا، خطأ حساباتها تجاه الإخوان في العقد الأخير، وتكشف هذا الخطأ لشعوبها مع ولادة داعش من رحم الفكر الإخواني. استفاق البريطانيون فجأة على كتب التطرف لحسن البنا وسيد قطب فحظروها في سجونهم التي أنتجت متطرفين انضموا إلى صفوف الإرهاب لاحقا.

تراجعت قدرة الإخوان على التكيف الكاذب مع البيئة البريطانية. لم تعد اللامركزية سلاحا يمكن استغلاله في الغرب عموما. ثمة حالة مشابهة في المنطقة العربية، نضجت تماما في بعض الدول فحظرت تنظيم الإخوان، وتعيش مخاضا في دول أخرى تبحث شعوبها عن قطيعة مع ماضيها الاستبدادي بجميع مفرداته، وعلى رأسها الإخوان.

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:

تحقيقات جديدة.. ما حقيقة تمويل قطر لجماعات إسلامية إقليمياً ودولياً؟

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
2019-08-19

ترجمة: مدني قصري


حاولت الدوحة تعزيز دورها الإقليمي بعد انفجار "الربيع العربي"، من خلال دعم فروع الإخوان المسلمين في عدد من البلدان التي شهدت ثورات، لا سيما تونس ومصر وليبيا.

اقرأ أيضاً: تحذير بريطاني من جمعية خيرية على صلة بمؤسسة قطرية
هناك أدلة كثيرة على أنّ هذا النهج قد انتشر في اليمن؛ ففي خطاب ألقاه، في نيسان (أبريل) 2011، قال الرئيس اليمني الراحل، علي عبد الله صالح: "نستمدّ شرعيتنا من قوة شعبنا اليمني المجيد، لا من قطر، التي نرفض مبادرتها"؛ كانت هذه الإدانة العلنية الشديدة ناجمة عن دعم قطر لحزب الإصلاح، الذي لعب دوراً رئيساً في الجهود المستمرة للإطاحة بصالح.

على غرار العديد من الجهاديين المصريين فقد تمّ استقطاب الظواهري إلى التطرف من قِبل منظر الإخوان المسلمين سيد قطب

ذكرت وسائل الإعلام اليمنية؛ أنّ قطر تدعم حزب الإصلاح في اليمن، وهو الجناح السياسي لجماعة الإخوان المسلمين في البلاد، وكان الغرض من هذا التدخل، وفق تقارير، هو إنشاء جناح عسكري للجماعة يعزز قدرة حزب الإصلاح الإخواني على توسيع نفوذه في جميع أنحاء اليمن والدولة، في المجالات؛ السياسية والعسكرية والأمنية.
يحاول المقال توضيح الأهداف المحتملة التي قد تحملها الدوحة في دعم حزب الإصلاح، ويؤكد أنّ أيّة علاقة بين قطر و"الإصلاح" يجب أن تُفهم في ضوء سياسات قطر طويلة الأمد تجاه الإخوان المسلمين وغيرهم من الإسلاميين، في مختلف مناطق الصراع في الشرق الأوسط.
قطر فرضت شروطاً على مساعدتها لمتحف لا شو دي فون

سياسات الدوحة
إنّ سياسات الدوحة، المتمثلة في الاتهامات الموجهة لها بتمويل المتمردين، أدّت إلى استفادة المنظمات المتطرفة منها، سوريا حالة معروفة؛ حيث حدث هذا، وليبيا ومالي مثالان آخَران، وقد ذهبت مديرية الاستخبارات العسكرية الفرنسية في اتهاماتها إلى حدّ القول، عام 2013؛ إنّ قطر قد ذهبت إلى أبعد من ذلك، وإنّ قواتها الخاصة "تدرّب مقاتلين مرتبطين بجماعة أنصار الدين، وهي أحد الفروع المرتبطة بتنظيم القاعدة في منطقة الساحل".
الظواهري يثني على سيد قطب
ليس مستغرَباً؛ أن نرى جماعة الإخوان المسلمين و"القاعدة" تعملان بالقرب من بعضهما، وتدفعان نشاطهما في الاتجاه نفسه؛ لقد دافع زعيم القاعدة، أيمن الظواهري، علناً، عن الاتحاد مع جماعة الإخوان المسلمين، للعمل ضدّ الغرب، وعلى غرار العديد من الجهاديين المصريين، فقد تمّ استقطاب الظواهري إلى التطرف من قِبل منظر الإخوان المسلمين، سيد قطب، والذي أثنى عليه في كتابه "فرسان تحت راية النبي"، وبالتالي فإنّ أسلحة جماعة الإخوان المسلمين قد تنتقل بسهولة إلى القوات التابعة لتنظيم القاعدة.
الدوحة تدعم إخوان ليبيا
في ليبيا؛ تشير بعض التقارير الصحفية أنّ الدوحة دعمت لواء طرابلس، التابع لعبد الحكيم بلحاج، وكان بلحاج أمير المجموعة الليبية الإسلامية المقاتلة، المتهمة بالارتباط بتنظيم القاعدة، حتى تمّ أسْره من قبل وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية "سي آي أي" في بانكوك، عندما حوّل بلحاج مجموعته إلى حزب سياسي، الوطن، ورفض الانتخابات الليبية عام 2012.

اقرأ أيضاً: قطر: إضراب عمال وافدين عن العمل لهذه الأسباب
رغم ذلك؛ لم يحقق بلحاج النتائج المرجوّة، وحصل على 3٪ فقط من أصوات الشعب، لذلك لم يفز بأيّ مقعد في البرلمان، كما دعمت الدوحة حزب العدالة والبناء الليبي (حزب العدالة والبناء)، وهي منظمة إسلامية مرتبطة بالإخوان المسلمين.
وصف المسؤولون الأمريكيون الإخوان المسلمين الليبيين بأنّهم متطرفون مناهضون للديمقراطية، وأعربوا عن استيائهم من دعم قطر لهم، فعلى سبيل المثال؛ منعت حكومة الولايات المتحدة، تاجر أسلحة في أريزونا من بيع الأسلحة إلى قطر على أساس أنّها ستزود بها المتشددين الليبيين.

فضائية "الجزيرة" تروّج لجبهة النصرة 
في سوريا؛ قدّمت قناة "الجزيرة" القطرية، تغطية مواتية لـ "جبهة النصرة" التابعة لتنظيم القاعدة، وقد حاول بعض المسؤولين القطريين تصوير "النصرة" كقوة معتدلة، ومنح تغطية واسعة، وساذجة، لتصريحات "النصرة"، التي انفصلت عن تنظيم القاعدة، وفشلت جهود قطر في تغيير النظرة الغربية إزاء "النصرة"، فشلاً ذريعاً، رغم استمرار قطر في محاولة التوسط بين الغرب والقوى المتطرفة، منذ حزيران (يونيو) 2013، ترحّب الدوحة بطالبان، التي تشارك في مفاوضات مع الولايات المتحدة حتى الآن.

الريان أكبر بنك إسلامي ببريطانيا لديه أكثر من 85000 عميل من أصحاب المجموعات المتشددة والمتعاطفين مع الإخوان المسلمين

إضافة إلى استخدام الإسلاميين لتوسيع نفوذها، استخدمت قطر الإسلاميين لتقويض منافسيها، وفق صحيفة "نيويورك تايمز"، قام رجل أعمال مقرب من أمير قطر، خليفة كايد المهندي، بالتنسيق مع السفير الصومالي في الصومال، في هجوم بسيارة مفخخة ارتكبها متشدّدون في بوساسو للترويج لمصالح قطر، من خلال إقصاء منافستها، الإمارات العربية المتحدة.
أمكن سماعُ المهندي خلال محادثة هاتفية مع السفير، في 18 أيار (مايو) 2019، بعد حوالي أسبوع من التفجير، قائلاً: "نحن نعرف من يقف وراء الهجمات"، مضيفاً: "كان أصدقاؤنا وراء أحدث الهجمات"، وأكّد المهندي؛ أنّ العنف كان "يهدف إلى تخويف وإبعاد الإماراتيين"، "فليطردوا الإماراتيين، حتى لا يجددوا العقود معهم، وسأحضر العقد هنا في الدوحة"، عاصمة قطر، وقد أعلنت حركة الشباب، فرع تنظيم القاعدة في الصومال، مسؤوليتها عن الهجوم.
وهذا يعزّز مصداقية اتهام سفير الإمارات العربية المتحدة لدى روسيا، عمر سيف غباش، بأنّ قطر متهمة بالتعاون مع تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية في اليمن.

اقرأ أيضاً: الإمارات تغلق قضية مرفوعة ضدّ قطر
قال غباش: "لقد أبلغ حلفاؤنا القطريون القاعدة بموقعنا بالضبط، وبالذي ننوي القيام به"، تجدر الإشارة هنا إلى أنه منذ عام 2011، على الأقل، أصبح تنظيم القاعدة في جزيرة العرب وحركة الشباب أكثر تشابكاً، وبالتالي فإنّ دعم أحدهما يمكن أن يفيد الآخر بسهولة.
يستنتج من ذلك؛ أنّه بالنظر إلى جميع العوامل المذكورة أعلاه، من المحتمل أن تحاول قطر استخدام حزب الإصلاح لتعزيز أهدافها في اليمن، ولن يكون من قبيل المبالغة الاعتقاد بأنّ الدوحة تعمل بقوة أكبر لمحاولة زيادة تأثيرها على الدولة والمجتمع اليمنيين.

العلاقات المالية بين قطر والجماعات الإسلامية الغربية

في مقال نشرته صحيفة "التايمز" مؤخراً؛ يقدم أندرو نورفولك، وهو صحفي تحقيقي، رؤى جديدة حول العلاقات المالية بين قطر والجماعات الإسلامية الغربية.
لقد تلقت العديد من المنظمات البريطانية المرتبطة بالإسلاميين ومؤيديهم، وفق نورفولك، أموالاً من قطر، وبعض عملاء أحد البنوك جُمِّدت حساباتهم المصرفية أو أغلِقت لأسباب أمنية.

بنك الريان أكبر بنك إسلامي في بريطانيا

سبق أن قامت مؤسسة "العين الأوروبية على التطرف" ( European Eye on Radicalization) بالتحقيق في الروابط المذكورة أعلاه، والتي تجذب الآن انتباه الغرب.
بنك الريان، أكبر بنك إسلامي في بريطانيا، لديه أكثر من 85000 عميل (أصحاب المجموعات المتشددة، والدعاة، والمتعاطفون مع الإخوان المسلمين).

اقرأ أيضاً: بنك قطري آخر أمام القضاء البريطاني.. لماذا؟

وفق نورفولك، هناك 4 مجموعات تابعة للريان تخضع حالياً للتحقيق من قبل اللجنة الخيرية، يعتبر التحقيق الذي أجرته "التايمز" أمراً حاسماً لفهم قدرة الريان على الجاذبية والهيمنة بشكل أفضل؛ حيث إنّه يضمّ أكثر من 10 منظمات مثيرة للجدل إلى حدّ كبير لديها جميعاً حسابات في بنك الريان.

بنك الريان لديه أكثر من 85000 عميل

نشاطات مسجد شرق لندن
يعدّ مسجد شرق لندن، أحد أكبر المراكز الإسلامية في أوروبا، وكانت نشاطاته مثيرة للجدل دائماً؛ حيث إنه يدعو بانتظام دعاةً أمثال؛ هيثم الحداد، وأنور العولقي، أحد أشهر مروّجي دعوة "القاعدة" الذين تعدّ أيديولوجيتهم عنصرية وصريحة، وكارهة للنساء..، كما صرّحت بذلك سارة خان، المفوّضة البريطانية الحالية لمكافحة الإرهاب،.
في الماضي؛ كانت أعمال مسجد "فينسبري بارك موسكي"، أكثر إشكالية، كان معقل أبو حمزة، وهو رأس الكراهية، الذي يقضي حالياً عقوبة بالسجن مدى الحياة في الولايات المتحدة، قد تمت إعادة فتحه في مرحلة أولى، عام 2005.
روابط أيديولوجية وثيقة مع الإخوان وحماس

كان لفريق القيادة الجديدة روابط أيديولوجية وثيقة مع الإخوان المسلمين، وكان محمد صوالحة، وهو عضو في مجلس إدارة المسجد، جزءاً من المكتب السياسي لحركة حماس.

اقرأ أيضاً: التايمز: قطر متهمة باستخدام مصرف بريطاني لدعم جماعات الإسلام السياسي
يبدو أنّ المجموعة المسؤولة عن هجمات 21 تموز (يوليو) 2005 في لندن، قد شجعها مسجد فينسبري بارك؛ ففي الآونة الأخيرة، تتم متابعة المؤسسة عن كثب، أيديولوجياً وتشغيلياً، مؤسسة البحوث الإسلامية الدولية، برئاسة الداعية ذاكر نايك، الذي طُرد من المملكة المتحدة، عام 2010، هي المموّل الرئيس لقناة "TV Peace".
وفق التحقيقات التي أجرتها "التايمز"؛ فإنّ رسالة "السلام للإنسانية" التي وجهها ذاكر نايك لم تمنعه من تمجيد زعيم القاعدة أسامة بن لادن.

مسجد شرق لندن

إستراتيجية إسلامية نمطية 

في الواقع؛ تعدّ العلاقات المالية لقطر مع المنظمات الإسلامية الغربية إستراتيجية تسير جنباً إلى جنب مع شكل من أشكال الدبلوماسية الثقافية الفريدة من نوعها، والتي تنفذها بعض دول الخليج.

في ليبيا دعمت الدوحة لواء طرابلس التابع لبلحاج الذي كان أمير المجموعة الليبية الإسلامية المقاتلة المتهمة بالارتباط بتنظيم القاعدة

يدعونا بول ستوت، مدرّب في الدبلوماسية والدراسات الدولية في "SOAS"، في جامعة لندن، وباحث في جمعية "هنري جاكسون" (HJS) إلى تأمّل رؤية وإستراتيجية قطر التي يبدو أنها تأخذ بعين الاعتبار دمج وتعميم تفسير نمط محدد للإسلام في الغرب بشكل عام، وفي المملكة المتحدة بشكل خاص.
أوضح ديفيد روبرتس، مؤخراً؛ أنّه بوجود موارد مالية وفيرة وموارد بشرية محدودة، يعتمد المقربون من سياسة قطر على العلاقات الشخصية مع مختلف الوسطاء، كأسلوب تشغيل رئيس للسياسة الخارجية، ونتيجة لذلك؛ تدعم قطر، أحياناً، الجماعات المرتبطة بالإخوان المسلمين؛ لأنّها كانت دائماً المنظمة الإسلامية بامتياز التي طورت مهارات تكيّف ملحوظة من زاوية إستراتيجية واتصالية في آن.

كتاب يكشف سعة تمويل قطر
دعمت قطر مشاريع المساجد والمراكز الإسلامية في سويسرا بعدة ملايين من اليورو، وفق كتاب "أوراق قطرية"(Qatar Papers)  الذي نشرته جريدة "تاشيا" مؤخراً.

اقرأ أيضاً: الإخوان في قطر: تيار سياسي أم أكثر من ذلك؟
لكتابة "أوراق قطرية"، اعتمد الصحفيان الفرنسيان، كريستيان تشيسنو وجورج مالبرونو، على وثائق داخلية مسرّبة تابعة لمنظمة غير حكومية على صلات مع شخصيات مقربة من السياسة القطرية، وفق ما ذكرته "Hers External Link" و"Geneva TribuneExternal".

 كتاب "أوراق قطرية"(Qatar Papers)
يعتقد المؤلفان الفرنسيان؛ أنّه من المشروع أن يكون للمسلمين قاعات صلاة جيدة في أوروبا وغيرها، لكنّهما يحذران من المجتمعية الدينية، وظهور مجتمع موازٍ يؤدي إليه التبشير الإسلاموي؛ لأنّ مؤسسة قطر الخيرية ترتكز على عقيدتها في جماعة الإخوان المسلمين، والتي "تغذيها مجرّة الجمعيات".
لقد استأجرت المنظمة، غير الحكومية، واعظها الأكثر شهرة في أوروبا، طارق رمضان، وهدف سياسة الدوحة هو إرضاء قاعدتها المحافظة، والتي تعدّ توسّع الإسلام في جميع أنحاء العالم واجباً عليها، واكتساب نوع من التأمين، من خلال استثماراتها الثقافية أو المالية، أو من استثمارات رياضة كرة القدم، في الغرب، لمواجهة عدوّها السعودي.
مكافآت طارق رمضان
استناداً إلى مذكرة من منظمة المراقبة المالية الفرنسية "تراكفين"، يؤكد كتاب كريستيان تشيسنو وجورج مالبرونو "أوراق قطرية"؛ أنّ طارق رمضان، المقرَّب من جماعة الإخوان المسلمين، يتلقى 35000 يورو شهرياً من مؤسسة قطرية .

اقرأ أيضاً: الرئيس الموريتاني: قطر دمرت دولاً عربية باسم الديمقراطية
كما تشير منظمة المراقبة المالية الفرنسية إلى أنّ وسائل الإعلام الإسلامية كانت ستحصل أيضاً على 19000 يورو من رابطة المسلمين في سويسرا، في أوائل عام 2018، وقت اعتقال رمضان بتهمة الاغتصاب التي وجهت له ولم يعترف بها.
 طارق رمضان

تفاصيل نشاط قطر الخيرية
كشف التحقيق الذي أجراه تشيسنو ومالبرونو، والمدعوم بالعديد من المقابلات والوثائق السرية كيفية توجيه الدوحة أدواتها بطريقة محترفة ومنهجية ومبهمة للغاية، عبر برنامج "البيت" التابع لمنظمتها غير الحكومية، قطر الخيرية، تموّل هذه الأخيرة 138 مدرسة ومسجداً في أوروبا، من شمال النرويج الكبير إلى إيطاليا، عبر ألمانيا والمملكة المتحدة وسويسرا وبلجيكا ومنطقة البلقان وفرنسا.

اقرأ أيضاً: محللون فلسطينيون يكشفون أهداف الأموال القطرية في قطاع غزة
يستعرض الكتاب تفاصيل نشاط قطر الخيرية في مدن؛ مولهاوس، ونانت، ومرسيليا، ولِيلْ، وبواتييه، والهافر، وإيل دو فرانس، خاصة مع المسؤولين المنتخبين الذين تمّ إغراؤهم من قبل إسلام "الوسطية"، أو الوعد بـ "مسجد مقابل عهدتين"، وكانت الميزانية الإجمالية 30 مليون يورو؛ أي ضعف التقديرات الرسمية، ويؤكّد المؤلفان أنّ الإنفاق قانوني بشكل عام ولا يموّل الإرهاب.
140 مسجداً مقابل 71 مليون يورو
هذه الوثائق تتيح تقييم سعة وحجم التمويل من قبل الدوحة، للمشاريع المتعلقة بالمنظمات الإسلامية في أوروبا.
يؤكّد الكتاب؛ أنّ مؤسسة قطر الخيرية قامت بتمويل 140 مسجداً ومركزاً إسلامياً في أوروبا، مقابل 71 مليون يورو.

اقرأ أيضاً: محور تركيا قطر: هل يفقد نفوذه في السودان وليبيا؟‎
"قطر اليوم لاعب رائد في تمويل الإسلام في أوروبا"؛ هكذا علق مؤخراً على التلفزيون والإذاعة السويسرية الناطقة بالفرنسية (RTS)، جورج مالبرونو، مؤلف مشارك لكتاب "أوراق قطرية"، وصحفي رئيس في صحيفة "لوفيغارو"، وإيطاليا هي أول بلد مستفيد بأكثر من 50 مشروعاً مموَّلاً.
 مؤسسة قطر الخيرية قامت بتمويل 140 مسجداً ومركزاً إسلامياً في أوروبا

5 مشاريع مموّلة في سويسرا
في سويسرا؛ ضخّت المنظمة غير الحكومية، بين عامي 2011 و2014، أكثر من 3.6 مليون يورو (4 ملايين فرنك) في 5 مشاريع للمنظمات الإسلامية في بريلي (فاود)، وبيين (برن)، ولا شو دو بروفانس، فوندز (نوشاتيل)، ولوغانو (تيسينو).

منحت قناة الجزيرة تغطية واسعة لجبهة النصرة التابعة لتنظيم القاعدة وحاول بعض القطريين تصويرها على أنها قوة معتدلة

يلعب كلّ من محمد ونادية كرموس، وهما على رأس متحف الحضارات الإسلامية في لا شو دو فون، "دوراً رئيساً"، وفق كتاب "أوراق قطرية"، تلقى الزوجان "المدعومان على أعلى مستوى من حركة الإخوان المسلمين" للمتحف، ما لا يقل عن 7 تحويلات مالية بمبلغ إجمالي يصل إلى 1.4 مليون فرنك.
ردّاً على اتصال من قبل هيئة تحرير "Tamedia"، لم يرغب محمد كرموس في التعليق على الكتاب دون قراءته، ولكنّه أكّد "احترام القوانين السويسرية".
يقع المجمع الثقافي الإسلامي في لوزان في بريلي (1.6 مليون فرنك سويسري) ومسجد صلاح الدين في مدينة بيين، ضمن الهياكل التي تلقت الأموال من الدوحة.

"من يموّل يملِك النفوذ"
"تتواصل قطر مع الشبكات المرتبطة بحركة الإخوان المسلمين (...)، وبالتالي، فمن خلال هذه الشبكة الموجودة مسبقاً، هناك حتمية أسهل في ممارسة الإقحامية"، وفق قول جورج مالبرونو.
وقال الصحفي: "هناك استثمار ضخم من جانب قطر للتأثير على الإسلام الأوروبي"، مشيراً إلى أنّ قطر فرضت شروطاً على مساعدتها لمتحف لا شو دي فون (La Chaux-de-Fonds): "لقد فرضوا رفع العلم، وحضور القادة القطريين في الاجتماعات المهمة، مَن يموّل يملك النفوذ".
في مواجهة جورج مالبرونو، ذكّر ممثل اتحاد المنظمات الإسلامية في سويسرا، باسكال جيمبرلي، بأنّ تمويل جميع المساجد في البلاد هو بنسبة "98٪" من أصل سويسري، وقال: "نحن بعيدون عن فيضانات الأموال الأجنبية".
وأضافت باسكال جيمبرلي؛ أنّ مؤسسة قطر الخيرية "لديها شراكات مع مؤسسة بيل جيتس، وتعمل مع برنامج الغذاء التابع للأمم المتحدة، ومنظمة "اليونيسيف"، ومنظمة الصحة العالمية..."؛ "فهي ليست منظمة منبوذة".

 


المصادر: eeradicalization.com/fr و www.swissinfo.ch

للمشاركة:

الجنوبيون ومؤتمر جدة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-19

عبد الرحمن الراشد

في لحظة مخيفة مضت الأسبوع الماضي وجدنا أنفسنا أمام أزمة خطيرة أخرى في المنطقة، وربما حرب أهلية أعنف في جنوب اليمن تبدأ وقد تدوم عشر سنوات. وفي هذه اللحظة الرائعة نرى أنه تم تجنبها بتغليب الحكمة من كل الأطراف. الأزمة انتهت الآن على الأقل، فالجميع ذاهب إلى جدة للبحث عن حلول دائمة، والمجلس الجنوبي الانتقالي تراجع عن استيلائه على مؤسسات الحكومة اليمنية، وأصدر بيانات أكد رضاه وقبوله بالشرعية اليمنية كما سنتها الأمم المتحدة.
الحقيقة أن الانتقالي طمأن السعوديين، وأعفى الإمارات من إحراجات كبيرة، والأهم أنه أنقذ نفسه وأهله، مواطني الجنوب، وكل المنطقة من نتائج كارثية كان يمكن أن تقودها تلك الخطوة، بغض النظر عن مبرراتها.
لكن النقاش بطبيعة الحال لن يتوقف، وقد قرأت مقالين للدكتور محمد الرميحي (في الشرق الأوسط) والدكتور سعد العجمي (في إندبندنت عربي) حول الخلاف القائم. وباختصار قد لا يفي برأيهما، هما يعتقدان أن استقلال الجنوب هو الحل الأمثل. بل إن سعوديين مثقفين أيضا يعتقدون أن المصلحة السعودية هي في يمنين أو ثلاثة وليس في يمن موحد أكبر سكاناً، خاصة أن تجربة التعامل مع يمن موحد حكمه نظام الرئيس الراحل علي عبد الله صالح عشرين عاما، كانت مرحلة صعبة ومؤذية للسعودية.
إنما من الخطورة العبث السياسي مع كيانات الدول. وأقول للصديقين المثقفين الكويتيين إن نزع الشرعية عن دولة معترف بها في الأمم المتحدة وتفكيكها يهدد كل دول المنطقة، والكويت من بينها. فالقبول بالانفصال غير الشرعي يماثل تماماً الضم غير الشرعي!
أنا، أبداً، لست ضد حق الجنوبيين الراغبين في دولة منفصلة ولا ضد قيام جمهورية جنوبية، لكن عليهم تحقيقها بالطرق الشرعية، إما بالتفاهم مع الدولة اليمنية عندما تعود مؤسساتها إلى العمل، أو الآن من خلال الأمم المتحدة. حينها كلنا سنقبل بها كدولة لكن ليس من خلال الاستيلاء. وطالما أن كثيرين يرددون أن اليمن الجنوبي أصلاً دولة شرعية، وهذا صحيح في الماضي القريب، فإن بمستطاعهم تصديق الطلاق من محكمة الأمم المتحدة، وحينها لن توجد دولة تعارضهم، وإذا وجدت لا قيمة لموقفها ولا تستطيع أن تحرم الجنوبيين هذا الحق. ونستطيع أن نمضي الأيام المقبلة نلوك الحديث عن الماضي والدولة الماضية وجذورها التاريخية ولا قيمة له. ولا يصدق أحدكم أبداً أن الجنوبيين متفقون وعلى قلب رجل واحد، ولا حتى أن المتفقين يجمعون على اسم الدولة، ولا قياداتها، ولا نظامها، هناك قيادات سياسية منافسة لركوب الشعبية وإعلان زعامتها، وهناك مكونات متباينة في الجنوب قبلية ومناطقية وهناك زعماء سياسيون وسادة وأشراف وسلاطين وتجار كلهم طامحون في الحكم. ما حدث فلتة كفى الله اليمن شرها، ونرجو أن يلتقي الفرقاء في جدة وأن يتفقوا على طبيعة العلاقات داخل الدولة، ويتركوا حديث الانفصال للمستقبل أو يحتكموا فيه في نيويورك.

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية