فيلم "قصة زواج": هل يموت الحب؟

فيلم "قصة زواج": هل يموت الحب؟
4862
عدد القراءات

2020-04-06

بينما يبحث المرء عن "الحب" بشكله المتخيل والمثالي والمتين، القادر على غرس جذوره في الأرض التي نمشي عليها، وفي القلب الذي يخفق، الذي يجعل الروح تتمدد وتتسع، لتتجاوز حصن الجسد، وتتملك جسد وروح الآخر، المحبوب، يأتي واقع الحياة، ويسقط الحبّ بشكله وصورته السامية والكاملة والطوباوية، في ماكينة حياتنا اليومية وخشونتها، لتحوّل شكله ومضمونه من شيء كنا نراه صلباً ومن الصعب أن ينكسر، إلى شيء هشّ قابل للكسر بسهولة.

هذا أحد التصورات التي لا يقين ولا ثبات فيها؛ هل الحب بهذه الهشاشة، أم هو خيال المرء عنه؟ هل الحبّ يموت؟ لا جواب، هل الحب وهم أم حقيقة؟ لا جواب أيضاً.

قد تتبادر أسئلة كثيرة عن الحب والارتباط أثناء مشاهدة فيلم "قصة زواج"، لمؤلفه ومخرجه نوح بومباخ.

اقرأ أيضاً: 10 أغنيات عربية جديدة لمجابهة فيروس كورونا

تدور قصة الفيلم حول مرحلة انفصال الزوجين تشارلي ونيكول (آدم درايفر وسكارليت جوهانسن)، ومن ثم البدء بإجراءات الطلاق الرسمية، موضوع فكّ الارتباط دون تحطيم العلاقة العاطفية نهائياً، والحفاظ على علاقة ودّية بين الزوجين بعد الطلاق، ومحاولة تجنيب ابنهما، هنري، الذي يبلغ من العمر 8 أعوام، أيّة آثار سلبية على انفصالهما، الذي هو أحد الخيوط الأساسية التي يتطرق إليها موضوع الفيلم. 

أظهرت الممثلة سكارليت جوهانس والممثل آدم درايفر أداء على مستوى عال من الحرفية، إضافة إلى السيناريو المكتوب بإحكام

هل ينتهي الحب بين الزوجين بعد الطلاق؟ يحاول الفيلم أن يُبين تلك التعقيدات التي تتداخل بين حالة الامتنان والمزايا التي من الممكن أن يحظى فيها رجل وامرأة متزوجان من ناحية، ومن ناحية أخرى إلى أيّ مدى تستطيع العلاقة الزوجية أن تحافظ على هوية كلّ فرد منهما، لا بوصفهما زوجين، بل بوصفهما فردَين مستقلَّين؛  كلّ واحد منهما له هويته وشخصيته المتفردة، المحمية من الانسحاق، وعدم تخلي كلّ واحد منهما عن طموحاته وأحلامه من أجل الآخر/ الشريك، أو من أجل ما يريده، أو ما يراه هو مناسب.

تدور قصة الفيلم حول مرحلة انفصال الزوجين تشارلي ونيكول ومن ثم البدء بإجراءات الطلاق الرسمية

العلاقة الندِّية والتنافسية بين رجل وامرأة متزوجين، تظهر حدّتها بشكلٍ واضحٍ حين يكون كلاهما يعمل في المجال نفسه، كما أنّها تكون مكشوفة وعارية عندما يكون المجال الذي يعملان فيه هو الفنّ؛ فتشارلي مخرج مسرحي طليعي في مدينة نيويورك، ونيكول ممثلة في الفرقة المسرحية التي يشرف عليها تشارلي، لكنّ نيكول كانت ممثلة سينمائية في بداية مشوارها، قبل أن تأتي من مدينتها لوس أنجلوس في زيارة إلى نيويورك، وتقع في حبّ تشارلي، وتنجب منه طفلاً، ويتغيّر مسار حياتها، وبدلاً من أن تصبح نجمة سينمائية، باتت ممثلة ضمن فرقة مسرحية، والنجم هنا هو المخرج المسرحي تشارلي، الذي يصفه من حوله بـ "المخرج العبقري".

تظهر الندية والتنافسية بين الزوجين حين يعمل كلاهما في المجال نفسه

بيقى حلم نيكول معلقاً؛ إذ إنّ حياتها محصورة في التمثيل مع الفرقة التي يخرج لها تشارلي المسرحيات، بينما هي تطمح بأن تتابع حلمها بالتمثيل في التلفزيون، يكون لها تحققها الخاص كنجمة وفنانة مستقلة عن زوجها تشارلي، إلى أن تأتي الفرصة أخيراً، وتضع نهاية للعلاقة، فتشارلي يرفض العيش في لوس أنجلوس، ويُسخّف من فكرة تمثيل نيكول في مسلسل تلفزيوني.

اقرأ أيضاً: أشهر 6 أفلام عن الاضطرابات النفسية.. هل شاهدتها؟

عند هذه اللحظة تتعرى العلاقة، وتتكشف الخيوط التي ربطت بين زوجين لفترة 10 أعوام من الحياة الزوجية، وكيف يرى كلّ منهما تضحياته من أجل العلاقة، ضمن سياق أهدافه وطموحاته الفردية.

يحاول الفيلم تقديم صورة عن عملية "طلاق" بأقل الخسائر الممكنة، وأقلها عنفاً،  بهدف استمرار العلاقة الإنسانية بين الزوجين

يُفكّك فيلم "قصة زواج" التعقيدات التي تحكم علاقة الحبّ التي يليها ارتباط وتنتهي بالزواج؛ إذ إنّ موضوع استمرار الزواج في مرحلة ما، يكون غير مرتبط في الحبّ فقط. بالمقابل، الطلاق ليس سببه انتهاء الحب أيضاً؛ إذ تبيّن قصة الفيلم أنّ اللحظة التي يحدث فيها الحب بين اثنين، قد تكون لها دوافع مختلفة لكلّ منهما، هذه الدوافع قد تتلاقى، وقد يحدث الحب، لكنّ هذه الدوافع التي صنعت الحب ستبنى عليها لاحقاً استمرارية العلاقة في حال حصل الزواج، هذا ما نفهمه في بداية الفيلم من كلام نيكول في أول جلسة  لها مع المحامية "نورا"، تبدأ نيكول في الحديث عن بداية علاقتها بتشارلي؛ إذ تقول إنّها في تلك المرحلة كانت تشعر بأنّ هناك جزءاً ميتاً داخلها، رغم أنّها كانت مخطوبة لرجل آخر قبل تشارلي، في بداية مشوارها في التمثيل، حين كانت تبلغ من العمر 20 عاماً تقريباً، وعندما التقت بتشارلي شعرت أنّ الجزء الميت داخلها عاد للحياة.

يرفض تشارلي العيش في لوس أنجلوس ويُسخّف من فكرة تمثيل نيكول في مسلسل تلفزيوني

في ذلك الوقت؛ كان نجم تشارلي في صعود، ورأت فيه شخصاً مبدعاً وعبقرياً، مع الزواج والإنجاب، ورفض تشارلي المتكرر إعطاء فرصة لنيكول في السفر للوس أنجلوس، لتحظى بفرصة لمتابعة مشوارها بالتمثيل في السينما والتلفزيون، وتأجيله المتكرر أيضاً لفرصة أن تخوض نيكول تجربة الإخراج المسرحي مع الفرقة المسرحية، عند هذه اللحظة بدأت نيكول تشعر أنها تفقد هويتها، بحسب ما تقول لمحاميتها "نورا".

اقرأ أيضاً: 5 أفلام إيرانية مُنعت من العرض .. تعرف إليها

من الوارد جداً أن يبدأ حبّ المرء لشخص ما انطلاقاً من احتياجه العاطفي، الذي يخصّه هو لا غيره، وأنّ هذا الشخص الذي أحبّه هو الشخص المناسب الذي غذّى كلّ الاحتياجات وملأ كلّ الفراغات التي بداخله في اللحظة المناسبة، وقد تتطور مشاعر الاحتياج لشخص ما، في لحظة ما، إلى حبّ يستمر لزمن طويل، لكن ومثلما كانت للحظة الحب الأولى دوافع تمّ البناء عليها، يجب أن تكون هناك أيضاً دوافع ما للاستمرار بعد مرحلة نضج ما في العلاقة، أو عدم التمسك بالدوافع الأولى كذريعة أو شيء يجري من خلاله استغلال الآخر/ الزوج أو الحبيب، أو حتى النظر للعلاقة بوصفها صورة ثابتة، وخطّاً مستقيماً يجب ألّا تحيد العلاقة عنهما، وهذا يتمثّل بالجانب الذي يرى فيها تشارلي علاقته بنيكول إلى حدّ ما، فهو كان يرى أنّه طالما نيكول هي من قدمت لوس أنجلوس إلى نيويورك، وتعرّفت إليه في هذه المدينة، وقبلت بأن تتزوجه وتنجب منه في نيويورك، والتخلي عن مشروعها كممثلة سينمائية، والعمل مع الفرقة المسرحية، بأنّها، وعلى هذا النحو؛ قَبِلتْ بشروط علاقة ارتباط - زواج، والتي كانت بطبيعتها وسياقها الزماني والمكاني مناسبة لتشارلي، أي إنّ هذه العلاقة لم تُحدث تغييرات جذرية في حياته، كما جرى مع نيكول.

يُفكّك فيلم قصة زواج التعقيدات التي تحكم علاقة الحبّ التي يليها ارتباط وتنتهي بالزواج

يحاول الفيلم من جهة أخرى تقديم صورة عن عملية "طلاق" بأقل الخسائر الممكنة، وأقلها عنفاً، بهدف استمرار العلاقة الإنسانية بين الزوجين، وحفاظاً على السلامة النفسية لابنهما، كما ركّز الفيلم من جهة أخرى على التفاصيل المشتركة التي تبقى بين الزوجين بعد انتهاء علاقتهما.

اقرأ أيضاً: رواية "حصن الزيدي": عودة الإمامة برداء جمهوري!

أظهر كلّ من الممثلة سكارليت جوهانس والممثل آدم درايفر أداء على مستوى عال من الحرفية، إضافة إلى السيناريو المكتوب بإحكام من قبل الكاتب والمخرج نوح بومباخ، وقد رُشّح الفيلم للمنافسة على 6 جوائز، أبرزها جائزة أفضل ممثل لآدم داريفر، وأفضل ممثلة لسكارليت جوهانسن، وأفضل سيناريو، وهذا ضمن جوائز الغولدن غلوب الأمريكية.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



خيال المبدعين انهزم و"أدب كورونا" يدخل المعترك

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-06-04

شيرين أبو النجا

منذ اندلاع ثورات العالم العربي في نهاية 2010 أصبحنا على ثقة بأن منظومة الخيال التقليدي قد انهارت لتحل محلها منظومة جديدة في الرؤية والأدوات، وتحول أي تشبث بالقديم إلى شكل من أشكال مناهضة الثورة. كان الخيال الجديد يُعبر عن مستقبل قريب يسعى جيل بأكمله إلى تشييده، لكن خيبة الأمل كانت بالمرصاد. تحول عندها الخيال في كل أشكال الفن إلى وسيلة مقاومة لحاضر بائس ويائس، فوجهت السلطة جهودها لقمع هذا لخيال ووظفت كل الأشكال المتاحة لإسكات أي كلمة ولمحو أي لوحة ولوأد أي تجمع فني ثقافي قد يشكل مساحة لفكرة جديدة. وعندما اتجه الخيال إلى مواقع التواصل الاجتماعي معتمداً على موقعي "فيسبوك" و"يوتيوب" لم تتوان السلطة عن الملاحقة التي دائماً ما تثير الاستهجان الممتزج بالسخرية، حتى أن رئيس أكبر دولة في العالم أعلن قانوناً يتيح ملاحقة محتوى "فيسبوك".

من قلب هذا الحصار المحكم ظهر أدب اليوتوبيا ونهاية العالم (أبوكاليبس)، وهو نوع كانت بوادره قد ظهرت في كل أشكال السخرية المكتوبة والمصورة. لكن اللافت للنظر أن هذا النوع من الكتابة لم يكن يؤشر نحو المستقبل كنظيره في الأدب الغربي بل عمد إلى توظيف كل مكونات الحاضر في شكل كابوسي مثل رواية "عطارد" للمصري محمد ربيع و"فرانكشتاين في بغداد" للعراقي أحمد سعداوي. حتى المسلسل الرمضاني المصري "النهاية" والذي كتبه عمرو سمير عاطف انطلق من فكرة أزمة الطاقة التي يمر بها العالم ورسم قدساً جديدة دفعت المتحدث العسكري أفيخاي أدرعي إلى التعليق باستهجان على المسلسل. وكأن ما حدث على مدار العقد الماضي ونتائج الثورات كانت بمثابة ديستوبيا فقام الأدب بتصوير ما يحدث في إطار تخييلي مع الكثير من الإسقاطات والترميز والإشارات التي تقدم الواقع المعيش. وكأن الثورات المهزومة كانت أقوى من الخيال الذي لم يعد لديه ما يقدمه، لم يعد الخيال قادراً على التخيل، إذ شهد أسوأ خيالاته تتحقق على أرض الواقع. تحول الخيال إلى شاهد على ذاته.

عندما قدم ستيفن سودربرغ فيلم "العدوى" في عام 2011 لم يكن يعتقد أن الفيلم سيتحول إلى حقيقة، وذلك على الرغم من أن أرباح الفيلم تجاوزت 135 مليون دولار في حين كانت موازنة الفيلم 60 مليون دولار. وعلى كل المواقع السينمائية بلا استثناء تم تصنيف الفيلم كخيال علمي، لكن 2020 أخرجت الفيلم من التصنيف وجعلته يعكس واقعاً نعيشه. هناك نحو عشرين فيلماً تتعلق بالأمراض والأوبئة من إنتاج هوليوود تندرج تحت تصنيف الخيال العلمي، لكنها فقدت هذه السمة مع اندلاع فيروس كورونا. يواجه الخيال هزيمته الثانية لكن هذه المرة ليس عن طريق السلطات المباشرة بل عن طريق الطبيعة، الطبيعة أقوى من الخيال الإنساني وربما أكثر إبداعاً، وهو ما قد يُحزن أوسكار وايلد كثيراً الذي كان مؤمناً أن الواقع هو الذي يُقلد الفن (وبالتالي الخيال).

ما بعد كورونا

في هذه الهزائم المتتالية للخيال علينا أن نعيد التفكير في عدة قضايا (إلى أن تنجلي الجائحة). فبداية ينبغي على النقد الأدبي أن يراجع مقولاته المتعلقة بتعريف الأدب والفن. فدائماً ما كان المتخصص ينفي أن يكون الفن مرآة للواقع، فكان يقول إنه يسبق الواقع بخطوة أو أنه عالم مغاير أو أنه يكسر قواعد الواقع أو أنه يناهض الواقع. ولهذا كان مفهوما الخيال والتخييل يقدمان أكبر تحدٍ لغير المتخصص الذي يخلط مثلاً بين المؤلف والشخصية الرئيسية. أما القضية الأخرى فهي تتعلق بأدب اليوتوبيا، ما مصيره بعد كورونا وما هي الآفاق الجديدة التي يُمكنه أن يطرحها؟ هل سيكون قادراً على إعادة رسم العالم بالشكل الذي نعيشه الآن؟ كل خطوة خارج المنزل تحمل نتائج وخيمة أو سالمة، هو المجهول المطلق. هل سيتمكن الأدب من العودة إلى حياته الطبيعية بعد كورونا أم أنه سيخوض في الآثار النفسية الناتجة من عزلة كورونا؟ هل سنطالع ما يشبه "يوميات الكورونا" كما طالعنا من قبل يوميات الثورات؟ قد يخرج علينا النقد بمصطلح "أدب الكورونا" على شاكلة "أدب الثورات" و"أدب المقاومة" و"أدب المخيمات".

أما القضية الأخيرة فهي تتعلق بكيفية القراءة سواء النقدية أو الحرة. من الصعب أن نحافظ على منهج القراءة ما بعد البنيوي، فقد تقوقعنا في عزلة تُعيد للبنية القائمة بذاتها مجدها الغابر، لم يعد للمؤثرات الخارجية أي فعالية فالسياق معزول ومبتور من كل ما عداه، إلا إذا مات أحدهم جوعاً أو من الوباء. وهذه النقطة تثير العديد من الإشكاليات، فالقارئ المعزول بإرادته أو قسراً يتابع تأثير الجائحة على الظرف الاقتصادي والصحي (والسياسي في بعض الأماكن)، لكنه معزول تماماً بحيث أن هذه القرارات لن يكون لها الأثر الواضح إلا عندما يعاود الاشتباك مع الشارع وأشكال السلطة المؤسسية. ومن هنا قد يكون في حاجة إلى قراءة بنية النص كوحدة مستقلة تمده ببعض الثبات في فوضى نفسية وزمنية. على الجانب الآخر، تتسبب هذه التحولات الاقتصادية الكارثية في إعادة ترسيم العالم بما يجعل القارئ منغمساً فيها تماماً. على النقد إذن أن يخرج من عزلته ليدرك أن خياله بحاجة إلى انتفاضة من الركود. قد يكون النقد هو المعقل الأخير لمقاومة هزيمة الخيال أو قد يمنح الخيال روحاً جديدة وهو ما يمنحه المكان الذي كان يسعى إليه من قبل.

عن "اندبندنت عربية"

للمشاركة:

"20 قصيدة حب".. صوت الشاعر يبحث عن الريح

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-06-02

أوميد عبدالكريم إبراهيم

كان للحقبة التي عاش في ظلها الشاعر التشيلي الشهير بابلو نيرودا «1904-1973»، وما شهدته من حروب وأحداث عصفت ببلاده وبعدد من دول العالم، تأثير واضح على أعماله الشعرية التي طغى عليها الطابع الثوري الرافض للظلم والجور من جهة، والحزن والألم والحنين إلى الوطن من جهة أخرى، لاسيما في مجموعته وباكورة أعماله «عشرون قصيدة حب وأغنية يائسة» التي أصدرها نيرودا وهو في أوج شبابه، والتي ترجمت أكثر من مرة إلى اللغة العربية، إلى جانب لغات أخرى، وحازت إعجاب النقاد والقراء على حدٍّ سواء.
نيرودا المولود في إحدى القرى النائية وسط تشيلي عام 1904، والذي وصفه الروائي الكولومبي الكبير، جابرييل جارسيا ماركيز بالقول إن «بابلو نيرودا من أفضل شعراء القرن العشرين في جميع لغات العالم»، أصدر مجموعة «عشرون قصيدة حب وأغنية يائسة» عام 1924، أي في بدايات تشكل هويته الثقافية وتجربته الأدبية، وفيها رفع الشاعر التشيلي الكبير راية التحدي في وجه الظلم والمهانة، وتتكون هذه المجموعة من 20 قصيدة كما يتضح من عنوانها، حيث يقول في إحداها، مُصوراً ضعف البشر ومُشبهاً العالم بجسد امرأة:
يا عطشي، يا اشتياقاً لا ينتهي
يا طريقيَ الحائر!
دروبُ مياهٍ مظلمة
حيث العطش الأبدي يستمر
والعناء يستمر
والألم لا نهاية له

الصمت المطبق

نيرودا الذي حاز العديد من الجوائز العالمية أبرزها جائزة نوبل في الآداب عام 1971، كما حاز الدكتوراه الفخرية من جامعة أوكسفورد، والذي كتب عنه الناقد الأدبي، هارولد بلوم: «لا يمكن مقارنة أي من شعراء الغرب بهذا الشاعر الذي سبق عصره»، يسخر في إحدى قصائده من الصمت الدولي المطبق تجاه ما سماه «الظلم والممارسات المريضة»، وفي هذا الإطار يقول في قصيدة «تعجبينني حين تصمتين»:
تعجبينني حين تصمتين لأنك تكونين كالغائبة/ وتَسمعينني من بعيد، وصوتي لا يلامسك/ تبدو عيناك مرتبكتين/ ويبدو أنَّ قبلةً ستطبقُ على فمك/مثل كل ما يمتلئ بروحي/ تُشرقين، ممتلئةً بروحي/ وتشبهين روحي، يا فراشة الحلم/ وتشبهين كلمةَ كآبة.

نقد ذاتي

لم يكتفِ الشاعر التشيلي الكبير الذي كان شيوعيَّ التوجه، بانتقاد العالم على صمته مما يحدث، بل عمد إلى النقد الذاتي، واعتبر نفسه جزءاً من ذلك العالم الصامت الذليل، ملقياً اللوم على نفسه لأنه أضاع حبه ووطنه، فيقول في قصيدة «أستطيع أن أكتب الأشعار»:
في الليلة نفسها التي تبيَضُّ فيها الأشجار نفسها/ نحن، اللذَيْن كنّا آنذاك، لم نعد كما كُنّا/ لم أعُدْ أُحبها، صحيحٌ، لكنْ كمْ أحببتها/ كان صوتي يبحث عن الريح كي يلامس سمعَها/ ستكون لآخَر. لآخَر. مثلما كانت من قبْل لقبلاتي/ صوتها، جسدها المضيء. عيناها اللانهائيتان/ لم أعُد أُحبها، صحيحٌ، لكنْ ربّما أحبها/
كم هو قصيرٌ الحب، وكم هو طويلٌ النسيان.

طريق العودة

كان الحزن والكمد والحنين سمات طاغية على قصائد المجموعة، وفيها كان نيرودا يبحث عن طريق العودة إلى الوطن والدروب المؤدية إلى أحضانه، حيث يقول في قصيدة «لقد فقدنا حتى هذا الشفق»:
رأيت من نافذتي
مهرجان الغروب فوق الربى البعيدة
ومثل قطعة نقود
تتّقد شذْرَةٌ من الشمس بين يديّ
لماذا يداهمُني كل هذا الحب
عندما أشعر بالحزن، وأَشعرُ بكِ بعيدة؟
اختار نيرودا عنوان «أغنية يائسة» ليختتم بها مجموعته الشهيرة، وفيها يتحدث عن موت حب التسامح في قلوب البشر، وكيف تسبب الحروب بتدمير العالم الجميل وتحوله إلى أنقاض أشبه بنهاية البشرية، حيث يقول:
يلحّ تذكُّركِ في الليلة التي أنا فيها
يَمزج النهرُ بالبحر نواحه العنيد
مهجورٌ مثل الأرصفة وقت السَحَر
إنها ساعة الرحيل، أيها المهجور!
تُمطر فوق قلبي تويجاتٌ باردة
يا مثوىً للحطام، يا كهفاً مفترساً للغرقى!
تتراكمُ فيكِ الحروب والأجنحة المحلّقة
ومنكِ تنهض بأجنحتها عصافيرُ الغناء
فيكِ غَرِقَ كلُّ شيء، مثل البعد
مثل البحر، مثل الزمن. فيكِ غَرِقَ كل شيء!

الرحيل الأبدي

مجموعة «عشرون قصيدة حب وأغنية يائسة» لم تكن وحدها ذات طابع حزين ومؤلم بين أعمال نيرودا، فقد عاصر الشاعر التشيلي معظم الحروب والأحداث التي عصفت ببلاده وبالعالم خلال القرن العشرين، كما كان من أبرز النشطاء السياسيين، وعضواً بمجلس الشيوخ ومرشحاً سابقاً للرئاسة في تشيلي، ومثَّل بلاده في العديد من دول العالم مثل الهند، إندونيسيا، المكسيك، الأرجنتين، إسبانيا وفرنسا، ومن أبرز الأحداث التي تركت جراحاً غائرةً في نفسه، مقتل صديقه المقرب الشاعر الإسباني الكبير فيديريكو جارسيا لوركا عام 1938 على يد جنود الدكتاتور الإسباني «فرانكو»، فضلاً عن مقتل صديقه الآخر، الرئيس التشيلي المنتخب آنذاك سلفادور أليندي، الذي أطاح به قائد الجيش أوجستو بيونشيه، وقتله داخل القصر الرئاسي عام 1973، وقد توفي نيرودا بعد مقتل أليندي ببضعة أيام، وكان آخر الجمل، وربما آخر جملة في كتاب سيرته الذاتية: «لقد عادوا ليخونوا تشيلي مرة أخرى».

عن "الخليج" الإماراتية

للمشاركة:

"منفستو الديك النوبي".. إدانة صارخة لفساد السلطة والمجتمع

2020-06-02

عبر مزيج واقعي وغرائبي تسرد رواية "منفستو الديك النوبي" للروائي السوداني عبدالعزيز بركة ساكن، قضايا اجتماعية وسياسية ودينية وثقافية، وتدين جهات عديدة تتشابك مصالحها الفئوية على حساب مصالح الفقراء، ويظهر رئيس الدولة كدمية ومهرج أو زعيم عصابة مهمتها النهب والقتل وإدارة شؤون الفساد لا إدارة شؤون البلاد.

الحالة الديكية

تُعتبر شخصية فتح الله مثالاً على ظاهرة متفشية، فهو لم يكن "الحالة الوحيدة التي أصيبت بداء الديك، بل ظهر في البلاد كلِّها ما يُعْرف ﺑ(الحالة الديكية)، وهي أقرب لما يُسمَّى ﺑ(جنون البقر)، حتى أطلق عليه بعض الأصحاء الساخرين؛ أيْ الذين لم يُصابوا به: جنون الديك".

رغم كل البؤس لم تخلُ الرواية من شخصيات إيجابية لا يؤثر فيها المال كأحمد زكي ورشا وأمها

ومن الأمثلة على تفشي الحالة الديكية أن منفستو الديك النوبي يتكون من عبارة واحدة، على لسان ضمير الجمع المتكلم: "نَحْنُ الأبْنَاءُ السَّفَلَة"، تتكرر مراراً، وقراءتها على هذا النحو تجعل القراء شركاء في هذا العهد وجزءاً من هذه الظاهرة.

دولة الفساد

تخضع إدارة الدولة في هذه الرواية لاعتبارات الفوائد أو الخسائر الشخصية لبعض أركانها؛ فشخص واحد يتسم بثلاث صفات: (الشيخ السياسي الطبيب)، هو من "أقنع المؤسسة الدينية بتحريم الضغوط عندما استيقظ ذات صباحٍ ووجد ابنته سُهى تنام وتحت شفتها السُّفلى كُرةٌ لزجةٌ بائسةٌ منه، وكان يعلم العلاقة بين سرطان اللثة وهذه المادة النطرونية المخدرة، ولكن وزير المالية الذكيَّ أقنع الجميع بأن ذلكَ سيفقد الدولة المفلسة ١٧% من الدخل القومي، ويفقر ألفين من التجار الوطنيين، ومنهم خمسون سياسيّاً مشهوراً، وما لا يقلُّ عن مليوني تاجرٍ محلي، فتراجعت الفتوى الدينية من التحريم إلى الكراهية، ثمَّ إلى التحليل الخجول".

غلاف رواية مانفستو الديك النوبي

أمل وسط البؤس

رغم كل البؤس لم تخلُ الرواية من شخصيات إيجابية لا يؤثر فيها المال مثل أحمد زكي، ورشا وأمها؛ ومن قضايا الفساد التي جعلت رشا تنحاز للمعارضة "سوء إدارة الموارد والفساد المؤسسيِّ المستشري في البلاد، والحروب الكثيرة التي تديرها الدولة، في دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق، محرقة النخيل في الشمالية، إغراق آثار الحضارات النوبية بالسدود الغبية، والفقر المدقع لفئةٍ والثراء الفاحش لفئةٍ أخرى، الغلاء والاحتكار.. الرئيس الوحيد الأبدي الفائز دائماً في كلِّ دورات الانتخابات، التزوير في الاقتراحات العامَّة، اغتصاب وجلد البنات، جرائم الحرب، قرارات الولاة المتخبطة، ختان الإناث، سرقة المال العام، مفاخذة الرضيعات وزواج القاصرات، المحسوبية والعنصرية التي تفرخها خطابات المسؤولين وجرائدهم، المحاباة..".

للمثقفين نصيب من النقد عندما تستعملهم الدولة في الوشاية بزملائهم فهم أقدر على قراءة نيات بعضهم البعض

والمثال على عدم ثقة المواطن في الحكومة يأتي من خلال الخاتمين والتماثيل الأثرية التي تحتفظ بها رشا وأخوها (السر) من أجل إعادتها إلى المتحف القومي "في اليوم الذي تكون فيه حكومةٌ وطنيةٌ تحترم تاريخ وإرث البلد".

وتبحث الرواية في أسباب التمرد فترجعها إلى التاريخ، "الرجال يحملون السلاح ويحاربون الحكومة وهي عدوُّهم الوحيد والدائم، إنهم متمرِّدون بالسليقة، ودائماً ما يشتكون من ظلم السلطة المركزية لهم، ويتبعون أوَّل من يسعى لقتالها.. عداءٌ موروثٌ منذ السلطنة الزرقاء التي كانت تقوم بغزوات البشر لاستخدامهم كرقيقٍ وجنود، وأيضاً كموردٍ لدخل الدولة، حيث يتمُّ تصديرهم للعالم الخارجي، وبيع البقية في الأسواق المحلية".

مصالح تجمع الجميع

ومن صور فساد المؤسسة العسكرية نجدها في صفقة فتح الله مع الجيش بواسطة صهره الجنرال، وفيها يتم شراء عربات جيب أمريكية من الجيش وصيانتها وإعادة بيعها للجيش بمبالغ خيالية، وتدين الرواية حزب المؤتمر الوطني، فهو "ليس فكراً سياسيّاً وليس ديناً وليس طريقة تفكير أو أسلوب حياة، هو مجرَّد وظيفة لا أكثر، وظيفة سياسية مؤقتة في الغالب، أيْ ثلة تنتظم مصلحةً ما، أكثر ممَّا تجمعها فكرة، ووقتما انفضَّت المصلحة انفضُّوا".

تظهر الرواية  شخصية رئيس الدولة كزعيم عصابة مهمتها النهب وإدارة شؤون الفساد

وبأسلوب تهكمي تعرض الرواية خطة الحكومة للقضاء على البطالة والتسوُّل ومحاربة العمالة غير المقنَّنة العشوائية، وتجمُّعات المفسدين لاعبي الورق، وذلك من خلال قطع شجرة النيم العملاقة "التي تتمُّ تحت ظلالها الفاسدة تلكَ الأنشطة التي لا ترضي الله ورسوله، وتضرُّ بصحة المواطنين والاقتصاد الوطني".

الدولة في الرواية مليشيا تتصارع مع أخرى على النهب والقتل في دلالة على غياب دولة المؤسسات

لا تقتصر الرواية على إدانة السلطة السياسية والعسكرية، فتعرّج  على عبودية القرن الواحد والعشرين بين الشماليين والجنوبيين التي تتجسد في اختطاف الصبي غزال واستعباده من قبل خاطفيه، وللمثقفين نصيب من النقد، فاللواط "شائعٌ في طبقة المثقفين"، وهم وشاة تستعملهم الدولة "في الوشاية بزملائهم المثقفين، فهم أقدر على قراءة نيات بعضهم البعض وتفسيرها تفسيراً صائباً يقود إلى اغتيالٍ أو اعتقالٍ مُبَرَّرٍ ومدعومٍ بالأدلة الدامغة".

للمشاركة:



منع انتخاب مرشح تركيا بالتزكية رئيساً للجمعية العامة للأمم المتحدة.. ما السبب؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-06-04

منعت عدد من الدول انتخاب المرشح التركي، فولكان بوزكير، بالتزكية رئيساً للدورة السنوية الـ75 الراهنة للجمعية العامة للأمم المتحدة، ما يعني أنّه بات يحتاج الآن إلى إجراء عملية انتخابية لم يحدد موعدها بعد، وسيحتاج خلالها إلى الحصول على 51 في المئة من الأصوات.

مارست الإمارات العربية المتحدة، وأرمينيا، وقبرص، واليونان، حقّ النقض (الفيتو) لمنع تسلم تركيا لهذا المنصب المهم في المنظمة الدولية، وفق صحيفة "الشرق الأوسط".

الإمارات وأرمينيا وقبرص واليونان، تمارس حقّ النقض لمنع تسلم تركيا رئاسة الجمعية العامة

وأكدت المندوبة الإماراتية الدائمة لدى الأمم المتحدة، لانا نسيبة، أنّ اعتراض الإمارات العربية المتحدة لا يتعلق بشخص بوزكير، بل بالتدخلات العدائية لحكومة الرئيس رجب طيب أردوغان في الشؤون الداخلية للدول العربية، مطالبة إياه بتقديم "تأكيدات" لضمان "وفائه بمسؤولياته بطريقة مستقلة ومحايدة"، وبأن "ينأى بنفسه صراحة عن أفعال تركيا".

وكتبت نسيبة، رسالة إلى رئيس الجمعية العامة أفادت فيها أنه "بناء على تعليمات من حكومة الإمارات العربية المتحدة بشأن انتخاب التركي فولكان بوزكير، وبالإشارة إلى رسالة وجّهتها كل من أرمينيا وقبرص سوياً، ورسالة أخرى من اليونان، التي اعترضت بشكل منفصل على انتخاب بوزكير عن طريق الإجراء الصامت، وطلب إجراء انتخاب رئيس الجمعية العامة في دورتها الـ75 بالاقتراع السري، وبالإضافة إلى القضايا التي أثارتها أرمينيا وقبرص واليونان، والتي نعترف بها ونتقاسمها بالكامل، ومن دون كسر الإجراء الصامت، تودّ حكومتي أن تعرب عن مخاوفها طويلة الأمد حيال تدخل تركيا المتواصل في الشؤون السيادية للدول العربية، ما ترفضه الإمارات العربية المتحدة بشكل قاطع، وتسعى بكل احترام إلى الحصول على تأكيدات بأن بوزكير سيفي بمسؤوليات رئيس الجمعية العامة بطريقة مستقلة ومحايدة".

وكررت نسيبة باسم بلادها "التنديد بانتهاكات تركيا المتصاعدة للمجال الجوي اليوناني، والنشاطات التركية غير القانونية المستمرة في المياه القبرصية، وأعمالها الاستفزازية الأخرى في المنطقة، ومن أبرزها الإعلان المشترك الذي اعتمده وزراء خارجية قبرص ومصر وفرنسا واليونان والإمارات العربية المتحدة في 11 ايار(مايو) الماضي 2020"، مؤكدة أنّ "مذكرات التفاهم للتعاون البحري والعسكري التي أبرمتها تركيا وحكومة الوفاق الوطني (الليبية) - على التوالي - تتعارض مع القانون الدولي وعقوبات مجلس الأمن على ليبيا".

المندوبة الإماراتية الدائمة لدى الأمم المتحدة: طموح تركيا للسيطرة على الأراضي العربية ذات السيادة يهدد استقرار المنطقة

وأعلنت "رفض دولة الإمارات العربية المتحدة بشدة خطط تركيا للقيام بنشاطات حفر بموجب اتفاق باطل يتعارض مع المبادئ المعية للقانون الدولي"، مضيفة أنّ "التدخل العسكري التركي في ليبيا، واستمرار (تركيا) في توفير الأسلحة ونقل المقاتلين من سوريا في انتهاك لالتزامات تعهدت بها في مؤتمر برلين في فبراير (شباط) 2020، يهدد بتفاقم الأزمة الإنسانية في ليبيا والدول المجاورة في شمال أفريقيا"، كما أنّها "تحبط آفاق الحل السياسي السلمي للنزاع في منطقة الساحل، وتزعزع استقرار المنطقة، وتنتهك القانون الدولي".

وندّدت "بأشدّ العبارات" بـ "النشاطات العسكرية المستمرة لتركيا في كل من سوريا والعراق، في انتهاك للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة وقرارات الجامعة العربية ذات الصلة".

وقالت نسيبة إنّ "هذا السلوك غير القانوني يضعف هذه الدول، ويخلق الظروف التي يمكن للمنظمات الإرهابية مثل (داعش) استغلالها".

وعبّرت عن "مخاوف جدية أبدتها أرمينيا وقبرص بشأن سياسة تركيا المستمرة، المتمثلة في إنكار الإبادة الجماعية للأرمن التي ارتكبت في الإمبراطورية العثمانية".

وخلصت إلى أنه "في ضوء هذا الإرث وآثاره الضارة المستمرة، نشعر بالجزع من إيواء تركيا للمتطرفين الدينيين، والطريقة التي تسعى من خلالها إلى استخدام تحريضهم على الكراهية الطائفية لتعزيز الأجندة السياسية التركية في مصر وليبيا وعدد من الدول العربية الأخرى".

ورأت أنّ "طموح تركيا للسيطرة على الأراضي العربية ذات السيادة والتدخل في الشؤون الداخلية العربية في أجزاء كبيرة من الشرق الأوسط يأتي على حساب السلام والاستقرار عبر المنطقة ويتناقض مع المبادئ التي تأسست عليها الأمم المتحدة".

للمشاركة:

شركة طيران الإمارات تستأنف رحلات الركاب إلى هذه المدن

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-06-04

تفوقت شركة طيران الإمارات على مثيلاتها من الشركات العالمية بسرعة تجاوز تبعات جائحة كورونا والتي عصفت بالقطاع، وأطاحت بشركات عالمية، حيث أعلنت الشركة، اليوم، استئناف تسيير بعض رحلات الركاب، وذلك بعد أن أعلنت حكومة الإمارات إعادة فتح المطارات أمام الخدمة الترانزيت، التي يتوقف الركاب بموجبها في الدولة لتغيير المسارات، أو لتزود طائراتهم بالوقود.

وقالت طيران الإمارات، التي تتخذ من دبي مقراً لها، وهي إحدى أكبر شركات الطيران التي تسير رحلات طويلة المدى في العالم، إنّها ستسير رحلات ترانزيت إلى 29 وجهة في آسيا وأوروبا وأمريكا الشمالية بحلول 15 حزيران (يونيو) الجاري، وفق ما نقلت شبكة "سكاي نيوز".

شركة طيران الإمارات تعلن استئناف تسيير رحلات الركاب وتقديم خدمات الترانزيت

وذكر المكتب الإعلامي لحكومة دبي، في بيان صحفي، أنّ رحلات الركاب أصبحت متاحة بين دبي و16 مدينة تشمل كلاً من: البحرين ومانشستر وزوريخ وفيينا وأمستردام وكوبنهاغن ودبلن وجي.إف.كيه بنيويورك وسول وكوالالمبور وسنغافورة وجاكرتا وتايبه وهونغ كونغ وبرث وبريسبان.

وأضاف البيان أنّه بمقدور الركاب المسافرين بين آسيا والمحيط الهادي وأوروبا والأمريكيتين، استخدام رحلات ربط بشكل آمن وفعال عبر دبي.

كما جاء في البيان أنّه اعتباراً من 8 حزيران (يونيو) الجاري، ستقدم طيران الإمارات رحلات إلى كراتشي ولاهور وإسلام آباد لإعادة المقيمين في دولة الإمارات والمسافرين من باكستان الراغبين في استقلال رحلات ربط إلى وجهات إماراتية أخرى.

وبذلك يرتفع عدد الوجهات التي تغطيها الرحلات المنتظمة لطيران الإمارات من دبي إلى 29 مدينة، بما في ذلك الرحلات التي تعمل حالياً إلى كل من: لندن هيثرو، فرانكفورت، باريس، ميلانو، مدريد، شيكاغو، تورنتو، سيدني، وملبورن، بالإضافة إلى مانيلا اعتباراً من 11 الشهر الجاري.

للمشاركة:

الأردن يخفف إجراءات مواجهة كورونا.. هذه القرارات الجديدة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-06-04

أعلن رئيس الوزراء الأردني الدكتور عمر الرزاز، اليوم، بدء تخفيف إجراءات مواجهات فيروس كورونا المستجد.

وتتضمن الخطة، وفق ما أوردت وكالة الأنباء الأردنية الرسمية (بترا)، سلسلة من الإجراءات والقرارات لإعادة تشغيل المزيد من القطاعات الاقتصادية والخدمية.

الأردن يفتح غالبية القطاعات ويخفف القيود على حركة وتنقل المواطنين ابتداء من يوم السبت

وتستند الخطة إلى مصفوفة إجراءات مرتبطة بمستوى الخطورة الصحي؛ حيث من المنتظر أن ينتقل الأردن مع بدء تنفيذ الخطة إلى مستوى خطورة صحية جيد يسمح بفتح القطاعات المختلفة وتخفيف القيود على حركة وتنقل المواطنين.

وقررت الحكومة الأردنية فتح مجموعة من القطاعات والأنشطة التجارية اعتباراً من يوم السبت المقبل من الساعة 6 صباحاً حتى الساعة 12 ليلاً، وفتح المساجد والكنائس أمام المصلّين لأداء جميع الصلوات، وفتح الحضانات، مع الالتزام بالضوابط والقيود الصحيّة والوقائيّة.

كما تقرر فتح المطاعم والمقاهي وفق ضوابط وقيود، وفتح الأندية والفعاليات الرياضية (بدون جمهور)، وفتح قطاع الفندقة والضيافة والذي يشمل الفنادق والنُزُل، وفتح المواقع السياحيّة لغايات السياحة المحليّة، والسماح بالطيران الداخلي، والسماح بالزيارات الى السجون ودور الرعاية، وإلغاء نظام الزوجي والفردي على المركبات مع السماح بالتنقل للمواطنين بين كافة محافظات المملكة.

وقال رئيس الوزراء: إنّ الاجراءات الحكومية حققت "انفراجاً" في عدة قطاعات، لافتاً إلى أنّ الأردن في مستوى "معتدل الخطورة".

فتح الأردن المساجد والكنائس أمام المصلّين لأداء جميع الصلوات مع الالتزام بالضوابط والقيود الصحيّة والوقائيّة

وذكر الرزاز أنّ "البدء مبكراً في إجراءات الوقاية ساهم في النتائج التي وصلنا إليها اليوم"، مشدداً على ضرورة المحافظة على التشاركيّة التي تعزّزت بشكل كبير خلال الأزمة.

وبما يتعلق بالقطاع الاقتصادي قال الرزاز: لسنا بمعزل عن الانكماش الاقتصادي العالمي، الذي سببه تعطّل القطاعات الحيويّة؛ كالسياحة والتجارة وغيرها، مشيراً إلى أنّ ٤٩٨ ألف عامل أردني استفادوا من برامج الحماية التي أطلقها البنك المركزي، والمؤسّسة العامّة للضمان الاجتماعي وصندوق المعونة الوطنيّة.

وأضاف رئيس الوزراء: تأتينا طلبات من دول عربية للقدوم والعلاج في الأردن، وسنبدأ ذلك وفق خطة في الأيام المقبلة، مؤكداً أنّ صادرات المملكة زادت من المواد الطبية والزراعية منذ بداية الجائحة.

للمشاركة:



المقاطعة الخليجية: هل أدركت قطر أنّ الرهان على الوقت لحل الأزمة خاسر؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-06-04

مرت 3 أعوام على قرار الدول الأربع؛ السعودية والإمارات والبحرين ومصر، في 5 يونيو/حزيران 2017، قطع العلاقات الدبلوماسية وخطوط النقل مع قطر بسبب إصرارها على دعم التنظيمات المتطرفة في المنطقة والعالم، ورغم ذلك لا تزال الدوحة سائرة في سياساتها التي تعمق الأزمة.

فمنذ هذا التاريخ، حاولت الدول الأربع جاهدة إعادة تصويب سياسات الدوحة التي تتبنى دعم التطرف وزرع الفتن، للعودة إلى الصف العربي والخليجي، غير أن قطر تمسكت بموقفها ورفضت الفرصة تلو الأخرى لإظهار حسن نواياها.

ولم تكتف قطر بذلك فقد انتهجت خطاباً إعلامياً وسياسياً، محوره الكذب وتزييف الحقيقة.

ومع مرور 3 أعوام على مقاطعة قطر، ما زالت الدوحة تتمسك بنفس الخطاب الساعي لتزييف الحقيقة، وتكرر المزاعم نفسها بالطريقة نفسها، متجاهلة أن تلك الفترة كانت كفيلة أنها تثبت بالفعل صواب مواقف دول الرباعي العربي.  

3 أعوام على المقاطعة وما زالت الدوحة تصر على خطاب إعلامي وسياسي معتمد على رسالتين متناقضتين، الأولى موجهة للخارج تحمل مظلومية وتشكو من حصار مزعوم، والأخرى موجهة للداخل وتتحدث عن انتصار وهمي وإنجازات من درب الخيال تكذبها الأرقام والحقائق على أرض الواقع.

وتحاول الدوحة اختزال سبب الأزمة في التصريحات التي نشرتها وكالة الأنباء القطرية في 24 مايو/أيار ٢٠١٧ لأمير قطر تميم بن حمد آل ثاني، والتي أعلن فيها رفض تصنيف جماعة الإخوان ضمن الجماعات الإرهابية، وكذلك دافع عن أدوار حزب الله وحركة حماس وإيران والعلاقة معها، وزعمت قطر بعد ذلك أن الوكالة تم اختراقها.

الحقيقة أنّ الأزمة أعمق من ذلك بكثير، الأزمة جاءت نتيجة سياسة قطرية متواصلة لدعم التطرف وزعزعة الأمن والاستقرار في المنطقة، تعود لسنوات مضت، طالما حذرت منها الرباعية العربية. 

وبينت دول المقاطعة أن قطر لا تزال تواصل سياساتها، والتدخل في شؤون دول المنطقة، وتستخدم وسائل إعلامها لترويج خطاب الكراهية. 

وتعيد "العين الإخبارية" التذكير بأسباب الأزمة وخلفياتها، ولوضع الأمور في نطاقها الصحيح، حتى تكون الحقيقة واضحة للرأي العام الخليجي والعربي والعالم. 

ولفهم أزمة قطر الثانية (5 يونيو/حزيران 2017)، لا بد من العودة إلى أزمتها الأولى (5 مارس/آذار 2014)، لارتباط بعضهما ببعض. 

جذور الأزمة 

بدأت أزمة قطر الأولى يوم 5 مارس/آذار 2014 بإعلان السعودية والإمارات والبحرين سحب سفرائها من الدوحة، لعدم التزامها باتفاق مبرم في 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2013، بالرياض، ووقّعه أميرها تميم بن حمد آل ثاني، بحضور العاهل السعودي الراحل الملك عبدالله بن عبدالعزيز وأمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح، وأيده بقية قادة دول مجلس التعاون الخليجي.

وانتهت الأزمة يوم 16 من نوفمبر/تشرين الثاني 2014، بتوقيع قطر اتفاقا جديدا في اليوم نفسه، وتعهدها بالالتزام بكلا الاتفاقين (اتفاق الرياض 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2013 واتفاق الرياض التكميلي 16 نوفمبر/تشرين الثاني ٢٠١٤). 

وأبرز بنود الاتفاقين التي وقع أمير قطر تميم على الالتزام بها: وقف دعم تنظيم الإخوان، وطرد العناصر التابعة له من غير المواطنين من قطر، وعدم إيواء عناصر من دول مجلس التعاون تعكر صفو العلاقات الخليجية، وعدم تقديم الدعم لأي تنظيم أو فئة في اليمن يخرب العلاقات الداخلية أو مع الدول المحيطة. 

كما تعهد تميم أيضاً بالالتزام بعدم التدخل في الشؤون الداخلية لأي من دول مجلس التعاون الخليجي بشكل مباشر أو غير مباشر، وعدم إيواء أو تجنيس أي من مواطني دول المجلس ممن لهم نشاط يتعارض مع أنظمة دولته إلا في حال موافقة دولته. 

ومن أبرز البنود أيضا الالتزام بالتوجه السياسي الخارجي العام الذي تتفق عليه دول الخليج، وإغلاق المؤسسات التي تُدرِّب مواطنين خليجيين على تخريب دولهم. 

كما وقّع تميم على بند يمنح دول الخليج الحرية في اتخاذ إجراءات ضد قطر في حال عدم التزامها. 

وافت المنية العاهل السعودي الراحل الملك عبدالله بن عبدالعزيز يوم ٢٣ يناير/كانون الثاني ٢٠١٥، وانقلبت قطر كليا على تعهداتها وأطلقت الحبل على الغارب لدعم جماعة الإخوان، ودعم وإيواء المتشددين وتوفير ملاذات آمنة لهم، وتنفيذ أجندات  تضر بالأمن القومي الخليجي والعربي بالتعاون مع حلفاء الشر (تركيا وإيران). 

تمادي قطري
وبعد أن استنفدت دول الرباعي العربي كل الوسائل لإقناع قطر بالرجوع إلى طريق الحق والالتزام بما تعهدت به ووقف دعمها للتطرف، أعلنت كل من السعودية والإمارات والبحرين ومصر في يوم ٥ يونيو/حزيران ٢٠١٧ قطع علاقتها مع قطر، بسبب إصرار الأخيرة على دعم التنظيمات المتشددة في عدد من الساحات العربية.

وفي 22 يونيو/حزيران ٢٠١٧، قدمت الدول الأربع إلى قطر، عبر الكويت، قائمة تضم 13 مطلبا لإعادة العلاقات مع الدوحة، كلها تدور في فلك ما سبق أن تعهد به أمير قطر في إطار اتفاق الرياض ٢٠١٣ واتفاق الرياض التكميلي ٢٠١٤. 

وبدلا من أن تبدأ قطر في تنفيذ المطالب الـ13 للدول الأربع الداعية لمكافحة الإرهاب الهادفة إلى تصويب سياسة نظامها استمرت في المكابرة، والتدخل في شؤون دول المنطقة الداخلية بشكل يمس أمنها القومي، عبر التآمر مع العملاء على الأرض أو عبر شن حملات افتراء وترويج أكاذيب منظَّمة وممنهجة تقوم بها قناة "الجزيرة" وإعلام قطر، وتنظيم منتديات ومؤتمرات تستهدف الدول المقاطعة. 

وبدأت قطر تعمل في تحالفات علنية وبشكل صريح تضم تركيا وإيران للإضرار بأمن واستقرار دول المنطقة، والعمل على شق الصف الخليجي والعربي. 

فرصة ضائعة 
وحرصا على الشعب القطري ومصالحه، وتجنيب الشعب تداعيات سياسات النظام القطري، منحت دول الرباعي العربي النظام القطري فرصة لتسوية أزمته، وبدأت السعودية محادثات مع قطر لهذا الغرض.

وبعدم جدية واضحة أجهضت قطر مبكراً المحادثات مع السعودية، رغم حاجة الدوحة الشديدة لإنهاء المقاطعة المستمرة، بحسب ما نقلته "رويترز" عن مصادر متعددة. 

وتحدثت المصادر عن عدم جدية قطرية في التعامل مع هذه المحادثات التي بدأت في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، رغم أن الرياض فتحت الباب أمام الدوحة للتعهد بإحداث تغيير جوهري فيما يرتبط بسياستها الخارجية تجاه المملكة والإمارات ومصر والبحرين. 

وأمام الموقف القطري أنهت السعودية المحادثات عقب القمة الخليجية التي عقدت في الرياض، ديسمبر/كانون الأول الماضي، وتغيب عنها أمير قطر. 

كما ظهر جلياً خلال تلك المحادثات استمرار قطر في سياساتها التخريبية، عبر محاولة استغلال تلك المحادثات لمحاولة شق صف دول الرباعي العربي، لكن الرد نزل عليها حاسما من دول الرباعي العربي بأننا دول الرباعي يد واحدة.  

الحل في معالجة الأسباب
وقبل عدة شهور وجهت السعودية ٣ رسائل حاسمة وواضحة للنظام القطري عبر كلمة ألقاها وزير الدولة للشؤون الخارجية عادل بن أحمد الجبير في البرلمان الأوروبي.

بتلك الرسائل يضع الجبير العالم وقطر أمام مسؤوليتهما، حيث حدد ٣ أسباب لاستمرار الأزمة، تتضمن في جوهرها تقييما مهما يعكس مدى تجاوب النظام القطري مع الدعوات المتتالية لتغيير سياساته وسلوكياته لحل أزمته. 

والأسباب الثلاثة لاستمرار الأزمة هي أن قطر لا تزال تواصل دعمها للتطرف، والتدخل في شؤون المملكة ودول المنطقة، وتستخدم وسائل إعلامها لترويج خطاب الكراهية، وهو ما تنفيه قطر. 

تصريحات الجبير تضمنت ٣ رسائل واضحة ومباشرة للنظام القطري تؤكد أولها أنه لن يكون هناك حل لأزمة قطر، إلا عبر استجابتها لمطالب الدول الأربع، وتوقّفها عن دعم الجماعات المتطرفة، والكفّ عن التدخل في شؤون تلك الدول، وإعادة تصويب خطابها الإعلامي المروج للكراهية التي تتبناه وسائل إعلامها، وعلى رأسها "الجزيرة". 

الرسالة الثانية، وشملت دعوة مباشرة للنظام القطري لتغيير سياساته، وهو ما يعكس حرصا سعوديا متواصلا على حل الأزمة حرصا على الشعب والعلاقات الأخوية. 

وجاءت الرسالة الثالثة في تصريحات الجبير لتؤكد أن المملكة كانت وما زالت حريصة على عدم تأثير أزمة قطر على سير أداء مجلس التعاون الخليجي، وهو ما برهنت عليه بالفعل عبر توفير التسهيلات اللازمة للوفود القطرية للمشاركة في الاجتماعات الخليجية بالمملكة وتوجيه الدعوة لأمير قطر تميم بن حمد للمشاركة في القمة الخليجية الأخيرة التي استضافتها الرياض ديسمبر/كانون الثاني الماضي، وغاب عنها أمير قطر. 

متفقا مع الجبير، جاءت أيضا تصريحات الدكتور أنور بن محمد قرقاش وزير وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية في أكثر من مناسبة والذي أكد من خلالها على أن أزمة قطر كانت نتاجا طبيعيا للسياسات التدخلية للدوحة، وحلها "لا يمكن دون معالجة الأسباب".

تصريحات الجبير وقرقاش حملت رسالة واضحة لقطر بأن رهانها على معيار الوقت لحل أزمتها دون حل مسببات الأزمة، هو رهان خاسر ولا حل للأزمة دون تلبية مطالب الرباعي العربي.

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:

المقاطعة الخليجية: 3 أعوام من السعي القطري نحو إيران وتركيا

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-06-04

مع مرور 3 أعوام بالتمام على بدء أزمة قطر، تقربت الدوحة أكثر من أنقرة وطهران واستمرت، وفق مراقبين، في دعم خطاب التطرف، وهو السبب الأساسي في مقاطعتها من قبل السعودية والامارات ومصر والبحرين.
هذه المقاطعة كانت محصلة لجهود امتدت منذ منتصف التسعينات، حاولت خلالها خصوصا السعودية والامارات إقناع قطر بالتخلي عن سياسة استعداء جيرانها ووقف التحريض الاعلامي ضد دول الخليج.
وكان هذا من نتائج التغير الكبير الذي عاشته قطر في 1995 حين انقلب الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني على والده، وأنشئت في العام التالي قناة الجزيرة، الذراع الإعلامية التي تبرر وتدعم السياسة الخارجية القطرية في التدخل بالشؤون الداخلية للدول العربية.
وعلى مدى هذه السنوات، انعقدت قمم ولقاءات رسمية بين قطر وجيرانها على أمل ثنيها عن تدخلاتها خصوصاً في سنوات ما سمي بـ"الربيع العربي"، الذي قدمت فيه قطر، بحسب مختصين، دعما مباشرا ومنابر إعلامية للجماعات المتطرفة، لا سيما القاعدة والاخوان المسلمون.
وكانت قطر تصور نفسها خلال تلك الفترة بأنها داعمة للثورات، لكن الوقائع على الأرض كشفت عن خطورته الخطاب التحريضي الانقسامي وحجم الفوضى التي نشرتها قطر في دول مثل مصر وسوريا وليبيا.
في موازاة ذلك، تقوم قطر بمحاولات جاهدة لتلميع صورتها في العالم عبر حملة دبلوماسية موسعة بدأها أمير قطر الشيخ تميم في الأسابيع الأولى التي تلت إعلان المقاطعة يوم الخامس من يونيو/حزيران 2017.
واعتمدت قطر في تجميل صورتها بشكل رئيسي، على عقود الغاز والنفط والتطوير العقاري أو ما يسمى "دبلوماسية العقود" في العديد من الدول الغربية. وأنفقت مليارات الدولارات على مراكز بحث ودراسات لتقديم النظام القطري الى العالم.
وزار أمير قطر الكثير من الدول الغربية والعربية لإقناعها بالتوسط لإجراء مصالحة لكن دون تغيير موقفه أو إبداء اأي استعداد جدي لتلبية مطالب الدول الأربع.
وطلبت هذه الدول من قطر، ضمن سلسلة مطالب لإعادة تطبيع العلاقات، وقف دعم وتمويل الجماعات المتشددة بما فيها القاعدة وداعش والاخوان المسلمون والحرس الثوري الايراني.
كما طلبت الدول الأربع تحجيم علاقات قطر بإيران وتركيا اللتين تدعمان بدروهما وتمولان جماعات متطرفة تنشط في مناطق النزاع في الشرق الاوسط، ووقف الخطاب التحريضي لقناة الجزيرة.
معظم هذه المطالب ظلت مطروحة على قطر رسميا منذ 2013 حين تعهدت الدوحة بتنفيذها وتراجعت، كما تنصلت أيضاً من الاتفاق الذي انعقد في الرياض عام 2014.
هذا التردد وعدم الجدية طبع سلوك قطر في السنوات التالية حتى أواخر العام الماضي حين ظهرت معلومات عن حدوث انفراجة ثم تراجعت الدوحة بسبب ما قيل حينها انه خلاف داخل الأسرة الحاكمة حول المصالحة الخليجية.
لكن الواضح أكثر هو خضوع الدوحة لمواقف ايران التي فتحت تجارتها مع قطر، وتركيا التي أرسلت آلاف الجنود الى الدوحة بعد ايام من إعلان المقاطعة قبل 3 أعوام.
ورغم النفوذ التركي والإيراني في مراكز صنع القرار في قطر، لا تزال الدوحة ترفض مطالب الدول المقاطعة بحجة السيادة والاستقلال.
كل هذه العزلة التي فرضتها قطر على نفسها كانت نتيجة للآمال التي علقتها على ايران، وتركيا، وكلاهما تتدخل مباشرة في صراعات سوريا والعراق واليمن وليبيا.
لكن اللافت أيضاً أن قطر لم تتوقف عن انشطتها في مجال دعم الأصوات المتشددة، خصوصا في الدول الغربية حيث وصلت الى تمويل مساجد بعينها في اوروبا ومحاولات التأثير على النظام التعليمي في الولايات المتحدة وايطاليا، وفق ما نشرتح وسائل إعلام غربية.

عن "ميدل إيست أونلاين"

للمشاركة:

حسين مروّة.. وُلد شيخاً ومات طفلاً برصاص الحقد الطائفي

2020-06-04

يُحكى أنّ النسر إذا بلغ أربعين عاماً، فإنه يطير إلى قمة عالية، ثم ينتف ريشه، ويضرب منقاره بصخرة صلبة حتى يكسره، وكذلك يفعل بمخالبه، ثم يمكث في عزلته شهوراً، فإذا بمنقار جديد أكثر حدة يخرج مكان القديم، ومخالب أشدّ قوة تنبت بدلاً من تلك التي أصابها الزمن بالوهن، بينما يكسو الجسدَ ريشٌ جديد، أكثر بريقاً، فيعود النسر شاباً ليعيش بعدها أربعين سنة أخرى .

في جنوب لبنان، ولد حسين مروّة لعائلة شيعية، حيث كان الانتماء للطائفة أمراً ينطوي في جوهره على حمولة اجتماعية ودينية تؤطر حياة الفرد، وتوجهه في سياقات محددة سلفاً. أراد له والده أنْ يصبح رجل دين، ولُقّبَ في مهده بالشيخ، وما إن اشتدّ عودُه حتى أرسله إلى العراق ليدرس في الحوزة العلمية بالنّجف، علّه يصبح ذات يوم مرجعية يلجأ إليها الناس، ويحيلون عليها.

درس حسين مروة التراث، ومضى يمارس التفكيك المفاهيمي لمعطياته، واضعاً يده على مكامن الفكر الثوري فيه

عند العتبات المقدسة استيقظت مداركه، ومضى عقله النقدي يعمل النظر  في كل ما حوله، وكل ما درسه على يد المرجعيات الدينية هناك، لتدوّي في أعماقه جملة دفعته نحو العبور إلى حيث مرافئ الخلاص خارج مدارات المذهبية الضيقة: "ألا مرجعية سوى الإنسان"، لينخرط في صفوف اليسار مدافعاً عن العدالة الاجتماعية، وسرعان ما استيقظ المناضل في قلب الشيخ الذي لم يهدأ بعدها أبداً.
خلع الشيخ عمامته، ليعمل في سياق الحركة الوطنية العراقية كاتباً وخطيباً ومناضلاً، ونتيجة لمواقفه، قام نوري السّعيد بإبعاده عن العراق، وسحب منه الجنسية العراقية التي كان قد حصل عليها، ليعود إلى بيروت عام 1949 وقد بلغ الأربعين من عمره.
كبرياء النسور
بكبرياء النّسور، رفض مروة الهزيمة، ونفضَ عن كاهله وطأة ما تعرض له من ظلم، لينبت له ريش جديد، استعاد به عنفوان جناحيه قبل أنْ يطرق بقوة أبواب السماء .

إذا دفع الحجر اندفع، وإذا بلغت قوة الدفع مبلغها عاد الحجر إلى مكانه بمقتضى الطبيعة

واصل حسين مروة كتاباته الصحفية، ونضاله السياسي، خارج أطر المذهبية، ليصبح مفكراً لكل لبنان، ينتمي للوطن ولكل ما هو إنساني، ويرفض كل ما هو طائفي، وهو ما كان يمثل خطراً للحركات السياسية التى ارتكزت أيديولوجيتها على منطلقات دينية طائفية، بينما ظل هو غير عابئ بالتهديدات، ينزع غطاء الشرعية السماوية عن الفرقاء الذين انخرطوا في مجاهل حرب أهليّة طاحنة مزقت الوطن شرّ ممزق. يقول "حنّا مينه": "لم يكنْ مُعلّماً فحسب، بل كان أخاً كبيراً، يسوق الكلام، كأنما يطرح أسئلة، ينتظر جوابها، في حين يتولى هو نفسه الإجابة، عبر حوار هادئ".

تثوير التراث
درس مروة التراث، ووضع يده على الكيفية التي بات يُقرأ بها على عواهنه، ليقرر كسر حلقة السرد والتكرار الرتيبة، ومضى يمارس نوعاً من التفكيك المفاهيمي لمعطياته، واضعاً يده على مكامن الفكر الثوري في ثناياه، وفي أحيان كثيرة كان يقوم بتثوير هذا الفكر العربي القديم لغة ومضموناً، فالتصوف مثلاً -في ظنه- لم يكن مجرد حالة إنعزالية يصاحبها الزهد، وإنما يرمز إلى حركة ثورية يكشف عنها المحتوى الأيديولوجي للفكر الصوفي نفسه، والذي ينطوي، وفق مروّة، على نظرية ثورية بوضعها التاريخي، فحركة الزهد في مراحلها الأولى، وفي تطوراتها اللاحقة، تكشف عن كونها موقفا ثورياً يرفض في جوهره ما ذهب إليه أطراف النزاع السياسي المتأجج منذ مقتل الخليفة عثمان بن عفان، قبل أنْ تتحول بنية هذا السلوك الانعزالي إلى رؤية فلسفية أكثر شمولاً، يراها أصبحت تمثل مرجعية فكرية لقوى المعارضة منذ العصر العباسي، وهو ما يفسّر قيام السلطة بملاحقة المتصوفة ومحاكمتهم، وإنزال أشدّ العقاب بهم، وقد بلغ الأمر ذروته بصلب الحلاج، قبل أنْ يتم إفراغ التّصوف من مضمونه بتحوله (الطرقي)، ليصبح وسيلة لتخدير الجماهير، وتثبيط كل جنوح نحو التمرد والثورة.

أصبح مروة بلا منازع مؤسس مدرسة النقد الواقعي الاشتراكي في مواجهة النزعات الرجعية والمثالية

وفي معالجته لمسألة القوانين الموضوعية في الطبيعة، مضى مروة يتتبع النزعات المادية، مؤكداً أنّ المعتزلة استشرفوا وجود تلك القوانين التى تجري وفقها الظاهرات الطبيعية كلها، مدللاً على ذلك بالرجوع إلى مبحث "الجزء الذي لا يتجزأ" وإلى مختلف آراء المعتزلة في مسألة الجوهر والعرض، متتبعاً ما أسماه بمحاولات معتزلية لتصور هذه القوانين، مستخرجاً ومحللاً المقاربات التى ترجح ذلك، مثل مقولات الشهرستاني حول خضوع كل جسم طبيعي لقوانين ثابتة: "إذا دفع الحجر اندفع، وإذا بلغت قوة الدفع مبلغها عاد الحجر إلى مكانه بمقتضى الطبيعة"، وهو ما يجد فيه محاولات لتلمس الوجود الموضوعي لقوانين الطبيعة، والتي تتلاقي في الوقت نفسه مع طروحات معمر بن عباد السلمي: "الحياة فعل الحي، القدرة فعل القادر، الموت فعل الميت"، ويتجلى كل ذلك في قوله الصريح إنّ "حركات الفلك وكل ما اشتمل عليه الفلك من ذي حركة أو سكون، وتأليف وافتراق ومماسة ومباينة، فعل غير الله"، اتفاقاً مع كلام الجاحظ الوارد في قوله: "إنّ للأجسام طبائع وأفعالاً مخصوصة بها".

معول النقد الديالكتيكي
أعملَ حسين مروة معول النقد الديالكتيكي، لا لهدم التراث، وإنما لتقويض الخطاب الصّنمي القروسيطي الذي اعتاد العرب أنْ يتحدثوا به كلما قرأوه، واضعاً يده على الطريقة التي عملت بها حركة القوى الاجتماعية، في تفاعلها بما حولها من البنى التحتية، وما فوقها من بنى سياسية، وعلاقتها بالأنماط التاريخية في صيرورتها وحركتها بين مرحلة وأخرى، محاولاً استنطاق التراث، واستخراج مقولاته العليا وقوانينه المادية التي اتفقت إلى حد كبير مع رؤيته الماركسية.
الماركسية بنزعة جمالية
اكتسبت الماركسية، مع مروة، نزعة جمالية، ونهجاً واقعياً جديداً، ليصبح بلا منازع مؤسس مدرسة النقد الواقعي الاشتراكي، في مواجهة النزعات الرجعية والمثالية، حيث اهتم بالجانب العملي التطبيقي، منطلقاً من طبيعة الاحتياجات الإنسانية وقوانين تطور المجتمع، وفق منهجية نقدية تهتم بكيفية عمل الخصائص التعبيرية، وسبر أغوار تلك العلاقة بين النص ومدلولاته الرمزية، وكيفية عمل تلك المدلولات ومدى ما تقدمه من حمولات معرفية.

رفض كل ما هو طائفي، وهو ما كان يمثل خطراً للحركات السياسية التى ارتكزت أيديولوجيتها على منطلقات دينية طائفية

اقتربت الأربعون سنة الأخرى من الاكتمال في حياة النسر المحلق دوماً عكس التيار، وقد أصبح العقل المفكر للحزب الشيوعي اللبناني الذي بات في مقدمة الصفوف في مواجهة الصهيونية، رافعاً راية إعادة تقييم وصياغة المشروع العروبي في ظل ارتهانات الواقع، ورافضاً في الوقت نفسه الانصياع لمحاولات الاستقطاب التى مارسها حزب الله، قبل أنْ تتحول إلى تهديدات صريحة في ظل تواطؤ القوات السورية التى بات حسين مروة بالنسبة لها أكثر إزعاجاً.
وفي السابع عشر من شباط (فبراير) عام 1987، حدث ما كان متوقعاً، وأسكتت رصاصات الغدر صيحة الرفض التي انطلقت في مجاهل الحرب الأهلية البغيضة، وللمفارقة أشارت كل أصابع الاتهام لحزب الله، ليسقط الشيخ المناضل الذي أرسله والده في الصغر للتفقه في المذهب، ولم يكن يعلم أنه سوف يسقط شهيداً بيد أتباعه انصياعاً لقوانين حرب ملعونة، وهو ما لخصه مهدي عامل في تأبين رفيقه قائلاً: قتلوك لأنك شيعي وشيوعي.

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية