في ذكرى اغتياله: هكذا أنقذ غسان كنفاني الحكاية عن فلسطين

3862
عدد القراءات

2019-07-08

كان غسان كنفاني أشخاصاً كثيرين في هيئةِ رجلٍ واحد، فهو المدرس والكاتب والمفكر والمسؤول السياسي المناضلُ والعاشق، لذا فإن ذكرى اغتياله السابعة والأربعين التي تحل اليوم، تظل رمزيةً؛ لأنها لم تستطع إنهاء حياة الفلسطيني الأول في مسيرة أدب المقاومة.

اقرأ أيضاً: غسان كنفاني: رواية لم تكتمل
سيرة غسان حافلة بمثل ما هي سيرةٌ فلسطين، حيث الحب والوطن والحياة والموت، بللت جميعها قلمه ليكتب بحبرٍ امتزج بمشاعر وأفكار الفلسطينيين والعرب والعالم أجمع بحق قضيةٍ لا تموت، يدافع عنها صاحب المقولة الشهيرة "شيء مضحك أن يضع الإنسان نفسه في سيارة مستفيداً من الحضارة، ثم تبقى المسافة بينه وبين إنسانيته معطلة تماماً".

كان غسان كنفاني أشخاصاً كثيرين في هيئةِ رجلٍ واحد

الطريق الوعر
بالكاد وُجدَ في هذه الحياة يوم التاسع من نيسان (إبريل) 1936، حيث كاد يموت مختنقاً أثناء ولادة أمه له. لكن غسان المولود في عكا؛ نجا مؤقتاً، ليختبر ألم الوجود لاحقاً. فالطفل الذي ما إن كبر حتى دخل مدرسة (الفرير) في مدينة يافا الفلسطينية، ما لبث أن خرج منها بعد سنواتٍ قليلة على دراسته الابتدائية، حيث أسهم "قرار تقسيم فلسطين، واعتداءات الصهاينة على مدينة يافا، ومن ثم عكا في 1947 ولاحقاً في 1948" إلى تهجير عائلة غسان مع عائلاتٍ فلسطينيةٍ عديدة نحو لبنان أولاً، ومن ثم إلى سوريا، وفقاً لكتاب "اليوميات: مختارات من دفتر غسان كنفاني" الصادرة عن دار "راية" في 2018.

كتب كنفاني القصة القصيرة لأنه كان يعرف مصير الحكايات التي لا نكتبها: إنها تصبح ملْكاً لأعدائنا

هكذا، بدأ كنفاني طريقه وعراً؛ لأنه منذ البدايةِ أبعده عن الوطن، لاجئاً، وربما مشرداً، وباحثاً مع عائلته عن حياةٍ أخرى مؤقتة، فغالباً ما بحث الفلسطينيون في بداية الاحتلال الصهيوني عن حيواتٍ لا تدوم بعيداً عن الوطن. وبالفعل لم يبتعد غسان في دمشق عن فلسطين، فبعد إنهائه دراسته الثانوية هناك، ومن ثم مرحلة الدراسة الجامعية، حيث درس اللغة العربية وآدابها في جامعة دمشق، كان بحلول العام 1955 منضماً إلى "حركة القوميين العرب" وذلك بعيْد انتقاله للتدريس في دولة الكويت، إذ كان في ذلك الوقت قارئاً نهماً يمهل الكتابة إلى حين. لكن لم تطل به المدة حتى بدأ عمله في "صحيفة الحرية كمحرر، ثم انتقل إلى صحيفة (المحرر) ليصبح كاتب مقالاتٍ تلفت الانتباه، بعد ذلك، اختار غسان طريق القصة القصيرة، فكتب في الكويت أولى قصصه: القميص المسروق". بحسب الموقع الرسمي لكنفاني على شبكة الإنترنت.
سيرة الشجر والفكرة والناس
شهرته ككاتبٍ رافقته منذ البداية، فأخذ يكتب قصصه تباعاً، ورغم أنّه لم يستلهم شيئاً خارج إطار فلسطين، إلا أنّه كان، برأي العديدين، أول كاتبٍ فلسطيني، ومن أوائل الكتاب العرب، الذين جعلوا من قضاياهم وحقوقهم مسألةً عالميةً في الأدب، بعيداً عن الخطابة والالتزام السطحي، فتشهد قصصه "سيرة الشجر والمدينة والقرية والفكرة والناس على مختلف طبقاتهم الاجتماعية وثقافتهم، كما أنه يتعامل مع الإنسان زمنياً في مختلف مراحله، ولا يسقط الوعي إسقاطاً، كنفاني يتعامل مع الوعي الذي يعطيه إياه الإنسان ويمنحه إياه الزمان والمكان والأم البسيطة والرجل المثقف، والخائن القذر، والحزبي الغارق في الالتزام ..." بحسب ما تراه الكاتبة منار حسن فتح الباب، في دراستها عن أدب غسان وأسلوبه الروائي، ونشرت عن "هيئة قصور الثقافة المصرية" في 2003.

اقرأ أيضاً: 10 حقائق قد لا يعرفها الكثيرون عن غسان كنفاني
ولا يمكن بأي حال، اختزال تجربة كنفاني الروائية والقصصية على شدة تنوعها وعمقها وجمالها الأدبي والوجودي والإنساني، فصاحب "أرض البرتقال الحزين"، و"ستة نسور وطفل"، و"كعك على الرصيف"، كان كونيَ التفكير بحسب ما يقوله أصدقاؤه، ويريد أن يكتب كل الحكايات، خصوصاً عن فلسطين، لأنه، كما رأى الروائي إبراهيم نصر الله في ذكرى غسان السادسة والأربعين العام الماضي، "الحكاية التي لا نكتبها، حكايتنا التي لا نكتبها، أتعرف ماذا يكون مصيرها؟ اسمح لي يا غسان، أن أسألك، أسألك من قلبي، فأمامك يمكن أن أصرخ أو أجنّ وألا أحسّ بإحراج، لأنني أحدِّثك أنتَ، لأنك منا؟ هل تعرف ما مصير الحكايات التي لا نكتبها؟ إنها تصبح ملْكاً لأعدائنا!".

من أعمال كنفاني

الموت يزور رجلاً لا يموت
بالترافق مع مسيرته الروائية والأدبية والفكرية، أخذت توجهات كنفاني النضالية تتضح بصورةٍ أكبر في نهاية الستينيات، فلم يكتف بالكتابة، إذ أصبح "عضواً غير منتظم في المكتب السياسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، ومن بيروت نسج علاقاتٍ واسعة مع الثوريين العالميين وليس الفلسطينيين والعرب فقط، كما تصدر العديد من الأحداث السياسية كناطقٍ إعلاميٍ حول العمليات المتعلقة باختطاف الطائرات من قبل الجبهة الشعبية من أجل المطالبة بتحرير أسرى فلسطينيين سواء في الأردن عام 1970، وحادثة الطائرات هناك، أو في قلب (إسرائيل) قبل ذلك، في حادثة اختطاف طائرة إلعال في 1968 واتهم غسان بالتخطيط لتلك الأخيرة" وفقاً لمجلة الآداب اللبنانية في عددٍ عن غسان صدر عام 1973.

شكل غسان كنفاني خطراً على الرواية الصهيونية عن فلسطين من كل نواحيها وكان لا بد للعدو أن يسلب حياته

شكل الكاتب إذاً، حياةً حافلةً حوله، سياسياً وأدبياً، وإنسانياً بالطبع، فهو من عشق الكاتبة الشهيرة غادة السمان، وتبادل معها رسائل حبٍ خالدة تعد من أجمل ما كتب حول الحب في القرن العشرين، وهو الزوج الذي تزوج لاحقاً من الدنماركية آني هوفر، وبقي مخلصاً في علاقاته للحب مهما كانت نتائجه، بل إنّ المرأة طالما تمتعت في أعماله "بشخصيةٍ صلبةٍ ومميزة مهما كان دورها" وفقاً للموقع الرسمي للكاتب.
لقد كتب غسان في صحفٍ عديدة، وتنوعت مقالاته، وله أكثر من ثمانية عشر كتاباً وعدة مسرحياتٍ وروايات وكتاباتٍ ساخرة باسمٍ مستعار، اشتهر منها الكثير كروايات "أم سعد" و"ما تبقى لكم" و"عائد إلى حيفا" ومجموعات قصصية مثل "القميص المسروق" و"موت سرير رقم 12" وكذلك مسرحيته المعروفة "القبعة والنبي". ولعل موت كنفاني، لم يكن مقروناً بأن الموت يجهل أنه يهاجم رجلاً لا يموت، بل يكمن في أنه كان، وفقاً للشاعر الفلسطيني محمود درويش، رجلاً "موجوداً في الريح، وعلى سطوح منازل الجيران، وفي ملفات التحقيق... رجلاً كان يشبه الوطن، والوطن يشبهه". ولذلك، شكل اغتياله من قبل الموساد الصهيوني من خلال تفجير سيارته في بيروت عام 1972، محاولةً صهيونية لسلب حياة غسان كنفاني، الذي شكل خطراً على الرواية الصهيونية بجميع أبعادها، فهو المحرض على الحب قبل كل شيء، وهو الرجل الذي لم يترك للأعداء فرصةً للاستيلاء على أية حكايةٍ عن فلسطين.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



كيف أصبح "تشيرنوبل" أنجح مسلسل في التاريخ؟

2019-08-06

تبدو معالجة الكارثة بالكذب مسألةً معقدةً جداً قياساً بالزمن، خصوصاً إذا بقيت آثار تلك الكارثة تتوسع مثل بقعةِ دمٍ على ثوبٍ أبيض كبير معروض على الناس. وهذا بالضبط ما يحاول أن يشير إليه المسلسل الأشهر "تشيرنوبل" الذي أطلقته شبكة "HBO" التلفزيونية في أيار (مايو) الماضي.

أبرز ما يميز القصة يكمن في أن كل ما نحتاجه يومياً من أجل الحياة أو نحيا به يصبح مميتاً

وكانت حادثة التسرب النووي من مفاعل تشيرنوبل، حظيت بالكثير من التعتيم حين حصولها في السادس والعشرين من نيسان (إبريل) 1986 خلال حقبة الاتحاد السوفييتي، ولعلها كانت أول كارثةٍ كونية نووية من نوعها، مما جعلها تثير الكثير من التساؤلات، خصوصاً أنّ مسألة محاسبة طرفٍ واحد بشأنها، تبدو معقدةً على المدى الطويل، إذا عرفنا أنّ الكثير من الدول تمتلك مفاعلاتٍ نووية، وأنّ مثالاً سيئاً مثل تشيرنوبل، كان ليؤثر على فكرة امتلاكها تلك المفاعلات، فما الذي قدمه المسلسل أيضاً حتى يحظى بكل هذه الشهرة اليوم؟ بعد مرور 34 عاماً على الكارثة.

حادثة التسرب النووي من مفاعل تشيرنوبل حظيت بالكثير من التعتيم

القصة على الشاشة
حلقات المسلسل الخمس التي جاءت في مدةٍ لا تزيد عن خمس ساعاتٍ ونصف الساعة تحبس الأنفاس، بسبب التكثيف العالي الذي تتميز به القصة (السيناريو)، ولعل أبرز ما يميز  القصة يكمن في فكرةٍ مفادها أنّ كل ما نحتاجه يومياً من أجل الحياة، أو نحيا به، يصبح مميتاً. وذلك من خلال عكس المقولة الشهيرة "إنّ كل شيءٍ يتحول إلى سلاحٍ إذا نحن أتقنّا استخدامه"، لكن هذه المرة، كان الفشل في استخدام مصادر الطاقة النووية ووجود سلسلة أخطاء متراكمة سبباً في حصول كارثةٍ مرعبة سببها عدم الإتقان.

اقرأ أيضاً: مسلسل "دقيقة صمت" وقفة على روح الوطن

"إن كل شيءٍ ملوث"، تلك هي العبارة التي تحكم مجريات المسلسل منذ بدايته إلى نهايته، فكل مصدرٍ للحياة كالماء والأنهار والحليب والقمح والخضار والفواكه والأشجار باتت ملوثةً بالإشعاع النووي الذي تسرب من المفاعل رقم 4. وبالنسبة للعامة من أهل المنطقة المحيطة بتشيرنوبل، لم يكن الحدث عادياً، لكنه لم يكن مفهوماً كذلك. فما هو هذا القاتل المتخفي الذي يتسرب إلى كل شيء؟ إنه ليس وحشاً في الحقيقة يمكن مواجهته والتغلب عليه، بل إنه لا يُرى، وبالتالي فإنّ قدرته على القتل لا مثيل لها. ولعل هذه النقطة بالذات تم التركيز عليها في المسلسل، من خلال حديث أحد أبطال المسلسل وهو كبير المحققين "ليغاسوف" الذي يقول إنّ اليورانيوم بمثابة "رصاص" وإنّ كل ذرةٍ منه قاتلة، أما التسرب من المفاعل، فقد بلغ مليارات الذرات.

النيران كانت العدو الوحيد الظاهر فيما التسربب الإشعاعي كان قاتلاً لا يراه أحد

لكنّ هذه النقطة أيضاً، كانت المحور الرئيسي للنقاد في آرائهم حول المسلسل الذي تفوق على أشهر مسلسلات التاريخ مثل "breaking bad" و"game of thrones"، حيث رأى بعضهم أنّ هنالك مبالغة في "تحويل القصة الحقيقية، إلى نوعٍ آخر من الحقيقة، إلا أنّ ذلك غير مهم ما دام صانعو المسلسل اختاروا حقيقةً درامية". بحسب ما جاء في مقالة هنري فونتين بصحيفة "نيويورك تايمز" في 2 حزيران (يونيو) الماضي.

اقرأ أيضاً: "جن": مسلسل متواضع المستوى أثار زوبعة في فنجان
ويضيف فونتين، أنّ "مشاهد المصابين الملطخين بالدماء لم تكن صالحةً لحادثة تسربٍ نووي، إضافةً إلى أنّ الشخصيات الرئيسية ككبير المحققين وعالمة الفيزياء التي تبحث عن سبب الحادثة هي شخصيات مفتعلةٌ أو مبالغٌ في أدوارها"، هذا إضافةً إلى الدخان الذي كان يغلف مشاهد المسلسل في معظم حلقاته كأنه دليلٌ للمشاهد على (الدمار)، رغم أنّ التسرب الإشعاعي أساس القصة، لا يترك خلفه أي أثر.

اقرأ أيضاً: جدل في الشارع الأردني بعد عرض مسلسل "جن" عبر "نتفليكس"
وبالنسبة للنقاد أيضاً، قال المحرر الثقافي في صحيفة "السبيكتاتور" جيمس ديلنجويل، إنّ تشيرنوبل المسلسل من المؤكد أنه لا يشبه تشيرنوبل الكارثة. فالكارثة الأساسية ربما كانت "الكذب والتعتيم اللذينِ طورا الحادثة إلى كارثةٍ فعلاً، لكن فعلياً، كم عدد القتلى الحقيقيين؟ كم عدد المصابين؟ كم دولةً عرضت التعاون لإنهاء الحادثة؟" وفقاً لمقالته المنشورة في 8 حزيران (يونيو) الماضي. ويقدم الكاتب معلوماتٍ عديدة، من أبرزها أنّ الحادثة لم تتسبب بمقتل مئة شخصٍ حتى، ولم يزد عدد المصابين على ألفي مصاب. لكن المسلسل ناجحٌ جداً بأي حال، فقد داعبت الحادثة خيال عدة أجيالٍ ممن عاصروها أو ولدوا بعدها، لأنها بقيت غامضةً لسنوات. وها هم يرونها عبر الشاشة بطريقةٍ تجعلهم يعيشونها لأول مرة، كأنها الحقيقة الوحيدة التي يعرفونها عن تشيرنوبل.

أبطال المسلسل الأساسيون مبالغٌ في أدوارهم كما رأى بعض النقاد

القصة بين الواقع والخيال
يشير  ديلنجويل في مقالته ذاتها، إلى أنه "بالنسبة للآثار الجانبية التي استمرت على سكان المنطقة، من إصاباتٍ بالسرطانات (سرطان الغدة الدرقية حاصةً) والولادات لأجنةٍ مشوهة، وغيرها من أحداثٍ تالية، فإنها خاضعةٌ لنقاشٍ علميٍ كبير وتساؤلاتٍ عديدة".

داعبت تشيرنوبل خيال العديدين ممن عاصروها أو ولدوا بعدها لأنها بقيت غامضةً وها هم يرونها بطريقة تجعلهم يعيشونها لأول مرة

ومع ديلنجويل، يتفق العديد من النقاد في صحفٍ مختلفةٍ كالغارديان البريطانية مثلاً، بينما وعلى العكس، احتفلت "بي بي سي" بالمسلسل، ورأت أنه يمثل "حقيقة الأمر كما لم يعرفها أحد".
ورغم هذا النقد، يمكن العودة إلى الكاتبة البيلاروسية سفيتلانا ألكسيفيتش، الحائزة على جائزة نوبل 2015 للسبب ذاته ربما الذي جعل من تشيرنوبل أعظم مسلسلٍ في التاريخ خلال أقل من شهر. ففي أعمالها الروائية، خصوصاً (أصوات تشيرنوبل)، ركزت ألكسيفيتش على إيصال ما أسمته بـ "صوت من لا صوت لهم" وتحويل أولئك الذي كانوا مجرد حجارةٍ مرصوصةٍ في جدار التاريخ، إلى قصص مستقلة بحد ذاتها. فرسمت من خلال روايتها المستندة على شهاداتٍ حقيقية مسجلة لسكان المنطقة حول الحادثة، الآلام التي عاناها هؤلاء، وبصورةٍ محزنةٍ واقعية، ومرعبة أحياناً. حتى إنه "تم قطع أشجار الغابات ودفنها هناك، لأنها ملوثة بالإشعاع".

اقرأ أيضاً: "دفعة القاهرة": مسلسل ممتع لكنه مخيّب للآمال
المسلسل، الذي لا بد أنّ مؤلفه "كريغ مازن" تأثر بأليكسيفيتش، تعرض الرواية ذلك الخوف المرعب من الإشعاع، أو متلازمة "الراديوفوبيا" التي كانت تنتشر بين الناس لأول مرةٍ في التاريخ. فلا أحد يشرح للناس والضحايا ماذا يحدث، ولا أحد يقول كيف حدث ما حدث، ولا أحد يهتم بهم اهتماماً كافياً، لأنه لا أحد يعرف إن كان هنالك شيء سينقذهم. كل هذا الذي قالته ألكسيفيتش تمت استعادته نوعاً ما في المسلسل، لكن دون وجود ربطٍ علميٍ واضح حول التلوث الإشعاعي وماهيته وكيف يؤثر على جسد الإنسان.
ولم يوضح المسلسل المدة الزمنية والمسافة الجغرافية لهذا التأثير  الإشعاعي (التي تُعد أقل رعباً أحياناً). بل في الواقع، بالغ في أشياء كثيرة، واستخدم مآسي ضحايا تشيرنوبل كأداة للإشارة إلى المؤسسات المتعفنة في النظام السوفييتي القديم، بينما كان الضحايا هم كل القصة بالنسبة لألكسيفيتش. أما حادثة التسرب وما يشوبها من خفايا علمية وأخطاء تقنية وسياسية، فإنه غالباً لم يكن ممكناً تفادي آثارها لو حدثت في أي بلدٍ آخر.

اقرأ أيضاً: هل تجتمع الإنسانية مع العنف في الثقافة العامة؟.. مسلسل الهيبة نموذجاً
وبصورةٍ عامة، ووفقاً للنقاد عموماً، أبهر المسلسل مشاهديه، ومن المؤكد أنّ العديد منهم رأى فيه رسالةً سياسيةً ما، خصوصاً الروس الذين لم يعجبهم المسلسل واعتبروا أنه مملوءٌ بالتلفيقات. لكن التساؤل حول خطر المفاعلات النووية، سواء كانت سلميةً أم عسكرية، يظل هو الأقل حظاً في الاستمرار والتطور كتساؤلٍ عالميٍ مهم على هامش المسلسل. الذي نجح كدراما نجاحاً باهراً، وكل شيء قابل للنجاح، ما دام يدعي تصوير الحقيقة، وجعلها من دمٍ ولحم.

للمشاركة:

أماكن واقعية وشخصيات سحرية: تمرين المكان عند محمد خان

2019-08-05

تُطالعنا، بشاشة سوداء قاتمة، في بداية فيلم إبداعيّ بعنوان "خرج ولم يعد" 1984، للمخرج الراحل، محمد خان، (1942-2016) عبارة، ربّما تمثّل مدخلاً ملائماً للتعاطي مع سينما خان، تقول ببساطة: "ربّما كانت الشخصيّات من الخيال، لكن ثقْ أنّ الأماكن من الواقع". وفي الذكرى الثالثة لرحيل واحدٍ من أهمّ المخرجين على الإطلاق، والمتميّز في حقبةٍ مليئة بمبدعين كبار من أمثاله، يكون الأسى ههنا مضاعفاً بصورة لا تُحتمَل بسبب التدهور الذي تعيشه السينما الرسمية في مصر، والتي كان الراحل خان شاهداً على تقهقرها، لكنّه استطاع وسط هذا الغُثاء أن يصنع في كلّ فيلم صوتاً خاصّاً، وحكايةً لا تمثّل الواقع فحسب، بل تخلقه أيضاً.

اقرأ أيضاً: السينما الجزائرية ومرثيات اليأس السياسي

فبدايةً من عمله الأوّل "ضربة شمس" 1978، وحتى آخر عمل "قبل زحمة الصّيف" 2015، ونحن نجدُ أنّ كلّ فيلمٍ لخان ممزوج بحبكة خاصّة، من تدرّب على سينما خان يعرف تماماً أنّها اللمسة "الخانيّة" التي تضفي على الواقع صفة الشوتّات (Shots)، وكأنّها إضاءة على المكان الحقيقيّ جداً، بقدر إيلامه الشديد، بما يحمله من فوضى وديكتاتوريّة، وعمران مشوّه، ومكان مسلوب يعيشه أشخاص يفقدون ما هو ذاتيّ في سبيل تحصيل لقمة العيش.
"خرج ولم يعد" 1984

الواقعيّة الجديدة.. إعادة مساءلة
المشهور في الوسط السينمائي، وفي أوساط مَن يعتنون بالسينما والتحليل السينمائي، أنّ محمد خان ممّا أُطلق عليه "مدرسة الواقعيّة الجديدة" رفقة المخرجين المُجايلين له؛ عاطف الطيب وداوود عبد السيّد وخيري بشارة. ورغم أنّه لا مشكلة في الإطار العام لهؤلاء المخرجين، والذي يمكن نعته فعلاً بتلك النزعة، إلّا أنّ المشكلة بالتحديد تكمن، ومن ثمّ السؤال الذي أُريد التفكير فيه ههنا، في أنّ هذا التوصيف أحياناً ما يفقد معناه، ويلغي الفوارق التي تميّز كلّ مخرج مُبدع من هؤلاء المخرجين عن بعضهم البعض. وبالتالي، أيّ معنى لواقعيّة جديدة؟ وكيف يمكن أن نلقط الخيط اللامع الذي تميّز به خان داخل هذه المدرسة العريقة، والتي لا شكّ أنّها أخرجت أفلاماً غايةً في الإبداع، عالميّة رغم محليّتها، أو ربّما لعدم اعتراف "العالمي" بما هو محلّي.

كان خان شاهداً على تقهقر السينما في مصر لكنّه استطاع وسط هذا الغُثاء أن يصنع في كلّ فيلم صوتاً خاصّاً

لا شكّ أن محمد خان قد عملَ، في البداية، في وسطٍ مليء بمخرجين مهمّين، وسأركز على هؤلاء المخرجين الذين يُلصق بهم عندما يتمّ ذكره وذكر أعماله، كعاطف الطيّب وغيره. إلّا أنّ مقارنةً بينه وبين الطيّب مثلاً لتوضّح لنا تفاوتاً وتغايراً كبيريْن في مفهوم "الواقعيّة" وفي الشخصيات التي يرسمها كل مخرج.

في واحدٍ من أشهر وألمع أفلام عاطف الطيّب، ألا وهو فيلم "سوّاق الأتوبيس" 1982، سنجدُ الفارق الجليّ بين سينماتين مختلفتين. في "سواق الأتوبيس" تتجلّى ما أسمّيه بـ"الواقعيّة الفجّة" لعاطف الطيّب: الأشخاص حادّون، صارخون في وجه الحكومة والظلم والناس، شخصيّات طيّبة ونبيلة ووطنية تماماً، وأخرى شريرة ولا مجال للخير لديها، غرامٌ بين البطل حسن (الفنان نور الشريف) وميرفت أمين، يضيع من أجل حسابات الواقع الماديّة تماماً.

اقرأ أيضاً: "الممر" فيلم مغامرات تقليدي أم علامة بارزة في السينما المصرية؟

شخصيّات الطيّب فجّون جداً، لا مجال لديهم لبشرية ما، هم إمّا خيّرون أو سيئون عن بكرة أبيهم، وبالتالي أفلام الطيب مزعجة، فهي لا تعطي مساحةً للتفكير مثلاً في الشخصيات: إنّها تجبرك على الانحياز لشخصية دون أخرى، وللانخراط في الواقع كما هو دون رؤية التعقيدات التي تكمن "ما وراء الخير والشر" إذا استعرنا من نيتشه.

 "ضربة شمس" 1978

في مقابل "الواقعيّة الفجّة" هذه للطيّب، هناك واقعيّة محمد خان السحرية، التي ترسمُ شخصيات تشبهنا، شخصيات تخطئ وتصيب، غير منطويةٍ داخل أحلام كبرى، أو في سرديّة وطنويّة مزعجة. ففي "الحريّف" مثلاً، وهو من أجمل أفلام خان التي لم أرد الإطالة بشأنه ههنا لأنه يحتاج لمقال خاصّ به، سنصادف البطل فارس (عادل إمام) شخصاً عاديّاً تماماً، يمارس حياته بكلّ خفّتها ذاتيّاً وبكلّ ثقلها الواقعيّ جداً، والصادق، والأليم. فارس، الحرّيف، هو ذلك العامل العادي الذي يحترف مهنة في الصباح في مصنع أحذية، وفي المساء يحترف لعب الكرة، وهنا رمزيّة كبيرة من محمد خان لا بد من الالتفات إلى ذكائها؛ فالملعب هو الحياة، ورغم أنّ فارس حرّيف فعلاً ومشهور بالكسب الدائم، إلّا أنّه يشعرُ بالخيبة والخسارة الذاتيّة دوماً، وخاسر لعمله وحياته الأسريّة.

يحاول خان ابتكار عالم ذاتيّ لكل شخصيّة بالفيلم مع اهتمام كبير بفكرة المكان التي كان هو نفسه مولعاً بها

ورغم أنّ خان عملَ تحت ظروف واقع مماثل تماماً لمخرجين أمثاله كداوود عبد السيد أيضاً بالإضافة، كما ذكرت، لعاطف الطيب، إلّا أن عبد السيد مختلف عن الاثنين السابقين، قد نحا منحىً مركّباً تميّز به عن كلّ أقرانه في السينما المصريّة؛ تلك الوجوديّة والنزعات الذاتية والخوف من الوحدة ومساءلة السلطة الدائمة والتفكير في قدرات غير عادية للتمكن من العيش في عالمٍ، أو واقعٍ، غير عادي.

ما قصدته من تلك المقارنة هو تفكيك الغموض الذي يكتنفُ هذه التسمية التي تمّ إلحاق الراحل محمد خان بها، ليس دفاعاً عنه ولا كرهاً في المخرجين الآخرين. وإنّما الأمر أنّ لكلٍّ عالماً "عالم حياة"، إذا استعرنا من الفلسفة، خاصاً به، يقوم بصناعته واستلهامه في آنٍ واحد. عوالم خان السينمائيّة رغم أنها واقعة تحت ضغوطات فترة عصيبة مرت بها مصر من تحوّل جذريّ نحو النيوليبرالية وإضعاف المجال العُمّالي، والإفقار الملاصق لكل سيرورات اللبرلة الجديدة، مثله مثل مجايليه تماماً، إلّا أنّه يحاول دائماً ابتكار عالم ذاتيّ لكل شخصيّة في الفيلم، مع اهتمام كبير بفكرة "المكان" التي كان هو نفسه مولعاً بها. ولذا، فأفلام خان هي شخصيات سحريّة بأماكن واقعية، واقعية جداً.

"سوّاق الأتوبيس" 1982

عودة مواطن.. الشهادة على الخراب

لا أحد ممّن يشاهد سينما محمد خان، إلّا ويلمس دائماً عشقه للمدينة، ولتفاصيل المكان. هناك ولع لدى خان في إظهار بيئة العمل الذي يقوم به، ليرفعها إلى درجة من الفانتازيا الواقعية، وكأنّك للمرة الأولى تجترح مشاهدة هذا المكان، رغم أنك تعيش فيه. خان مولع بالمدينة ولما لها من سطوة في البعد النفسيّ. ومع كون خان يظهر لنا القاهرة التي نعرفها، لكننا لا نعرفها في الآن نفسه، إلا أنه متميز عن يوسف شاهين، الذي يخلق مدينة لا تمت لنا بصلة في أغلب أعماله، لا سيما الثلاثية.

خان وضع المصريين أمام ثلاثة خيارات ما تزال إلى الآن ويبدو أنّ ما يتحكم فيها هو الظرف الاقتصادي

رغم هذه الملاحظة العامة والاستباقية، إلا أنني أود التركيز على فيلم خان "عودة مواطن" 1986، والذي أراه من أنضج أعمال خان، هو "الحرّيف". ففي "عودة مواطن"، نحن نلمس البعد الاقتصادي للقاهرة التواقة إلى الكزومبوليتانيّة، وانخراطها في المشروع النيوليبرالي، وما لحق به من تبعات ما يزال الوضع المصري يرزح تحتها.

يعود يحيى الفخراني "شاكر" من دولةٍ خليجيّة "قطر"، بعدما كوّن مبلغاً جيداً من المال، على نية الاستقرار في مصر. ويكون الفيلم هو عبارة عن تغيرات المدينة، الاقتصاد والذوات أنفسهم؛ من خلال رؤية العائد من الخليج، الشخصية المألوفة التي ذهبت في الثمانينيّات لتكوين ثروة صغيرة تضمن لها البقاء في الطبقة الوسطى في مصر حينها.

اقرأ أيضاً: مصر: سينما الغيبوبة إذ تصادر أشواق الإنسان البسيط

ستكون أسرة العائد هي موطن تركيز خان، حيث سيجد أن الفضاء الذي ترك إخوته فيه نفسه قد تغيّر. لا أريد أن أسرد الفيلم. بيد أنني أودّ أن ألمح إلى أنّ خان من خلال الشخصيات التي رسمها، برأيي، رافقتنا إلى يومنا هذا، مع تعديلات زمانية بكل تأكيد.

"الحريّف"

حاول خان في "عودة مواطن" التغلل في البعد الاقتصاديّ وكشف الزيف الذي ميّز تجار العمارات الذين سرقوا، بالتضليل، أمواله على أساس أن يستلم شقة كانت مباعة لعشرة أشخاص غيره. أما أخوه مهدي "أحمد عبد العزيز" فهو فريد في تمثله لدور الشاب الذي يتعاطى أدوية اكتئاب احتجاجاً على الواقع، ويدخن بشراهة، ولا يهتمّ لشيء. حاول خان رسم صورة مهدي على هيئة الخريج الذي لا يجد عملاً "آثار الخصخصة والنيوليبراليّة"، والذي يرفض الزواج لأخته لا لشيء إلا لأن "فكرة الزواج خاطئة حتى ولو معك ملايين. الزمن دا لا يمكن حد يكون فيه مبسوط"، لأننا كمصريين سنصل إلى مئة مليون شخص. "أنت عارف يا شاكر لما نبقى 100 مليون دا معناه ايه؟ إن الناس تاكل بعضها. يرضيك شعب عريق زينا يبقى من أكلة لحوم البشر؟"، يسأل مهدي أخاه شاكر.

واقعيّة محمد خان السحرية ترسمُ شخصيات تشبهنا شخصيات تخطئ وتصيب غير منطوية داخل أحلام كبرى

أما الأخ الثاني إبراهيم "شريف منير" فمتفائل، يحب الحمام الزاجل، الذي سنعرف فيما بعد أنّه يساريّ مثله مثل خاله المسجون السياسيّ السابق، يجد أمانه ووظيفته الاجتماعية في التواصل مع تيار يساري عبر الحمام. ويلفت خان النظر أيضاً إلى البعد التحرري للمرأة في ضوء الشرط المعولم، بحيث ستعيش أخته الكبرى مع عشيقها، وستتزوج أخته الأخرى، وسيودع مهدي في مصحة نفسية يلعب الشطرنج ويرى بعقلانيّة أن المصحّة أكثر راحة من الواقع، وسيُزج بإبراهيم في غياهب أمن الدولة. وستتفكك الأسرة ذات الطبقة الوسطى، ليحتار هذا العائد، شاكر، في فهم الطبيعة الجديدة التي حلّت بالمكان.

إنّ خان وضعنا كمصريين أمام ثلاث خيارات ما تزال إلى الآن، ويبدو أنّها خيارات كلّ ما يتحكم فيها هو الظرف الاقتصادي.

-الشخص العاطل رغم حصوله على شهادة، أو المصحة النفسيّة كأفق من ضيق القاهرة العجوز.

-التمرّد الجذريّ كسبيل حتميّ للسجن.

-العودة إلى الخليج كمجال للعمل وللقبض بالدولار والانخراط في الطبقة الوسطى "الهادئة سياسياً".

ولذا، فالحقيقة أن "عودة مواطن" هو عمل عظيم في أنّه يعبّر عن خرابنا، وعن المدينة المتحولة، التي تأكل من نفسها ومنّا كل يوم شيئاً.

 "عودة مواطن" 1986

"خرج ولم يعد": الريف كفردوس

وفي عمل مميّز آخر لخان، ألا وهو فيلم "خرج ولم يعد" (١٩٨٤)، سنجدُ الثيمةَ نفسها في التركيز على المكان، وخرابه المستمرّ، والبطل الذي ينحدر به الحال يوماً فيوماً، مثله مثل سقف بيته المتهالك الذي وقعِ بالفعل وانهدّ البيت على مَن فيه. في "خرجَ ولم يعد"، يكون عطيّة (الفنان الكبير يحيى الفخرانيّ) موظفاً كلّ طموحه أن يكون مديراً عامّاً في يوم (حلم أبيه الذي مات دون أن يحققه، ووعده شاكر، كما حكى لليلى علوي في الفيلم، بأن يموت مطمئناً بأنّه سيكونه)، وكلّه أمل أن يحصّل شقة ليتزوج الفتاة التي خطبها لسنواتٍ دون جدوى، مما يضطره إلى السفر إلى الرّيف، حيث أصله، ليبيع قطعة الأرض التي كانت ميراثاً حتى يحصّل شقة.

اقرأ أيضاً: داوود عبد السيد: تحويل الأدب إلى السينما "افتراس"

"خرجَ ولم يعد" هو مشهديّة تامّة، وليس فيلماً، هو كاميرا متنقّلة توضّح المعاناة والبؤس غير العاديّ الذي يحياه إنسان مفرط جداً في عاديّته. فبعد وصوله إلى الريف، وحدوث حكايات كثيرة، يقع في حبّ خيريّة (ليلى علوي)، والريف، والعيش في بيت الأكّيل الكبير كمال بك (فريد شوقي) الذي ستكون رمزيّة الأكل الشّره في بيته لها ما لها مما حاول محمد خان بإبداع تصويره.

اقرأ أيضاً: هل يمكن أن تصنع السينما إرهابياً حقيقياً؟

الريف ببساطة، في هذا الفيلم، هو الجنّة التي يعود إليّها الإنسان، والمدينة هي الأرض، بكلّ ما عليها. "خرجَ ولم يعد" هو كفرانٌ بالأرض، أو ملل من الإقامة فيها، وضجرٌ من هذا الركام البشريّ والسكانيّ والعمران المتهالك. ويبدو أنّنا لا نعود للقرية أو الريف، بل هي شرط تصوّرنا لحياة أهدأ وأقلّ ظلماً وعنفواناً من المدينة الطائشة والظالمة والتي تتجلّى فيها الفروقات الطبقيّة بشكل مزرٍ.

اقرأ أيضاً: فلسطين عرفت دور السينما منذ مئة عام وأنتجت أفلاماً رغم المآسي

إلّا أنّ المهمّ في هذا الفيلم الجميل جداً هو اكتشاف ما أخذته المدينة منّا، لدرجة أنّ الأكل -حتى ولو بشراهة- هو أمر مستغرب بالنسبة إلى عطيّة القادم من المدينة؛ فالأكل في الريف سلوك دائم، وعاديّ، ويحصل بشكلٍ أليف وحميميّ. بينما المشهد كان مستغرباً بالنسبة إلى عامل مدينيّ قاهريّ لأنّ القاهرة هي كلّ ما ليس ذلك ببساطة. هي العزلة الضروريّة عن الطقوس الجماعيّة هذه مثلاً، وهي سعي لا يهدأ بين المكتب (الوظيفة) والمكان العامّ (الشارع الذي تغمره مياه المجاري) والبيت (الذي سينهدّ عمّا قريب لرثاثة بنائه)، وما بين ذلك كلّه حياة فرديّة مليئة بالبؤس والفقر واللاحميميّة.

اقرأ أيضاً: كيف خدمت السينما أعمال إحسان عبدالقدوس؟

إذا كان خان، الذي أخرجَ لنا كلّ هذه الأفلام العظيمة قد أنجز شيئاً يستحق، وهو فعل الكثير من الأشياء، لا شيء واحد، فهو أنّه درّبنا على رؤية المكان، وعلى الإنصات للشخصيات، والتصالح مع عاديّتنا تماماً، مع هؤلاء الذين يشبهوننا في المقهى والبيت والوظيفة.

للمشاركة:

ما الإشكاليّات التي تواجه اللغة العربية في ظل العولمة؟

صورة عمر الرداد
كاتب وخبير أمني أردني
2019-08-01

يتّسع الدرس اللغوي اليوم، ليتجاوز معيارية اللغة ونظريات الصرف والنحو (المعيارية) للغة العربية، وأصبح يشمل قضايا مرتبطة بما يعرف بالنقد الثقافي، ومن بينها بحث أثر العولمة والتكنولوجيا، وغيرهما من الظواهر المستجدة على اللغة العربية، في ظلّ مفاهيم علم اللغة الاجتماعي، التي تؤكّد أنّ اللغة هي تعبير وصورة حقيقية لماضي المجتمعات وموروثها، من عادات وتقاليد ومُثل وقيم وأديان، وارتباطها بمفاهيم الهوية والمقدس، وتمظهرها بوصفها عنوان أية أمة.

اقرأ أيضاً: إلى أي مدى طوعت جماعات الإسلام السياسي اللغة لصالح مشروعها؟

وتكتسب اللغة أهميتها في ميدان الاتصال؛ كونها الأداة الأساسية التي من خلالها يمكن توحيد المفاهيم، الأفكار، ونقل التكنولوجيا وتوطينها، لدرجة أصحبت معها مقولة: "من يستطيع تسويق لغته، بقوة وجدارة، يستطيع أن يسوّق منتجاته وبضائعه"، كما ينظر للغة من حيث قوتها وسيادتها، كونها أحد أبرز مظاهر الاستقلال والحرية.

تشير دراسات إلى أنّ ما بين 3 إلى 4 آلاف لغة ستختفي خلال القرن الواحد والعشرين بسبب العولمة

إنّ المفاهيم السابقة تعطي مؤشراً واضحاً على واقع اللغة العربية اليوم؛ إذ بفقدانها فقد العربي استقلاله، وهو ما أدركته قوى تعاقبت على استعمار العرب في العصور الحديثة، بدءاً من الجمعية الطورانية التركية في أوائل القرن الماضي؛ التي شكّل "تتريك" العرب واستبدال اللغة العربية بالتركية، جوهر أهداف هذه الجمعية التي قامت على أساس قومي، فيما يتم النظر اليوم لاستخدام القوة الناعمة في تحويل العرب عن لغتهم الأم إلى اللغة الإنجليزية، أحد أبرز مظاهر الغزو الثقافي الغربي، وخاصة الأمريكي، وهي مقاربة، حريّ بالدارسين التوقف عندها، في ظل حقيقة أن هناك الكثير من الولايات الأمريكية (الجنوبية) تتحدث الإسبانية، فيما تتحدث كندا الإنجليزية إلى جانب الفرنسية، ودون أن ينعكس ذلك سلباً على الانتماء الثقافي لسكان أمريكا وكندا، وهو ما يدعو للتساؤل عن حقيقة كون اللغة إحدى أدوات التصدي للخارج.
وفي ظلّ ما يوصف بـ (سطوة) العولمة وعمق تأثيرها؛ فإنّ دراسات موثقة تشير إلى أنّه ما بين ثلاثة آلاف إلى أربعة آلاف لغة ستختفي خلال القرن الواحد والعشرين، خاصّة في القارة الأوروبية.

اقرأ أيضاً: 3 طرق لتطوير مهارات الكتابة باللغة الإنجليزية.. عليك تعلمها
من هنا، فإنّ الدراسة تنطلق من التوقف عند المفاصل الأساسية، التي تشكّل معايير حقيقية يمكن الركون إليها، في استجلاء حقيقة تأثيرات العولمة على اللغة العربية، في ظلّ سيادة رؤية أحادية تزعم أنّ اللغة العربيّة في خطر، وأنّها تخوض حرباً ضروساً بمواجهة العولمة، التي تستهدف اقتلاعها من جذورها، وبالتالي التأثير على القرآن الكريم، وهو الكتاب المقدّس ليس عند العرب فقط، بل عند كلّ المسلمين.
من يستطيع تسويق لغته، بقوة وجدارة، يستطيع أن يسوّق منتجاته وبضائعه

اللغة العربية والعولمة
تهدف هذه الدراسة لاستجلاء آثار العولمة، السلبية والإيجابية، في اللغة العربية، ومدى انتشار لغة الضاد، وتقلّصها أمام اللغات التي تمثل القوى الفاعلة والرائدة في العولمة (الإنجليزية والفرنسية)، وما يوصف بأنّه حرب داخلية تُشنّ من قِبل بعض أبناء اللغة العربية على اللغة الفصحى، بالمطالبة بتقنين اللهجات المحلية في الأقطار العربية، بوصفها واقعاً معيشاً، وبديلاً عن اللغة الفصحى، والشبهات حول ارتباط بين الدعوات بالمستشرفين ودوائر غربية تستهدف الأمة العربية، وتاريخها، ولغتها.

اقرأ أيضاً: اللغة كترياق: هل يمكن تأسيس فلسفة دين استناداً إلى اللغة؟

تكمن أهمية الدراسة في استجلاء مدى إدراك الباحثين والدارسين في العالم العربي، للجوانب الإيجابية والسلبية للعولمة على اللغة العربية، والوصول إلى خلاصات علمية، تبيّن وفق منهجية الدراسة، حقيقة الأفكار والأحكام والمواقف تجاه هذه القضية، خاصة أنّ غالبيتها تتّخذ موقفاً سلبياً من العولمة، وتنظر لتأثيرات العولمة في اللغة العربية، بأحكام مسبقة، تعكس في جوهرها أبعاداً ثقافية ونفسية تجاه الآخر المستعمر، الذي يستهدف الأمة ولفظها وتاريخها وإرثها الحضاري.

التباكي على اللغة العربية مرتبط بمواقف مسبقة من الآخر، دون تقديم بدائل وحلول للتكيف لا المواجهة

تطرح الدراسات جملة من الأسئلة، بوصفها إشكاليات تواجهه اللغة، وتأمل أنّ الإجابات عليها ستشكل مفاتيح لدراسة الظاهرة، واكتشاف حقيقة هذا التأثير للعولمة على اللغة العربية:
1.  ما هو واقع اللغة العربية، مقارنة مع اللغات الأخرى؟
2.  هل هناك إيجابيات للعولمة، يمكن أن تنعكس إيجاباً على اللغة العربية، من ناحية زيادة انتشارها واستخدام التطبيقات الحاسوبية التي تشكل الأداة الرئيسية للعولمة؟
3.  هل هناك سلبيات للعولمة، تؤثّر في اللغة العربية؟ وهل هناك إمكانية للتعامل مع تلك السلبيات وتقليل آثارها ومخاطرها على اللغة؟

اقرأ أيضاً: علاء خالد: اللغة تتشكل في لحظة انهيارها

تنطلق الدراسة من فرضية أنّ العولمة، وبقوة مظاهرها وأدواتها، أثّرت سلباً في اللغة العربية، رغم أنّ هناك إيجابيات لتلك العولمة، لكن لم يُحسن العرب استخدامها، وذهبوا للتعامل مع العولمة وأداتها التكنولوجية، بما يخدم (الثوابت المقدسة)؛ بدلالة أنّ المحتوى العربي على الشبكة العنكبوتية، يغلب عليه طابع التطرف، وإنتاج (قواميس) جديدة تحفل بخطابات مليئة بالكراهية، ونبذ الآخر، وشيطنته، وأنّ التباكي على اللغة العربية مرتبط بمواقف مسبقة من الآخر، دون تقديم بدائل وحلول للتكيف، لا المواجهة.

اعتمدت الدراسة مقاربة المدخلات والمخرجات؛ أي دراسة ما أدخلته العولمة على اللغة العربية من تأثيرات إيجابية أو سلبية، وكيف تعاملت اللغة العربية، من خلال القائمين عليها والناطقين بها مع بعض المدخلات.

العولمة أثّرت سلباً في اللغة العربية

الفصل الأول: الإطار النظري:
- مفهوم الإشكالية.
- مفهوم العولمة.
- مفهوم اللغة.

الفصل الثاني: مظاهر تأثر اللغة العربية بالعولمة.

الفصل الأول
الإطار النظري
•  الإشكالية.
• العولمة.
•  اللغة.
أولاً: الإشكالية:
الإشكالية في اللغة مشتقة من الفعل (شَكَل)، وقد جاء في مقاييس اللغة لابن فارس: الشين والكاف واللام، معظم بابه المماثلة، تقول هذا شكل هذا؛ أي مثله، ومن ذلك أمر مشكل كما يقال أمر مشتبه؛ أي هذا شابه هذا، وهذا دخل في شكل هذا، ومن باب الشُّكلة: وهي حمرة يخالطها بياض، ويسمّى الدم "أشكل" للحمرة والبياض المختلطين منه.

من أبرز مظاهر تأثير العولمة في اللغة العربية طرح تساؤلات على نطاق واسع حول جدلية العلاقة بين الفصحى والعامية

وفي لسان العرب؛ الشكل بالفتح: الشّبه والمثل، والجمع أشكال وشكول، وخلاصة القول: في المعنى المعجمي لمادة (ش. ك. ل) معان عدة، مشتركها الالتباس والاختلاط.
أما الإشكال، فهو الالتباس، ويطلق على ما هو مشتبه، وفي الموسوعة الفرنسية؛ الإشكالية هي: سمة أو قضية قد تكون صحيحة.
والإشكالية في تبني القضية التي يمكن الإقرار بها بالإثبات أو النفي، أو أنّها تحمل النفي والإثبات معاً، وتستبطن غموضاً وتعدداً في الحلول، وهو ما يميزها عن المشكلة التي تحتمل إجابات مغلقة وحاسمة، قد تكون صحيحة أو خاطئة.
ووفق مفهوم "الإشكالية"، بوصفها القضية التي تحتمل إجابات مفتوحة، قد تحمل النفي والإثبات، ذهب الباحث إلى وصف ما تواجهه اللغة العربية في ضوء العولمة بالإشكالية استناداً لكونها قضية مفتوحة، وأن تأثيرات العولمة على اللغة العربية تؤكد أنّ هناك جوانب إيجابية، لم يتم استثمارها واستخدامها، وهناك سلبيات، يبدو أنّها الأكثر وضوحاً، وكلّ من السلبيات والإيجابيات يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمواقف ومقاربات وأفكار مُصدر هذا الحكم أو ذاك، تجاه العولمة والآخر، وهواجسه من العولمة ومخاوفه على اللغة العربية بوصفها لغة مقدسة.

سيطرة الشقّ الاقتصادي في العولمة، جعل غالبية تعريفاتها مرتبطة بهذا الشقّ

ثانياً: العولمة
تتعدّد تعريفات العولمة، وتخلط تلك التعريفات بين العولمة بوصفها مفهوماً، ومظاهرها وأدواتها، وتكاد تركز على الجوانب الاقتصادية، ومفهوم الشركات المعلومة، متعددة الجنسيات، بما يضفي مفهوماً قاصراً لها؛ إذ إنّها تغطي كافة مظاهر حياة المجتمعات: السياسية، والاقتصادية والاجتماعية، والثانية؛ فهي نظام عالمي جديد تقوم على العقل الإلكتروني، والثورة المعلوماتية والاتصالية، والإبداع التقني، دون النظر إلى الحضارات والثقافات والقيم السائدة في المجتمعات والحدود الجغرافية، "وهي كذلك" القوى التي لا يمكن السيطرة عليها من أسواق الدولة والشركات متعددة الجنسيات، التي لا سلطة لأية دولة قريبة عليها.
وذهب آخرون إلى أنّها: "عملية إخضاع العالم بأكمله لأنماط واحدة في السياسة والاقتصاد والثقافة".

اقرأ أيضاً: تعليم اللغة العربية في كندا ثغرة تتسلل منها جماعات الإسلام السياسي
إنّ سيطرة الشقّ الاقتصادي في العولمة، جعل غالبية تعريفاتها مرتبطة بهذا الشقّ، كون انتقال البضائع والسلع، وبمفاهيم السوق الحرّ، تشكّل أبرز عناوين العولمة وتمظهراتها، فيما يتحدث آخرون حول الشقّ السياسي للعولمة؛ كونها وصفة استعمارية جديدة تقضي على مفاهيم السيادة الوطنية للدول، من خلال ترسيخ مفاهيم الديمقراطية وحقوق الإنسان وحريات الأفراد والمجتمعات، وهو ما يعني، بحسب رأيهم، القضاء على السيادة الوطنية لصالح الولاء والانتماء لمؤسسات وأفكار عالمية فوق وطنية.

مقولة: اللغة العربية في طريقها للاندثار مثل كثير من اللغات غير دقيقة

ولكن في المقابل؛ هناك من يبشّر بفوائد العولمة، ومنهم الكاتب الأمريكي (فوكوياما)؛ الذي يرى أنّ العولمة ستقرر شعوب الأرض لتوافق تدريجي لكافة التناقضات بين الشعوب.
ويستند مؤيدو العولمة، ومعارضوها، إلى جملة من المظاهر التي تشكّل نتائج للعولمة؛ حيث يرى المؤيدون أنّها ستعمل على: تقريب الاتجاهات العالمية، وزيادة وإنعاش الاقتصاد العالمي، والإنتاج المحلي للدول، في إطار تنافسية حرة، وحلّ المشكلات الإنسانية؛ كأسلحة الدمار الشامل، والبيئة، والمناخ، وفي المقابل؛ يرى معارضوها أنّها تثبت هيمنة الاقتصاد الأمريكي، والتحكم في قرارات الدول لصالح أمريكا، وتدمر الهويات الوطنية ونسيجها الاجتماعي، وتجعل الدول النامية مكشوفة، من خلال تعزيز الصراعات الإثنية بين شعوبها، وتساعد في انتشار الفوضى والجريمة المنظمة والنزاعات المسلحة.
ومن الواضح أنّ وجهتَي النظر تستبطنان ما يؤيدها وما يرفضها؛ فعلى سبيل المثال: إنّ اقتصاديات الصين والهند والبرازيل المتصاعدة، والمتفوقة، أو المنافسة بقوة لاقتصاديات أمريكيا وأوروبا، تجعل مقاربة أنّ العولمة ما هي إلا سيطرة أمريكية على العالم موضع شكّ، فيما تحوّلت بعض الدول إلى طريق الديمقراطية، بدلاً من الحكم الدكتاتوري الشمولي، كما في ليبيا والعراق، رغم أنّ ديمقراطية هذه الدول ما تزال في مرحلة تحولات عميقة، وقد جهد مفكرون في التمييز بين العولمة والعالمية؛ حيث يقول محمد عابد الجابري: إنّ "العالمية تفتح العالم على الثقافات الأخرى والاحتفاظ بالاختلاف الثقافي والخلاف الأيديولوجي، أما العولمة؛ فهي نفي للآخر، وإحلال للافتراق الثقافي".

ثالثاً: اللغة
يختلف مفهوم اللغة باختلاف نظرة معرفيها وتصورهم لوظائفها؛ فهي عند ابن جنى: "أصوات يعبّر بها كلّ قوم عن أغراضهم"، وهذا التعريف يؤكد الطبيعة الصوتية للغة، ووظيفتها الاجتماعية في التعبير ونقل الفكر. أما تراجر، فتعرفها: بأنّها "نظام من الرموز المتعارف عليها، وهي رموز صوتية متعارف عليها، يتفاعل بواسطتها أفراد مجتمع ما في ضوء الأشكال الثقافية الكلية عندهم".
ويعرفها تشومسكي، صاحب نظرية النحو التوليدي، بقوله: "اللغة مجموعة من الجمل المحددة، أو غير المحددة، يمكن بناؤها من مجموعة محددة من العناصر".
وترتبط اللغة بالعديد من الوظائف، أبرزها: (النفعية، التنظيمية، التفاعلية، الاستكشافية، التخيلية، البيانية، والشعائرية).

اقرأ أيضاً: اللغة وكيفية الإفادة من الحُزم الرّمزية
وبموازاة ذلك؛ ترتبط اللغة ارتباطاً وثيقاً بالمفهوم التواصلي؛ حيث إنّها بنية تعتمد على عدد من المراحل، كما وصفها "جاكبسون"، هي: مرحلة تكوين الرسالة، وإطلاقها من خلال أصوات، وتلقّي تلك الأصوات في المرحلة الثانية من قبل المتلقي، ومن ثم القيام بعمليات تحليل الرموز التي تضمنتها تلك الأصوات بوصفها شيفرات، تحليلاً صرفياً ونحوياً ودلالياً.
من هنا، فإنّ أهمية التعاطي مع المفهوم التواصلي للغة العربية، كون اللغة تحمل رسالة، تحظى بأهمية أكبر في هذه المرحلة، خاصة أنّ اللغات العالمية تطورت بهذا الاتجاه، ما مكّنها من الوصول إلى أوسع القطاعات؛ بمن فيهم غير الناطقين بها أصلاً، مقابل جمود اللغة العربية وتوقفها عند المعنى المعجمي، الذي يمتدّ عمره لأكثر من ألف عام مضى؛ لذا فإنّ التساؤلات حول قدرة اللغة على حمل تلك الرسالة، في ضوء تغول لغات أخرى عليها، بما في ذلك السؤال فيما إذا كان القصور من اللغة ذاتها، أو من القائمين عليها، يبدو مقبولاً اليوم، رغم عدم القدرة على الوصول إلى إجابات شافية.

كافة اللغات الحيّة تواجه التحديات ذاتها، بمستويات متفاوتة

الفصل الثاني
مظاهر تأثّر اللغة العربية بالعولمة

لا تواجه اللغة العربية وحدها التفاعل والتحديات للتعامل مع العولمة؛ حيث إنّ كافة اللغات الحيّة تواجه التحديات ذاتها، بمستويات متفاوتة، تعكس مدى تفهم الناطقين بأيّة لغة، والعلاقة بين أية لغة والعولمة، يحدّدها مستقبل تلك اللغة وتطويرها، واحتمالات بقائها أو تراجعها أو اندثارها، والذي يعكس بالضرورة احتمالات بقاء أو تراجع أو اندثار الناطقين بها، وامتلاك القوة الذاتية والقدرات التقنية والعلمية، تشكّل أدوات مهمة في المواجهة المفترضة بين الأقوى والأضعف، من هنا؛ فإنّ تطوير اللغة العربية وجعلها لغة عصرية أصبح ضرورة مرتبطة بمستقبل الناطقين بها.

اقرأ أيضاً: اللغة الصينية في السعودية
وبعيداً عن الأحكام المسبقة؛ فإنّ للعولمة إيجابيات على اللغة العربية، في إطار العولمة الثقافية التي تهدف إلى الانتقال بالأفكار والثقافة من المحلية إلى العالمية، على أساس الحرية في انتقال الأفكار والقيم والاتجاهات والقيم، رغم أنّ هذه اللغة لم ترتقِ إلى أن تكون لغة عالميّة، لكنّ اللغة العربية استفادت من التقنيات التكنولوجية والوسائل السمعية والبصرية الاتصالية، وتحديداً في تعليم اللغة العربية، كما أسهم انتشار الفضائيات، بما فيها الأجنبية الناطقة باللغة العربية في نشرها، بما تبثّه من برامج ثقافية واجتماعية ومسلسلات مدبلجة، وأصبحت اللغة العربية مطلباً للشعوب والأمم الأخرى، خاصّة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001؛ إذ تزايد الإقبال على تعلّم اللغة والثقافة العربية، وازدادت أعداد المعاهد والأكاديميات التي تدرس اللغة العربية لغير الناطقين بها.

تشير توقعات مستشرقين إلى أنّ اللغات العالمية ستندثر باستثناء الإنجليزية والإسبانية والصينية والعربية

ومع ذلك؛ فإنّ تلك الإيجابيات ستبقى مرهونة بظروف محددة تضمن الابتعاد عن التطرف والتعصب، وتنمية الفكر بروح عصرية، يتم خلالها التحرر من الرواسب والأنساق المغلقة، وانفتاح المدارس والجامعات ودور العلم على الآخر، وهو ما يؤشّر إلى صعوبة المهمة؛ كونها مرتبطة بجهات عديدة، رسميّة وشعبية.
أما سلبيات العولمة على اللغة العربية؛ ففي ظلّ سطوة العولمة وجبروتها، بدأت تدخل الكثير من الألفاظ الإنجليزية إلى العربية، ويتم التعامل مها باعتبارها عربية (كنتاكي، ماكدونالدز، ببايز، فاستافود، سوبر ماركت، تلفون، إنترنت، إستراتيجية، أكاديمية، كمبيوتر، تاكسي، ماسج، موبايل، فورمات، ...إلخ)، وشيوع استخدام التقويم الميلادي، حتّى أنّ المركبات والوثائق والصحف والفضائيات جميعها تستخدم الإنجليزية والفرنسية، ويتعدى الأمر ذلك لاستخدام الشباب العربي لغة خاصة أثناء استخدام الإنترنت (عربيزي)، ورغم أنّ كثيرين يربطون استخدام الشباب العربي للغة جديدة بنوازع التمرد الاجتماعي عند هذه الفئة، غير أنّ أحداً لا يقرّ بالمقاربة التي تقول إنّ اللغة العربية، وفي ظلّ حالة "الجمود" وعدم القدرة على تطويرها، بما يجعلها مقبولة، وتزويدها بأسباب القوة لمجاراة العصر، فإنّ الشباب العربي ذهب للبديل الأسهل والذي توفره التكنولوجيا.
كما أنّ الكتابة باللغة العربية من خلال الإنترنت تواجه تحديات في ظلّ عقبات متعددة ومتنوعة، منها: تعدّد صيغ الحرف العربي والكتابة العربية وعلامات الترقيم، كما أنّ ارتباط الكلمات في اللغة العربية بالجذور الثلاثية يُصعّب إدخالها في برامج الكمبيوتر؛ حيث إنّ اللغات الأخرى تعتمد صيغة الفعل أو الاسم المجرور.

اقرأ أيضاً: اللغة الإنجليزية في خطر.. هذا هو السبب
ولعلّ أبرز مظاهر تأثير العولمة في اللغة العربية، تكمن في طرح تساؤلات على نطاق واسع حول جدلية العلاقة بين اللغة الفصحى والعامية ومفاهيم الازدواجية والثنائية في اللغة، وفيما إذا كانت الفصحى عاجزة عن إيصال الأفكار والمعاني للجمهور، وإذا ما كانت الفصحى معقدة وصعبة لدرجة ألّا يستطيع الجمهور فهمها؟ إضافة إلى تساؤلات أخرى مرتبطة بالعلاقة بين اللغة والهوية، وأنّه مع ما يوصف بضياع اللغة العربية؛ فإنّ الهوية الجامعة للأمة معرضة هي الأخرى للضياع.

إنّ فرضية أنّ اللغة العربية مستهدفة في إطار غزو ثقافي في حاجة إلى إعادة نظر

النتائج
إنّ فرضية أنّ اللغة العربية مستهدفة في إطار غزو ثقافي في حاجة إلى إعادة نظر، خاصة أنّها مرتبطة بالعولمة، كما أوضحنا، تلك العولمة التي يواجه مُطلقها المفترض، وهو أمريكا وأوروبا، ذات التحديات التي تواجهها الدول الأخرى؛ إذ يبدو أنّ مقولة: "العولمة (حصان) لم يعد صاحبه قادراً على أن يضبطه بعد فكّ لجامه"، تخطئ بشيء من الموضوعية.

اقرأ أيضاً: اللغة بين نمطين من التفكير.. هل "العربية" استثناء؟
ويبدو أنّ هناك مصداقية في فرضية البحث المتضمنة أنّ آثار العولمة السلبية في اللغة العربية أكبر من آثارها الإيجابية، لأسباب أبرزها: أنّ الناطقين بهذه اللغة، من عرب ومسلمين، هم في آخر سُلّم الأمم في المعرفة والقوة السياسية والاقتصادية والعسكرية.
أما الإيجابيات؛ فرغم استثمار الأداة التكنولوجية والإنترنت، إلا أنّ ذلك أسهم في شيوع اللهجات العامة، خاصة في البرامج الإعلامية، من مسلسلات وغيرها، غير أنّ الأخطر فيها هو شيوع العامية في برامج الأطفال.
ومع ذلك؛ فإنّ مقولة: "اللغة العربية في طريقها للاندثار، مثل كثير من اللغات"، هي مقولة غير دقيقة، خاصة أنّ تلك اللغة ما تزال هي اللغة الرسمية للدول والحكومات العربية، كما أنّها لغة الدين وخطباء وروّاد المساجد، هذا إضافة إلى توقعات تصدُر عن مستشرقين تشير إلى أنّ اللغات العالمية ستندثر باستثناء (الإنجليزية، الإسبانية، الصينية، والعربية).

اقرأ أيضاً: نحو منهاج يُخرج تعليم اللغة العربية من جمود التقليد
إنّ الاعتراف بحقيقة أنّ اللغة بمعياريتها ومعجميتها التي بنيت قبل ألف عام، غير قادرة على الاستجابة لتطورات العصر، تعدّ ضرورة قومية للبدء بالبحث عن حلول فاعلة وقابلة للتطبيق، للحفاظ على اللغة، وإعادة فحص المزاعم حول علاقة اللغة بالمقدس، وإنّ تحديث اللغة العربية لا يعني  استهداف القرآن الكريم، ولعلّ التساؤل المطروح: كيف يمكن فهم القرآن الكريم بالنسبة إلى متلقٍّ لم يعد يفهم هذه اللغة؟ كما أنّ إصرار مجامع اللغة العربية في الدول العربية على الالتزام باللغة العربية الفصحى، وعدم القدرة على توفير بدائل تستجيب لمنطق العصر، مدعاة لإعادة النظر بالقائمين على تلك المجامع، وإنتاج مناهج وطرق جديدة للخروج بحلول توافقية تضمن الاحتفاظ بالمعنى، والتوقف عن اتخاذ موقف معادٍ ورافض للهجات العامية.


المصادر والمراجع:
1.  أبو زعرور، محمد سعيد بن سهو، 1998، العولمة، ط 1، دار البارق، الأردن.
2.  جابري، محمد عابد، 1997، قضايا في الفكر المعاصر، ط 1، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت.
3.  حديثي، مؤيد عبد الجبار، 2002، العولمة الإعلامية، ط 1، الأهلية للنشر، عمان – الأردن.
4.  حسين، عدنان السيد، 1998، نظرية العلاقات الدولية، منشورات الجامعة اللبنانية.
5.  الجناوي، مصطفى محمد، واقع لغة الإعلام المعاصر، دار أسامة للنشر، عمان – الأردن، 2011.
6.  خطيب، أحمد شفيق، المواصفات المصطلحية وتطبيقاتها على اللغة العربية، المنظمة العربية للثقافة والفنون، الجامعة العربية، تونس.
7.  عايد، حسن عبد الله، 2004، أثر العولمة في الثقافة العربية، ط 1، دار النهضة، بيروت.
8.  فريحة، أنيس، في اللغة العربية وبعض مشكلاتها، ط 1، دار النهار، بيروت.
9. مجاهد، أسامة أحمد، اللغة والهوية والتفاعل الثقافي، منشورات جامعة القاهرة.
10. ناهدة محمد محمود، اللغة العربية والتحديات، كتاب المؤتمر الدولي الثاني "اللغة العربية في قطر"، دبي، 2013.
11. مرتاض عبد الجليل، اللغة والتواصل، دار هومة للنشر والتوزيع، الجزائر.

للمشاركة:



هل تعتزم إيران شنّ هجمات عسكرية في العراق؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-18

يحشد الحرس الثوري الإيراني قواته قرب الحدود مع إقليم كردستان العراق، ما يرجّح تحضيره لعمليات عسكرية داخل قرى عراقية.

وأفادت المصادر، التي نقل عنهم موقع "السومرية" الإخباري؛ بأنّ "قوات تابعة للحرس الإيراني بدأت تتجمع بشكل لافت خلال الأيام القليلة الماضية، قرب الأراضي العراقية في إقليم كردستان".

الحرس الثوري الإيراني يحشد قواته قرب الحدود مع إقليم كردستان العراق لاستهداف جماعات كردية معارضة

وبيّنت أنّ "الحشد الإيراني الجديد يؤشر إلى احتمال وجود مخططات إيرانية لتنفيذ عمليات عسكرية داخل قرى عراقية حدودية في الإقليم".

وأضافت: "هذه العمليات تأتي رداً على هجمات نفذتها أجنحة كردية مسلحة معارضة ل‍طهران انطلقت من مناطق عراقية حدودية في كردستان".

وتابعت: "قوات الحرس الثوري اتخذت جميع الإجراءات الاحترازية، ومنها الاستعداد لقصف مدفعي على مقرات أو مواقع أحزاب إيرانية في بلدات سيدكان وقلعة دزة ومناطق عراقية أخرى حدودية مع إيران".

وأكّد القائد العام للحرس الثوري الإيراني، اللواء حسين سلامي، خلال تفقده المناطق التي تتولى مهام الحفاظ على أمنها القوة البرية للحرس الثوري في شمال غرب إيران، ومنها المرتفعات الحدودية لمدينتي بیرانشهر وسردشت، المحاذيتين لكردستان؛ أنّ جميع قمم الجبال على الحدود الشمالية الغربية للبلاد خاضعة بشكل كامل لسيطرة وإشراف الحرس الثوري.

 

 

للمشاركة:

اعتقال 18 شخصاً من اليمين المتطرف.. هذا رأي ترامب بالموضوع

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-18

أعلنت السلطات الأمريكية اعتقال 18 شخصاً، أمس، في بورتلاند بولاية أوريغون الأمريكية، خلال مظاهرات لأنصار اليمين المتطرف، وأخرى مضادة للفاشية.

ترامب يعلن دعمه للجماعات المتطرفة ويؤكّد أنّه يدرس إدراج "أنتيفا" على قائمة المنظمات الإرهابية

وكانت جمعيات يمينية متطرفة قد دعت أنصارها للتظاهر، احتجاجاً على اعتقال 6 من المنتمين لها، وفق وكالة "سبوتنيك".

من جهتها، دعت الحركات المناهضة للفاشية، المعروفة بتسميتها العامة "أنتيفا"، إلى مواجهة اليمينيين خلال مسيرتهم.

والمدهش؛ أنّ الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، أعلن (على موقع تويتر)؛ أنّه يتابع الأوضاع في بورتلاند عن كثب، ويدرس إدراج "أنتيفا" المناهضة للفاشية على قائمة المنظمات الإرهابية.

يذكر أنّ مدينة بورتلاند كانت قد شهدت توترات أثناء مسيرات مماثلة لأنصار اليمين المتطرف في عامَي 2017 و2018، حين وقعت اشتباكات بين اليمينيين والمشاركين في المسيرات المضادة.

وبصعود ترامب للحكم، برز العديد من قيادات اليمين المتطرف وجماعات معادية للمسلمين وللأجانب في مختلف أنحاء العالم، تحديداً بأوروبا، التي ظهرت بها عدة شخصيات أثارت الجدل الكبير بمواقفها المعلنة في حق المسلمين والإسلام، وذلك من خلال سياسة ما يعرف بـ "الإسلاموفوبيا"، باعتبار الإسلام ينتشر بشكل سريع في أوساط هذه الدول الغربية.

 

للمشاركة:

هل يضحي أردوغان بصهره لتهدئة الرأي العام؟!

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-18

باتت أيام صهر الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، ووزير الخزانة والمالية، بيرات ألبيرق، معدودة داخل الحكومة.

وكشفت صحيفة "برغون" التركية المعارضة؛ أنّ "أردوغان سيضحي بصهره في أول تعديل وزاري؛ لتهدئة الرأي العام المنتفض بسبب الأداء الاقتصادي الهزيل لنظام الرئيس وحكومته".

وأضاف، نقلاً عن مصادر مقربة من حزب العدالة والتنمية، أنّ "أردوغان شطب على اسم صهره ألبيرق كوزير للخزانة والمالية، ويقوم حالياً بالبحث عن اسم جديد لخلافته في الوزارة"، وفق مانقلت "العين" الإخبارية.

وأوضحت الصحيفة كذلك؛ أنّ "أردوغان لم تعد أمامه أي مبررات للإبقاء على ألبيرق في المنصب أكثر من ذلك، بعدما أبقى عليه كثيراً خلال الفترة الماضية، رغم ردود الأفعال الرافضة له سواء داخل الحزب أو في صفوف الأتراك."

صحيفة تركية معارضة تؤكد أنّ أردوغان سيضحّي بصهره في أول تعديل وزاري لتهدئة الرأي العام

وشدّدت الصحيفة على أنّه "لم يتم الاستقرار بعد على الاسم الجديد الذي من المنتظر أن يحمل حقيبة الخزانة والمالية خلفاً لصهر الرئيس"، مشيرة إلى أنّ "أردوغان يجري مشاورات في هذا الصدد مع أسماء مقربة منه للاستقرار على خليفة ألبيرق".

مصدر من داخل الحزب، رفض الكشف عن هويته، قال: إنّ "إقالة ألبيرق من منصبه مجرد خطوة مناورة يلجأ إليها أردوغان من أجل تهدئة الأوضاع داخل الحزب، وللحيلولة دون حدوث انشقاقات جديدة في صفوفه تسعى للانضمام إلى الحزب الجديد، الذي يسعى كلّ من الرئيس السابق، عبد الله غول، ونائب رئيس الوزراء الأسبق، علي باباجان، لتأسيسه".

كما أوضح المصدر ذاته؛ أنّ حزب العدالة والتنمية لم يتعافَ بعد من الصدمة التي تعرض لها بعد خسارته عدداً من البلدات الكبرى في الانتخابات المحلية الأخيرة، التي جرت يوم 31 آذار (مارس) الماضي، وكذلك جولة الإعادة بمدينة إسطنبول، يوم 23 حزيران (يونيو)، التي خسر فيها بلدية المدينة.

الصحيفة ذكرت أنّ الثقة بالاقتصاد التركي انخفضت لأدنى مستوياتها خلال تولي ألبيرق حقيبة الخزانة والمالية، كما أنّ العملة المحلية "الليرة" فقدت كثيراً من قيمتها أمام العملات الأجنبية الأخرى، سيما الدولار واليورو.

وفي 23 تموز (يوليو) الماضي؛ كشفت نتائج استطلاع رأي أجرته مؤسسات بحثية تركية حصول الوزير ألبيرق على لقب "الأكثر فشلاً" في الحكومة.

وبحسب ما ذكر الموقع الإلكتروني لصحيفة "جمهورييت" التركية المعارضة، آنذاك، أجرت الاستطلاع مؤسسة "بيار" للأبحاث حول نظرة الأتراك للحكومة.

وبحسب نتائج الاستطلاع؛ حصل الوزير ألبيرق على لقب "الأكثر فشلاً" بنسبة 88.2% من أصوات المشاركين في الاستطلاع، مقابل 2.1% فقط رأوا أنّه "موفَّق"، و9.3% قالوا إنّه ليست لديهم فكرة.

يُذكر أنّ المشهد السياسي التركي يشهد حالة من الارتباك في الوقت الحالي، بسبب انشقاق وزير الاقتصاد السابق، علي باباجان، عن حزب العدالة وانتقاده سياساته ومبادءه، والإعلان عن تحرّكه لتأسيس حزب جديد بالتعاون مع رموز سياسية أخرى.

وعلى وقع انشقاق باباجان؛ كشفت وسائل إعلام تركية مؤخراً نية 40 برلمانياً منتمين للحزب الحاكم الانضمام إلى الحزب الجديد.

 

 

 

للمشاركة:



هكذا يمكن تفسير دور تركيا المتنامي في الصراع الليبي

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
2019-08-18

ترجمة: مدني قصري


ظهر مصطلح "الربيع العربي"؛ الذي ميّز هذا العقد في وسائل الإعلام، عام 2011، حول تمرّد الشعب الليبي ضدّ الرئيس معمّر القذافي، بعد ثمانية أعوام من مقتله، تحت قصف الطائرات الفرنسية والبريطانية، لم يعد الهدوء بعدُ إلى ليبيا، ولم يصل الصراع أبداً إلى الحدّ الذي وصله اليوم بعد أعوام من الفوضى، التي أدّت إلى احتلال البلاد بأكملها من قِبل القبائل والميليشيات المتصارعة، كلّ منها مدعوم من قِوَى أجنبية بأهداف مختلفة.

اقرأ أيضاً: هكذا تؤجّج تركيا القتال في ليبيا
"حرب بالوكالة" حقيقية تُذكّرنا بالنزاعات السورية واليمنية، التي وُلدت أيضاً من "الربيع العربي"، وبالنزاعات اللبنانية أيضاً قبل أعوام عديدة؛ لأنّه منذ وفاة العقيد السابق، قائد البلاد، إذا كانت الجهات الدولية الفاعلة تحاول دعم مشروعٍ افتراضي مشترك قادر على تحقيق الاستقرار في رأس هذه الدولة؛ فالذي يحدث في الوقت الحالي؛ أنّ هناك طرفَيْن متعارضَيْن يتقاتلان على الأرض لتجسيد هذه الشرعية؛ شعبياً ودولياً.
تجسيد الشرعية شعبياً ودولياً
من ناحية؛ هناك بقايا جيش القذافي السابق، بقيادة المشير حفتر، ومقرّه في مدينة بنغازي الشرقية، بدعم من الولايات المتحدة وروسيا وفرنسا ومصر..

دعم القذافي لقضية الأكراد في الأناضول كان ينبئ منذ فترة طويلة بتفكّك العلاقات مع أنقرة

ومن الناحية الثانية؛ حكومة الاتحاد الوطني التي تسيطر على العاصمة طرابلس، بدعم من الميليشيات والأمم المتحدة وقطر وإيطاليا وتركيا، هذه المواجهة تبدو مثيرة للذهول في ضوء العلاقات الدولية الحالية، ولكن يمكن تفسيرها بقضايا الهجرة أو الرهانات الاقتصاد أو الأمنية، بقدر ما يمكن تفسيرها بالرهانات الأيديولوجية والتاريخية. القوى الغربية، وفي مقدّمتها فرنسا والولايات المتحدة، تدعم التقدم العسكري لحفتر، باسم الحرب على الإرهاب، الذي تطور وتفاقم منذ وفاة القذافي، ولكن أيضاً من أجل هدف ضمني، وهو الحصول على رجل قوي جديد على رأس البلد، قادر على استعادة السيطرة على طريق الهجرة إلى أوروبا، وعلى استغلال موارد الطاقة الهائلة التي تمتلكها ليبيا.
 المشير خليفة حفتر

دور تركيا الرائد في الصراع
هذه الطموحات المتعددة يتقاسمها أنصار آخرون لحفتر، الذين يعتمدون عليه أيضاً لمنع انتشار الإسلام السياسي، مع تقديم وتعزيز بيادقهم الجيواستراتيجية الخاصة في هذا البلد الذي تجب إعادة بنائه في يوم من الأيام، فضدّ تحالف المصالح هذا، فإنّ الأمم المتحدة وإيطاليا وقطر وتركيا هي آخر من يدعم التحالف السياسي المعترَف به من قبل المجتمع الدولي بأسره حتى الآن.

اقرأ أيضاً: هذا ما فعله الإخوان في ليبيا
كانت عزلة معسكر طرابلس تبدو في الآونة الأخيرة، حتمية وقاتلة، بالنظر إلى تقدّم قوات حفتر في ضواحي العاصمة، والتي تمكّنت في الأسابيع الأخيرة من الصمود في وجه هجوم مضاد غير متوقع، كانت الأسلحة التركية والمرتزقة الأتراك بمثابة العمود الفقري فيه، كيف إذاً نفسر دور تركيا في هذا الصراع؟
وجود تركي راسخ في ليبيا
بعد أن كانت على التوالي، يونانية ومصرية ورومانية وبيزنطية وعربية، وأخيراً عثمانية، تميّزت الأرض التي نسمّيها اليوم ليبيا بثقافات مختلفة يمكن أن تفسر جزئياً تعقيدها الحالي. احتاجت هذه الثقافات الأجنبية المتنوعة أحياناً إلى تدمير كلّ آثار أسلافها في المنطقة، كما كان الحال في العصور الوسطى على وجه الخصوص مع الفاطميين الذين دمّروا الآثار القديمة، من أجل منع قيام تجمعات مستقرة على هذه المساحة، المأهولة أصلاً بالقبائل الرحّل.

اقرأ أيضاً: كيف يمكن قراءة الدورين المصري والتركي في ليبيا؟
لذلك؛ كان من الضروري انتظار الفتح العثماني لِما ما يزال يسمّى "Cyrenaica" (برقة)، وفق التقاليد اليونانية القديمة، لرؤية ظهور مدن أخرى، مثل بنغازي، وهي تتطور على طول الساحل.
كانت القسطنطينية ترغب في تعزيز سيطرتها على البحر الأبيض المتوسط، ولذلك سعت لتنصيب الباشوات والحاميات العسكرية في مدينتَي طرابلس ومرزوق، وقد كان ربط هاتين المدينتين بالمقاطعة القديمة لمدينة سيرين، والتي تقع أطلالها بين بنغازي وطبرق، شرق ليبيا، هو الأصل في الشكل الحالي للبلاد.

هذا الانصهار تُفسّره الرغبة في تعزيز وزن هذه المقاطعة العثمانية الجديدة، عن طريق ربطها بمنطقة المرفأ الروماني القرطاجني، وهو إقليم طرابلس، مع حمايتها من تهديدات الصحراء، عن طريق تحصين مدينة أخرى في الجنوب من البلاد، وهكذا ضمّن العثمانيون الخناق على الحدود بين شرق وغرب البحر الأبيض المتوسط؛ حيث حكم القراصنة البربر(1) انطلاقاً من موانئ الجزائر العاصمة، وتونس ومن ثم طرابلس، وكانت هذه المنطقة، التي كانت العمود الفقري لعمليات اللصوصية البحرية منذ القرن السادس عشر، هي أيضاً الطريق التجاري الرئيس لتجارة الرقّ العربية الإسلامية، لأعوام عديدة.

اقرأ أيضاً: ليبيا... أطماع وأوجاع
في محاولة للسيطرة على هذا الموقع الجديد المتقدم المشهور، اعتمدت السلطة العثمانية على حكام موثوق بهم، كان لمصيرهم تأثير في ظهور القومية الليبية، في فجر تفكّك الإمبراطورية خلال الحرب العالمية الأولى.
كان القرمانليون (نسبة إلى الأسرة القرمانلية)(2)، المتمركزون في طرابلس، هم الذين أداروا أوّلاً، بصفتهم باشوات، النشاط البحري باسم القوة العثمانية، وفي أعقاب هزيمة القراصنة في حروب القراصنة البربر ضدّ الولايات المتحدة، التي ادّعت حماية التجارة العالمية في أوائل القرن التاسع عشر، وبعد خسارة الجزائر العثمانية في ثلاثينيات القرن التاسع عشر، أصبحت جماعة الأخوية السنوسية هي المسؤولة عن حكم هذه الأراضي لصالح القسطنطينية، وبدعوتها إلى العودة إلى تفسيرٍ صارم للقرآن الكريم، وبالتوازي مع تطور الحركة الوهابية في نفس الوقت في شبه الجزيرة العربية، سرعان ما أصبحت هذه الجماعة الدينية شعبية؛ بسبب أنشطة مقاومتها للوجود الفرنسي الإيطالي، وأتاحت لليبيا أن تظلّ آخر معقل عثماني في شمال إفريقيا حتى سقوط الإمبراطورية، عام 1920.

اقرأ أيضاً: لأهداف إيديولوجية واقتصادية، أردوغان يزيد من تدخله في ليبيا
بقوة هذا الإرث، ورغم استيلاء إيطاليا موسوليني، عام 1931، تمّ تعيين حفيد إدريس، مؤسس الأسرة الحاكمة، مَلِكاً على ليبيا، عام 1951، بعد استقلال البلاد، وظلّ العاهل الليبي، المنبثق من أسرة عثمانية عريقة، وبعد أن أصبح على رأس منطقة ظلت لقرون من الزمن، واحدة من جسور الإمبراطورية في المنطقة، يقيم علاقات جيدة مع تركيا طوال فترة حكمه.
يفسِّر هذه العلاقات الوثيقة أيضاً الوجودُ الكبير لسكان من أصل تركي، منبثقين من الإمبراطورية العثمانية القديمة، وهو الوجود الذي اختلط خلاله الجنود والمستوطنون الأناضوليون أو القوقازيون مع السكان المحليين على مدى أجيال، وهو ما أدّى إلى ولادة مجموعة عرقية معينة تسمى الكراغلة(3) "Kouloughli"، هذه المجموعة العرقية والاجتماعية المتميزة، التي يمكن تحديد أصلها بأسماء العائلات "التركية"، مثل عائلة قارمنلي، والتي تأكدت واتسعت أهميتها الكمية بعد الاستقلال.
وافق أردوغان على إرسال سفن حربية للمشاركة في حظر الناتو على شحنات الأسلحة الموجَّهة للمعارضة

أتراك تركيا النخبة الموروثة من العهد العثماني
أتراك ليبيا، هؤلاء الذين بلغ عددهم 35000 (عام 1936)، بما في ذلك 30000 في منطقة طرابلس وحدها، ولا سيما مدينة مصراتة، كانوا يمثلون بالفعل في ذلك الوقت 5٪ من السكان الليبيين، وقد مكّنهم هذا الموقع الجغرافي الدقيق من تطوير تأثيرهم على هذه المنطقة بالذات، حيث شكّلوا نوعاً من النخبة الموروثة من العهد العثماني.

اقرأ أيضاً: تدخلات تركيا في ليبيا... مصالح و"أخونة"
هؤلاء الكراغلة، الذين جلبوا طقوسهم الدينية من القسطنطينية، وشكّلوا جمعيات المساعدة المتبادلة للمغتربين، ما لبثوا أن جذبوا غضبَ النظام الجديد عليهم بمجرد إلغاء المَلكية.
وهكذا؛ ففي أعقاب انقلاب العقيد القذافي، عام 1969، الذي استفاد من إقامة طبيّة للمَلك إدريس في تركيا، وجدت الأقلية التركية في ليبيا نفسها مُجبَرة على التخلي عن ثقافتها وامتيازاتها التي عُدَّت مُضرّة بعروبة القائد الجديد، بعد ذلك؛ تعقّدت العلاقات التركية الليبية، بفعل شخصية معمر القذافي، الذي ضاعف الاتفاقيات الاقتصادية مع نظرائه الأتراك المتعاقبين، لكن مع دعمه، بموازاة ذلك، للتمرد الكردي في الأناضول.
تركيا العثمانية تعزز نفوذها في ليبيا
هذه العلاقات المعقدة بين ليبيا وتركيا، لم تمنع الشركات والعمال الأتراك من القدوم إلى ليبيا لتضخيم حجم الجالية المغتربة فيها؛ حيث اجتذبتهم الفرص الاقتصادية لهذه المنطقة التي تعيش من ريع مواردها من الطاقة، ومنذ بداية الستينيات وحتى منتصف الثمانينيات، انتقل العدد من 664 عاملاً متواجداً على الأراضي الليبية، بين 1961 إلى 1973، إلى 48457 عاملاً بين عامَي 1974 إلى 1980، وإلى 106735 عاملاً من 1981 إلى 1985، استقروا بكثافة حول مدينتَي طرابلس ومصراتة، وعززوا التأثير التاريخي التركي العثماني غرب البلاد، وهم ينشطون في صناعة البناء، ويلتزمون مع شركاتهم بعقود بمليارات الدولارات، مثل مشروع امتداد الطريق الساحلي انطلاقاً من العاصمة.

اقرأ أيضاً: لماذا تدعم تركيا الميليشيات المسلحة في ليبيا؟!
هذا الالتزام لا يمنع حكومة تركيا رجب طيب أردوغان من أن تعلن نفسها من بين البلدان الأولى المطالبة باستقالة القذافي، عام 2011؛ فدعم القذافي لقضية الأكراد في الأناضول كان ينبئ منذ فترة طويلة بتفكك العلاقات مع أنقرة، وهو التفكّك الذي أصبح رسمياً عندما ضمِن ممثلو المتمردين لتركيا استمرار العقود الموقعة.
فشل مرحلة ما بعد القذافي الانتقالية
بعد تقديم العديد من الخطط للعقيد القذافي لإنهاء النزاع سلمياً، بما في ذلك العرض الذي قُدّم له بمغادرة البلاد، وتعيين رئيس بدلاً منه، قررت أنقرة أخيراً دعم تدخّل المجتمع الدولي، ومع ذلك؛ فمن دون المشاركة في العمليات العسكرية الفرنسية البريطانية التي استهدفت النظام، وافق أردوغان مع ذلك على إرسال سفن حربية للمشاركة في حظر الناتو على شحنات الأسلحة الموجَّهة إلى معارضي النظام، وفق قرار صادر عن الأمم المتحدة، وبعد ذلك، وبدعمٍ رسميّ من المجتمع الدولي بأسره، انتصر معارضو النظام في نهاية المطاف، بعد ثمانية أشهر من الصراع، في أواخر تشرين الأول (أكتوبر) 2011.

العلاقات المعقدة بين ليبيا وتركيا لم تمنع الشركات والعمال الأتراك من القدوم إلى ليبيا لتضخيم حجم الجالية المغتربة فيها

والحال؛ أنّ إعلان رئيس المجلس الوطني الانتقالي عزمه وضع دستور ليبي جديد..، بدأ يُقلق القوى التي أيدته، وكانت أسلمة الدولة مقيَّدة من قبل العقيد، ولذلك كان يُخشَى ظهورُ عنف جديد في البلاد، خاصة أنّه، منذ آذار (مارس) 2012، أعلن أحد أفراد العائلة المالكة السابقة، سليل الملك إدريس، وجماعة الأخوية السنوسية، والذي عُيّن على رأس المقاطعة الشرقية من البلاد، استقلال برقة (سيرينايكا) "Cyrenaica"، عن طرابلس، جرت هذه المحاولة لتقسيم ليبيا قبل أسابيع قليلة من أول انتخابات تشريعية، في تموز (يوليو) 2012، لتعيين 200 عضو في المؤتمر الوطني العام، وتمّ استبعاد جميع أقارب نظام القذافي السابقين تلقائياً منها.
هذا القرار ساعد في ظهور طبقة سياسية متجددة بالكامل، ولكنّها في الغالب إسلامية وغير ملتزمة سياسياً، وهو ما حال دون ظهور أيّ ائتلاف قابل للحياة ومستقر على رأس الدولة، وهكذا؛ ففي آذار (مارس) 2014، تمت الإطاحة بالشخص الذي تمّ تعيينه رئيساً للوزراء من قبل هذه الجمعية التأسيسية الأولى، من قبل هذه الهيئة التشريعية نفسها، وأجبِر على الفرار من البلاد أمام تجدد أعمال العنف من جانب الميليشيات المسيطرة في العاصمة، مثل القبائل في بقية البلاد.

اقرأ أيضاً: التهريج الأردوغاني في ليبيا
إنّ ضعف القوة المركزية هذه أمام القوى المسلحة ذات التوجه الديني أو الطائفي، أو القائمة على تجنيد المرتزقة، يعزز هذا الشعور بالانقسام الذي تعيشه ليبيا، وممّا يعزز هذا الاتجاه الانتخابات الجديدة، التي جرت في حزيران (يونيو) 2014، والتي شهدت رفض الأغلبية الإسلامية في المؤتمر الوطني العام لهزيمتها في صناديق الاقتراع، بحجة نقص مشاركة الناخبين، والتي وصلت إلى 30 ٪ فقط من الأصوات؛ لذلك قرّر مجلس النواب الجديد الذي كان من المفترض أن يحلّ محلّ الجهاز التأسيسي لما بعد الثورة، الانتقالَ إلى طبرق، بدلاً من طرابلس، في أقصى شرق البلاد، لتشكيل حكومته الخاصة.

انقسام ليبيا يقلق القوى الدولية
انقسمت ليبيا بعد ذلك إلى عدة معسكرات: معسكر المؤتمر الوطني العام في طرابلس في الغرب، ومعسكر مجلس النواب في الشرق، والمعسكر الذي تنتمي إليه القبائل التي لا تعترف بأيّة وصاية، في الأجزاء الصحراوية من البلاد، وبات هذا الوضع يقلق القوى الدولية، التي ترى الآن الإرهاب وتهريب البشر، والإسلاموية، وحركات الهجرة، وهي تتضاعف في قلب هذه الأرض التي لا يمكن السيطرة عليها، والتي أصبحت فريسة للفوضى، وقد فقد الغربيون أهميّتهم في عيون المتمردين السابقين، الذين كانوا يهتفون لهم عام 2011، وأصبحوا هدفاً للهجمات: عام 2012، تعرضت القنصلية الأمريكية في بنغازي للهجوم، ما تسبّب في وفاة الممثل الدبلوماسي المحلي لواشنطن، كما تعرضت سفارة فرنسا أيضاً لهجوم، عام 2013، مما أجبرها على الانتقال إلى تونس.


المصدر: lesclesdumoyenorient.com

للمشاركة:

تركيا ورسوخ ثقافة عدوانية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-18

محمد بدر الدين زايد

تمثل تركيا تاريخياً، نموذجاً للسياسات العدوانية، بل كانت التعبير عن تلك السياسات في العقلين الغربي والعربي على السواء. وفي الوقت الراهن تواصل تركيا سياسات عدوانية في ثلاث جبهات رئيسة: في سورية وليبيا وشرق المتوسط، وبدأت حالة تهدئة غالباً موقتة مع الشريك الاستراتيجي منذ الحرب العالمية الثانية، أي الولايات المتحدة، بعد أن كان مناخ العلاقات في توتر شديد منذ إصرار أنقرة على إتمام صفقة الصواريخ الروسية "اس 400" وحول عدد آخر من الملفات، ولكن يبدو أن واشنطن اختارت بعض التهدئة في المرحلة الراهنة. العدوان التركي على ليبيا مستمر منذ بدء الاضطرابات ضد القذافي. ولكي لا يكون هناك خلط، فإن تأييد أنقرة الثورة ضد القذافي، فهذه رؤيتها السياسية على شرط أن لا تصحبها إجراءات تتضمن محاولة تغيير والتأثير على إرادة الشعب الليبي. وهذا هو ما حدث للأسف. وبالإضافة إلى دعم الميليشيات المسلحة ضد النظام، فقد استمر هذا الدعم بعد إطاحة القذافي واغتياله. وبدت معالم التورط التركي – القطري في مراحل متقدمة وسابقة لآخر انتخابات برلمانية، وهي التي أسفرت عن مجلس النواب الحالي الذي لجأ إلى طبرق منذ منتصف العام 2014. بعدها بدأت تركيا تورطها العدواني ضد الشعب الليبي، ووصل الأمر إلى نقل سفينة تركية لأعداد من مقاتلي "داعش" من الجبهة السورية إلى أحد الموانئ الليبية، ما كان له دور خطير في انقلاب التوازن العسكري لصالح فصيل "فجر ليبيا" الإخواني ضد خصومها والسماح لها بالسيطرة على مطار طرابلس في العام 2014، ومن ثم تكريس الوضع الراهن الذي يشهد آخر تداعياته حالياً مع زحف الجيش الليبي ضد هذه الميلشيات التي تسيطر في شكل مطلق على العاصمة منذ ذلك الوقت. والآن ونحن في هذا الفصل الحرج من المواجهة الصعبة حول العاصمة الليبية، واصلت تركيا نقل أسلحة وذخائر لهذه الفصائل الإرهابية، وهو ما أشرنا إليه هنا غير مرة، متمثلاً في حوادث ضبط السفن التركية أو الاستيلاء على هذه الأسلحة خلال المعارك، وآخرها الطائرات المسيَّرة التركية التي تم إسقاطها وتدميرها. وفي سورية تكتسب طاقة العدوان على الدولة والشعب المزيد من قوة الدفع. فمنذ البداية لعبت تركيا دوراً مشوهاً لثورة الشعب السوري، وعملت على تسليح الفصائل المتطرفة وبخاصة "جبهة النصرة" ذات الصلة بتنظيم "القاعدة". وواصلت هذا بعد تغيير اسمها إلى "هيئة تحرير الشام"، وكانت دوماً طرفاً في المعادلة السورية، ما اضطر روسيا إلى إشراكها في المظلة الثلاثية، أي روسيا وتركيا وإيران، كصيغة لإدارة وتنظيم نظام الوصاية واحتلال هذه الدول للأراضي السورية وليس فقط إدارة الأزمة. وفي العام الأخير أصبحت أنقرة هي الراعي العلني للتطرف ولفصائله المختلفة وأمام أعين العالم كله. ففي ترتيبات إدلب، كان الاتفاق أنها ستنزع السلاح الثقيل الخاص بالفصائل المسلحة، كما ستفصل تللك المتشددة ومنها "القاعدة" و"داعش" عن تلك الأكثر اعتدالاً. وهو طبعاً لم يحدث. وقامت أنقرة بتوظيف وجودها في هذه المناطق شمالي غرب سورية لنقل مزيد من الإرهابيين والمتشددين إلى ليبيا. أما العدوان الأكبر والصريح فتجري تطوراته منذ أكثر من عام، بتحرك قوات تركية مباشرة لاحتلال مناطق من سورية بحجة التصدي لمحاولات إقامة دولة كردية. وأخيراً كان تصعيد الأزمة بتهديدها باحتلال مساحات من الأراضي السورية المتاخمة لها لإقامة منطقة آمنة.

وهي الأزمة التي كان عنوانها الرئيس هو التخوف من احتمال حدوث مواجهة عسكرية ضد القوات الأميركية المصاحبة للقوات الكردية في قتالها ضد "داعش". واختتمت فصول هذه المسرحية الهزلية بالاجتماعات الأمنية التركية - الأميركية التي أسفرت عن ترتيبات غامضة في ما يتعلق بمساحة المنطقة الآمنة التي كانت تركيا تريدها بعمق 35 كيلومتراً وطول 140 كيلومتراً، وواشنطن تريدها أقل من نصف هذا. بينما ما تمَّ الاتفاق عليه هو إنشاء مركز عمليات مشترك ودوريات أميركية تركية مشتركة. ولم تتضح بعد بدقة مساحة المنطقة الآمنة ولكن بدأ الحديث عن حل وسط في ما يبدو بعمق 20 كيلومتراً، وإن كان لا يزال هناك خلاف حول مسألة التدرج في إنشاء هذه المنطقة التي تريدها واشنطن بينما تتعجل أنقرة في هذا. كما أنه من الواضح أن تركيا تريد نقل النازحين السورين الذين كانت تزايد وتتاجر باستضافتهم إلى هذه المنطقة الآمنة، لتطوي صفحة لم تعد في حاجة إليها. ومرة أخرى، وأياً كانت رؤيتي تجاه نهج التعاطي الإقليمي مع المسألة الكردية وضرورة معالجتها في شكل مختلف يتضمن نهج الاحتواء الإيجابي، فإنه يمكن تفهم دواعي تركيا لو كانت تكتفي بضمانات ضد قيام كيان كردي وإعطاء وقت كاف لترتيبات لمعالجة الأوضاع السورية كافة، ولكن الواضح هو تكريس سيطرة تركية على أراض سورية وتعقيد فرص تسوية هذه الأزمة وتصعيب مهمة القضاء على التنظيمات المتطرفة التي تصر أنقرة على مواصلة رعايتها.

وتواصل تركيا التنقيب عن الغاز خارج مياهها الإقليمية في سلوك يعكس ثورة غضبها لما تعتبره استبعاداً لها من "منتدى غاز شرق البحر المتوسط" الذي تلعب فيه مصر دوراً محورياً بالتعاون مع اليونان وقبرص. ولم تنتبه تركيا بالطبع إلى أن عزلتها الإقليمية المتوسطية هي نتاج سياسات من العدوان على مدى قرون، تأكدت حديثاً بغزو قبرص في سبعينات القرن الماضي، وإعلان انفصال الجزء التركي منها واعتباره جمهورية مستقلة، لم يعترف بها أحد في العالم سوى أنقرة التي تتجاهل أن هذا النهج يناهض محور سياستها الخارجية وهو عدم السماح بقيام دولة كردية أو بأي تعديلات للحدود القائمة التي من بينها لواء الأسكندرونة الذي احتلته منذ عقود طويلة. وتتغافل أنقرة عن أن احتلالها لهذا الشق القبرصي يعرقل أي عمليات لترسيم الحدود في شمال شرق المتوسط. بعبارة أخرى، فإن سياساتها العدوانية والمتعالية هي التي خلقت منظومة استبعادها من شرق المتوسط، ثم جاءت رعايتها لمشروع الإسلام السياسي المتطرف لتعمق من مخاوف جيرانها الذين يرون أن هذا التوجه ينطوي على نيات توسعية وأوهام تركية مكشوفة. وفي الواقع فإن هذا الموضوع يتضمن الكثير من التفاصيل والمعلومات التي تكشف مدى تفشي العدوانية في العقل التركي، وهي الدليل الدائم على طغيان طبيعة الشخصية القومية التركية وتاريخها على استمرار هذه السياسة الخارجية، التي يبدو أن غيابها لبعض الوقت في تركيا الحديثة كان فقط تحت السطح، ولم يكن يعكس الواقع. ودليل ذلك هو قِصر هذه الفترات في التاريخ التركي. ومن ثم فإنه عندما طرح وزير خارجية تركيا السابق أحمد داود أوغلو –الذى أصبح رئيسا لوزرائها بعد ذلك لفترة من الوقت، ثم استقال لخلافه مع أردوغان - فكرة صفر مشاكل مع الجيران، وبدا بعض التحسن في أداء السياسة الخارجية التركية، ثم انتكس لتبرز مجدداً المواجهة مع الجيران، ويبرز كذلك التوتر في علاقاتها الأوروبية، ونمط معقد من إدارة الخلافات مع واشنطن. أما مع روسيا، فهناك قدرة على إدارة مصالح وترتيبات مشتركة، ولكنها لا تخفي حقيقة عمق التناقضات الاستراتيجية بين الجانبين، وعلى رأسها الخلاف حول توظيف الإسلام السياسي ومخاوف روسيا الجادة من هذا المشروع.

وأشير أخيراً إلى أمرين؛ أولهما أنني كنت من المتحفظين علمياً على مخاطر التعميم وما نطلق عليه التنميط في فهم ثقافات الشعوب المختلفة، ولكن ما لا يمكن إنكاره أن هناك أشكالاً تركي معقد في نمط تعاطيها مع الآخرين عموماً أو في ما يتعلق بطموحاتها التوسعية تاريخياً، وثانيها أنني أظن أيضاً أن دولة بهذه التقاليد العدوانية، لن تستطيع الحفاظ على ازدهارها الاقتصادي، الذي يحتاج الحفاظ عليه إلى سياسة خارجية أكثر حصافة وأقل عدوانية وإلى حكم يفهم أن بعض المكاسب قصيرة الأجل قد يتم دفع ثمن باهظ لها في مراحل تالية.

عن "الحياة" اللندنية

للمشاركة:

هل تخلى الإخوان المسلمون عن المنافسة على السلطة؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-18

بابكر فيصل

في أعقاب ثورة 25 يناير 2011، وجدت جماعة الإخوان المسلمين المصرية، حرجا كبيرا في مواصلة رفع شعارات الحاكمية وتطبيق الشريعة فقررت الخروج من ذلك المأزق عبر طرح جديد يتمثل في إنشاء حزب مدني يستند إلى مرجعية إسلامية أطلقت عليه مسمى "حزب الحرية والعدالة"، باعتباره حلا يدفع عنها شبهة السعي للخلط بين السياسة والدين وتوظيف الأخير لخدمة الأهداف السياسية.

بمناسبة حلول الذكرى السادسة لسقوط حكم الإخوان، أصدر المكتب العام للإخوان المسلمين بمصر في 29 حزيران (يونيو) الماضي بيانا أوضح فيه أن الجماعة أجرت مراجعة جادة، أفضت إلى إعادة النظر في أفكارها وسلوكها، وأبان أن الجماعة ستعمل على إنجاز التغيير الثوري الشامل بالتعاون مع القوى السياسية الأخرى.

أهم ما جاء في البيان هو القول "فإننا نعلن أن جماعة الإخوان المسلمين تقف الآن على التفريق بين العمل السياسي العام، وبين المنافسة الحزبية الضيقة على السلطة، ونؤمن بأن مساحة العمل السياسي العام على القضايا الوطنية والحقوق العامة للشعب المصري، والقيم الوطنية العامة وقضايا الأمة الكلية، هي مساحة أرحب للجماعة من العمل الحزبي الضيق والمنافسة على السلطة، وسنعمل كتيار وطني عام ذي خلفية إسلامية، داعمين للأمة، ونمارس الحياة السياسية في إطارها العام، وندعم كل الفصائل الوطنية التي تتقاطع مع رؤيتنا في نهضة هذا الوطن في تجاربها الحزبية، ونسمح لأعضاء الإخوان المسلمين والمتخصصين والعلماء من أبنائها بالانخراط في العمل السياسي من خلال الانتشار مع الأحزاب والحركات التي تتقاطع معنا في رؤيتنا لنهضة هذه الأمة".

ظل مطلب الوصول للحكم وإقامة "الدولة الإسلامية" يمثل الركن الأساسي في أفكار جماعة الإخوان المسلمين، باعتباره الضمانة الوحيدة لتطبيق حكم الله القائم على الشريعة الإسلامية، وكذلك لكونه نقطة الانطلاق نحو استعادة الخلافة الإسلامية التي ستقود بدورها لسيطرة المسلمين على كل أرجاء المعمورة أو ما أسماه المرشد المؤسس، حسن البنا، "أستاذية العالم".

نسبة لأهمية ذلك المطلب، أي إقامة الدولة الإسلامية، ومركزيته في فكر الجماعة، فقد رفع البنا من مكانته وجعله ركنا من أركان الإسلام، شأنه شأن الصلاة والصوم والحج، بحيث أضحى التقصير في طلبه وعدم السعي لإقامته يمثل خروجا على الدين نفسه.

يقول البنا في رسالة المؤتمر الخامس: "فالإخوان المسلمون يسيرون في جميع خطواتهم وآمالهم وأعمالهم على هدى الإسلام الحنيف كما فهموه، وكما أبانوا عن فهمهم هذا في أول هذه الكلمة. وهذا الإسلام الذي يؤمن به الإخوان المسلمون يجعل الحكومة ركنا من أركانه، ويعتمد على التنفيذ كما يعتمد على الإرشاد، وقديما قال الخليفة الثالث رضي الله عنه: 'إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن'".

وبما أن الحكومة عند الإخوان تعتبر ركنا لا يكتمل بنيان الدين بدونه، فإن السعي لإقامتها أصبح فرضا لا مناص منه وأولوية تسبق أي مطلب آخر، حيث اعتبر المرشد المؤسس أن "قعود المصلحين الإسلاميين عن المطالبة بالحكم جريمة إسلامية لا يكفرها إلا النهوض واستخلاص قوة التنفيذ من أيدي الذين لا يدينون بأحكام الإسلام الحنيف".

إن قرار الجماعة بعدم السعي للمنافسة على السلطة والاكتفاء بالعمل السياسي العام يمثل "جريمة إسلامية" في نظر حسن البنا، ويعتبر تحولا كبيرا في المنطلقات الفكرية للجماعة التي سعت منذ نشأتها للوصول للسلطة عبر جميع الوسائل بما فيها قوة السلاح والانقلاب العسكري، وليس أدل على ذلك من دخولها في مواجهات عنيفة شاملة مع الدولة المصرية طوال تاريخها الممتد منذ عام 1928.

الأمر الثاني الذي أشار إليه البيان بوضوح هو السماح "لأعضاء الإخوان المسلمين والمتخصصين والعلماء" من أبناء الجماعة بالانخراط في العمل السياسي من خلال الانضمام للأحزاب والحركات الأخرى التي تتقاطع رؤيتها مع رؤية الجماعة للنهضة، وهذا أيضا يمثل نقلة في فكر الإخوان المسلمين الذين كانوا يرفضون انضمام عضويتهم لأية جهة سوى حزب الحرية والعدالة الذي أسسته الجماعة في أعقاب ثورة يناير.

على الرغم من أن البيان أوضح تركيز الجماعة على "القضايا الوطنية" و"القيم الوطنية"، إلا أنه حمل بين طياته ذات التوجهات الأممية للجماعة بحديثه عن "الأمة"، والمقصود بها الأمة الإسلامية، وهذه إحدى الإشكاليات في فكر الإخوان المسلمين، الذين ظلوا ينادون بعودة الخلافة الإسلامية ويرفعون شعار "الجهاد" من أجل السيطرة الكونية عبر المراحل الست التي وضعها المرشد المؤسس والتي تنتهي بما أسماه "أستاذية العالم".

كان المرشد المؤسس قد أوضح الهدف النهائي من أستاذية العالم بقوله: "نريد بعد ذلك ومعه أن نعلن دعوتنا على العالم وأن نبلغ الناس جميعا، وأن نعم بها آفاق الأرض، وأن نُخضع لها كل جبار، حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله، ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم".

الالتباس الثاني الذي حملته سطور البيان يتمثل في عدم التعريف الدقيق لماهية "العمل السياسي العام" الذي ترغب الجماعة في الاكتفاء به، فضلا عن سكوت الجماعة عن كثير من الأمور الهامة وفي مقدمتها الإجابة عن السؤال التالي: هل يعني عدم السعي للمنافسة الحزبية على السلطة توقف الجماعة عن المطالبة بتطبيق شعارات الشريعة والحدود والحاكمية والخلافة الإسلامية؟

أيضا لا يشرح البيان معنى القول بأن الجماعة "ستعمل كتيار وطني عام ذي خلفية إسلامية"، ذلك لأن الحديث عن "الخلفية الإسلامية" هو حديث فضفاض وحمَّال أوجه، وقد يعني استمرار الجماعة في خلط القضايا السياسية مع الأمور الدينية ومواصلة استخدام ذات الأساليب التي ظلت الجماعة تعمد بها إلى إخفاء أهدافها السياسية والاجتماعية وراء قناع الدين.

خلاصة الأمر هي أن بيان المكتب العام للإخوان المسلمين يطرح أسئلة أكثر من كونه يُعطي إجابات على كثير من الأمور والقضايا التي تحتاج إلى إيضاح وتبيين، وإذ يتضح من العنوان العريض للبيان أن مراجعة الجماعة لأفكارها وتجربتها الطويلة أفضت إلى قرارها بترك المنافسة على السلطة، فإنه يتوجب عليها أن تطرح رؤيتها الجديدة بصورة أكثر شمولا وتفصيلا، وأن توفر الإجابات عن الأسئلة الكثيرة المرتبطة بانعكاسات ذلك القرار ومدى تأثيره على مبادئها وأفكارها وشعاراتها وممارستها التي استمرت منذ عام 1928 وحتى اليوم.

عن "الحرة"

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية