في ضيافة البغدادي .. نقدّم لكم "الحقيقة المرّة"

15380
عدد القراءات

2019-05-14

انفضّ مولد ظهور سيدي "البغدادي" للمرة الثانية، وانطفأت الإضاءة عنه، وسكتت أصوات المذيعين والمذيعات، وارتاحت الأوتار الصوتية لضيوف الفضائيات، وجفّت أقلام الكتّاب، التي كالت وفاضت في تحليل هذه الإطلالة، نادرة الحدوث.

اقرأ أيضاً: حين ظهر البغدادي وفي يده "ملف ولاية تركيا": هل يتجرّع الطبّاخ السم؟
كنت واحداً من الذين وقع  كالمفاجأة عليهم خبر نزول كلمة زعيم داعش فترك ما في يديه، ليبحث عن رابط فعّال ليحمل الفيديو أولاً، قبل أن تحذفه أيادي الرقباء الإلكترونيين، ثم ليستمتع بالمشاهدة استمتاعاً مصحوباً بالقلق والفضول، ومدفوعاً بما يحمله هذا الرجل، وما قد يقوله من كلمات.
حطم الرجل، بمؤسسته الإعلامية "الفرقان"، أسوار الحظر المفروض على إعلامه العنيف والدموي، وفلتت كلمته من يد أصابع الرقباء، الذين لم يدعوا شاردة أو واردة على مواقع الإنترنت إلا ومحتها، واجتاحت حركة التنقلات على الواتس والإيميل سماء الفضاء الإلكتروني، ليس لأنّ الرقابة ضعفت؛ بل لأنّ الناس أرادت أن تحصل عليها، فلم يقف أمام تلك الإرادة أحد.

لن تسمح قوى الغرب لداعش بدولة تحشد أنصارها بخطاب يحمل في طياته الوعد اليقيني بغزو روما وواشنطن

هل نجح هذا الرجل أن يفرض نفسه على العالم، أكثر مما استطاع رئيس الولايات المتحدة الأمريكية أن يفعل؟ إذا خطب دونالد ترامب أمام شاشات التلفاز فلن ينال كلّ هذا الاهتمام، فكيف لزعيم تنظيم ما يزال خارجاً لتوّه من هزيمة نكراء فقد فيها كلّ ما ملك يوماً من أرض، أن يهيمن بصورته على شاشات الفضائيات والشبكة العنكبوتية وأوراق الصحف.
اتهم المحللون البغدادي بأنّه يقلد غريمه وزعيمه السابق رئيس شبكة القاعدة، أيمن الظواهري، وهو يجلس وراءه سلاح الكلاشينكوف، إلا أنّ الظواهري خرج بعد كلمة البغدادي بــ 7 أيام ليحدث الناس، إلا أنّ كلمته تلك مرّت كسابقتها، ولم يلتفت لها أحد.
لهذا الرجل سرّ ربما لا يكمن داخله هو، بل يكمن في داخلنا نحن، هل ثمة خشية داخلنا منه ومن تنظيمه؟ هل ثمة إعجاب مخفي لكننا لا نملك شجاعة الاعتراف به؟ هل يمثل وتنظيمه مثالاً للشجاعة والقدرة على محاربة الجيوش والأنظمة الغربية حتى وإن امتلك أيديولوجية متطرفة؟ هل يخشى الغرب من خطابه الذي يهددهم فيه بغزو روما؟

اقرأ أيضاً: قراءة أولية في خطاب البغدادي الأخير.. 7 رسائل أراد إيصالها
في المرة الأولى التي ظهر فيها وهو يعتلي درجات منبر المسجد الكبير في الموصل، بدا كأنّه خليفة عباسي قدمته آلة الزمن ليجد نفسه في الربع الأول من القرن الحادي والعشرين، أو كأنه ممثل في عمل درامي تقع تفاصيله في زمن أبي جعفر المنصور، هيئة البغدادي ترشحه لأن يقوم يدور خليفة عباسي، بملامحه الحسنة ولحيته المهيبة، وعينيه الكحيلتين ذات النظرات الحادة والغامضة، وحاجبيه الغليظين.
فهل ما نزال نرنو إلى تاريخ أسلافنا، حين كانوا يغزون العالم ويذلون الممالك حين يدوس أحدهم على طرف جلباب امرأة مسلمة تنادي "وامعتصماه"؟
انظر للبغدادي وهو يتحدث عن معركة الباغوز كأنّها معركة مؤتة، التي وقعت بين المسلمين والروم، العام الثامن الهجري، والتي لم ينتصر فيها المسلمون، لكنّهم لم يهزموا، والتي واجه فيها جيش المسلمين الاتهام بالفرار، إلا أنّ النبي محمد ﷺ وصفهم بــ"الكرار"، ويريد البغدادي أن يوحي إلى أتباعه بأنهم لم ينهزموا، وحتى إن انهزموا فإنّ المسلمين لم يؤمروا بالنصر، لكن أمروا بالجهاد والقتال فقط، أي أُمروا ببذل الجهد لا بالوصول إلى النتيجة، وهو ما يجعل القتال المطلق بلا نهاية هو الأصل، وإن لم يصل هؤلاء المقاتلين إلى مرامهم.

اقرأ أيضاً: ما الذي أراد البغدادي قوله في شريطه الأخير؟
يحاكي البغدادي في روايته في معركة الباغوز رواية غزوة مؤتة، في سقوط الراية من صحابي، ثم رفعها من صحابي آخر: "قد تتابع إخوانكم من الولاة والأمراء على هذه الولاية، حتى اصطفاهم الله، عزّ وجلّ، نحسبهم والله حسيبهم، وكان على رأسهم أخوكم أبو عبد الرحمن العنقري التميمي، وهو من جزيرة محمد ﷺ، ثم تسلم الراية من بعده أخوكم أبو هاجر عبد الصمد العراقي الطالبي، وقد ضحى بنفسه وماله، ثم عقبه على الراية أخوكم أبو الوليد السيناوي، ثم خلفه أخوكم عبد الغني العراقي...".
جلسة الرجل على أريكة وحوله قادته، لا ينبسون بكلمة وهو يتحدث، تظهره كأنه خليفة يجلس على عرش، تهابه حتى بطانته، وكأنه ظلّ الله على الأرض، له أتباع من جميع دول العالم، فها هو يذكر البلجيكي والأمريكي والشيشاني والسيناوي والشامي والجزراوي، فينجح مرة أخرى في أن يثبت أنّ جماعته تتجمع فيها من كل الجنسيات، كما كانت الخلافة الإسلامية من قبل.

يحاكي البغدادي حين يروي معركة الباغوز رواية غزوة مؤتة، في سقوط الراية من صحابي، ثم رفعها من صحابي آخر

إنّ هذا الرجل يسعى للإمساك بأرض مرة أخرى يقيم فيها إمارته، دون أن تتعرض له القوى الدولية، وإن ظلّ مقاتلوه ينهكون دول الجوار، إنه يرسل رسالته لقوى الغرب: "اتركوني وشأني فإن وجود دولة لي خير لكم من عدم وجودها، فما كنت أذهب لأضرب مصالحكم، لولا أن نزعت الأرض من تحت أقدامي، فإن أمسكت الأرض بعد ذلك فلا تقتربوا مني ولن أقترب منكم".
لم يكن داعش يوماً ذا إستراتيجية تستهدف العدو البعيد، بخلاف تنظيم القاعدة؛ بل كان تنظيماً يسعى لإنهاك الأنظمة القريبة منه، وسلب الأرض من بين يديها، لإقامة دولته، بيد أنّ تلك الإستراتيجية استخدمتها قوات التحالف الدولي للقضاء على تجمعات الجهاديين الذين يسعون كلّ حين من الدهر لإقامة دولتهم، والذين سعوا إلى العيش في ظلال الإمارة، وتهافتوا عليها كما يتهافت النحل على خليته، إلا أنّ لضرب عشوش الدبابير تداعيات سلبية يدركها الغرب أيضاً، وهو على استعداد لتحمل آثارها، فالدباير تطير هنا وهناك لتلدغ من تقابله ثأراً لهدم عشها.
لن تسمح قوى الغرب لداعش بإعادة بناء دولته، وإن لدغت مرات ومرات من دبابيرها، فهم لن يجازفوا ببقاء دولة تحشد أنصارها بخطاب يحمل في طياته الوعد اليقيني بغزو روما وواشنطن.
وإن سمح الغرب بهذه الدولة؛ فهو سيعيد ضربها مجدداً، بعد أن تتهدم دولنا من جديد، لتظلّ منطقتنا تلتف حول دوائر الخراب بلا نهاية.

اقرأ المزيد...

الوسوم: