قراءة في كتاب الليبرالية: حين تعتدي سلطة المال على الحرية

990
عدد القراءات

2019-11-04

يشكّل الفرد الوحدة الأخيرة غير قابلةٍ للتقسيم داخل المجتمع؛ حيث يمكن من خلاله قياس كل ّشيء؛ الديمقراطية أو الشمولية، السعادة والتقدّم، أو الفقر والتراجع، هذا هو ما تعنيه الليبرالية، وفق المفكر والاقتصادي الفرنسي، باسكال سالين، الذي يدافع عن الليبرالية بوصفها تعيش غربتها الفكرية الخاصة، في ظلّ توحّش الرأسمالية، تماماً كما عاشتها الشيوعية والاشتراكية من قبل.

اقرأ أيضاً: هل تلتقي نظرية ولاية الفقيه مع الليبرالية الغربية؟
وفي كتابه "الليبرالية"؛ يقدّم سالين مرافعة جريئة ومتماسكة، دفاعاً عن القيم والإنسانية والرحمة في مواجهة ما يراه هجوماً ضدّ الفرد، لا يمثل الحرية؛ بل يتمّ هذا الهجوم باسم الحرية فقط، من أجل مصلحة رأس المال المتوحش، فهل نجح سالين في مرافعته هذه؟ وفي محاولته التفريق بين الليبرالية من جهة وبين الرأسمالية والسوق وقوى المجتمع السياسية الحالية من جهةٍ أخرى؟

الشعوب وعصر السوق
شهد الوطن العربي تغيرات وانزياحاتٍ سياسية واقتصادية كبرى، خلال العقدين الأخيرين، وأصرّ عديدون، منهم الباحث جوزيف مسعد، في كتابه "الإسلام في الليبرالية"، على أنّ الانفتاح والليبرالية الاقتصادية، بمفهومها المرتبط بالرأسمالية ومصالح الدول الكبرى، أسهم في تراجع دولٍ عربية عديدة على صعيد الحريات والاقتصاد والقضايا الأساسية كقضية فلسطين، بينما رأى الكاتب والباحث عمرو حمزاوي، خلال حوارات ومقابلات عديدة معه؛ أنّ الديمقراطية الواقعية والدولة المدنية ذات الدستور المفتوح على التعددية تمثّل روح الليبرالية الناجحة، التي يمكن أن تؤدي إلى نوع من التقدم.
غلاف الكتاب

مفاهيم الدولة والسوق والمجتمع
أما باسكال سالين، في كتابه "الليبرالية"، الواقع في 574 صفحة، والصادر عن "الدار الأهلية" للنشر والتوزيع، عام 2011؛ فإنه يلقي الضوء بصورةٍ مكثفة على مفاهيم الدولة والسوق والمجتمع والسياسة، تاريخياً وتحليلياً، من أجل توضيح الثيمة الأساسية التي يعتمد عليها كتابه، وتكمن في أنّ الليبرالية ليست مستقلة؛ بل تخضع إلى تدخلاتٍ كثيرة تجعلها تنحرف عن مسارها، بوصفها أداةً لحرية الفرد ورفاهه وتقدّمه، وحول هذه الفكرة؛ يقول سالين: إنّ "الدولة من جهة، والقوى السياسية من جهةٍ أخرى، تتعامل مع المجتمع بصورةٍ بنائية، أي أنّها تعمل ضدّ إرادة الأفراد، من أجل بناء ما تسميه الصالح العام"، ويعطي سالين مثالاً بقوله: إنّ المحافظين مثلاً، عملوا طوال عقودٍ على إبقاء المجتمع كما هو، من خلال التقاليد الموروثة، والعادات، والطبقية الي تمنح طبقةً معينة امتيازاتٍ مادية وسياسية خاصة على حساب المجتمع، بوصفها وحدها من تستطيع قيادة المجتمع.

الليبرالية ليست مستقلة، بل تخضع إلى تدخلاتٍ كثيرة تجعلها تنحرف عن مسارها بوصفها أداةً لحرية الفرد ورفاهه وتقدمه

من ناحيةٍ أخرى؛ يرى المفكر أنّ التقدميين "حاولوا تغيير المجتمع وفق رؤاهم، وتعاملوا معه كآلة كان وقودها الأيديولوجيا، مثلاً، في حالاتٍ كثيرة، وضدّ الإرادات الفردية بطبيعة الحال"، وبالنظّر إلى العالم العربي مثلاً؛ فإنّ رؤية سالين ربما تنطبق نوعاً ما على الدولة القطرية العربية خلال الربيع العربي بالذات؛ حيث تكشفت أساليب إدارة الدولة سياسياً، من خلال قمع الإرادات الفردية من أجل الصالح العام، الذي لم يكن يتمثل بأكثر من حكمٍ تسلطي تمثل في حكم الحزب الواحد، الذي يسيطر على معظم المصالح العامة اقتصاديةً وسياسية، وبالتالي؛ فإنّ بنيته أصبحت محافظةً وبنائية، لكنّ شكله التقدمي بقي موجوداً في مجموعة من الأدبيات والظاهرات السياسية غير الواقعية، ومثال ذلك سوريا في مرحلتها (الإصلاحية)، بين عامَي 2001 و2008، ومن ثم ما تعرضت إليه من دمار خلال الربيع العربي بعد ذلك.

يعتقد سالين أنّ المحافظين واليساريين يحكمون المجتمع بصورةٍ آلية

وانطلاقاً من هذه الرؤية؛ يرى المؤلف أنّ المجتمع لا بدّ من أن ينطلق من رؤية واحدةٍ واضحة، إما ليبرالية، وإما بنائية، سبق ذكرها، والخلط بينهما لأجل الرأسمالية والانفتاح العالميَّين لن يفي بالغرض، وسيعمل على التشويه والخلط، ويدعم رأيه هذا بالحديث عن الديمقراطية؛ فهي ليست، في نظره، مسألة سياسية أو دستوريةً فقط؛ بل إنّ غيابها يؤثر في حقوق الأفراد في المجتمع، وفي حقّهم في نيل الفرص والمساواة فيها قدر الممكن، بينما يدمّر قدرة المؤسسات التنظيمية ويحيلها إلى وسائل لتحقيق مصالح محددة في يد جماعات محددة مثلاً، ممّا يجعل القوانين نفسها أيضاً، تتحول إلى نصوص عديمة القوة والنفاذ أمام مصالح الأكثرية (المقصود هنا أكثرية القوة والسلطة والتحكم بالمال)، وأمام الأقليات (فئات الشعب عموماً)، بالتالي؛ تنقلب الآية وتصبح الديمقراطية منتجةً لوهم تمكين المجتمع والأفراد من تحقيق ذواتهم ورغباتهم، وإنفاذ تبادلاتهم الاجتماعية والمادية بحريةٍ وطموح.

اقرأ أيضاً: لماذا تعاني الليبرالية من سوء السمعة في العالم العربي؟
كلّ هذا، في رأي سالين، ينعكس على الأسواق، ويحوّل مسألة انفتاحها أو انغلاقها إلى نتائج تصبّ في مصلحةِ أفرادٍ محددين فقط، وهكذا، يصبح لليبرالية تطبيق لا ينتمي إليها، يتمثل في إرادة ثلة من الأفراد المتنفذين اقتصادياً، وربما سياسياً، كنتيجة، ومن ثمّ؛ فإنّ هذا ينتقص من حقوق الآخرين وحرياتهم، ليتحولوا إلى تابعين لإرادات أقوى، فتنهكهم الأنظمة المالية مفتوحةً وحرةً  كانت، أو منغلقة وتخضع لرقابة الدولة، فبكل الأحوال هم دافعوا ضرائب، ومنتجون صغار غير مستقلين، أو مستهلكون يخضعون للاحتكار وقلة الخيارات، ...إلخ. وتنتهي عند هذا الحدّ أيّة قيمة لليبرالية، فلسفياً وأخلاقياً، لتدخل في عصر السوق، وتكون "ليبراليةً نفعية، أو نيوليبرالية" تراها الشعوب عدواً رأسمالياً، ينتج الفقر والمشاكل والحرمان.

الحرية والمسؤولية
تعدّ كلمة حرية جذابةً جداً، على صعيد اللغة والفكرة والمفهوم، وليست كلمةً مقترنةً بالليبرالية وحدها، إن أمكن فصلها، فالماركسية على لسان منظرها الأول كارل ماركس نادت بالحرية، وكذلك اليسار من حول العالم، والدول التي خاضت الحروب العالمية، وحتى المستعمرين في وقت ما، نادوا بحرية حقّهم في استخدام معرفتهم وقوتهم من أجل التوسع والحياة، أي أنّ الحرية تستخدم كثيراً في الرأسمالية أيضاً، وهذا ليس تناقضاً عجيباً، بل استثماراً كبيراً، كأيّ استثمارٍ رأسمالي آخر.

تتنصل الرأسمالية العالمية من المسؤولية التي تتطلبها حرية الأسواق والانفتاح، وترى في الحرية مجرد حقلٍ لجني الأرباح

إذاً، تعود الحرية على المنادين بها بالعديد من الأرباح أحياناً، وبالعديد من المسؤوليات أحياناً أخرى، لكنّ لبّ الصراع، وفق سالين، يعود إلى أنّ الليبرالية بالذات تخضع إلى حربٍ ضمن سياق المسؤولية، فيقول: "الرأسمالية تخوض صراعاً معقداً من أجل حرية أسواق وتجارة عالمية وغيرها، تخلو نوعاً ما من كثيرٍ من المسؤوليات التي تترتب عليها وعلى احتكاراتها وحروبها الاقتصادية، وما يتبعها من حروب عسكرية وسياسية أحياناً" أي أنّها قوةً تتنصل من المسؤولية وترى الحرية فقط حقلاً لجني الأرباح.
ومن جهةٍ أخرى؛ فإنّ الدول المحافظة، قطريةً كانت أم شيوعية أم مؤسساتية، فإنّها حين تتحدث عن "الابتعاد عن النسق الرأسمالي المذكور لصالح حكم أكثر أوتوقراطية وحماية لما يسمّى الصالح العام، اقتصاداً وسياسة، فإنّها تتخلى بدورها عن المسؤولية التي تترتب على منح الحريات للأفراد، ليزاولوا أعمالهم وأفكارهم ونشاطهم الاقتصادي بصورةٍ أكثر حرية"؛ ما يعني مباشرةً، أنّ الليبرالية تقع بين مطرقة الرأسمالية وسندان سياسات اقتصادية محافظة، تحاول كلّ منهما التنصل من مسؤوليتها تجاه الحرية، وما يترتب عليها من تبعات تراها في غير صالح القوى الاقتصادية المسيطرة، أو السلطة بشكلٍ عام.

غياب الديمقراطية يدمّر قدرة المؤسسات ويحيلها إلى وسائل لتحقيق مصالح محدّدة في يد جماعات محددة كما يضعف قوة القوانين

ويحاول الكاتب التوضيح، بطرحه مثالاً مصغراً على بلده فرنسا، فيتحدّث عن "وجود عمال وأجَرَاء يدافع اليسار عن حقوقهم ضدّ المقاولين وأصحاب رؤوس الأموال، الذين يدافع المحافظون عن مصالحهم، بينما تستغل الدولة كلّ هذا لتدير تضارب المصالح ذاك، فتفرض المزيد من الضرائب مثلاً، وتسنّ قوانين ما مختلفة، تتحول إلى مجموعة إكراهات تنهي أيّ احتمال للتوزيع العادل للجهود والثروات والأعمال".
هذا الكتاب ليس حكراً على التجربة الأوروبية أو الغربية وحدها، في مجال الحريات وتطور الدولة وقطاع المال العام والاقتصاد المحلي، ومن ثم الاقتصاد العابر للقارات؛ بل إنّ كثيراً من طرحه المختصر ضمن هذه القراءة، يتمثل في العديد من الدول العربية، التي تحولت خلال مرحلة الربيع العربي إلى نسيج مفكك، يسوده الدمار والحرب، بعد أن ظهرت صيغه البنائية المتنوعة، أيديولوجية، قمعيةً كانت أم طائفية محافظة، أو متسلطة وضعيفة اقتصادياً، وهي غالباً خليط من هذا كلّه.
وربما فقط، لم يكن ممكناً الخوض في وجود رأسمالٍ عابرٍ للقارات أثّر في هذه الدول، لأنّ التأثر يشبه نتيجةً حتمية، لدولٍ تعاني كلّ هذه المشكلات، وتخلط قواها السياسية والاجتماعية، غالباً، بين نظرية المؤامرة والرأسمالية المتوحّشة، والفساد مثلاً، وبين قيم الحرية والتعددية والاندماج مع العالم كجزء منه، في ظلّ ما يراه كثيرون هجمةً نيوليبرالية، يمكن استخدامها لتبرير التراجع العام، والدمار الذي كشفت عنه الثورات في لحظةٍ ما من التاريخ.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



الإخوان من الداخل.. ما دور النظام الخاص في توجهات الجماعة؟

2019-11-10

يميل بعض الباحثين والمؤسسات البحثية المتخصصة بشؤون الإسلام السياسي، عربية كانت أم غربية، إلى اعتبار حركة الإخوان المسلمين أميل إلى الاعتدال منه إلى التشدد والعنف، وأميل إلى التحول إلى حزب سياسي يقبل المشاركة السياسية على أساس ديمقراطي فيما إذا توفر لها ذلك، منه إلى الانعزال والتمسك بالتغيير الشامل وأسلمة الدولة والمجتمع ولو بالعنف. 

اقرأ أيضاً: كيف اخترقت جماعة الإخوان الجالية المسلمة في فرنسا؟
فيما يميل البعض الآخر إلى القول إنّ الفارق في الفكر الإسلامي الحركي بين المعتدلين والمتشددين الجهاديين هو فارق في الدرجة وليس في النوع، وغالباً ما يتعلق ببراغماتية نفعية تحسن الاستجابة للضغوط المحلية أو الدولية حسب مقتضى الظروف، وأنّ في تاريخ الحركة من استخدام العنف أو دعم الحركات "الجهادية" مادياً ومعنوياً وبشرياً الكثير من المحطات والشواهد؛ فالحركة التي أسسها حسن البنا في مصر العام 1928 كمحاولة لإعادة إحياء الخلافة الإسلامية بعد انهيارها على يد أتاتورك في العام 1924 تعدّ الحركة الأم التي تفرعت منها جميع تنظيمات وحركات الإسلام السياسي الحزبية و"الجهادية".

انطلق الباحث من موقف الجماعة الملتبس والمتردد من "25 يناير" لرصد وفهم الأطر الحاكمة لمسارها واختياراتها

وما زال التساؤل حول مستقبل هذه الحركة، والأطر التي تحكم توجهاتها يعاد طرحه مع كل منعرج تاريخي أو استحقاق سياسي تمر به حتى اليوم، ولعل التساؤل الأبرز حول تلك الأطر الحاكمة لمواقف وتوجهات الإخوان هو السؤال الذي فرضته ثورات الشباب العربي التي انطلقت من خارج الأطر السياسية المؤسسية جميعها، وتخطت جميع تنظيراتها الفكرية على اختلاف أطيافها الأيديولوجية، حول مدى صلاحية تلك المؤسسات في ساحة الفعل السياسي والاجتماعي المستقبلي، ومدى إمكانية إصلاحها فكرياً وتنظيمياً، وهل يمكن لهذه الحركة وقيمها أن تكون جزءاً من عملية التغير الديمقراطي وبناء الدولة الوطنية المنشودة، أم عقبة في طريقها؟ وهل كان الإخوان يوماً جزءاً من المعارضة الوطنية لسلطات الاستبداد السياسي والاجتماعي في بلدانهم، أم جزءاً من حركة تكوين الدولة ومن تركيبة النظام السياسي ذاتها، و(الأقرب للنظام وحركته وأكثر "العارفين"و"اللاعبين" في دواليبه حتى وهم عرضةٌ لحملات القمع والاستئصال) خلال مسيرة طويلة من الصراع والتنافس على السلطة؟

غلاف  كتاب "الإخوان المسلمون.. سنوات ما قبل الثورة"
في كتابه "الإخوان المسلمون.. سنوات ما قبل الثورة" الصادر عن دار الشروق 2013 بعد وفاة مؤلفه الباحث والصحافي المصري حسام تمام المتخصص بشؤون الجماعات الإسلامية، وغير البعيد عن فكر الإخوان، لكن مع كثير من الموضوعية والحسّ النقدي، انطلق الباحث من موقف الإخوان الملتبس والمتردد والمتوجس من المشاركة في حركة الاحتجاج الشعبي التي قادها الشباب المصري في 25 يناير 2011 في محاولة لرصد وفهم الأطر الحاكمة التي حددت مسار الجماعة واختياراتها مع إرهاصات الثورة الأولى، وأعاد الاشتباك مع تلك الأسئلة ومحاولة الإجابة عليها من خلال الغوص في تاريخ التيار الإسلامي المصري وأعماق التركيبة التنظيمية لجماعة الإخوان بغية الكشف عن تفاعلاتها الداخلية، واستشراف مواقف ورؤى الجماعة في المحطات القادمة.

البنا حوّل الدعوة من النسق المفتوح إلى الإطار التنظيمي المغلق في الأربعينيات بتأسيسه "النظام الخاص"

توصل الباحث من خلال استعراضه المسهب والتفصيلي لتاريخ الحركة التي بدا فيها العمل الدعوي الديني على النسق المفتوح خياراً واضحاً في الثلاثينيات، أنّ البنا قد حوّل الدعوة من النسق المفتوح إلى الإطار التنظيمي المغلق في الأربعينيات بتأسيسه "النظام الخاص" لجماعة "الإخوان المجاهدون" ذات التنظيم الهرمي السري والعسكري متأثراً بالسياق التاريخي للمرحلة، وبالتنظيمات ذات الصبغة الشمولية في ذاك الوقت.
كما توصّل أنّ المراحل المفصلية التي مرت بها الحركة تكشف أنّه كان دوماً ثمة تدافع بين تيارين اثنين في داخل الحركة يتوزعان الأدوار حسب مقتضى الظروف، وهما: تيار العمل العام الإصلاحي المنفتح (الذي يرسم وجه الجماعة في الحياة العامة)، ويبرز كلما ازداد الطلب المحلي والعالمي على الخطاب الإصلاحي، ويتم التغاضي عنه من قبل التيار الآخر طالما كان الخطاب الإصلاحي قادراً على أن يكسب للجماعة مناطق نفوذ جديدة، أو جمهوراً كان بعيداً عنها تقليدياً، وطالما كانت هناك إمكانية للتحكم في تلك الأفكار الإصلاحية ودرء خطر وصولها إلى قواعد التنظيم.

اقرأ أيضاً: الإخوان والجيش: أكذوبة دعم الجماعة لثورة يوليو
أما التيار الثاني فهو التيار التنظيمي المنغلق والمتشدد وصاحب الغلبة والفصل الذي (يدير العمل التنظيمي للجماعة ويمسك بمفاصله؛ ويتولى مسؤولية التجنيد وتحديد مراتب العضوية ودرجاتها، ويضع مناهج التكوين والتثقيف الداخلي)، ويتحكم المحافظون في مفاصله الرئيسية.
وهذا التيار هو امتداد تاريخي "للنظام الخاص" السري الذي أسّسه البنا، وأولى كوادره عناية خاصة بالاختيار والتدريب العسكري والتثقيف وفق مناهج تغلب عليها المقررات الجهادية والقتالية والتربوية الصارمة منذ انطلاق الحركة، ثم تعززت هذه المناهج بالأفكار والأيديولوجيا القطبية في الستينيات من القرن الماضي، وحصل التنظيم على الجهاز التبريري الذي يحتاجه "الجيل القرآني الجديد... المستعلي، والمنعزل شعورياً عن "مجتمع الجاهلية" من فكر سيد قطب في مرحلة أولى، وبالسلفية الوهابية في مرحلة تالية.

الجهاد فكرة مركزية في فكر الإسلام السياسي لا يمكن تجاوزها بمبدأ المراجعة الفكرية

وما كان لأفكار سيد قطب أن تتحول إلى هوية دينية للجماعة وأيديولوجيا مسيطرة لولا وجود الأساس في فكر البنا حول "النظام الخاص الذي أنشأه وعجز عن لجمه من جهة، واستمرار الإقصاء ورفض إعطاء المشروعية القانونية للحركة من قبل النظام الحاكم من جهة ثانية، الأمر الذي عزّز الميل نحو بناء التنظيم المغلق والشمولي الذي يتجسد في "العصبة المؤمنة" والمنفصل عن قيم الدولة والتنظيمات المرتبطة بها باعتبارها خارجة عن قيم الإسلام الصحيح،  وهو ما جعل من هذا "الجيل القرآني المستعلي بالإيمان الحق" والطامح للتغيير الجذري وبناء الدولة الإسلامية والمجتمع الإسلامي البديل لما هو قائم، يكون هو التيار الحاكم لاختيارات الحركة في جميع المراحل المفصلية المهمة من تاريخها حتى اليوم.

وقد حافظت الحركة على التعايش الداخلي بين هذين التيارين بقدرة استثنائية تحت مطلب الحفاظ على وحدة الجماعة واستقرارها كأولوية مطلقة لدى جميع تيارات التنظيم، خاصة وأنّ التنظيم قد بات يشكل في ضمير أفراده مجتمعاً بديلاً، وليس مجرد إطار سياسي أو كيان دعوي يجوز الاختلاف حوله أو الخروج منه، وهذه الأولوية للحفاظ على وحدة الجماعة وقوة التنظيم المعززة بثقافة دينية تلحّ على نبذ التفرقة والطاعة والامتثال، مشفوعة بالشعور بالمظلومية وتحديات الخصوم، تتحول إلى طريق مسدود أمام أي فكر نقدي حقيقي أو إصلاح جدي يعيد النظر في مواقف الحركة على الصعيد العملي أو الفكري والتنظيمي والقيمي يؤهلها للانفتاح على الحركات الاحتجاجية الجديدة والقوى الاجتماعية والسياسية، والقيم الحديثة المختلفة مع منظومتها العقائدية، حتى تدرك أنّها جزء من الحركة الاجتماعية في بلدانها في العالم الحقيقي تحمل كل ملابساتها وليست بديلها الإسلامي الطهراني المتوهم.
ما كان لأفكار سيد قطب التحول إلى هوية دينية للجماعة لولا وجود الأساس في فكر البنا

"ترييف" و"تسلّف" الإخوان
يعتبر الباحث أنّ التركيبة الداخلية للإخوان المسلمين هي التي تدفع بمواقف الحركة إلى السطح وليس ما تحتويه أدبياتها أو حتى لوائحها التنظيمية، وأنّ "الترييف" و"التسلف" هما أهم الظواهر الاجتماعية التي تتعرض لها الحركة في المرحلة الحالية؛ فقد ساهم الانفتاح الاقتصادي وعملية التحديث السريع وانتشار التعليم الأفقي والتنمية غير المتوازنة بين الريف والمدينة إلى هجرة قطاعات كبيرة من أبناء الريف، طلباً للعلم و العمل، مما أدى إلى ترييف المدن بدلاً من تحضر الريف، سواء في مصر أو غيرها من البلدان العربية، وكانت هذه الفئة الاجتماعية هي القطاع المستهدف بالنشاط التعبوي والتنظيمي للحركة التي راحت تسدّ عجز أو إهمال الدولة في توفير المساعدة والخدمات لهؤلاء الوافدين عبر احتوائهم في الأسر الإخوانية. فلعب الريف بذلك دوراً في مدّ الحركة (بمخزون اجتماعي ينحدر من طبقات ريفية محافظة، لوزن التقاليد فيها أهمية بالغة)، وممن تلقوا تعليماً يحتل فيه المكون الديني نصيباً مهماً.

يتسم الكتاب بالموضوعية ويعتبر وثيقة تاريخية ومرجعاً مهماً للقارئ والباحث في قراءة المشهد الإخواني من الداخل

شكّل هذا الرافد الجديد حلقة وسيطة ساهمت في انتشار التنظيم إلى قطاعات ريفية كانت خارج نشاط الحركة فيما قبل، لكنّه ساهم في نفس الوقت في انتشار (ثقافة ريفية تتوسل بالقيم الأبوية، حيث الطاعة المطلقة والإذعان للمسؤول التنظيمي، وانتشار ثقافة الثواب والعقاب.. وسيطرة ثقافة الخوف من المختلف مع الميل إلى الركون للتماثل والتشابه بين أعضاء الجماعة)، وهو ما زاد من قوة التيار التنظيمي المحافظ في الحركة بعدما أصبح الكادر الريفي هو الجزء الأكبر من قادته من الجيل الثاني، وعزّز وساعد على انتشاء المكون السلفي "الكامن" في فكر الجماعة أصلاً، لكن هذه المرة ليست سلفية البنا المرنة التي استقاها من رشيد رضا، إنّما السلفية الوهابية المتشددة التي تأثر بها الإخوان منذ شكلت دول الخليج ملاذاً آمناً لهم على أثر الملاحقات الأمنية وحملات الاعتقال المتلاحقة في بلدانهم، إضافة إلى انتشار المطبوعات السلفية التي زاد الإقبال على تدارسها واقتنائها بحكم كونها توزع كهدايا مجانية في مصر منذ الفورة النفطية.

اقرأ أيضاً: أسرار اتصالات الإخوان بـ "CIA"
كما عملت السلطات السياسية على تنمية المد السلفي بنوع من التنافس على التدين والاستثمار بالدين لتقويض سيطرة الإسلام السياسي على الحالة الدينية في المجتمع.
كل ذلك قد مهد لانتشار السلفية الوهابية وتضافرها مع السلفية الجهادية الباقية في إرث الجماعة من فكر المودودي وسيد قطب، وهو ما بدا واضحاً في مسائل الهدي الظاهر: من إطلاق اللحى والتشدد في اللباس وحجاب النساء ومعاداة الفنون والموسيقى والآداب، وفي زيادة المحافظة والتشدد على الصعيد الفكري والعقائدي، وتراجع دور تيار العمل العام أمام اشتداد قبضة التيار التنظيمي الذي زاد من انعزال الحركة وتراجعها عن القبول بالديمقراطية والمشاركة السياسية، وما يستتبعها من حقوق المواطنة الكاملة وقضية المرأة والأقباط، وعودة شعار الدولة الإسلامية، وفرض الجزية على غير المسلم ومنع المرأة والأقباط من الترشح للرئاسة وأسلمة الدولة والمجتمع.

ما يشير حسب استخلاص الباحث إلى أنّ الجماعة ستفقد الكثير من مرونتها ومن قدرتها على ضمان التنوع الداخلي، وتذهب نحو (مزيد من التنميط والمحافظة الذي ستتعاضد فيه المكونات التنظيمية والقطبية والسلفية) في المرحلة القادمة، الأمر الذي  سيعيد طرح السؤال حول موضوع الجهاد المرتبط باستخدام العنف، خارج الدولة أو داخلها، باعتباره أيضاً أحد المكونات العقائدية والأيديولوجية "الكامنة" في فكر الجماعة منذ أسس البنا الكشافة والتنظيم السري العسكري الذي شكل بنية جاهزة لتلقف أفكار سيد قطب التي شكلت جهازاً فكرياً وعقائدياً تبريرياً كاملاً لدى الحركات الإسلامية "الجهادية" التي خرجت من تحت عباءة الإخوان؛ فلم تحتج سوى إنزاله إلى الواقع العملي.

التركيبة الداخلية للإخوان هي التي تدفع بمواقف الحركة إلى السطح وليس ما تحتويه أدبياتها

ولم يكن الفارق بين هذه التنظيمات وجماعة الإخوان في استخدام العنف ومبرراته، سواء في الداخل أم في الخارج رغم ميل الإخوان إلى "الجهاد الوطني وليس العالمي"، سوى تجربتهم القاسية وخبرتهم في قراءة المشهد خوفاً من دفع فاتورة الحساب؛ فالجهاد فكرة مركزية في فكر الإسلام السياسي لا يمكن تجاوزها بمبدأ المراجعة الفكرية، وهي في فكر الإخوان رهن بتطورات البيئة السياسية المحيطة من فرص وإكراهات من جهة، وبحسابات الحركة نفسها في تفاعلها مع هذه التطورات من جهة ثانية. (فالتركيبة الداخلية لجماعة الإخوان المسلمين وطبيعة الحركة نفسها تلعب الدور الأكبر بحيث تتضمن الأيديولوجيا تكييفاً للفكرة الجهادية مع المتغيرات الخارجية أكثر منه تغليباً للرؤية الفقهية). وهي الفكرة المركزية التي انطلق الباحث منها وبنى عليها هيكلية بحثه.

اقرأ أيضاً: العراق يتزلزل.. والإخوان المسلمون يعقدون مؤتمرهم الحزبي
يتسم كتاب الباحث حسام تمام بالموضوعية والرؤية التحليلية النافذة وغزارة المعلومة، ويعتبر وثيقة تاريخية ومرجعاً مهماً للقارئ والباحث في قراءة المشهد الإخواني من الداخل، خاصة لدى تنظيمات تحوطها الكثير من السرية، سواء اتفق القارئ مع فرضية بحثه حول دور التيار التنظيمي المحافظ كإطار حاكم في مواقف وتوجهات الحركة أم اختلف معه.

للمشاركة:

سوسيولوجيا العنف والإرهاب.. مواجهة لا تحتاج حرباً

2019-10-28

العنف اعتداء على جوهر الحياة وكرامة الإنسان وسعادته، ويصبح خطراً عالمياً وإنسانياً يهدد كل مظاهر الحياة والمجتمع والحضارة البشرية عندما يرتبط بأيديولوجيا متطرفة أو عقيدة تكفيرية فيتحول إلى "إرهاب".

اقرأ أيضاً: لماذا لم يحتل الإرهابيون الساحل الغربي لأفريقيا؟
وبالرغم من أنّ العنف ليس حدثاً جديداً في التاريخ البشري ولا يقتصر على مجتمع دون غيره، إلا أنّ المجتمعات تتفاوت في قدرتها على ضبط النزوع العدواني الطبيعي للكائن البشري كلما ارتقت في سلّم التطور الاجتماعي والثقافي، وساد بين أفرادها الوئام والتسامح والحرية وروح المواطنة والمساواة، فيما قد تعاني بعض المجتمعات من التفكك والنكوص كلما انحدرت فيها القيم الإنسانية والأخلاقية وافتقدت حياة الإنسان فيها للمعنى، وسادت بين أبنائها علاقات التغلب والتسلط والقهر والقمع والاستبداد، سواء أكان بفعل صراعاتها الداخلية أم مع محيطها الخارجي، الأمر الذي يجعل من هذه البيئات الاجتماعية منبعاً للتطرف والعنف.

تشكل الدراسة إسهاماً مهماً للبحث في ظاهرة العنف وتبيان العوامل الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية والعقائدية المولدة له والمحرضة على سلوكه

ولعل هذا يفسر ما تشهده العقود الأخيرة من تنامي مظاهر العنف وتنوع أشكاله وخروجه عن السيطرة والضبط بعد أن تطورت أساليبه تطوراً كبيراً مع التطور التكنولوجي وثورة المعلومات والاتصالات، واتسعت رقعته حتى شملت جميع المستويات؛ المحلية والإقليمية والدولية، ما يجعل مهمة مواجهته ودرء أخطاره وفهم أسبابه للحد من آثاره المدمرة للروح الإنساني مهمة إنسانية وعالمية.
ولما كانت مواجهة العنف والإرهاب الحقيقية تستلزم فهم أسبابه، والوعي بخطورة ثقافة العنف والتربة التي ينبت فيها قبل أية وسيلة أخرى، فقد تصدى الكثير من الباحثين والمفكرين من مختلف المواقع والتخصصات العلمية والفكرية لدراسة وتحليل تلك الظاهرة والكشف عن دوافع العنف وأساليبه وغاياته، وتوفير الأدوات الناجعة في مواجهته والحد من آثاره المدمرة على الفرد والمجتمع.

غلاف الكتاب
وتشكل دراسة الباحث العراقي إبراهيم الحيدري في كتابه "سوسيولوجيا العنف والإرهاب"، الصادر عن دار الساقي 2015، إسهاماً مهماً للبحث في ظاهرة العنف وتبيان العوامل الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية والعقائدية المولدة له والمحرضة على سلوكه، كما يشكل سؤاله الذي يضعه عنواناً ثانوياً للكتاب "لماذا يفجر الإرهابي نفسه وهو منتشٍ فرحاً" مدخلاً للتحليل السوسيولوجي والسيكولوجي للسلوك العنفي، وفهم شخصية "الإرهابي" يستعرض الباحث من خلاله طيفاً واسعاً من الآراء والأفكار والنظريات والمعتقدات التي راكمها الفكر الإنساني عبر مسيرته الطويلة حول موضوع العنف، وأشكاله وآلية مواجهته وضبطه بدءاً من الفلسفات الأولى، اليونانية والشرقية والإسلامية مروراً بالفارابي وابن خلدون ونظريات العقد الاجتماعي في تفسير العنف، والماركسية وتفرعاتها النظرية في علم الاجتماع  وعلم النفس وعلم النفس الاجتماعي وعلم نفس ما بعد الحداثة، إلى فلسفات التواصل الحديثة مع حنة إرندت وهابرماس ومقولة "الإرهاب والحداثة المغلوبة". 

اقرأ أيضاً: كيف تتحالف الجماعات الإرهابية والإجرامية في العالم؟
ويستخلص الحيدري من هذا العرض الطويل لأهم النظريات الفلسفية والاجتماعية والنفسية التي عالجت موضوع العنف والإرهاب مع ما يرفده من عرض لمنشأ وتاريخ العديد من الحركات الثورية والمنظمات الإرهابية المحلية والدولية، إجابة أولية على سؤاله المحوري تفيد بأنّ التحليل السوسيولوجي والسيكولوجي يجيبنا "أنّ الفرد الإرهابي لا يولد بالضرورة إرهابياً، إنّما يصبح كذلك بفعل عوامل بيئية واجتماعية وسياسية ودينية مختلفة"،  فالاستعداد البيولوجي للسلوك العنيف الموروث مما بقي عالقاً في خصائص الإنسان وغرائزه من مملكته الحيوانية لا يشكل سوى استعداد للعنف فقط، كشكل طبيعي من أشكال الحماية للذات والحفاظ على حياة العضوية.

اقرأ أيضاً: لماذا تحول الإرهاب في الساحل الأفريقي إلى أزمة عالمية؟
فيما يبقى للعوامل الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والنفسية والأخلاقية والدينية الدور الأساسي في صنع وتكريس السلوك العنيف؛ "فالعنف والإرهاب صنيعة المجتمع المريض والسلطة القمعية الجائرة والعقائد الدينية السقيمة" التي تستمر المجتمعات المتخلفة، والسلطات البطريركية الذكورية في إعادة إنتاجها وتكريسها بدءاً من الأسرة التي تنشئ أولادها على العدوانية والتسلط والقمع وعلاقات السلطة الأبوية التي تخلق أشخاصاً يميلون إلى التسلط والقمع والتغلُب، أو إلى الخضوع والامتثال والعجز والاتكال، إلى المدرسة التي تعتمد منهجية الحفظ والتلقين، وتخضع لأيديولوجيا السلطة، وتزرع في المتعلم قيم المجتمع التقليدي، فتقتل روح الإبداع والتفرد والعقل النقدي وقيم الحرية والمساواة والتسامح والحوار، إلى المؤسسة الدينية التي تطغى  على المؤسسات الثقافية والمدنية بخطابها الرافض لقيم الحداثة وروح العصر بفعل الاستعمار والتحدي الحضاري الذي تعرضت له هذه المجتمعات، والذي يترجم ذاته بخطاب الكراهية الذي يستبطن العنف والعدوان تجاه الآخر المختلف؛ اجتماعياً أو إثنياً أو دينياً، تحت شعارات الخصوصية الثقافية أو الدينية أو القومية، إلى السلطة السياسية التي تقوم على علاقات القوة والغلبة والقهر والإكراه وغياب العدالة والمساواة بحقوق المواطنة، ما يشكل منظومة فكرية ثقافية متكاملة توفر الشروط المثالية لإنتاج السلوك العنيف وشخصية الإرهابي.

الإرهاب: تعريفه وتاريخه وأسبابه
يشير الحيدري إلى صعوبة تعريف الإرهاب تعريفاً دقيقاً و موضوعياً بحكم ارتباطه تاريخياً بأيديولوجيات سياسية وأفكار عقائدية متنازعة ومختلفة حول الغاية من فعل العنف، وإدانة السلوك العنفي أو شرعنته وتبريره تبعاً لغايته، لذلك فقد تعددت تعريفات الإرهاب، واتخذت في مجملها طابعاً وصفياً لممارسات ظرفية تبنتها جماعات أو منظمات ثورية بعينها.

مواجهة الإرهاب ودرء أخطاره وفهم أسبابه للحد من آثاره المدمرة للروح الإنساني مهمة إنسانية وعالمية

استُخدِم مصطلح الإرهاب لأول مرة العام 1795 في وصف أساليب مجموعة اليعاقبة اليساريين السياسية بعد الثورة الفرنسية في معاملة واعتقال المعارضين، كما استخدم في وصف الأشخاص أو الجماعات الذين لا يلتزمون بقوانين الحرب في مطلع القرن العشرين، وأمثلة أخرى مشابهة؛ ما جعل مصطلح الإرهاب يقتصر على تعريف إجرائي من خلال ما ينطوي عليه من انتهاك للقوانين الإنسانية وعن وسائل الضبط الاجتماعية العرفية والوضعية، يجمله الباحث في كل عمل عنف مسلح أو رعب تحدثه أعمال عنف قصدية تخرج عن المعايير الإنسانية: كالقتل والاغتيال والإبادة والتخريب والتدمير... بغرض سياسي أو اجتماعي أو اقتصادي أو ديني ينتهك المبادئ العامة للقانون الإنساني التي تحرم استخدام وسائل وأساليب وأدوات عنف قاسية تجاه أهدف مدنية بريئة دون أن يكون لذلك ضرورة ماسة.
ولما كان ثمة صعوبة في نحت تعريف شامل للإرهاب فثمة صعوبة مقابلة في حصر أسبابه، والعوامل الدافعة له بحكم تعددها واختلافها وتنوعها بتنوع واختلاف المواقف والأهداف والمصالح التي يتخذها الإرهابيون، وبحكم ارتباط أعمال العنف والإرهاب غالباً بفترات التغيرات والتحولات الاجتماعية الجذرية والسريعة وما يرافقها من اضطرابات اجتماعية وسياسية وتطلعات مستقبلية تعبر عن الاختلال البنيوي للتوازن الاجتماعي الذي يَسِم الدول الاستبدادية والشمولية التي تشكل المنبت الأوسع لأعمال العنف والإرهاب بسبب الفقر والجهل.

اقرأ أيضاً: "يوم المسجد المفتوح" في ألمانيا لمواجهة دعاة التشدّد والإرهاب
ويضاف إلى ذلك تفشي ثقافة الخوف وعدم المساواة، وغياب التفاهم والحوار الديمقراطي وعدم مشاركة الفئات الاجتماعية في تدبير شؤون الحكم والسياسة وتقرير مستقبلها ومستقبل أوطانها، وخاصة في أوقات الأزمات والكوارث والصراعات والحروب، وهو ما يجعل من هذه البيئات منبعاً للإرهاب وساحة له في آن، ويجعل من شعارات الحرب على الإرهاب مجرد شعارات فارغة من أي مضمون ومحتوى إيجابي وفعال دون إيجاد حل حقيقي لأزمة هذه المجتمعات واختلال توازنها الاجتماعي البنيوي، واختلال علاقاتها مع عالمها المحيط.

اقرأ أيضاً: رفع السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب.. مكاسب واشتراطات
فهذه المجتمعات التي دخلتها الحداثة قسراً أو خلسة من الأبواب الخلفية، ومازالت تعيش في غربة عن عالمها وفي انفصام بين واقعها الحقيقي ومتخيلها وذاكرتها الجمعية الانتقائية ستبقى عرضة للحروب الداخلية ومولدة للعنف والإرهاب المحلي والعالمي؛ فقد أثبت التحليل السوسيولوجي أنّ العنف استجابة مكتسبة من البيئة الاجتماعية والسياسية والثقافية، فالمجتمعات التي تسود فيها النزعة الأبوية البطريركية واحتقار النساء؛ وتقوى فيها العصبيات القبلية والإثنية والطائفية؛ وتنعدم فيه الحرية واحترام الرأي والاختلاف، يتراجع فيها التفاهم والتواصل والحوار أمام العنف، ليدخل المجتمع في دوامة الحروب والتسلط والإرهاب الذي لن تعاني منه وحدها فحسب، بل ودول العالم الأخرى أيضاً.

اقرأ أيضاً: الإرهاب غرب أفريقيا.. كيف يمكن مواجهته؟
فليس عجباً كما يشير المؤلف أن تبدأ حروب القرن الواحد والعشرين في أفغانستان، كما ليس عجباً أن تمتد إلى مثيلاتها العربية والإسلامية التي وجدت فيها الحركات الإسلامية المتطرفة والفكر الحركي "الجهادي" مثل "داعش" وأخواتها مرتعاً خصباً لأفكارها وأيديولوجياتها، وخزاناً بشرياً من هويات بلا ذوات لا تحتاج سوى القليل من الإغراء الدنيوي والأخروي يدغدغ غرائزها وعواطفها حتى ترفده بجيش من الانتحاريين والإرهابيين تحت شعار العنف المقدس أو غير المقدس.
وستبقى هذه البيئات ذات الواقع الاجتماعي السياسي الفاسد وما يفرزه من إحباطات اجتماعية واغتراب نفسي، تغذي الحركات الدينية الأصولية على اختلاف أفكارها وأهدافها وتدفع قسماً منها إلى ممارسة العنف والإرهاب فكراً وممارسة.
يشير الحيدري إلى صعوبة تعريف الإرهاب تعريفاً دقيقاً و موضوعياً

ثقافة التسامح وتقبل الاختلاف
يختم الحيدري كتابه بالدعوة إلى التسامح ورفض العنف ورفض الحرب باعتبارها أسوأ أعمال العنف، ويفرد لمفهوم التسامح وتاريخ المفكرين والرواد الذين حملوا الأفكار التي تحض على التسامح والتواصل بين البشر والديانات، وتبين دور التسامح الإيجابي في حل النزاعات ووقف العنف فصلاً كاملاً يذيله بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وإعلان مبادئ التسامح الذي أصدرته اليونسكو 1995 الذي يعرف التسامح بالانسجام داخل الاختلاف، وتقبل الاختلاف والتنوع والثراء في الثقافات البشرية، واحترام وتقدير جميع الأشكال والأساليب التي يتم من خلالها التعبير عن خصائص الوجود البشري، والاعتراف بأن لكل شخص الحق في حرية التفكير والضمير والدين، وحرية الرأي والتعبير.

يخلص المؤلف إلى أنّ مواجهة العنف والإرهاب لا تتم بإشعال حروب جديدة تحت مسمى "الحرب على الإرهاب"

مع الإشارة إلى أنّ التسامح المقصود هو التسامح الإيجابي، وأنّ هذا التسامح ليس منّة أو تنازلاً أو مجاملة، بل هو موقف إيجابي يتلخص في الاعتراف بحريات الآخرين الأساسية.
ويخلص المؤلف إلى أنّ مواجهة العنف والإرهاب لا تتم بإشعال حروب جديدة تحت مسمى "الحرب على الإرهاب"، بل بإشاعة ثقافة العفو والتسامح بدل ثقافة الكراهية والعدوان، وإصلاح منظومة مؤسسات الدولة والمجتمع، وتوزيع الحقوق والواجبات بين المواطنين بعدالة ومساواة، وإصلاح وتحسين طرق التربية والتعليم باتباع أسس علمية وعقلانية رشيدة تقطع مع طرق الحفظ والتلقين والاستبداد والخوف، وترسي أسس استيعاب المعرفة والنقد البناء والحوار وتقبل الاختلاف، وتحسين منظومة القيم الاجتماعية والأخلاقية وتشذيبها من الخرافة والقدر الأعمى والتعصب والعدوان، وفصل الدين عن السياسة، وتشجيع مؤسسات المجتمع المدني المتحررة من أيديولوجيا السلطة للقيام بواجبها في مراقبة الدولة ومؤسساتها وتوجيهها نحو خدمة المجتمع وتمكين أبنائه من بناء مجتمع ديمقراطي متسامح يخلو من العنف والإرهاب، وينفتح على قيم الحداثة والتنوير وروح العصر، ويؤمن بأنّ مستقبل العالم والإنسانية مستقل مشترك بين الجميع.

للمشاركة:

"الاعتدال والتطرف".. محاولة للفهم والمواجهة

2019-10-24

يقول إريك هوڤر، في كتابة "المؤمن الصادق" (2010): إنّ المتطرف يعدّ أيّة قضية يعتنقها قضية مقدسة، وليس بالإمكان إبعاده عنها بالمنطق والنقاش.
هل نحن في حاجة اليوم، في ظلّ الكمّ الهائل من المشاكل والأزمات السياسية والاجتماعية والاحتجاجات والاضطرابات السياسية والحروب والنزعات المسلحة، التي تعمّ العالم العربي والشرق الأوسط والعالم، إلى كتبٍ حول الاعتدال والتطرف؟ وهل تشكّل مثل هذه الموضوعات من الدراسة والبحث الاهتمام ومشقة البحث؟ وهل تلقى هكذا كتب اهتمام الناس والمؤسسات والدول أصلاً؟

اقرأ أيضاً: هل ندرك حقاً الفرق بين التطرف والاعتدال؟‎
أعتقد أنّه؛ بالنظر إلى أنّ مشكلة التطرف بكافة أشكاله تقع في القلب من معظم مشاكل العالم وأزماته المستعرة حالياً، يغدو من المهم أن نبذل المزيد من الجهد والمتابعة في البحث والتنقيب والحفر، في البنى الاجتماعية والثقافية والسياسية، والحواضن الموضوعية المنشئة للتطرف، وكيف يتولّد التطرف العنيف المفضي إلى العنف والإرهاب.
التطرف مفهومٌ إشكالي ومُلتبس، ليس فقط التطرف الديني العنيف؛ بل كلّ أنواع التطرف، والتطرف الديني العنيف ظاهرة اجتماعية متخطية للزمكان، ومتخطية للأديان والمجتمعات، وقد أصبحت ظاهرة التطرف، والتطرف العنيف، وعلاقته بالإرهاب العالمي، كما سبق أن أشرت أكثر من مرة، "موجة" العلوم الإنسانية اليوم، ولا أظنّ أنّ هناك ظاهرة اجتماعية معاصرة في حقول الدراسات الإنسانية حظيت، وما تزال تحظى، بالاهتمام والدراسة في مختلف فروع العلوم الإنسانية، مثل ظاهرة التطرف الديني، خاصة بعد أن اقترنت بالإرهاب العالمي المعاصر.

اقرأ أيضاً: "العقول البيضاء".. خطة الإخوان لصناعة المتطرفين
من ضمن الكتب في هذا الحقل من الدراسة؛ صدر في العاصمة الأردنية، عمّان، كتاب جديد للباحث الأردني إبراهيم غرايبة، بعنوان "الاعتدال والتطرف، التكوين المعرفي في الفهم والمواجهة".

غلاف الكتاب
الغرايبة من الباحثين العرب المهتمين برصد ظاهرة التطرف والتطرف العنيف، خاصة التطرف الديني والإرهاب، وقد سبق لنا في "حفريات" أن عرضنا مراجعة لكتابه الأول، عام 2018، حول التطرف، الذي كان بعنوان "ما التطـــــــرف؟"، والذي نقّب فيه المؤلف عميقاً في" أركيولوجيا" الظاهرة في مختلف المصادر القديمة والحديثة العربية منها واللغات الأخرى بمراجع حديثة ومعتبرة في مختلف حقول المعرفة الإنسانية التي حاولت تفسير الظاهرة.

اقرأ أيضاً: هل مثلت جماعة الإخوان المسلمين حاجزاً في وجه التطرف؟
ولطالما أكد أنّ التديّن منتجٌ حضاري اجتماعي يعكس الحالة الاجتماعية والسياسية في المجتمع ويأخذ بالعادة أشكالاً مختلفة ومتعددة للمتدينين، وأنّ التطرف ذو طبيعة واحدة، مهما تعدّدت أشكاله وأسبابه، وأنّ "التطرف الديني العنيف" ظاهرة اجتماعية مُعقدة جداً، صعد منذ سبعينيات القرن العشرين، في الوقت نفسه الذي بدأت مكافحته بمقارباتٍ دولية "خشنة"، تعتمد التدخل العسكري والعمليات الأمنية الاستخبارية.

يواصل المؤلف عملية الحفر والتنقيب عميقاً في مجاهل الظاهرة وتتبع أصولها التأسيسية

أمّا في الكتاب الذي بين أيدينا، والذي يتكون من (297) صفحة، وتمّ تقسيمه إلى مقدمة و6 فصول؛ فقد ذكّر المؤلف على صفحته الشخصية في الفيسبوك؛ بأنّ كتابه هذا "يمثل الجزء الثاني من كتاب "ما التطرف؟"، سابق الذكر، وأنّه جاء ليركّز على "فهم الاعتدال والتطرف بمنظورٍ سيكولوجي وسوسيولوجي وشبكي وفردي، باعتبار الاعتدال والتطرف تشكلات وتكوينات مستمدة من البيئة المحيطة بالأمم والأفراد وفي سياق التقدم والفشل".
وفي هذا الكتاب؛ واصل المؤلف عملية الحفر والتنقيب عميقاً في مجاهل الظاهرة، وتتبع أصولها التأسيسية (جينولوجيا التطرف)، متكئاً على ذخيرة وافرة من الفهم العميق لروح الدين والرواسب الفكرية والفلسفية، المؤثرة في الظاهرة، من مختلف مشارب المعرفة الإنسانية؛ من التاريخ إلى السياسة، إلى علم الاقتصاد والاجتماع وعلم النفس، إلى الفنون والمسرح والرسم والعمارة، بمقاربة كلانية معتبرة ومميزة، ليغوص في أعماق التطرف، ولماذا يتركز البحث حول التطرف وينحسر الحديث في المقابل عن الاعتدال؟

اقرأ أيضاً: داعش والقاعدة والحوثي والإخوان.. رباعي التطرف المتربص باليمن
وكعرض شمولي غير تقليدي لفصول الكتاب التي جاءت مرتبة على نحوٍ مميز، نلاحظ أنّ المؤلف افتتح الكتاب بالفصل الأول حول الاعتدال والتطرف، وفي الفصل الثاني سيكولوجيا الاعتدال والتطرف، والفصل الثالث حول الاعتدال والتطرف بمنظور اقتصادي اجتماعي، والفصل الرابع الاعتدال والتطرف بمنظور شبكي، والفصل الخامس الاعتدال والتطرف في سياق الفرد والفردية، أمّا الفصل الأخير؛ فكان في بناء الاعتدال ومواجهة التطرف.
الملاحظة الأولى على الكتاب: هي تركيز غرايبة على أولوية قيمة الاعتدال في مقابل التطرف، ولذلك نراه يُعنى بتقديم مفهوم الاعتدال على مفهوم التطرف في الفصول الستّة للكتاب، وذلك كي يعلي من قيمة الاعتدال، ويقلل من شأن التطرف، حتى إن كان جلّ الكتاب في نقد التطرف بكافة أشكاله وأنواعه، وليس فقط التطرف الديني، حتى إن كان أخطرها.
ولذلك نلاحظ أنّ المؤلف في مقدمة الكتاب يُجادل بأنّ الكراهية والتطرف هما الفشل (الاعتدال هو النجاح والازدهار)، وأنّ الاعتدال ليس عدم مخالفة القانون؛ لأنّ عمل جماعة مهما كانت وفق القوانين لا يعني أنّها معتدلة.
وفي ذلك إشارة عميقة وخطيرة من قبل المؤلف لا يمكن تأويلها إلا من خلال النظر ومتابعة   سلوك معظم جماعات الاسلام السياسي واليمين المتطرف في الغرب، والأحزاب الشعبّوية التي تنشط من خلال صناديق الاقتراع، والالتزام الشكلي بالقوانين والأنظمة لاختراق بنية المجتمعات المعاصرة".

كان جلّ الكتاب في نقد التطرف بكافة أشكاله وأنواعه، وليس فقط التطرف الديني
وينقل المؤلف عن (كاس. ر. سينشتاين)، أستاذ القانون بجامعة "هارفارد" الأمريكية، في كتابه "الطريق إلى التطرف: اتحاد العقول وانقسامها" (2014)؛ أنّ "التشابه يؤدي إلى التطرف، والتنوع يؤدي إلى الاعتدال"، بمعنى أنّ "الجماعات عند اجتماعها تذهب إلى الحدود القصوى للتطرف، وهنا ينتهي أعضاء الجماعة الذين يتشاورون فيما بينهم إلى مواقف متطرفة داخل الاتجاه العام للجماعة نفسه، وبصورة أكثر مما كانت عليه قبل أن يبدأ هذا التشاور". وهذا الأمر، أي الميل إلى التطرف، يحدث عندما يكون الأفراد متشابهين في التفكير، وكذلك عندما يكونون في جماعة منعزلة"، ويضيف الغرايبة؛ المواجهة مع التطرف أصبحت بين حبّ الحياة وتقديرها، وحبّ الموت، وبين الكراهية والمحبة، والسؤال المفتاحي في التفكير والبحث عن الإجابات هو: كيف تختفي أو تنحسر الأفكار والمعتقدات والمشاعر المؤسسة للعنف والكراهية؟

التديّن منتجٌ حضاري اجتماعي يعكس الحالة الاجتماعية والسياسية في المجتمع

وهنا، ليس لدينا مجال للتفكير سوى عبر هذا السؤال، بما في ذلك من مواجهة مع الذات، فما لدينا من مؤسسات وبرامج وإستراتيجيات لم تعد كافية؛ لأنّها في فلسفتها وروايتها المُنشئة تنتمي إلى مرحلة الهرميّة الآفلة؛ أي عندما كانت قيادة الهرم باحتكارها للمطابع والمدارس والصحافة والحدود تقرّر للناس ماذا يعرفون، وماذا لا يعرفون، اليوم أصبح الناس يعرفون كلّ ما يريدون، ويسعون لمعرفته من أيّ مصدر في العالم، بلا استئذان، بسبب سيرورة العولمة التكنولوجية، ولم يعد "من حليفٍ في هذه المواجهة سوى الأفراد والأسر".
الملاحظة الثانية: إنّ المؤلف يدرك إدراكاً عميقاً الأدوار الواسعة والخطيرة التي تلعبها سيرورة العولمة، وتحطم السرديات الكبرى، وتطور أدوار جديدة للأفراد والجماعات بعيداً عن فضاء الدولة وهرمّية السيطرة والقيادة القديمة التي بات يعتريها الهرم والصدأ بتسارعٍ يتماهى مع التسارع التكنولوجي، والنتيجة الخطيرة في ذلك هي حتمّية فشل كافة المقاربات الرسمية التي تحتكرها السلطة في معركة المواجهة مع المتطرفين والإرهابين.
والملاحظة الثالثة: الدور الكبير الذي يعطيه المؤلف للتكنولوجيا أو آليات العولمة التكنولوجية، معبراً عنها بالشبكة (شبكة الإنترنت)؛ حيث يرى المؤلف أنّ الفردية هي عنوان "الشبكية"، وهي عنوان للمواجهة في المرحلة الانتقالية للحضارة الحالية التي يتوهم الناس أنّها راسخة ومهيمنة، بينما يعتريها التغير المتسارع، كما أنّ الحداثة نفسها صارت عبئاً على نفسها وأنتجت نقيضها.

التطرف الديني العنيف ظاهرة اجتماعية متخطية للزمكان ومتخطية للأديان والمجتمعات
وفي هذه الأجواء؛ يصبح التطرف هو الجواب الأكثر ملاءمة لظروف التهميش والتفكك الذي يعتري البنى الاجتماعية، بمعنى آخر؛ يبرز التطرف بأشكاله المختلفة، خاصة التطرف الديني، ليملأ الفراغ الناتج عن تهشّم البنى الاجتماعية والاقتصادية السائدة.

مواجهة التطرف والكراهية معركة مع من لم يكونوا في الحسبان عند بناء إستراتيجيات التعليم والتنشئة والإعلام والثقافة

والحال؛ أنّ النظر في مبتدأ المسألة، كما هي اليوم، يظهر، بحسب رأي المؤلف، أنّ "معظم المؤسسات القائمة، المعوَّل عليها في المواجهة، كالأجهزة الأمنية والعسكرية والمدارس والجامعات والمؤسسات الاجتماعية والثقافية، تبدو عاجزة عن المواجهة؛ بل غير قادرة على التفكير في مواجهة شخص غير معروف لها ابتداءً، يريد أن يقتل نفسه".
يؤكّد المؤلف أنّ التطرف بما هو أفكار ومعتقدات ومشاعر وتؤسس للعنف والإرهاب "لم ينحسر بعد إن لم يزد، الأمر الذي يعني أنّ الإستراتيجيات الثقافية والاجتماعية القائمة، إن لم تكن تساعد على التطرف، فإنّها فاشلة في مواجهته"، وما من ضمان أو مؤشرات ترجح ألا تحمل الأجيال الأفكار المتطرفة، وتنضمّ إلى الجماعات المتطرفة والإرهابية، أو أن تنتج ذئاباً منفردة.
ويرى المؤلف؛ أنّ المواجهة مع التطرف والكراهية هي "معركة المجتمعات والأفراد الذين لم يكونوا في الحسبان عند بناء إستراتيجيات التعليم والتنشئة والإعلام والثقافة، ولذلك يطالب بأن تعود السلطات إلى المدن والمجتمعات، التي هيمنت عليها، وأضعفت مؤسساتها وأدواتها ومواردها المستقلة".

للمشاركة:



السلطات الألمانية تكشف عدد السلفيين وتحذّر من عمليات إرهابية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-20

ذكرت مصادر أمنية ألمانية؛ أنّ عدد السلفيين في برلين ومحيطها يتزايد بشكل لافت، مقدّرة عددهم في برلين بنحو 1120 شخصاً.

مصادر أمنية تؤكّد أنّ عدد السلفيين في برلين ومحيطها يتزايد بشكل لافت وتقدّر عددهم بنحو 1120 شخصاً

وقال رئيس المكتب الإقليمي لحماية الدستور (الاستخبارات الألمانية الداخلية) في ولاية برلين، ميشائيل فيشر، في تصريحات نقلها وكالة الأنباء الألمانية، اليوم: "لدينا حالياً في برلين نحو 1120 سلفياً، بيد أنّنا غير متأكدين تماماً ما إذا كنا نرصد ارتفاعاً حقيقياً مستمراً لهذه الأوساط النشطة، أم أننا رصدنا المزيد من السلفيين لأنّنا عززنا إجراءاتنا".

وكانت سلطات الأمن قد رصدت نحو 1020 سلفياً في برلين، بنهاية عام 2018، وكان عددهم يقدر قبل أعوام بنحو مئات الأفراد.

ولم يتحدث فيشر عن عدد المصنَّفين ممن لديهم استعداد للعنف، وقال: "من بينهم أيضاً أشخاص لديهم أفكار تدعم العنف أو ممارسته ذاتياً، هذا أمر يصعب حصره في أرقام، فالتحول غير واضح".

 ويأتي حديث فيشر قبل أيام قليلة من القبض على سوري مشتبه في صلته بالإرهاب، أمس الثلاثاء، في حي شونببرغ في برلين، لافتاً إلى أنّ الخطر الذي يمثله أنصار تنظيم داعش ما يزال قائماً.

الشرطة الألمانية تلقي القبض على سوري للاشتباه في صلته بالإرهاب كان يصنع قنابل لتنفيذ هجمات إرهابية

 وقال: "ليس من المستبعد أنّ تنظيم داعش، حتى عقب هزيمته، سيسعى لأن يوضح للخارج أنّه ما يزال موجوداً، وأنّه قادر على القيادة"، مضيفاً؛ "ما تزال هناك دعوات لشن هجمات في أوروبا وباقي أنحاء العالم"، وتابع: "توجد لذلك أدلة على استمرار وجود أفراد يتبنون فكرة شنّ هجمات".

وكانت وحدة خاصة من الشرطة الاتحادية قد ألقت القبض، أمس، على سوري في برلين للاشتباه في صلته بالإرهاب، وأعلن الادعاء العام الاتحادي في مدينة كارلسروه، اليوم؛ أنّ السوري مشتبه في شرائه مواد كيماوية لتصنيع قنبلة، وأضاف: "كان من المخطط تفجير هذه القنبلة في وقت غير معلوم، وفي مكان غير معروف في ألمانيا، لقتل وإصابة أكبر عدد ممكن من الأشخاص".

 

 

للمشاركة:

الجيش اليمني يصدّ هجوماً حوثياً في تعز

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-20

صدّت قوات الجيش الوطني في محور تعز، أمس، هجوماً جديداً شنّته ميليشيات الحوثي الانقلابية على عدد من المواقع في الجبهة الغربية.

ونقل "المركز الإعلامي لمحور تعز" عن مصدر عسكري؛ أنّ وحدات الجيش الوطني كسرت هجوماً نفذته عناصر من ميليشيا الحوثي الانقلابية، بغية التقدّم في مناطق: "حذران، والصياحي، وتبة الخندق"، غرب المدينة، وفق صحيفة "المشهد" اليمنية.

مشروع "مسام" يعلن انتزاعه 658 لغماً أرضياً وعبوة ناسفة خلال الأسابيع الماضية

وأكّد المصدر رصد قوات الجيش الوطني لتحركات الميليشيا، وصدّ كلّ زحوفاتها في مختلف الجبهات لواجهتها.

وخلال الأيام الماضية؛ ركّزت ميليشيا الحوثي الانقلابية هجماتها على المواقع السابقة، بهدف التقدم والسيطرة على الطريق الرئيس المؤدي للمنفذ الوحيد للمدينة في المنطقة.

إلى ذلك، أعلن مشروع "مسام"؛ أنّه انتزع 658 لغماً أرضياً، وعبوة ناسفة خلال الأسابيع الماضية.

وبلغ إجمالي ما جرى نزعه منذ بداية المشروع، حتى الآن، أكثر من 105 آلاف لغم زرعتها ميليشيا الحوثي المدعومة من إيران، في الأراضي والمدارس والبيوت في البلاد وأدّت لسقوط عدد كبير من الضحايا.

وفي سياق متصل بالصراع في اليمن؛ ندّدت وزارة الخارجية اليمنية في بيان رسمي نقلته صحيفة "الشرق الأوسط"، بالخطوة التي أقدمت عليها طهران والمتمثلة في الاعتراف الرسمي بالميليشيات الحوثية وتسليم المقرات الدبلوماسية اليمنية في إيران لسفير الجماعة المزعوم.

الخارجية اليمنية تندّد بتسليم إيران المقرات الدبلوماسية اليمنية في طهران للميليشيات الإرهابية

جاء ذلك في الوقت الذي اتهمت فيه الحكومة اليمنية النظام الإيراني بالوقوف وراء الجماعة الحوثية، والإيعاز لها باختطاف الناقلة الكورية في المياه الإقليمية اليمنية، وفق ما ورد في تصريحات لوزير الإعلام، معمّر الإرياني.

وأعربت وزارة الخارجية اليمنية في بيان، أمس، عن إدانتها واستنكارها الشديدين "قيام النظام الإيراني الداعم الأول للإرهاب في العالم، بالاعتراف بممثل ميليشيات الحوثي الانقلابية، وتسليمه المقار الدبلوماسية والمباني التابعة للجمهورية اليمنية في طهران".

 

للمشاركة:

الإمارات تدعم المنتدى الدولي للسلام والأمن في أفريقيا

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-20

قدّمت دولة الإمارات العربية المتحدة منحة بقيمة 300 ألف دولار لدعم نتائج المنتدى الدولي للسلام والأمن في أفريقيا، الذي اختتم أعماله، اليوم، فى العاصمة السنغالية، داكار.

وأعلن ذلك مساعد وزير الخارجية والتعاون الدولي للشؤون العسكرية والأمنية الإماراتي، الدكتور عبيد الحيري سالم الكتبي، الذي ترأّس الوفد الإماراتي المشارك فى أعمال الدورة السادسة للمنتدى التي انطلقت بداكار، أمس، مؤكّداً تطلع الدولة للمشاركة في الدورة السابعة للمنتدى في العام المقبل، وفق ما أوردت "وام".

الإمارات تقدّم هبة بقيمة 300 ألف دولار دولار لدعم نتائج المنتدى الدولي للسلام والأمن في أفريقيا

وأكّد الكتبي، في كلمة له خلال أعمال المنتدى؛ أنّ العلاقة التي تربط دولة الإمارات بالدول الأفريقية قد تطورت بشكل ملحوظ في الأعوام الأخيرة، مشيراً إلى مساعدة دولة الإمارات للدول الأفريقية على صعيد الأمن والاستقرار.

وأضاف: "الإمارات العربية المتحدة لعبت دور الوسيط في حلّ الصراعات القائمة، وحققت نجاحاً ملحوظاً في تخفيف حدة النزاعات التي دامت لعقدين بين أثيوبيا وإريتريا بفضل جهود الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة"، مشدداً على موقف الإمارات العربية المتحدة الحازم ضدّ الإرهاب والتطرف بكافة أشكاله، مشيداً بالدور المحوري الذي تضطلع به السنغال في تعزيز الأمن والاستقرار ومكافحة الإرهاب والتطرف في غرب أفريقيا وفي القارة الأفريقية على نطاق أوسع.

 

للمشاركة:



عراق ما بعد الاحتجاجات هو بلد آخر

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-20

فاروق يوسف

ما صار علينا ان تعترف به أن العراق تغير.

هناك تحول جذري وقع في ذلك البلد المنكوب هو وليد الاحداث المتسارعة التي شهدها ولا يزال يعيشها، بالرغم من أن البعض لا يزال يقف مترددا بين اليأس القديم الذي أغلق كل الأبواب أمام التوقعات الحسنة والأمل الجديد الذي فتح آفاقا يمكن للرؤية معها أن تتسع لتُظهر أن هناك شعبا جديدا صار يشعر بمسؤوليته عن تقرير مصيره.

ذلك البعض انما يمثل شريحة صارت بحكم التحول السريع تنتمي إلى الماضي.

ولكن ما بالنا نتحدث عن الحاضر كما لو أنه ليس امتدادا للماضي؟

بالنسبة للشباب المحتج فإنهم لم يعودوا ملتحمين بالماضي بكل أعبائه. وهو ماض لم يكن لهم بد في صناعته ولم يساهموا في تكريس معاييره السياسية والأخلاقية وليس عليهم أن يكونوا ضحيته. 

ذلك شعور جديد لا يمكن التعرف عليه في سياق المعادلات القديمة المرتبطة بنشوء وصيرورة النظام السياسي الذي أقامته سلطة الاحتلال الأميركي في العراق منذ عام 2003 على أساس طائفي عرقي اتضح من خلال التجربة أنه حاضنة لفساد غير مسبوق في التاريخ البشري.

ما حدث في العراق من انقلاب صادم في المعادلات كان مفاجئا للعالم الخارجي الذي أدار ظهره للشعب العراقي وهو موقف غير مفهوم من جهة إنكاره للقيم الإنسانية التي تم اختراقها في العراق من قبل الولايات المتحدة أولا وإيران وميليشياتها ثانيا.

ما كان منتظرا من المجتمع العالمي لم يعد بالنسبة للشباب ذا أهمية تُذكر. لقد خرج الشباب من منطقة قيمية أخرى لا صلة لها بالطريقة التي كان العراقيون يتبعونها في تعاملهم مع أزمتهم المستمرة. فلا حل يأتيهم من الخارج كما أن استمرارهم في الصمت في ظل أوضاع كارثية لم يعد مقبولا بل أنه لم يعد يليق بإنسانيتهم التي صارت مهددة بالفناء.

لذلك تخلى شباب الاحتجاجات عن الحذر التي كانت أجيال سابقة ملتزمة به، كونها قد أوهمت نفسها أن القدر الذي سقطوا في فخه من غير أن يتدخلوا في صناعته لابد أن يزيحه قدر سيكون من شأن وقوعه أن ينقذهم من الأوضاع المزرية التي انتهوا منها.

تلك الثقة بالغيبيات لم تعد محل تقدير بالنسبة للشباب الذين وصلوا إلى قناعة مفادها أن الطبقة السياسية الفاسدة الحاكمة في العراق والتي إيران تدعمها بطريقة كاملة كانت مطمئنة إلى أن المجتمع الدولي لا يعبأ كثيرا بما يحدث لشعب العراق وهو ما كان يجعلها مطمئنة إلى استمرارها في إدارة عمليات الفساد بكل أنواعها.

كان لابد والحالة هذه أن يلتفت الشعب العراقي ممثلا بشبابه المتمرد والثائر إلى قوته الذاتية وقدرته المدخرة على أن يحرر نفسه من القناعات القديمة أولا ويبادر إلى صنع قدره بنفسه ثانيا.

ذلك كان مفاجئا للأجيال العراقية التي تورطت بالقبول بالاحتلال الأميركي كونه يمثل حلا للتخلص من نظام مستبد، لم يكن تغييره ممكنا بالإرادة الشعبية حسب القناعة التي كانت سائدة.

وإذا كان الاحتلال الأميركي قد قاد إلى احتلال أكثر بشاعة منه هو الاحتلال الإيراني فإن القبول بالاحتلال الاميركي قد قاد إلى شعور بالخزي لا يمكن تناسيه وغض الطرف عنه كان سببه ما انتهى إليه العراق من رثاثة لا يمكن وصفها في ظل تمكن الميليشيات من التحكم بكل شيء فيه.
صار العراق مزرعة للسلاح الخائن.

ذلك سبب كاف لكي يعفي الشباب أنفسهم من كل شرط مسبق يلزمهم بالإنصات لأحد. ذلك لم يكن متوقعا بسبب سوء فهم جعل الكثيرين لا يتوقعون من شعب العراق أن يقوم بقلب المعادلات السياسية التي تحظى بقبول ورعاية المؤسسة الدينية.

سيكون العراق بلدا آخر بعد أن تحرر شعبه من وصاية المؤسسة الدينية.

هو اليوم في الحقيقة بلد آخر.

ما حدث فيه نقله إلى موقع، سيكون المجتمع الدولي مضطرا بسببه أن ينظر إلى العراق بعيون جديدة.

عن "ميدل إيست أونلاين"

للمشاركة:

بعد لقاء إسطنبول.. كشف الهيكل التنظيمي للإخوان بإيران

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-20

رشا عمار

أجبرت جماعة الإخوان بفعل الأزمات التي توالت عليها منذ سقوط التنظيم في مصر، على كشف كثير من التحالفات التي طبعت بالسرية منذ نشأة التنظيم، أبرزها علاقتها بالحرس الثوري الإيراني والدعم المتبادل بين الطرفين.

الكشف جاء في محاولة استقواء علني بالقوى التي تتفق مصالحها مع مخططات التخريب في الشرق الأوسط، وهو ما يصب بمصلحة التنظيم دون شك.

وأفصحت وثائق سرية عن مليشيا الحرس الثوري الإيراني عن عقد لقاءات سرية مع أعضاء بتنظيم الإخوان ، بهدف بحث إمكانية تشكيل تحالف ضد السعودية.

وقال موقع "ذا إنترسبت" الأمريكي: "إن برقية سرية حصل عليها ضمن مئات الوثائق الاستخباراتية الإيرانية المسربة أظهرت أن عناصر من مليشيا "فيلق القدس" عقدت اجتماعا سريا مع أعضاء بتنظيم "الإخوان" في أبريل/نيسان عام 2014 في فندق تركي للبحث عن أرضية مشتركة والتعاون فيما بينهم".

لقاء إسطنبول ليس الأول

وكشفت مصادر قريبة من التنظيم في تصريحات لـ"العين الإخبارية" أن اللقاء الذي عُقد في إسطنبول ليس الأول، مؤكدة أنه سبقته لقاءات عدة في لبنان ودول أخرى في الفترة ما بعد 2014.

وقال المصدر: "إن اللقاء الذي تم في لبنان نهاية عام 2015، بحضور قيادات إخوانية ومسؤولين إيرانيين والهارب أيمن نور رئيس حزب غد الثورة الحليف الأقوى للإخوان منذ 30 يونيو/حزيران وحزب الله اللبناني وحضور عناصر من حركة حماس وقيادات من جماعة الإخوان".

وأوضح المصدر أن "الجلسة تم خلالها مناقشة سبل التعاون المشترك بين إيران والإخوان وعرضت عليهم المساعدة والدعم المالي والعسكري ضد النظام المصري مقابل تسهيل التمدد الإيراني في المنطقة وبقاء الإخوان على موقفهم الرافض للردع السعودي للحوثيين في اليمن ورفض عاصفة الحزم".

الهيكل التنظيمي للإخوان بإيران

وأكد مصدر آخر أن "العلاقة بين الإخوان وإيران قديمة، حيث يوجد فرع لجماعة الإخوان يديره عدد كبير من القيادات منهم نعمان السامرائي وحسن طالب الرافعي".

وأشار المصدر إلى أن "عبدالرحمن بيراني هو المرشد العام للتنظيم في إيران، وتم تنصيبه عام 1991، وهو رئيس مجلس الشورى المركزي للجماعة الذي يمثل قمة الهرم التنظيمي هناك".

ومطلع يناير/كانون الثاني 2019 انتخبت الجمعية العمومية للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، بمدينة إسطنبول التركية، بيراني ضمن 4 أعضاء من بين 31 عضواً لمجلس أمناء الاتحاد.

وفقاً للباحث المصري المتخصص في شؤون الحركات الإسلامية ماهر فرغلي، فإن "جماعة الإخوان بإيران تتكون من المؤتمر العام، والشورى المركزي، والمراقب العام، والهيئة التنفيذية المرکزیة، واللجنة الإدارية، وهيئة الرقابة والتحكيم".

وأضاف أن "عدد أعضاء الشورى المركزي للجماعة يبلغ 11 عضوا أصلیا و3 احتیاطیین، ویتم اختیارهم بالتصويت الخفي، ویجب أن یحصلوا علی ثلث أصوات أعضاء المؤتمر العام، ومدته القانونية 4 سنوات وفقا للتقويم الإيراني".

ولفت إلى أن "من أهم شروط العضوية بالجماعة أن يكون العضو إيرانيا، وأن يدفع حق العضویة بمقدار 2% من معدل الدخل الفردي شهریا، وأن يلتزم بحقوق الأخوة الإیمانیة وواجباتها، وأن يجتاز المراحل التربویة، وألا تكون له عضویة في الأحزاب والجماعات السیاسیة الأخرى".

وقال "فرغلي" إن "أبرز أعضاء الشورى المركزي سعيد صديقي عبدالهادي، نائب المراقب العام ومسؤول لجنة التربية والتعليم بالشورى، من مواليد 1968 في محافظة فارس جنوب إيران ويقيم بشيراز، وحاصل على الماجستير في العلوم السياسية".

وأضاف أن "من بينهم أيضا محمد علي نور، مسؤول اللجنة الاجتماعية، من مواليد 1959 محافظة سيستان بلوشستان ويقيم حاليا في محافظة خراسان، وهو حاصل على بكالوريوس في الفيزياء".

وأشار إلى أن أبرزهم "بور أحمد، مسؤول لجنة التخطيط السابق بالجماعة، وعضو لجنة التعليم حالياً، من مواليد 1974، محافظة كرمنشاه، وحاصل على دكتوراه في التاريخ والحضارة الإسلامية، ويعمل أستاذا جامعيا".

علاقة تاريخية متجذرة

وتابع المصدر أن "جماعة الإخوان لها وجود قوي في إيران وتمثلها جماعة الدعوة والإصلاح، التي تعمل بشكل قانوني وتصاريح رسمية"، مشيرا إلى أنها "دشنت فرعا لها في إيران منذ خمسينيات القرن الماضي، بالتزامن مع تأسيس الجماعة في العراق على يد الشيخ النبهاني وبعدها تم تأسيس حزب التحرير الإسلامي".

وجذبت الجماعتان أعدادا كبيرة جدا من الشباب الذين انضموا إليهم فور الإعلان عن تأسيسهما وساعد في ذلك عدم وجود أحزاب دينية أخرى ثم نشط عدد كبير منهم وقاموا عام 1959 بتأسيس حزب الدعوة الإسلامي الذي نشأ كردة فعل على قوي اليسار العراقية التي بدأت تمثل تياراً مخالفاً لهم في ذلك الوقت.

وانضم إلى جماعة الإخوان وقت تأسيسها عدد من الأسماء التي نشطت في المجال الدعوي بعد ذلك منهم محمد عبدالهادي السُبيتي، الذي صار فيما بعد قياديا في حزب الدعوة، وقيل إنه نشط في حزب التحرير وجماعة الإخوان معا، والطبيب جابر العطا، والشَّيخ عارف البصري، وأخوه عبد علي البصري، والشَّيخ سُهيل السَّعد، وعبدالمجيد الصَّيمري، وعبدالغني شُكر مِن أهل النَّاصرية، وهادي شعتور.

وأكد نعمان السَّامرائي في مقال له بموقع البنية للأبحاث أن والد القيادي في حزب الدعوة الشيخ السُّبيتي كان إخوانيا.

وروى السَّيد طالب الرِّفاعي، وهو أحد أبرز مؤسسي حزب الدَّعوة الإسلامية، أن السُّبيتي كان عضوا بارزا ضمن الإخوان.

عمر التلمساني، المرشد العام الثالث للإخوان المسلمين كتب مقالا في مجلة الدعوة العدد 105 يوليو 1985 قال فيه: "لم تفتر علاقة الإخوان بزعماء إيران فاتصلوا بآية الله الكاشاني واستضافوا في مصر نوّابا منهم".

وأضاف في مقاله "بعيداً عن كل الخلافات بين الطائفة وغيرها، فما يزال الإخوان حريصين كل الحرص على أن يقوم شيء من التقارب المحسوس بينهم".

اعتراف الإخوان بالتعاون مع الحرس الثوري

من جانبه، اعترف إبراهيم منير أمين التنظيم الدولي للإخوان باللقاء الذي عقد في إسطنبول، وقال في تصريحات نقلتها وسائل إعلام محسوبة على الإخوان: "إنه تم توجيه الدعوة لهم لمقابلة مسؤولين إيرانيين، ونحن لا نرفض لقاء أي وفد يريد مقابلتنا، بهدف الاستماع لوجهات النظر التي قد تتفق أو تختلف في بعض القضايا".

وأوضح منير أن "اللقاء كان فرصة لتوضيح رؤيتنا ووجهة نظرنا للمسؤولين الإيرانيين فيما يجري في المنطقة، خاصة ما يحدث في سوريا والعراق واليمن، لأن إيران بالتأكيد لها تأثير في السياسات بهذه الدول".

عن "العين" الإخبارية

 

للمشاركة:

حماس تختار الحُكم بديلاً عن الحرب

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-20

عدلي صادق

بعد الجولة الأخيرة من التصعيد في غزة، إتضح جلياً، أن تفاهمات حماس مع إسرائيل، جعلت الحركة التي تسيطر على قطاع غزة وتحكمة بقبضة أمنية صارمة، وبمنهجية اعتصار للمجتع فيه؛ غلّبت اعتبارات وواجبات حددتها لنفسها، على قاعدة ما يُسمى “برنامج المقاومة”.

فعندما اغتالت إسرائيل القائد العسكري الميداني في غزة بهاء أبو العطا، في خرق مستفز للتهدئة، وما أعقبته من ردود أفعال سريعة، من “حركة الجهاد الإسلامي” التي باشرت إطلاق القذائف الصاروخية؛ كفّت حماس يدها عن المشاركة مع “الجهاد” على الرغم من تصعيد إسرائيل للقصف الذي أودى بحياة نحو ثلاثين مواطناً.

وبعد يومين من التوصل الى تهدئة جديدة، على قاعدة التهدئة مقابل التهدئة، أعلنت حماس عن تدابير جديدة لضبط حدود غزة مع مصر، لمنع تسلل الإرهابيين الى سيناء. وكانت التدابير الجديدة، تمثل رسالة تأكيد لمصر، على أن الحركة التي تحكم غزة، لن تتوانى عن مساعدة الجانب المصري في الحرب، التي تشنها القوات المسلحة المصرية على “داعش” في شمال ووسط شبه جزيرة سيناء.

فقد منحت التهدئة التي توصل اليها المصريون، حركة حماس، فرصة لالتقاط الأنفاس والخروج سريعاً من الحرج ومن دائرة الانكشاف، وكان الإعلان عن التدابير الإحترازية الأمنية على الحدود مع مصر، يتضمن الإشارة إلى عزم حماس على محاربة ما تسميه “الفكر المنحرف” وتقصد به التنظير الديني، الذي يغذي الإرهاب وجماعات “السلفية الجهادية”.

وفي هذا السياق أمرت خطباء المساجد، بالتركيز على دحض هذا التنظير، كما أمرت منتسبيها بعدم التعرض لمصر أو إظهار أي نوع من التعاطف مع جماعة “الإخوان” التي تتفرغ في هذه الأثناء لمهاجمة النظام في مصر.

تحولات حماس الجديدة، وهي ذات طبيعة انتقالية أو مؤقتة، توضح المقاصد الراهنة لحركة حماس، وهي تندرج في سياق محاولاتها تثبيت الحكم في غزة. وهذا بالنسبة لها هدف تهون من أجله كل التنازلات، سواء على المستوى الفكري أو السياسي أو المقاومة التي كانت في العام 2007 قد انقضّت باسمها، وبالقوة المسلحة، على النظام السياسي الفلسطيني في قطاع غزة.

في التصعيد الأخير، الذي بدأ يوم 12 نوفمبر الجاري، وجدت حماس نفسها مجبرة على التزام موقف من شأنه الإجهاز على ما تبقى من صدقيتها في داخل إطارها نفسه، ناهيك عن الإنكشاف المسبق، في ناظر المجتمع الفلسطيني في قطاع غزة.

فقد فصلت نفسها طوعاً عن بُنية المقاومة، التي لطالما تحدث قادتها العسكريون عن قدراتها الإعجازية، حتى قبل ساعات من بدء التصعيد الإسرائيلي، ولطالما أفاضوا في الحديث عن جاهزيتها، وعن تنامي قوتها الصاروخية، وعن استطاعتها دك تل أبيب على النحو الذي لم تشهده إسرائيل من قبل.

أما رئيس حكومة إسرائيل بنيامين نتنياهو، فقد دفعه مأزقه السياسي والشخصي المتعلق باحتمالات فقدانه منصبه ومثوله أما القضاء؛ الى بدء التصعيد، تحت عنوان إظهار قوة الردع الإسرائيلية. فهو يدرك تماماً أن الإغتيال الذي أودى بحياة أبي العطا وزوجته، سوف تتبعه ردود أفعال سريعة من الجانب الفلسطيني، وأن الأمور سوف تتداعى من جديد، وهو معنيٌّ بكسر التهدئة، لكي يقطع الطريق على منافسه غانتس لتشكيل حكومة.

وفي ذلك التوقيت (12 نوفمبر) لم يكن قد تبقى أمام نتنياهو سوى ثمانية أيام على المهلة المحددة للتشكيل الحكومي. وعندما ينفجر الوضع الأمني، لن يكون هناك متسع للتفاوض بين الأحزاب على هذا التشكيل، ولا متسعاً من الوقت للتركيز على المستشار القانوني للحكومة، لكي يحسم الأمر في ملف الفساد، توطئة لإحالة نتنياهو الى القضاء.

ولأن الإعتداء يمثل خرقاً فاضحاً للتهدئة، فقد أضطر نتنياهو لأن يُعزز روايته مستعيناً بقائدي الأركان والمخابرات، لكي يقنع جمهور الإسرائيليين بـ”وجوب” القيام بالعملية، وكأنّ بهاء أبو العطا، هو المعادل الموضوعي لقاسم سليماني. وفي ذلك السياق، عرض نتنياهر وقائدي هيئة الأركان والمخابرات، سيرة حياة بهاء أبو العطا، باعتباره الرجل الذي يزعزع الأمن الإقليمي، وأن التخلص منه مع زوجته، لن يُبقي أي خطر على إسرائيل، ولن يُبقي إيران، ولن يتبقى بعد الإغتيال “حركة جهاد إسلامي” ولكي يوهم الفلسطينيين والعرب أيضاً، بأن المشكلة محصورة في “الجهاد”.

أراد نتنياهو أيضاً، هو وجنرالاته والإعلام الإسرائيلي، التركيز على “حماس” باعتبارها هادئة ومتفاهمة وملتزمة وتشعر بالمسؤولية، ما يفتح الباب إلى سجالات فلسطينية داخلية تحت وقع الغارات. ولأن العامل الإيراني، مطلوبٌ لاسترضاء الإدارة الأميركية؛ كان ضرورياً بالنسبة لإسرائيل، الربط بين “الجهاد” وطهران. وفي التركيز على هذه النقطة، تعمد الجيش الإسرائيلي إرفاق عملية الهجوم على منزل بهاء أبو العطا، بهجوم على منزل أكرم العجوري، أحد قياديي “حركة الجهاد” في دمشق، مسرح تواجد الإيرانيين!

انتهت جولة التصعيد، وأسفرت عن خسائر مؤلمة في الجانب الفلسطيني، دون خسارة تذكر في الجانب الإسرائيلي. وهذه النتيجة الأخيرة، كانت سبباً في اشتعال وسائل التواصل، بتعليقات أمعنت في السخرية من حماس، التي كان في وسعها ــ إفتراضاً وقياساً على تصريحات العنفوان ــ أن “تعدل” النتيجة قليلاً!

حماس لا تزال تنتظر فرصتها لإعادة تعويم نفسها بـ”صفقة تبادل أسرى” تعيدها إلى خطاب الطنين والحديث عن القوة الوازنة. وقد يممت وجهها شطر مصر، لكي تؤكد على جدارتها في تأمين الحدود. فالمهم عندها، أن تظل تحكم وأن تؤسس للجماعة جغرافيا سياسية في المنطقة، ولو بحجم غزة، وما على “الإخوان” ومرجعياتهم إلا أن يصبروا قليلاً، بينما “الفكر المنحرف” الذي تتحدث عنه حماس في غزة، ما هو إلا فكرها نفسه، على الرغم من الفارق في التكتيكات.

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية