قراءة في كتاب الليبرالية: حين تعتدي سلطة المال على الحرية

قراءة في كتاب الليبرالية: حين تعتدي سلطة المال على الحرية

مشاهدة

04/11/2019

يشكّل الفرد الوحدة الأخيرة غير قابلةٍ للتقسيم داخل المجتمع؛ حيث يمكن من خلاله قياس كل ّشيء؛ الديمقراطية أو الشمولية، السعادة والتقدّم، أو الفقر والتراجع، هذا هو ما تعنيه الليبرالية، وفق المفكر والاقتصادي الفرنسي، باسكال سالين، الذي يدافع عن الليبرالية بوصفها تعيش غربتها الفكرية الخاصة، في ظلّ توحّش الرأسمالية، تماماً كما عاشتها الشيوعية والاشتراكية من قبل.

اقرأ أيضاً: هل تلتقي نظرية ولاية الفقيه مع الليبرالية الغربية؟
وفي كتابه "الليبرالية"؛ يقدّم سالين مرافعة جريئة ومتماسكة، دفاعاً عن القيم والإنسانية والرحمة في مواجهة ما يراه هجوماً ضدّ الفرد، لا يمثل الحرية؛ بل يتمّ هذا الهجوم باسم الحرية فقط، من أجل مصلحة رأس المال المتوحش، فهل نجح سالين في مرافعته هذه؟ وفي محاولته التفريق بين الليبرالية من جهة وبين الرأسمالية والسوق وقوى المجتمع السياسية الحالية من جهةٍ أخرى؟

الشعوب وعصر السوق
شهد الوطن العربي تغيرات وانزياحاتٍ سياسية واقتصادية كبرى، خلال العقدين الأخيرين، وأصرّ عديدون، منهم الباحث جوزيف مسعد، في كتابه "الإسلام في الليبرالية"، على أنّ الانفتاح والليبرالية الاقتصادية، بمفهومها المرتبط بالرأسمالية ومصالح الدول الكبرى، أسهم في تراجع دولٍ عربية عديدة على صعيد الحريات والاقتصاد والقضايا الأساسية كقضية فلسطين، بينما رأى الكاتب والباحث عمرو حمزاوي، خلال حوارات ومقابلات عديدة معه؛ أنّ الديمقراطية الواقعية والدولة المدنية ذات الدستور المفتوح على التعددية تمثّل روح الليبرالية الناجحة، التي يمكن أن تؤدي إلى نوع من التقدم.
غلاف الكتاب

مفاهيم الدولة والسوق والمجتمع
أما باسكال سالين، في كتابه "الليبرالية"، الواقع في 574 صفحة، والصادر عن "الدار الأهلية" للنشر والتوزيع، عام 2011؛ فإنه يلقي الضوء بصورةٍ مكثفة على مفاهيم الدولة والسوق والمجتمع والسياسة، تاريخياً وتحليلياً، من أجل توضيح الثيمة الأساسية التي يعتمد عليها كتابه، وتكمن في أنّ الليبرالية ليست مستقلة؛ بل تخضع إلى تدخلاتٍ كثيرة تجعلها تنحرف عن مسارها، بوصفها أداةً لحرية الفرد ورفاهه وتقدّمه، وحول هذه الفكرة؛ يقول سالين: إنّ "الدولة من جهة، والقوى السياسية من جهةٍ أخرى، تتعامل مع المجتمع بصورةٍ بنائية، أي أنّها تعمل ضدّ إرادة الأفراد، من أجل بناء ما تسميه الصالح العام"، ويعطي سالين مثالاً بقوله: إنّ المحافظين مثلاً، عملوا طوال عقودٍ على إبقاء المجتمع كما هو، من خلال التقاليد الموروثة، والعادات، والطبقية الي تمنح طبقةً معينة امتيازاتٍ مادية وسياسية خاصة على حساب المجتمع، بوصفها وحدها من تستطيع قيادة المجتمع.

الليبرالية ليست مستقلة، بل تخضع إلى تدخلاتٍ كثيرة تجعلها تنحرف عن مسارها بوصفها أداةً لحرية الفرد ورفاهه وتقدمه

من ناحيةٍ أخرى؛ يرى المفكر أنّ التقدميين "حاولوا تغيير المجتمع وفق رؤاهم، وتعاملوا معه كآلة كان وقودها الأيديولوجيا، مثلاً، في حالاتٍ كثيرة، وضدّ الإرادات الفردية بطبيعة الحال"، وبالنظّر إلى العالم العربي مثلاً؛ فإنّ رؤية سالين ربما تنطبق نوعاً ما على الدولة القطرية العربية خلال الربيع العربي بالذات؛ حيث تكشفت أساليب إدارة الدولة سياسياً، من خلال قمع الإرادات الفردية من أجل الصالح العام، الذي لم يكن يتمثل بأكثر من حكمٍ تسلطي تمثل في حكم الحزب الواحد، الذي يسيطر على معظم المصالح العامة اقتصاديةً وسياسية، وبالتالي؛ فإنّ بنيته أصبحت محافظةً وبنائية، لكنّ شكله التقدمي بقي موجوداً في مجموعة من الأدبيات والظاهرات السياسية غير الواقعية، ومثال ذلك سوريا في مرحلتها (الإصلاحية)، بين عامَي 2001 و2008، ومن ثم ما تعرضت إليه من دمار خلال الربيع العربي بعد ذلك.

يعتقد سالين أنّ المحافظين واليساريين يحكمون المجتمع بصورةٍ آلية

وانطلاقاً من هذه الرؤية؛ يرى المؤلف أنّ المجتمع لا بدّ من أن ينطلق من رؤية واحدةٍ واضحة، إما ليبرالية، وإما بنائية، سبق ذكرها، والخلط بينهما لأجل الرأسمالية والانفتاح العالميَّين لن يفي بالغرض، وسيعمل على التشويه والخلط، ويدعم رأيه هذا بالحديث عن الديمقراطية؛ فهي ليست، في نظره، مسألة سياسية أو دستوريةً فقط؛ بل إنّ غيابها يؤثر في حقوق الأفراد في المجتمع، وفي حقّهم في نيل الفرص والمساواة فيها قدر الممكن، بينما يدمّر قدرة المؤسسات التنظيمية ويحيلها إلى وسائل لتحقيق مصالح محددة في يد جماعات محددة مثلاً، ممّا يجعل القوانين نفسها أيضاً، تتحول إلى نصوص عديمة القوة والنفاذ أمام مصالح الأكثرية (المقصود هنا أكثرية القوة والسلطة والتحكم بالمال)، وأمام الأقليات (فئات الشعب عموماً)، بالتالي؛ تنقلب الآية وتصبح الديمقراطية منتجةً لوهم تمكين المجتمع والأفراد من تحقيق ذواتهم ورغباتهم، وإنفاذ تبادلاتهم الاجتماعية والمادية بحريةٍ وطموح.

اقرأ أيضاً: لماذا تعاني الليبرالية من سوء السمعة في العالم العربي؟
كلّ هذا، في رأي سالين، ينعكس على الأسواق، ويحوّل مسألة انفتاحها أو انغلاقها إلى نتائج تصبّ في مصلحةِ أفرادٍ محددين فقط، وهكذا، يصبح لليبرالية تطبيق لا ينتمي إليها، يتمثل في إرادة ثلة من الأفراد المتنفذين اقتصادياً، وربما سياسياً، كنتيجة، ومن ثمّ؛ فإنّ هذا ينتقص من حقوق الآخرين وحرياتهم، ليتحولوا إلى تابعين لإرادات أقوى، فتنهكهم الأنظمة المالية مفتوحةً وحرةً  كانت، أو منغلقة وتخضع لرقابة الدولة، فبكل الأحوال هم دافعوا ضرائب، ومنتجون صغار غير مستقلين، أو مستهلكون يخضعون للاحتكار وقلة الخيارات، ...إلخ. وتنتهي عند هذا الحدّ أيّة قيمة لليبرالية، فلسفياً وأخلاقياً، لتدخل في عصر السوق، وتكون "ليبراليةً نفعية، أو نيوليبرالية" تراها الشعوب عدواً رأسمالياً، ينتج الفقر والمشاكل والحرمان.

الحرية والمسؤولية
تعدّ كلمة حرية جذابةً جداً، على صعيد اللغة والفكرة والمفهوم، وليست كلمةً مقترنةً بالليبرالية وحدها، إن أمكن فصلها، فالماركسية على لسان منظرها الأول كارل ماركس نادت بالحرية، وكذلك اليسار من حول العالم، والدول التي خاضت الحروب العالمية، وحتى المستعمرين في وقت ما، نادوا بحرية حقّهم في استخدام معرفتهم وقوتهم من أجل التوسع والحياة، أي أنّ الحرية تستخدم كثيراً في الرأسمالية أيضاً، وهذا ليس تناقضاً عجيباً، بل استثماراً كبيراً، كأيّ استثمارٍ رأسمالي آخر.

تتنصل الرأسمالية العالمية من المسؤولية التي تتطلبها حرية الأسواق والانفتاح، وترى في الحرية مجرد حقلٍ لجني الأرباح

إذاً، تعود الحرية على المنادين بها بالعديد من الأرباح أحياناً، وبالعديد من المسؤوليات أحياناً أخرى، لكنّ لبّ الصراع، وفق سالين، يعود إلى أنّ الليبرالية بالذات تخضع إلى حربٍ ضمن سياق المسؤولية، فيقول: "الرأسمالية تخوض صراعاً معقداً من أجل حرية أسواق وتجارة عالمية وغيرها، تخلو نوعاً ما من كثيرٍ من المسؤوليات التي تترتب عليها وعلى احتكاراتها وحروبها الاقتصادية، وما يتبعها من حروب عسكرية وسياسية أحياناً" أي أنّها قوةً تتنصل من المسؤولية وترى الحرية فقط حقلاً لجني الأرباح.
ومن جهةٍ أخرى؛ فإنّ الدول المحافظة، قطريةً كانت أم شيوعية أم مؤسساتية، فإنّها حين تتحدث عن "الابتعاد عن النسق الرأسمالي المذكور لصالح حكم أكثر أوتوقراطية وحماية لما يسمّى الصالح العام، اقتصاداً وسياسة، فإنّها تتخلى بدورها عن المسؤولية التي تترتب على منح الحريات للأفراد، ليزاولوا أعمالهم وأفكارهم ونشاطهم الاقتصادي بصورةٍ أكثر حرية"؛ ما يعني مباشرةً، أنّ الليبرالية تقع بين مطرقة الرأسمالية وسندان سياسات اقتصادية محافظة، تحاول كلّ منهما التنصل من مسؤوليتها تجاه الحرية، وما يترتب عليها من تبعات تراها في غير صالح القوى الاقتصادية المسيطرة، أو السلطة بشكلٍ عام.

غياب الديمقراطية يدمّر قدرة المؤسسات ويحيلها إلى وسائل لتحقيق مصالح محدّدة في يد جماعات محددة كما يضعف قوة القوانين

ويحاول الكاتب التوضيح، بطرحه مثالاً مصغراً على بلده فرنسا، فيتحدّث عن "وجود عمال وأجَرَاء يدافع اليسار عن حقوقهم ضدّ المقاولين وأصحاب رؤوس الأموال، الذين يدافع المحافظون عن مصالحهم، بينما تستغل الدولة كلّ هذا لتدير تضارب المصالح ذاك، فتفرض المزيد من الضرائب مثلاً، وتسنّ قوانين ما مختلفة، تتحول إلى مجموعة إكراهات تنهي أيّ احتمال للتوزيع العادل للجهود والثروات والأعمال".
هذا الكتاب ليس حكراً على التجربة الأوروبية أو الغربية وحدها، في مجال الحريات وتطور الدولة وقطاع المال العام والاقتصاد المحلي، ومن ثم الاقتصاد العابر للقارات؛ بل إنّ كثيراً من طرحه المختصر ضمن هذه القراءة، يتمثل في العديد من الدول العربية، التي تحولت خلال مرحلة الربيع العربي إلى نسيج مفكك، يسوده الدمار والحرب، بعد أن ظهرت صيغه البنائية المتنوعة، أيديولوجية، قمعيةً كانت أم طائفية محافظة، أو متسلطة وضعيفة اقتصادياً، وهي غالباً خليط من هذا كلّه.
وربما فقط، لم يكن ممكناً الخوض في وجود رأسمالٍ عابرٍ للقارات أثّر في هذه الدول، لأنّ التأثر يشبه نتيجةً حتمية، لدولٍ تعاني كلّ هذه المشكلات، وتخلط قواها السياسية والاجتماعية، غالباً، بين نظرية المؤامرة والرأسمالية المتوحّشة، والفساد مثلاً، وبين قيم الحرية والتعددية والاندماج مع العالم كجزء منه، في ظلّ ما يراه كثيرون هجمةً نيوليبرالية، يمكن استخدامها لتبرير التراجع العام، والدمار الذي كشفت عنه الثورات في لحظةٍ ما من التاريخ.

الصفحة الرئيسية