قصص أطفال تزرع بذور العنف والتطرف

12688
عدد القراءات

2018-03-01

"قصص يعتز بها كل فتى وفتاة، ويعتز بها أولياء أمور أبنائنا ورجال التربية والتعليم، فهي تغذي النشء وترفع نفوسهم وتوجّههم الوجهة الصحيحة إلى طريق الخير والجمال"، لم يكن والد "يزيد" ليقاوم إغراء شراء سلسلة "المكتبة الخضراء للأطفال" بعد اطّلاعه على هذه الكلمات التي تضمنها غلاف قصصها التي زادت على الخمسين، على أمل أن يزرع في طفله حبّ القراءة والقيم النبيلة منذ الصغر، هرباً به من ألعاب الفيديو المفعمة بالعنف.

الصدمة كانت لا توصف، وفق ما يروي والد يزيد لـ"حفريات"، عندما أخذ يقرأ لطفله قصة "عقلة الإصبع" وإخوته الستة الذين تخلّى عنهم أبوهم وأمهم بحجة الفقر في الغابة، مفضّلَين أن تأكلهم الذئاب على موتهم جوعاً، وعندما تمكّن الأطفال من العودة لبيتهم في المرة الأولى وجدوا والديهم يأكلان الطعام بنهم!

تراجعت مساحة الحكي لصالح الصورة التي باتت محلّ شغف الأطفال على اختلاف أعمارهم

الكارثة، كما يقول والد يزيد، لم تقف عند هذا الحد، فبعد إصرار الوالد على التخلص من أطفاله في الغابة "استقبلتهم زوجة الغول في غرفة بناتها، فلما عاد اشتم رائحتهم فأراد أكلهم، فرجته زوجته أن ينتظر حتى الصباح، وعندما عرف عقلة الإصبع ما يجري أبدل قبعات إخوانه وهم نائمون بتيجان بنات الغول، فلما هجم في الليل وقد اشتبهت عليه الرائحة أكل بناته"!

مجموعة من سلسلة "المكتبة الخضراء للأطفال"

تراجع "الحكي" لصالح الصورة

إذا كان هذا حال أشهر سلسلة عربية للأطفال التي صدر منها 15 طبعة حتى الآن، فكيف الأمر في عالم متغيّر يشهد كلّ يوم ثورة في وسائل الاتصال، وسهولة في تداول المعلومات، لم تعد فيه مؤسسات التنشئة التقليدية، ببناها الكلاسيكية، قادرة على تحدّي الراهن، بكلّ خطاه المتسارعة نحو لانهائية تقنية، ومؤثرات شتّى باتت تتجاذب النشء، وتسهم بالقدر الأكبر في تلقينهم وتحفيز منطلقات بعينها في وعيهم!

قديماً كانت الحكاية هي المعلم الأول؛ حيث يستلهم الطفل الدروس الأولى بين حكايا الجنيات والكائنات الأسطورية، وعلى ألسنة الطير ومختلف الحيوانات، ثم جاءت العرائس ومشتقاتها، لتسحب البساط من تحت أقدام الخيال المجرّد، لننتقل إلى مرحلة الخيال المجسد، الذي شهد طفرة كبرى مع ظهور أفلام الكرتون و(الأنيميشن) المحاكية للواقع.

بفعل ثورة المعلومات فقدت الأسرة إمكانية السيطرة على المحتوى الذي يتلقّاه أطفالها

فقد تراجعت مساحة الحكي لصالح الصورة، التي باتت محلّ شغف الأطفال على اختلاف أعمارهم، خاصة مع انفجار تقنيات الحاسوب، وثورة الإنترنت، وبشكل فقدت معه الأسرة قدرتها على السيطرة على المحتوى الذي يتلقّاه أطفالها.

يقول المهندس صلاح لـ "حفريات": "أجد صعوبة شديدة في إقناع طفلي الصغير، وعمره عامان ونصف، بترك "التابلت"، حيث يقضي فترات طويلة في مشاهدة الكرتون، وكذلك فشلت زوجتي في إقناعه بالاستماع إلى "حكاية"، كما كنّا نفعل ونحن صغار، حتى أنّه أصبح يختبئ بصحبة التابلت، ولا يظهر حتّى يفرغ الشحن"، متابعاً "بدأتُ ألاحظ قيامه بنطق مخارج الحروف، بنفس الطريقة التى يتكلمون بها في هذه الأفلام، ويكرّر الكلمات التي يسمعها بشكل دائم، وبعض الحركات، وهو ما يشعرني بخطورة الأمر".

تطوّرت قصص الخيال المجرّد فوصلنا إلى مرحلة الخيال المجسد، الذي شهد طفرة بظهور أفلام الكرتون و(الأنيميشن)

أدب الأطفال والاستجابة للتحدّي

في المقابل، حاول أدب الأطفال الاستجابة للتحدّي، فتغيرت تقنياته، لتحتلّ الصورة مساحة كبيرة، وبأساليب شيقة، ومع حالة الاستقطاب الديني، سرعان ما ظهرت على الساحة مجلدات إسلامية موجهة للأطفال، تضمّ قصص الأنبياء والصحابة والفتوحات، وزخر بعضها بصور لمعارك وحروب، وأجساد ممزّقة تنزف بالدماء، تحت عنوان: "معارك إسلامية خالدة"، وهو ما دق ناقوس الخطر؛ حيث عدّه تربويون استنفاراً لنزعة العنف، وزرع بذوره في نفوس الصغار.

حاول أدب الأطفال الاستجابة للتحدّي فتغيرت تقنياته لتحتلّ الصورة مساحة كبيرة وبأساليب شيقة

يقول الروائي المتخصص في أدب الأطفال أحمد قرني لـ"حفريات": "لا ينبغي أن نترك أطفالنا نهباً لأفكار دموية، تجنح نحو القتل، ونردّد على مسامعهم بعض الروايات الضعيفة، التي تحرض على كراهية بعض الديانات الأخرى، وكذا بعض روايات تاريخية، ربما تكون ملفقة، تقلل من شأن المرأة، وقيمتها في المجتمع، لا يجب أن نرسّخ تلك القيم السلبية لدى أطفالنا؛ بل نحتاج إلى أن ننتج لهم أعمالاً تحض على الحب ونبذ العنف، وإعمال العقل والابتكار، والكف عن حشو رؤوسهم بمشاهد العنف والقتل، التي نحكيها لهم طوال الوقت، من خلال سرد وقائع تراثية لا تلائم أعمارهم".

قرني: لا ينبغي ترك أطفالنا نهباً لأفكار دموية تجنح نحو القتل وترديد روايات ضعيفة على مسامعهم

ويستشهد قرني بمقولة "ألبير كامي": "طفل بلا أخلاق هو وحش تم إطلاقه على هذا العالم"، مؤكداً أنّنا الآن "أمام طفل لا نعرفه، يختلف عن الطفل الذي كنّا نكتب له قديماً، ونشبع رغباته بخيالٍ بسيطٍ، عن "علي بابا"، و"البساط السحري"، وهي حكايات لن تلفت انتباهه الآن، وستؤدّي حتماً إلى انصرافه؛ لأنّها ببساطة لا تلبّي احتياجاته، وتفصله حتماً عن واقعه. إنّ طفلاً يتعامل مع الكمبيوتر بمهارة، لن يعتمد خيالاً ساذجاً؛ بل حتماً يريد خيالاً محفزاً، طليقاً من القيود، يدفع للمعرفة والسؤال".

زخر بعض "أدب الأطفال"  بصور لمعارك وحروب ودماء، ما دقّ ناقوس الخطر حيث عُدّ تحفيزا للعنف في نفوس الأطفال

كرتون يحارب التطرف

في ظلّ حالة الاستقطاب السياسي، وفي محاولة لمواجهة الفكر المتطرف، أعلنت وزارة الداخلية المصرية، مشروع إنتاج كرتون للأطفال بعنوان: "فطين وبلبل"، والقصد منه بحسب الداخلية، مخاطبة الأطفال وتوعيتهم من مخاطر الانحراف والتطرف، وتفعيل مفهوم الشرطة المجتمعية، بإرشاد الأطفال نحو السلوكيات الصحيحة لمنع استقطاب ورفع روح الانتماء، وهو ما هاجمته مواقع تابعة لتيار الإسلام السياسي، بدعوى أنّه يهدف إلى تجنيد الأطفال، فضلاً عن تواضع سويته الفنية، ومباشرة رسائله التي تتلبّس في ثوب كرتوني لا يقدم أي مادة ممتعة، خاصة مع اتجاه الجيل الجديد إلى الإنترنت والتلفزيونات الرقمية والانصراف بوجه عام عن المواد المعروضة على شاشات التلفزيون.

وأشار مراقبون ردّاً على ذلك إلى ضرورة اضطلاع جهات تربوية بتلك المسؤولية، لوضع معايير قيمية محددة، لما ينبغي أن تتضمنه الرسالة، وتحديد الأطر الواجب اتباعها في هذا المضمار.

"فطين وبلبل" القصد منه بحسب الداخلية المصرية، مخاطبة الأطفال وتوعيتهم من مخاطر الانحراف والتطرف

القصة ومأزق التعليم

أزمة تفجّرت العام 2015 داخل أروقة وزارة التعليم المصرية، حينما استرعى انتباه البعض قصة بعنوان "طيور في خطر"، تدرّس ضمن منهج اللغة العربية للصف الثالث الابتدائي، وتتناول الكيفية التي نجح بها ملك العصافير في استدراج الصقور الأشرار داخل خيمة، ثم يقوم بحرقهم بينما الطيور تغني فرحاً بالانتصار، بكلّ ما يحمله ذلك من عنف يتنافى مع الطفولة، ومع الضغط الذي مثله ظهور داعش على المسرح، وقيامها بإحراق الأسرى بنفس الكيفية، رضخت وزارة التعليم، وقامت بحذف القصة من المقرر. 

تفجّرت أزمة داخل أروقة وزارة التعليم المصرية بسبب قصة "طيور في خطر" التي تشجّع العنف

ويواجه التعليم الحكومي أزمة شديدة، في ظلّ الإصرار على تقديم نماذج من التراث للصغار، تكون القدوة الحسنة لهم، وفي تجاهل للنماذج الفكرية، التي أثرت الحضارة الإسلامية، طيلة قرون؛ كالفارابي، وابن رشد، وابن سينا، وغيرهم، تمّ التركيز على نماذج عسكرية، لقادة كان السيف وحده سبيلهم للمجد، ليصبح البطل المقاتل وحده، هو النموذج الإسلامي الواجب الاقتداء به، وتصبح أفعاله بالضرورة مقدسة، رغم اقتطاعها من سياقها التاريخي، لتحفل مناهج التعليم الابتدائي بحكايا الغزو والسبي والقتل، ويخرج جيل لديه ما يبرر العنف، وما يجعل نظرته للآخر نظرة شديدة التوجس والكراهية؛ ففي قصة "عقبة بن نافع"، المقررة على الصف الأول الإعدادي في مصر، يجد الطفل نفسه أمام سلسلة لا تنتهي من الحروب والعنف المقدس؛ بل وإذلال البطل عقبة لقائد مسلم آخر، هو أبو المهاجر دينار، أظهره الله عليه ليحل محله في القيادة!

وفي قصة "وا إسلاماه"؛ المقررة على الصف الثاني الثانوي، يصور أحد المشاهد كيفية التعامل مع الأسرى بمنتهى الوحشية، فالسلطان يأمر بقتلهم جميعاً، وكان فيهم ابن جنكيز خان، فأحضره ليقتله بنفسه، قبل أن يقول ابن أخته: "دعْهُ لِسَيْفي فإنه غيْر أهْلٍ لسيْفِك، فضحِك جلال الدين ومن معه وقال: صَدَقْتَ يا محمـــود، عليك به فاقتُلْه على ألا تزيد عن ثلاث ضربات، فتقدَّم محمـــود حتى دنا من ابن جنكيز خان فهزَّ سيْفه هزَّتين فى الهواء، ثم ضرب به عُنُقَ الأسير ضرْبَةً أطارت رأسه، فكبَّر الحاضرون فَرحين مُعْجَبين بِقُوَّةِ الأمير الصغير".

وهو ما دفع النائبة منى منير، وفق ما نشر موقع "اليوم السابع" في (يناير) 2017، إلى طلب حذف هذه المشاهد، التي تتسق إلى حد كبير مع ممارسات تنظيم داعش، وفق قولها، وردت وزارة التعليم بتشكيل لجنة لمراجعة القصص التي تدرَّس للطلاب، أوصت بتنقيح مشاهد العنف التي ظلت تدرَّس لعقود طويلة للطلاب، وهو ما أثار حفيظة واستياء رئيس حزب النور السلفي، الذي قال: "الحذف هو اعتداء على تاريخنا، ومسح لهويتنا، ورضوخ لأعدائنا".

مهدي: مناهج اللغة العربية والتاريخ بالتحديد تحمل في أحيان كثيرة قيماً متناقضة مع المعايير الإنسانية

ويقول الخبير بتطوير المناهج التعليمية الدكتور سامح مهدي لــ"حفريات": "هناك نماذج من العنف المادي والرمزي داخل المناهج المدرسية، وعلينا ألا نتفاجأ من هذه الحقيقة المؤسفة والمخيّبة للآمال، والمحصلة ستكون مزيداً من التطرف الذي يفضي إلى العنف في كل الأحوال، وهو ما يؤدي، بدوره، إلى إضعاف المناعة الفكرية والعقائدية، بشكل يجعل عقول المتعلمين مهيأة للتجنيد والاستقطاب العقائدي المتطرف، من قبل الجماعات المتطرفة".

ويؤكّد مهدي أنّ "مناهج اللغة العربية والتاريخ بالتحديد، تحمل في أحيان كثيرة قيماً متناقضة مع المعايير الإنسانية؛ حيث تكرّس للاستقطاب الديني، من خلال قصص بطولات حربية في قالب ديني مقدّس، يؤدي إلى شرعنة ما تضمّه من عنف مبالغ فيه".

من جهة أخرى، يقول مينا، وهو طالب في الصف الثالث الإعدادي، لــ"حفريات": "ندرس قصصاً إسلامية، ضمن مقررات اللغة العربية، تحكي عن هزيمة الصليبيين على يد المسلمين، وأنّهم أشرار، وهو ما يسبّب حرجاً لي بين زملائي، وأحياناً يسخر بعضهم مني. وفي المقابل؛ ندرس في مدارس الأحد، منذ الصغر، قصصاً لأبطال وقدّيسين مسيحيين، قتلهم الوثنيون وعذّبوهم، أما أنا فأحبّ مشاهدة أفلام الكرتون، وما بها من خيال جميل".

تفصح رسالة مينا عن مغزاها، فشغفه الطفولي بالخيال، تتنازعه دوماً اتهامات تحملها القصص الدراسية، وعذابات تغرسها بداخله مآسي القديسين، كلّ هذا لكونه مسيحياً.

يواجه التعليم الحكومي أزمة شديدة في ظلّ الإصرار على تقديم البطل المقاتل وحده على أنه النموذج الإسلامي الواجب الاقتداء به

مسيرة الأكفان

ويرى أنصار التيار الإسلامي، أنّ التنشئة الصحيحة للصغار، تتحقق بتلقينهم قصص السلف، وهو ما يصرح به (م.ع) لـ "حفريات"، حيث يقول: "لا مجال للخيال، فهو يفسد عقل الطفل، نحن نحفظهم القرآن والسيرة النبوية، ويستمعون إلى أناشيد دينية تحفزهم على الإيمان والتأسي بالصحابة، ونحكي لهم قصص الأنبياء وفتوحات الرسول، وتكون الرياضة هي متعتهم الكبرى، ولها فوائد عظيمة، نحن نربي رجالاً وأمهات".

يبدو المأزق التربوي شديد الوضوح مع تحالف معطيات شتى تمكّنت من غرس بذور العنف والتطرف منذ الصغر

لعلّ هذا يفسر تلك المسيرة التي نظمتها جماعة الإخوان المسلمين العام 2013، إبان اعتصام رابعة الشهير، حيث تحرك الصغار بأجسادهم النحيلة، وهم يلبسون أكفاناً، صنعها لهم من حشدوهم قرابين لهدف سياسي.

يبدو المأزق التربوي شديد الوضوح، مع تحالف معطيات شتّى، تمكّنت من غرس بذور العنف والتطرف منذ الصغر، وهو ما يدفع إلى ضرورة تبنّي سياسات تربوية غير تقليدية، من خلال الحكاية، وأفلام الكارتون، والقصص المصورة، لمواجهة ما تراكم في أعوام طويلة في البنى الذهنية للطفل العربي، بناء على إستراتيجية علمية مدروسة.

اقرأ المزيد...

الوسوم: