قطار الوعي القادم في آخر النفق: النجاة على طريقة ماركس ونيتشه وفرويد

8624
عدد القراءات

2018-12-23

للشكّ تاريخه الفلسفيّ الطويل؛ بل هناك من يعدّ تاريخ الفلسفة تاريخ الشكّ؛ باعتبار أنّ الفلسفة ليست سوى ممارسة للسؤال، وتنشيط للجانب النقديّ عند الإنسان، وللشكّ، أيضاً، حدوده؛ لأنّه لا يمكن أن يشكّ بكلّ شيء، فبالنهاية هناك "ذات" وهناك "وعي"، لا يُشكّ فيه، لأنّه هو الذي يقوم بعمليّة الشكّ نفسها تجاه الخارج، والوجود.

الفلسفة الحديثة؛ بداية من ديكارت إلى هيغل، هي "فلسفة وعي"، أي هي فلسفة تبوّئ الوعي المنزلة المعياريّة في الحكم الإنساني على الأشياء

بالاعتماد على التقسيم الطريف الذي قام به الفيلسوف الأمريكي، ريتشارد رورتي، في كتابه "الفلسفة مرآة الطبيعة"، فإنّ الفلسفة تنقسم إلى ثلاث محطّات: محطّة الأشياء أو الأفكار (المحطة اليونانية)، محطة الوعي أو الذات (الفلسفة الحديثة من ديكارت إلى هوسرل)، محطّة اللفظ أو اللغة (الفلسفة ما بعد الحديثة، أو بعد المنعرج اللغوي). أو بمعنى آخر، وبلغة رورتي في الكتاب نفسه؛ إنّ الفلسفة تنقسم إلى "فلسفة نسقيّة" و"فلسفة تهذيبيّة"، الأولى تُعنى بـ "نظريّة المعرفة"، والتأسيس العقليّ، والأحاديث الكبرى، والثانية تفهم الوجود بوصفه لغةً، وتدخل معه في علاقات تأويليّة مكثّفة من خلال التخلّي عن "المهمّة التأسيسيّة" للفلسفة النسقيّة.

اقرأ أيضاً: التفكير مع إمبرتو إيكو: كيف نتجاوز موت المؤلف؟

يمكن القول: إنّ الفلسفة الحديثة؛ بداية من ديكارت إلى هيغل، هي "فلسفة وعي"، أي هي فلسفة تبوّئ الوعي المنزلة المعياريّة في الحكم الإنساني على الأشياء، فوعي الإنسان بالشيء الخارجي وعي صادق؛ لأنّ الإنسان كائن عقلاني بالضرورة، كما تمّ تعريفه في المعتمَد الحداثي.

إنّ ديكارت يسمَّى دائماً بأنّه "فيلسوف الشكّ"، ودائماً ما نردّد الكوجيطو الديكارتيّ في صيغته "أنا أشكّ إذاً أنا موجود"، بما أنّ الشكّ محدّد نظرية المعرفة لدى ديكارت. لكن، لا بدّ من توضيح طبيعة "الشكّ الديكارتي" وحدوده أيضاً؛ إن ديكارت يشكّ في الشيء، في خارجيته، في أنها ليست كما تبدو، لكنّه، وهذا الأهم، لا يشكّ في الوعي بما يبدو لذاته.

فهمَ كانط التنوير على أنّه خروج من القصور العقليّ وخروج من الأوهام التي تتلبّد حول العقل كغمام

حداثياً؛ كان الوعي الإنساني هو المسكوت عنه، بل كانت الحداثة في جوهرها دفاعاً عن الوعي والعقل ضدّ كلّ "الأوهام" التي تسيطر على هذا الوعي، سواء أكانت أوهاماً دينية (عند بعض الفلاسفة الوضعيين)، أو أوهاماً سلطوية نابعة من اللاهوت السياسي، وللمرء أن يتذكّر تعريف كانط للتنوير؛ بوصفه استعمال العقل والتجرؤ على استخدامه ليعرف كُنْه هذا التنوير. لقد فهمَ كانط التنوير على أنّه خروج؛ خروج من القصور العقليّ، خروج من الأوهام التي تتلبّد حول العقل كغمام، خروج من المِثال إلى معرفة حدود العقل وما يحدّه من مقولات ترنسنتدتاليّة (متعالية) سابقة له، ولا يستطيع التفكير إلّا من خلال إطارها.

فالوعي، هو أساس الفلسفة الحديثة، ولعدّة قرون نظرية ولفلسفات عديدة، كانت الفلسفة تعمل على أرضِه، ولم تُكتشف مآزقه باعتباره استمراراً للميتافيزيقا الغربية منذ اليونان.

اقرأ أيضاً: درس بورديو: هل هناك رأي عام؟

لكنّ نهاية القرن التاسع عشر، وبداية القرن العشرين، ستأتي بثلاثة هدّامين كبار، والشكاكين الجذريين الذين سوف ينقضون على الوعي الحديث، ينقدونه، ويفتّتون بنيته التي تأسس عليها، إنهم، بحسب بول ريكور، ماركس ونيتشه وفرويد. ويعبّر بول ريكور، في كتابه المميّز "صراع التأويلات" (1969)؛ الذي هو بمثابة الكتاب الذي خصصه للدخول في نقاشٍ مع الفلسفة القارية، عن الأثر الذي أحدثته كتابات الأخير مثلاً؛ أعني فرويد على مستواه الذاتي، فيقول: "إن التحليل النفسي يمثّل هزّة هائلة بالنسبة إلى شخصٍ (يتكلّم عن نفسه) كوّنته الفينومنولوجيا، والوجودية، واللسانيات".

اقرأ أيضاً: الحداثة التي لم تهزم المتعالي
وسوف نضيء، اعتماداً على ريكور وما كتبه في "صراع التأويلات"، ما قام به هؤلاء الثلاثة المهمّون على صعيد الفلسفة الغربية.
ويلاحظ المرء، أول ما يلاحظ، أنّ هؤلاء الثلاثة يتكلّمون من خارج الفلسفة، وكأنّهم أدركوا أنّ التأسيس الجديد لن يكون إلّا من إحراج الداخل الفلسفي بخارجه، الذي ظلّ يتناساه، لا نريد أن نذكّر بما هو معلوم، وبما طرحه بشكلٍ جذري فيلسوف الغابة السوداء، أعني هيدغر، من أنّ تاريخ الفلسفة هو النسيان، نسيان الوجود، فها هو ماركس يرفع راية التاريخ، متمثّلاً بالاقتصاد السياسي، ودور الأيديولوجيا في الزيف والهيمنة، وها هو نيتشه يرفع راية الجينالوجيا، وهو فقيه اللغة الذي أصابه نوع من المرض، بصّره بطريق ثالث للوجود، وها هو فرويد يؤسس لـ "علم الأحلام" كمنسيّ حداثي في ضوء فلسفات الوعي.

فرويد: التحليل النفسي هو آخر الإهانات الشنيعة التي "تكابدها النرجسيّة، وحبّ الإنسان لنفسه

ينبّه ريكور، بنصّ طريف، إلى الاختزال المفرط الذي تعرّضت له أعمال هؤلاء الشكّاكين الكبار، فيقول: "إننا لا نزال […] ضحايا الفلسفة الكلامية التي يحبسهم فيها ورثتهم: لقد نُفي ماركس إلى الاقتصاد الماركسي، وإلى نظرية الوعي المُنعكس، وإنّ نيتشه قد سُحب إلى جانب النزعبة الإحيائية، إن لم يكن الدفاع عن العنف. وأما فرويد؛ فقد أقام في طبّ الأمراض العقلية، وتزيابزي جنسانية عمومية تبسيطية"، لهذا؛ فريكور يدافع عن تأويل أكثر تكاملية؛ إنّه تأويل يأخذ المشترك بين الثلاثة، بدلاً من التأويل المشتِّت للثلاثة، باعتبارهم ناقضي بعضهم البعض.
ويرى ريكور أنّ المشترك بين الثلاثة هو الانقضاض على الوعي الحديث، وعي الذات، فهم بمثابة مفتشين سريّين في دفتر الفلسفة الحديثة، والحداثة عموماً.

اقرأ أيضاً: محمد عابد الجابري: مثقف المشروع

كان ديكارت يشكّ في الشيء، ولا يشكّ في الوعي، أمّا هؤلاء الثلاثة؛ فقد شكّوا في "وعي الشيء"، وليس في الشيء، كما ديكارت، فالوعي لم يَعد معطى قبلياً، أو في البداية، إنّ الوعي في النهاية؛ لهذا فقد عمل ماركس ونيتشه وفرويد على إعادة وضع نظرية للمعنى من جديد، نظريّة تقول إنّ الوعي الإنساني مُستلب (ماركس)، وضعيف (نيتشه)، وخاضع للاوعي (فرويد).

لكنّ "هؤلاء الثلاثة هم بعيدون عن أن يشنّعوا بـ "الوعي"؛ إذ يتطلعون إلى توسيعه، فما يريده ماركس، هو تحرير التطبيق العملي (praxis) عن طريق معرفة الضرورة، لكنّ هذا التحرير لا ينفصل عن "امتلاك الوعي"، الذي يرد بانتصار على خداع الوعي الزائف، وما يريده نيتشه؛ هو زيادة قدرة الإنسان […]، وأمّا ما يريده فرويد؛ فهو أن يوسّع المحلّل حقل وعيه، ويحيا بصورة أفضل"؛ لذلك، فإن وصفهم بأنهم هدامون لا يُفهم من المعنى السالِب للهدم، إنما المعنى المُوجب الذي تحدّث عنه هيدغر في "الكينونة والزمان" (1927م)، من أنّ كلّ هدمٍ هو تأسيس جديد.

اقرأ أيضاً: المجال العامّ: مقدّمة قصيرة جداً

أوضحَ ماركس، في مؤلّفاته المهمّة، التي أثرت، وما تزال تؤثر، في الفكر والسياسة والفلسفة والاقتصاد إلى اليوم، أنّ الوعي الحديث مُستلَب، مُستلب من طبقاتٍ أعلى تهيمن عليه، وتزجّ بالإنسان العامِل في "العمل"، الذي هو بمثابة الاغتراب له.
إنّ الأيديولوجيا، أيديولوجيا الطبقة الحاكمة، أيديولوجيا تُعمي الطبقات المُهيمن عليه، ليس هذا فحسب؛ بل إنّ التقدّم التقني هو صيرورة رأسمالية للهيمنة على الإنسان.

اقرأ أيضاً: علي الشوك: ماركسي "يقدّس" حرية الفرد!

وأوضحَ نيتشه، وهو الذي خضع لتفسيرات متباينة، وجدّ متباعدة، من كونه مسيحياً أخيراً، أو "آخر الميتافيزيقيين"، إلى كونه "الملحد"، بل و"النازي"؛ أنّ أخلاق الإنسان الحديث أخلاق ضعف، وليست أخلاق قوة، إنّها أخلاق العبيد، إنّ درس نيتشه هو درسٌ في القوّة، لكن ليست القوة هنا بمعنى الفاشية والنازية التي وُصمت بها أعماله؛ لذلك، لا بدّ من تجنّب أربعة تفسيرات خاطئة لنيتشه عند قراءته، كما أوضح جيل دولوز، في تأويله المهمّ لنيتشه، ضمن مؤلّفين هما: "نيتشه والفلسفة" (1962)، و"نيتشه" (1965)؛ حيث يقول دولوز كلاماً مهمّاً حول هذه التفسيرات الأربعة: "نحن، قرّاء نيتشه، علينا أن نتجنب أربعة تفاسير خاطئة محتملة، أولى التفاسير، حول إرادة القوة (الاعتقاد بأنّ إرادة القوة تعني "الرغبة في الهيمنة"، أو "الرغبة في القوة")، وثانيها؛ حول الضعفاء والأقوياء (الاعتقاد بأنّ الأكثر "قوّة" في نظام اجتماعي هم "أقوياء" بالضرورة)، وثالثها؛ بشأن العود الأبدي (الاعتقاد بأنّ الأمر يتعلّق بفكرة قديمة، مستعارة من قدماء اليونانيين، ومن الهنود، ومن البابليين، أي الاعتقاد بأنّ الأمر يتعلّق بدوره، أو بعودة "الشيء ذاته")، ورابعها، بشأن الأعمال الأخيرة (الاعتقاد بأنّ تلك الأعمال مبالغ فيها، أو هي مجرّدة من القيمة بسبب الجنون)".

اقرأ أيضاً: ما رأي كارل ماركس بأحوال العالم اليوم؟

أما فرويد؛ فيكتسب التأويل الأساس في نصّ ريكور، ولا ضير في ذلك، فريكور كان قد سجّل كتاباً عن "فرويد والفلسفة" في بداياته، وهو الذي ظلّ معيناً تأويلياً ثرّاً في نصوصه، خصوصاً أنّه طعّم البنيوية والألسنيات بالتحليل النفسي لفرويد، ويعترف ريكور بأنّ ما قام به فرويد من تأسيسٍ لعلم الأحلام هو "حدثٌ داخليّ في ثقافتنا الحديثة"، علينا احتماله، وفي "صراع التأويلات"؛ يوضح ريكور، بنصٍّ شديد الطرافة، ما عمله فرويد بالتحديد؛ وهو نصّ لا يحتاج إلى تعليق؛ لأنّه ناتج عن تأويل مضاعف من صاحب "الذات عينها كآخر".

اقرأ أيضاً: الرجل الخارق كما رآه نيتشه: عبوة ديناميت ترى في الشر خيراً مبدعاً

يقول ريكور عن فرويد، تحت عنوان "مقاومة ضدّ الحقيقة": "[…] إنّ الوعي، كما يقول التحليل النفسي، "يقاوم" فهم نفسه. ولقد قاوم أوديب أيضاً ضدّ الحقيقة التي يعرفها كلّ الآخرين، وقد كان يرفض أن يعرف نفسه في هذا الرجل الذي كان هو ذاته يلعنه، فمعرفة النّفس هي المأساة الحقيقية، وهي مأساة من الدرجة الثانية. وأمّا مأساة الوعي، مأساة الرّفض والغضب، فتُضاعف مأساة البدء، مأساة الكينونة أن يكون ما هو عليه، مأساة ارتكاب المحارم، ومأساة قتل الأب، وإنّ فرويد ليتكلّم بجلاء عن هذه "المقاومة" ضدّ الحقيقة، في نصّ مشهورٍ، وغالباً ما يستشهد به، إنّه "صعوة في التحليل النفسي" (1917م).

قال ماركس: إنّ "الإنسان لا يستطيع أن يرى من العمى الأيديولوجي المهيمن عليه"

يقول فيه: "إنّ التحليل النفسي هو آخر الإهانات الشنيعة التي "تكابدها النرجسيّة، وحبّ الإنسان لنفسه عموماً نتيجة للاستقصاء العلمي حتى الآن"، كانت هناك، بادئ ذي بدء، الإهانة الكونية التي عاقبه بها كوبرنيك، وذلك بهدم الوهم النرجسي، الذي، تبعاً له، مسكن الإنسان الثابت وسط الأشياء. ثمّ كانت الإهانة البيولوجية، وذلك عندما وضع داروين نهاية لادّعاء الإنسان بأنّه كائن مقطوع من مملكة الحيوان، وأخيراً؛ جاءت الإهانة النفسانية: إنّ الإنسان، الذي كان يعلم من قبل بأنّه ليس سيّد الكون، ولا سيّد الأحياء، قد اكتشف أنه ليس سيّداً حتى على نفسه.

ويضيء موضوع الإهانة النرجسية، بضوء حادّ، كلّ ما جئنا على قوله حول الشكّ والمكر، وتوسّع حقل الوعي: إنّنا نعلم الآن أنّ المُهان ليس هو، لكنّه ادّعاء الوعي؛ بل إنّه شبقُ الأنا، وإنّنا لنعلمُ أنّ ما يهينه إنّما هو على وجه التحديد وعي أفضل، وهو الوضوح، وهو المعرفة العلمية، هذا ما يقول فرويد بعقلانية.

اقرأ أيضاً: هل يطيح بروفسور بريطاني بفرويد أخيراً؟
ولنقُل، بشكلٍ أوسع: إنّ الوعي قد انزاح عن تمركزه على ذاته، وفكّ انشغاله المسبق، ونقله كوبرنيك نحو الكون الواسع، كما نقله داروين نحو العبقرية المتحركة للحياة، كما نقله فرويد نحو الأعماق المظلمة للنفس، وإنّ الوعي ليزداد هو نفسه؛ إذ يتمركز حول آخره: الكون، البيوس (الحياة)، النفس، وإنه ليجد ذاته بعد أن ضاع، إنّه ليجد ذاته، مثقفاً ومستنيراً، بعد أن ضاع نرجسياً".

اقرأ أيضاً: أبناء داروين أم فرويد؟

وخلاصة الدرس الذي علّمه هؤلاء الثلاثة، ماركس ونيتشه وفرويد، للفلسفة وللإنسان الحديث؛ أنّ الوعي ليس بهذه "البراءة" كما ظُنّ منذ ديكارت، وأنّ الإنسان ليس عقلانياً، كما هو الحال في معتمَد الحداثة؛ إنّه مُستعمر من الطبقة والضعف ولاوعيه؛ لذلك فإنّ الخرافة الحداثية بالتمركز حول الإنسان قد ضربها هؤلاء الثلاثة في مقتل؛ فهذا ماركس قال بلا رجعة: إنّ "الإنسان لا يستطيع أن يرى من العمى الأيديولوجي المهيمن عليه"، وهذا نيتشه يصرخ بأنّ "الإنسان ضعيف، ولا بدّ من تفلسفٍ بالمطرقة في سبيل "إرادة القوة""، وها هو السيّد فرويد يجرح نرجسية الذات الحديثة بأنّها "أسيرة لقوى خفية؛ هي اللاوعي، وأنّ الإنسان أسير اللغة والطفولة والحُلم".

اقرأ المزيد...

الوسوم:



قطار الوعي القادم في آخر النفق: النجاة على طريقة ماركس ونيتشه وفرويد

عدد القراءات

2018-12-23

للشكّ تاريخه الفلسفيّ الطويل؛ بل هناك من يعدّ تاريخ الفلسفة تاريخ الشكّ؛ باعتبار أنّ الفلسفة ليست سوى ممارسة للسؤال، وتنشيط للجانب النقديّ عند الإنسان، وللشكّ، أيضاً، حدوده؛ لأنّه لا يمكن أن يشكّ بكلّ شيء، فبالنهاية هناك "ذات" وهناك "وعي"، لا يُشكّ فيه، لأنّه هو الذي يقوم بعمليّة الشكّ نفسها تجاه الخارج، والوجود.

الفلسفة الحديثة؛ بداية من ديكارت إلى هيغل، هي "فلسفة وعي"، أي هي فلسفة تبوّئ الوعي المنزلة المعياريّة في الحكم الإنساني على الأشياء

بالاعتماد على التقسيم الطريف الذي قام به الفيلسوف الأمريكي، ريتشارد رورتي، في كتابه "الفلسفة مرآة الطبيعة"، فإنّ الفلسفة تنقسم إلى ثلاث محطّات: محطّة الأشياء أو الأفكار (المحطة اليونانية)، محطة الوعي أو الذات (الفلسفة الحديثة من ديكارت إلى هوسرل)، محطّة اللفظ أو اللغة (الفلسفة ما بعد الحديثة، أو بعد المنعرج اللغوي). أو بمعنى آخر، وبلغة رورتي في الكتاب نفسه؛ إنّ الفلسفة تنقسم إلى "فلسفة نسقيّة" و"فلسفة تهذيبيّة"، الأولى تُعنى بـ "نظريّة المعرفة"، والتأسيس العقليّ، والأحاديث الكبرى، والثانية تفهم الوجود بوصفه لغةً، وتدخل معه في علاقات تأويليّة مكثّفة من خلال التخلّي عن "المهمّة التأسيسيّة" للفلسفة النسقيّة.

اقرأ أيضاً: التفكير مع إمبرتو إيكو: كيف نتجاوز موت المؤلف؟

يمكن القول: إنّ الفلسفة الحديثة؛ بداية من ديكارت إلى هيغل، هي "فلسفة وعي"، أي هي فلسفة تبوّئ الوعي المنزلة المعياريّة في الحكم الإنساني على الأشياء، فوعي الإنسان بالشيء الخارجي وعي صادق؛ لأنّ الإنسان كائن عقلاني بالضرورة، كما تمّ تعريفه في المعتمَد الحداثي.

إنّ ديكارت يسمَّى دائماً بأنّه "فيلسوف الشكّ"، ودائماً ما نردّد الكوجيطو الديكارتيّ في صيغته "أنا أشكّ إذاً أنا موجود"، بما أنّ الشكّ محدّد نظرية المعرفة لدى ديكارت. لكن، لا بدّ من توضيح طبيعة "الشكّ الديكارتي" وحدوده أيضاً؛ إن ديكارت يشكّ في الشيء، في خارجيته، في أنها ليست كما تبدو، لكنّه، وهذا الأهم، لا يشكّ في الوعي بما يبدو لذاته.

فهمَ كانط التنوير على أنّه خروج من القصور العقليّ وخروج من الأوهام التي تتلبّد حول العقل كغمام

حداثياً؛ كان الوعي الإنساني هو المسكوت عنه، بل كانت الحداثة في جوهرها دفاعاً عن الوعي والعقل ضدّ كلّ "الأوهام" التي تسيطر على هذا الوعي، سواء أكانت أوهاماً دينية (عند بعض الفلاسفة الوضعيين)، أو أوهاماً سلطوية نابعة من اللاهوت السياسي، وللمرء أن يتذكّر تعريف كانط للتنوير؛ بوصفه استعمال العقل والتجرؤ على استخدامه ليعرف كُنْه هذا التنوير. لقد فهمَ كانط التنوير على أنّه خروج؛ خروج من القصور العقليّ، خروج من الأوهام التي تتلبّد حول العقل كغمام، خروج من المِثال إلى معرفة حدود العقل وما يحدّه من مقولات ترنسنتدتاليّة (متعالية) سابقة له، ولا يستطيع التفكير إلّا من خلال إطارها.

فالوعي، هو أساس الفلسفة الحديثة، ولعدّة قرون نظرية ولفلسفات عديدة، كانت الفلسفة تعمل على أرضِه، ولم تُكتشف مآزقه باعتباره استمراراً للميتافيزيقا الغربية منذ اليونان.

اقرأ أيضاً: درس بورديو: هل هناك رأي عام؟

لكنّ نهاية القرن التاسع عشر، وبداية القرن العشرين، ستأتي بثلاثة هدّامين كبار، والشكاكين الجذريين الذين سوف ينقضون على الوعي الحديث، ينقدونه، ويفتّتون بنيته التي تأسس عليها، إنهم، بحسب بول ريكور، ماركس ونيتشه وفرويد. ويعبّر بول ريكور، في كتابه المميّز "صراع التأويلات" (1969)؛ الذي هو بمثابة الكتاب الذي خصصه للدخول في نقاشٍ مع الفلسفة القارية، عن الأثر الذي أحدثته كتابات الأخير مثلاً؛ أعني فرويد على مستواه الذاتي، فيقول: "إن التحليل النفسي يمثّل هزّة هائلة بالنسبة إلى شخصٍ (يتكلّم عن نفسه) كوّنته الفينومنولوجيا، والوجودية، واللسانيات".

اقرأ أيضاً: الحداثة التي لم تهزم المتعالي
وسوف نضيء، اعتماداً على ريكور وما كتبه في "صراع التأويلات"، ما قام به هؤلاء الثلاثة المهمّون على صعيد الفلسفة الغربية.
ويلاحظ المرء، أول ما يلاحظ، أنّ هؤلاء الثلاثة يتكلّمون من خارج الفلسفة، وكأنّهم أدركوا أنّ التأسيس الجديد لن يكون إلّا من إحراج الداخل الفلسفي بخارجه، الذي ظلّ يتناساه، لا نريد أن نذكّر بما هو معلوم، وبما طرحه بشكلٍ جذري فيلسوف الغابة السوداء، أعني هيدغر، من أنّ تاريخ الفلسفة هو النسيان، نسيان الوجود، فها هو ماركس يرفع راية التاريخ، متمثّلاً بالاقتصاد السياسي، ودور الأيديولوجيا في الزيف والهيمنة، وها هو نيتشه يرفع راية الجينالوجيا، وهو فقيه اللغة الذي أصابه نوع من المرض، بصّره بطريق ثالث للوجود، وها هو فرويد يؤسس لـ "علم الأحلام" كمنسيّ حداثي في ضوء فلسفات الوعي.

فرويد: التحليل النفسي هو آخر الإهانات الشنيعة التي "تكابدها النرجسيّة، وحبّ الإنسان لنفسه

ينبّه ريكور، بنصّ طريف، إلى الاختزال المفرط الذي تعرّضت له أعمال هؤلاء الشكّاكين الكبار، فيقول: "إننا لا نزال […] ضحايا الفلسفة الكلامية التي يحبسهم فيها ورثتهم: لقد نُفي ماركس إلى الاقتصاد الماركسي، وإلى نظرية الوعي المُنعكس، وإنّ نيتشه قد سُحب إلى جانب النزعبة الإحيائية، إن لم يكن الدفاع عن العنف. وأما فرويد؛ فقد أقام في طبّ الأمراض العقلية، وتزيابزي جنسانية عمومية تبسيطية"، لهذا؛ فريكور يدافع عن تأويل أكثر تكاملية؛ إنّه تأويل يأخذ المشترك بين الثلاثة، بدلاً من التأويل المشتِّت للثلاثة، باعتبارهم ناقضي بعضهم البعض.
ويرى ريكور أنّ المشترك بين الثلاثة هو الانقضاض على الوعي الحديث، وعي الذات، فهم بمثابة مفتشين سريّين في دفتر الفلسفة الحديثة، والحداثة عموماً.

اقرأ أيضاً: محمد عابد الجابري: مثقف المشروع

كان ديكارت يشكّ في الشيء، ولا يشكّ في الوعي، أمّا هؤلاء الثلاثة؛ فقد شكّوا في "وعي الشيء"، وليس في الشيء، كما ديكارت، فالوعي لم يَعد معطى قبلياً، أو في البداية، إنّ الوعي في النهاية؛ لهذا فقد عمل ماركس ونيتشه وفرويد على إعادة وضع نظرية للمعنى من جديد، نظريّة تقول إنّ الوعي الإنساني مُستلب (ماركس)، وضعيف (نيتشه)، وخاضع للاوعي (فرويد).

لكنّ "هؤلاء الثلاثة هم بعيدون عن أن يشنّعوا بـ "الوعي"؛ إذ يتطلعون إلى توسيعه، فما يريده ماركس، هو تحرير التطبيق العملي (praxis) عن طريق معرفة الضرورة، لكنّ هذا التحرير لا ينفصل عن "امتلاك الوعي"، الذي يرد بانتصار على خداع الوعي الزائف، وما يريده نيتشه؛ هو زيادة قدرة الإنسان […]، وأمّا ما يريده فرويد؛ فهو أن يوسّع المحلّل حقل وعيه، ويحيا بصورة أفضل"؛ لذلك، فإن وصفهم بأنهم هدامون لا يُفهم من المعنى السالِب للهدم، إنما المعنى المُوجب الذي تحدّث عنه هيدغر في "الكينونة والزمان" (1927م)، من أنّ كلّ هدمٍ هو تأسيس جديد.

اقرأ أيضاً: المجال العامّ: مقدّمة قصيرة جداً

أوضحَ ماركس، في مؤلّفاته المهمّة، التي أثرت، وما تزال تؤثر، في الفكر والسياسة والفلسفة والاقتصاد إلى اليوم، أنّ الوعي الحديث مُستلَب، مُستلب من طبقاتٍ أعلى تهيمن عليه، وتزجّ بالإنسان العامِل في "العمل"، الذي هو بمثابة الاغتراب له.
إنّ الأيديولوجيا، أيديولوجيا الطبقة الحاكمة، أيديولوجيا تُعمي الطبقات المُهيمن عليه، ليس هذا فحسب؛ بل إنّ التقدّم التقني هو صيرورة رأسمالية للهيمنة على الإنسان.

اقرأ أيضاً: علي الشوك: ماركسي "يقدّس" حرية الفرد!

وأوضحَ نيتشه، وهو الذي خضع لتفسيرات متباينة، وجدّ متباعدة، من كونه مسيحياً أخيراً، أو "آخر الميتافيزيقيين"، إلى كونه "الملحد"، بل و"النازي"؛ أنّ أخلاق الإنسان الحديث أخلاق ضعف، وليست أخلاق قوة، إنّها أخلاق العبيد، إنّ درس نيتشه هو درسٌ في القوّة، لكن ليست القوة هنا بمعنى الفاشية والنازية التي وُصمت بها أعماله؛ لذلك، لا بدّ من تجنّب أربعة تفسيرات خاطئة لنيتشه عند قراءته، كما أوضح جيل دولوز، في تأويله المهمّ لنيتشه، ضمن مؤلّفين هما: "نيتشه والفلسفة" (1962)، و"نيتشه" (1965)؛ حيث يقول دولوز كلاماً مهمّاً حول هذه التفسيرات الأربعة: "نحن، قرّاء نيتشه، علينا أن نتجنب أربعة تفاسير خاطئة محتملة، أولى التفاسير، حول إرادة القوة (الاعتقاد بأنّ إرادة القوة تعني "الرغبة في الهيمنة"، أو "الرغبة في القوة")، وثانيها؛ حول الضعفاء والأقوياء (الاعتقاد بأنّ الأكثر "قوّة" في نظام اجتماعي هم "أقوياء" بالضرورة)، وثالثها؛ بشأن العود الأبدي (الاعتقاد بأنّ الأمر يتعلّق بفكرة قديمة، مستعارة من قدماء اليونانيين، ومن الهنود، ومن البابليين، أي الاعتقاد بأنّ الأمر يتعلّق بدوره، أو بعودة "الشيء ذاته")، ورابعها، بشأن الأعمال الأخيرة (الاعتقاد بأنّ تلك الأعمال مبالغ فيها، أو هي مجرّدة من القيمة بسبب الجنون)".

اقرأ أيضاً: ما رأي كارل ماركس بأحوال العالم اليوم؟

أما فرويد؛ فيكتسب التأويل الأساس في نصّ ريكور، ولا ضير في ذلك، فريكور كان قد سجّل كتاباً عن "فرويد والفلسفة" في بداياته، وهو الذي ظلّ معيناً تأويلياً ثرّاً في نصوصه، خصوصاً أنّه طعّم البنيوية والألسنيات بالتحليل النفسي لفرويد، ويعترف ريكور بأنّ ما قام به فرويد من تأسيسٍ لعلم الأحلام هو "حدثٌ داخليّ في ثقافتنا الحديثة"، علينا احتماله، وفي "صراع التأويلات"؛ يوضح ريكور، بنصٍّ شديد الطرافة، ما عمله فرويد بالتحديد؛ وهو نصّ لا يحتاج إلى تعليق؛ لأنّه ناتج عن تأويل مضاعف من صاحب "الذات عينها كآخر".

اقرأ أيضاً: الرجل الخارق كما رآه نيتشه: عبوة ديناميت ترى في الشر خيراً مبدعاً

يقول ريكور عن فرويد، تحت عنوان "مقاومة ضدّ الحقيقة": "[…] إنّ الوعي، كما يقول التحليل النفسي، "يقاوم" فهم نفسه. ولقد قاوم أوديب أيضاً ضدّ الحقيقة التي يعرفها كلّ الآخرين، وقد كان يرفض أن يعرف نفسه في هذا الرجل الذي كان هو ذاته يلعنه، فمعرفة النّفس هي المأساة الحقيقية، وهي مأساة من الدرجة الثانية. وأمّا مأساة الوعي، مأساة الرّفض والغضب، فتُضاعف مأساة البدء، مأساة الكينونة أن يكون ما هو عليه، مأساة ارتكاب المحارم، ومأساة قتل الأب، وإنّ فرويد ليتكلّم بجلاء عن هذه "المقاومة" ضدّ الحقيقة، في نصّ مشهورٍ، وغالباً ما يستشهد به، إنّه "صعوة في التحليل النفسي" (1917م).

قال ماركس: إنّ "الإنسان لا يستطيع أن يرى من العمى الأيديولوجي المهيمن عليه"

يقول فيه: "إنّ التحليل النفسي هو آخر الإهانات الشنيعة التي "تكابدها النرجسيّة، وحبّ الإنسان لنفسه عموماً نتيجة للاستقصاء العلمي حتى الآن"، كانت هناك، بادئ ذي بدء، الإهانة الكونية التي عاقبه بها كوبرنيك، وذلك بهدم الوهم النرجسي، الذي، تبعاً له، مسكن الإنسان الثابت وسط الأشياء. ثمّ كانت الإهانة البيولوجية، وذلك عندما وضع داروين نهاية لادّعاء الإنسان بأنّه كائن مقطوع من مملكة الحيوان، وأخيراً؛ جاءت الإهانة النفسانية: إنّ الإنسان، الذي كان يعلم من قبل بأنّه ليس سيّد الكون، ولا سيّد الأحياء، قد اكتشف أنه ليس سيّداً حتى على نفسه.

ويضيء موضوع الإهانة النرجسية، بضوء حادّ، كلّ ما جئنا على قوله حول الشكّ والمكر، وتوسّع حقل الوعي: إنّنا نعلم الآن أنّ المُهان ليس هو، لكنّه ادّعاء الوعي؛ بل إنّه شبقُ الأنا، وإنّنا لنعلمُ أنّ ما يهينه إنّما هو على وجه التحديد وعي أفضل، وهو الوضوح، وهو المعرفة العلمية، هذا ما يقول فرويد بعقلانية.

اقرأ أيضاً: هل يطيح بروفسور بريطاني بفرويد أخيراً؟
ولنقُل، بشكلٍ أوسع: إنّ الوعي قد انزاح عن تمركزه على ذاته، وفكّ انشغاله المسبق، ونقله كوبرنيك نحو الكون الواسع، كما نقله داروين نحو العبقرية المتحركة للحياة، كما نقله فرويد نحو الأعماق المظلمة للنفس، وإنّ الوعي ليزداد هو نفسه؛ إذ يتمركز حول آخره: الكون، البيوس (الحياة)، النفس، وإنه ليجد ذاته بعد أن ضاع، إنّه ليجد ذاته، مثقفاً ومستنيراً، بعد أن ضاع نرجسياً".

اقرأ أيضاً: أبناء داروين أم فرويد؟

وخلاصة الدرس الذي علّمه هؤلاء الثلاثة، ماركس ونيتشه وفرويد، للفلسفة وللإنسان الحديث؛ أنّ الوعي ليس بهذه "البراءة" كما ظُنّ منذ ديكارت، وأنّ الإنسان ليس عقلانياً، كما هو الحال في معتمَد الحداثة؛ إنّه مُستعمر من الطبقة والضعف ولاوعيه؛ لذلك فإنّ الخرافة الحداثية بالتمركز حول الإنسان قد ضربها هؤلاء الثلاثة في مقتل؛ فهذا ماركس قال بلا رجعة: إنّ "الإنسان لا يستطيع أن يرى من العمى الأيديولوجي المهيمن عليه"، وهذا نيتشه يصرخ بأنّ "الإنسان ضعيف، ولا بدّ من تفلسفٍ بالمطرقة في سبيل "إرادة القوة""، وها هو السيّد فرويد يجرح نرجسية الذات الحديثة بأنّها "أسيرة لقوى خفية؛ هي اللاوعي، وأنّ الإنسان أسير اللغة والطفولة والحُلم".