قميص خاشقجي: هل يتعظ العرب من التاريخ؟

9998
عدد القراءات

2018-11-04

في العام 2004 طرح جورج بوش الابن مبادرة الشرق الأوسط الكبير على قمة مجموعة الثماني، وبعدها بعام أعلنت كوندوليزا رايس، في حوار مع صحيفة الـ"واشنطن بوست" أنّ الإدارة الأمريكية تعلن رسمياً نيتها إحداث تغيير ديمقراطي في العالم العربي لتشكيل الشرق الأوسط الجديد من خلال نشر "الفوضى الخلاقة". وقبل هذا الحوار بعامين غزت الولايات المتحدة العراق، تحت شعارات الحرية والديمقراطية لإزالة أحد أكثر الأنظمة العربية ديكتاتورية، والذي دمر مع تدميره تاريخ العراق ومجتمعه وحضارته، وتحولت إلى دولة منعزلة يسودها الفقر والخوف والفساد.

لكن كان لوزير الدفاع دونالد رامسفيلد آنذاك رأي آخر في تعليقه على أحداث الفوضى التي يشهدها العراق إبان الغزو الأمريكي: "إن العراقيين ليسوا معتادين على الحرية، وإنّ هذه هي أول فرصة لهم للتعبير عما يختلج في نفوسهم، وإنّ هذه العمليات الفوضوية إيجابية وخلاقة وواعدة بعراق جديد"، لكن ما لم يجب عنه رامسفيلد ورايس كم ستستمر هذه الفوضى برأيهم، وماذا تبقى من العراق كتاريخ وحضارة لم تأتِ عليه الفوضى وينهكه الخراب، وهل هذا هو العراق الجديد الواعد؟

اقرأ أيضاً: حادثة خاشقجي... بحثاً عن الحقيقة لا عن السَّبق!

ومضت سنوات في مسار الفوضى الخلاقة، وتنوعت أحداث "الربيع العربي" التالية بين تدخّل عسكري وتدخّلات سياسية وضغط إعلامي، أو تسليح معارضين، وبنيت بروباغاندا الإصلاح السياسي والتحول الديمقراطي و"الربيع" المزعوم في العالم العربي تحت شعارات ومطالبات "مشروعة"، انخرطت فيها الشعوب العربية التي تبحث عن خروج من أزماتها ومشاكلها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وقادها الغرب عسكرياً وسياسياً، بينما تكفل الإعلام الغربي و"الجزيرة" ومنصاتها والإعلام الإخواني بقيادة الحرب الإعلامية، التي بدأت على منصات التواصل الاجتماعي بعضها عفوي وبعضها منظم، وكانت هناك آلة إعلامية قوية قادرة على توجيه وإثارة الأحداث.

في النهاية أصبحت الشعوب العربية كارهة لهذه المصطلحات الرنانة والبراقة بعد انكشاف الاستغلال السياسي لها، ووضوح حجم الفارق والتمييز بين الادعاءات والواقع.

اقرأ أيضاً: الغنوشي وخاشقجي... ومآرب أخرى

واليوم تطل برأسها قضية مقتل الصحفي جمال خاشقجي، والمدانة على جميع المستويات، تحت ذات الشعارات اللطيفة والبراقة، والمشكلة ليست في القضية بحد ذاتها، وإنما في توظيف هذه القضايا الإنسانية والأحداث كما حصل في السابق؛ فالولايات المتحدة لا تفوّت أي مشكلة أو اهتزاز أو فرصة تمكنها من إضعاف المنطقة وإحداث المزيد من الاختراق والابتزاز إلا وتستفيد منها؛ هي "رأسمالية الكوارث" التي بشر بها ميلتون فريدمان وطبقتها أمريكا على الكثير من الدول، من الأرجنتين إلى أندونيسيا وبنما وصولاً إلى أحداث الحادي عشر من سبتمبر.

تقوم هذه السياسة على استغلال أي كارثة، انقلاب، كارثة طبيعية، حدث إرهابي، أو أي حدث بمثابة كارثة أو فاجعة كبيرة تهز الرأي العام أو الإعلام من أجل تمرير سياسات معينة اقتصادية أو سياسية أو اجتماعية يصعب قبولها في الأحوال العادية، وقد جاءت حادثة مقتل خاشقجي كفرصة لامعة لم تفوّتها الإدارة الأمريكية، وإن عن بعد ودون تدخل مباشر -في تسلسل أو تفاصيل الأحداث- مستغلّة مشاعر الثأر والانتقام والاصطفافات السياسية في المنطقة لتقود الحادثة إلى حيث تريد.

الولايات المتحدة  لا تفوّت أي فرصة تمكّنها من إضعاف المنطقة وإحداث المزيد من الاختراق والابتزاز

فقد وافق ذلك حاجة في نفس قطر وتركيا وجاء مناسباً لهوى وتمنيات الإدارة الأمريكية؛ فقطر تستثمر في الأحداث والأباطيل لتوقع بالسعودية، وهذا لا يحتاج إلى شرح أو استدلال، فكيف وقد جاءتها هذه الفرصة أن تفوتها.. أما تركيا فلها حسابات ومنافسة سياسية مع السعودية غير خافية على أحد؛ فالمملكة تقف في المحور المقابل للمحور التركي فيما يخص الإخوان ومصر ونزعات الهيمنة على قرارات وسياسات العالم العربي ولاسيما الشرق الأوسط، وقد منحتها هذه الحادثة ذريعة لتضعف الموقف السعودي، وتساوم على حسابه من أجل إعادة العلاقات مع الولايات المتحدة، ومنها إطلاق سراح القس الأمريكي في خضم الأحداث في مساومة مكشوفة بعد أن كان السيد أردوغان يعد الناس بخلاف ذلك في وقت قريب لمن له ذاكرة متيقظة.

اقرأ أيضاً: هل استعادت الرياض زمام تجاوز "أزمة" خاشقجي؟

وقد بدا واضحاً من طريقة تعامل تركيا مع ملف خاشقجي ومسلسل التسريبات والتصريحات الرسمية أنّ الهدف الواضح منها هو إغراق السعودية أكثر وتشويه صورتها، وكذلك إبقاء الملف مفتوحاً ونشطاً في الإعلام "كقميص عثمان" بالتسريب المتدرج الملفق وغير الملفق؛ فمن جهة كانت هناك رسائل وتصريحات رسمية فيها بعض التطمينات، ومن جهة كانت التسريبات تتدفق لإحراج السعودية في هذا الملف المربك، فلم يكن الهدف من التسريبات والتصريحات هو الكشف عن مصير المرحوم خاشقجي، فكل شيء كان معروفاً منذ البداية، ولم يكشف الأتراك فيما بعد أي شيء ذا أهمية على الإطلاق، وكل القصة والأدلة تم تسريبها في الأيام الأولى، أما لاحقاً فكانت لعبة التسريب والإثارة والتشويق والتصريحات الرسمية التركية بانتظار استجلاء الموقف الأمريكي لتسير أنقرة على خطاه كما تريد واشنطن.

في حادثة مقتل خاشقجي استغلت الإدارة الأمريكية مشاعر الثأر والاصطفافات السياسية بالمنطقة لتقود المسارات إلى حيث تريد

بالنسبة إلى الولايات المتحدة لم يكن هناك أي داع لتتدخل باللعبة بشكل مباشر؛ فما دام هناك وكلاء سيتولون هذه المهمة (تركيا- قطر- الإخوان) فستكتفي الإدارة الأمريكية باستغلال واستثمار الحدث للعب دور القاضي، والموجه لدفة القضية ونتائجها سياسياً وبما يحقق مصالحها وإرادتها. وللأسف فإنّ قطاعاً من الشارع العربي لم يتعلم بعد من الدروس السابقة وانخرط في هذه الحملات دون وعي كحجر يتم توظيفه لأهداف سياسية واستراتيجية تتجاوز القضية ذاتها، وتوظّفها للاستمرار في تفتيت وتفجير المنطقة العربية لإعادة رسم الخرائط من خلال الضغط الإعلامي والسياسي والحقوقي للإضعاف المتبوع بالابتزاز والمساومات.

المسألة ليست دم الخاشقجي ومحاسبة الجناة، وإنما ثمن ملف خاشقجي، ليس البحث عن الجثة أو الفاعل وإنما البحث عن مداخل للابتزاز والهيمنة وكسر العقد القائم بين المجتمع والسلطة، وأمام العرب التجربة السورية التي كانت مبررات عدم التدخل الحاسم فيها هي عدم وجود بديل للنظام السياسي القائم، فيما يبدو أن الجميع بات متواطئا اليوم على أن بقاء النظام السوري هو الخيار الواقعي ... إذاً ما الذي جناه السوريون والمنطقة من سنوات الصراع والحرب الدامية والتهجير والعنف غير المسبوق في سوريا؟ نعم بقي النظام السوري ولكن بعد أن ارتهن كاملاً للنظام الإيراني والسند الروسي، أصبح ضمن معادلة النزاع مع إيران وأكثر هشاشة في ميزان السياسة الخارجية والوضع الإقليمي والدولي.

اقرأ أيضاً: قتل خاشقجي.. الاستثمار الدولي والعربي بالحادثة

لقد أحدثت قضية خاشقجي ضجة إعلامية ضخمة جداً مع ملاحظة أنها لم تتحول إلى قضية رأي عام في الغرب، ولم تكترث المجتمعات الغربية لها بشكل حقيقي، وإنما التفاعل كان على المستوى الإعلامي والسياسي فقط، ففي الوقت الذي تتحرك الإدانات والمطالبات السياسية للسعودية من قبل النخب السياسية في الغرب وأمريكا، لم يلق مئات الألوف من القتلى في سوريا وليبيا هذا الحشد والغضب السياسي والإعلامي في وقت ضيق ومكثف. بينما في العالم العربي استلمت قطر ومنصات الإخوان المسلمين مهمة التحشيد وإثارة الرأي العام بشكل فج ثأراً من ولي العهد السعودي محمد بن سلمان وفي سياق مطامع الإخوان في إضعاف خصومهم، والدور القطري الذي مايزال يعزف على إيقاع أنغام "الربيع العربي" رغم سواد مآلاته ونتائجه.

قدمت هذه الحادثة لتركيا ذريعة لتضعف الموقف السعودي وتساوم على حسابه لإعادة العلاقات مع الولايات المتحدة

فما هو السيناريو المتوقع إذا ما تم ابتزاز وإضعاف السعودية كما يراد؟ وما الذي يمكن أن يحدث نتيجة حدوث فوضى في السعودية وتفكك النظام السياسي؟ إنّ هذا السيناريو تداعياته خطيرة جداً على العالم العربي والإسلامي ككل، فهو سيؤدي لا محالة إلى إضعاف دول الخليج كلها، وتفتيتها، وكنتيجة له سيصبح النظام السياسي في مصر قابلاً للكسر، وقد تصل التداعيات إلى المنطقة برمّتها.

أما السيناريو الآخر والأكثر احتمالاً فهو السعي إلى ابتزاز هذه الأنظمة وإرغامها على الدخول في صفقة القرن أو غيرها من الصفقات، والمزيد من التحكم في اقتصاداتها وفي مصادر البترول وأسعاره، بعد أن تركت الفوضى الخلاقة وابنها الشرعي "الربيع العربي" العرب أمام خيارين لا ثالث لهما، إما الحروب الأهلية أو التمسك بالأنظمة القائمة وحمايتها. لأنّ البديل الذي يطرح نفسه هو فقط البديل الإسلاموي (الإخوان المسلمون)، وهو غير قادر على حكم أي دولة عربية؛ لأنّ مسار الدولة العربية وبنية المجتمع العربي رغم هشاشته تستعصي على تحكّم فئة معينة بالسلطتين الدينية والسياسية.

بعد أن لبس الإنسان العربي نظارة المحلل السياسي والخبير الإستراتيجي، بدا أنّ وعيه السياسي ضعيف لدرجة أن ما يتحكم به هو الضجيج الإعلامي والعواطف والمشاعر دون أي عقلانية في حدها الأدنى كما كشفته قضية خاشقجي، ومن المؤسف أنّ المثقف أو الذي يدعي أنه مثقف وعارف في ذات الوقت، والذي يتحدث فيه عن التآمر عليه في حرب العراق وفيما حصل بسوريا أو اليمن، ويدرك تماماً كيف تم توظيف شعارات الحرية والديمقراطية وبعض الأحداث لتفكيك هذه الدول وجرها نحو فوضى دموية، ويترحم ضمناً على صدام حسين والقذافي، ويعترف بضرورة بقاء النظام السوري؛ هو نفسه المثقف الذي يشتغل كأداة بدون وعي في الحرب الإعلامية والسياسية الممنهجة على السعودية، وكأنّه لم يتعلم من الدروس الماضية التي يتشدق بوعيه بمآلاتها وكيف تم توظيفها ولصالح من.

ثمة قطاع من الشارع العربي لم يتعلم بعد من الدروس السابقة وانخرط في هذه الحملات دون وعي

ليست المسألة دفاعاً عن السعودية، ولا عن نظامها السياسي، وليس استخفافاً بمقتل خاشقجي أو التقليل من حجم الجريمة وضرورة إدانتها ومحاكمة كل من يقف وراءها، وليست القضية ضد حرية الرأي أو التعبير أو الحريات الإعلامية؛ وإنما دفاعا عما تبقى لنا كمجتمعات من خيارات وأمل ضعيف، وما تبقى لنا من وعي وكرامة، من يدعي أنه يدافع عن الحريات ويريد إحقاق الحق في قضية خاشقجي والكشف عن الجريمة ومحاسبة المسؤولين فإن آخر همه هو دماؤنا.. لقد شهد وتسبب في مقتل وتشريد الملايين، ودفع نحو الفوضى بكل ما أوتي من قوة، فهل أصبح الآن دم خاشقجي ذا أهمية بالنسبة إليه؟

وأخيراً هل ينتبه "المثقف العربي" ممن يسير طواعية مع هذه الفوضى بوعي ودون وعي إلى مآلاتها وهو الذي ينتقد في مناسبات أخرى التلاعب بمصير الشعوب العربية، والتوظيف السياسي لقضايا الحريات والحقوق؟  ما الذي يأمله بحق من مساندة هذه الحرب الإعلامية والسياسية المكشوفة الدوافع؟ هل سينعم بالحرية والديمقراطية، أم ستسير قافلة التنمية إلى الأمام؟

لقد أصبحت مشاعر الكره لبعضنا البعض أكبر من أي اعتبار أخلاقي وعقلاني، فلم تلق أمريكا وإسرائيل بكل ما فعلته بنا مشاعر كره وحقد أعمى كالذي نراه في التعاطي مع تجاه بعضنا، تلك الأصوات التي تصرخ من أجل خاشقجي ومقتله، لم تطلق حناجرها بهذا الشكل من أجل عشرات الآلاف من المعتقلين والعشرات من التصفيات، ومئات الآلاف من المطرودين من العمل في تركيا بعد الانقلاب المدعى والذي يشكك فيه الكثيرون. ولم يصرخ السياسيون الأمريكان والإعلام الغربي بهذه الشدة والعنف من أجل مئات الآلاف من القتلى في سوريا وليبيا واليمن، أو من أجل مئات القتلى وآلاف المهجرين في العملية "الوديعة" التركية "غصن الزيتون" في عفرين. إذا كنا نتحدث عن جرائم دول فتلك جرائم دول، أم أن جريمة قتل اعترفت السعودية بوقوعها في سفارتها باتت أهم من دماء هؤلاء الآلاف!!

مقتل خاشقجي جريمة مدانة لكن توظيفها السياسي والاستثمار في الدماء والمساومة عليها أكثر فداحة

من أبشع المستويات الأخلاقية التي وصلنا إليها هي الانخراط في سياسات "توظيف الدم"، كما وظف "قميص عثمان" في التاريخ، ولو كان هناك أدنى احترام لدم المرحوم جمال خاشقجي ولدماء مئات الألوف من الذين ذهبوا ضحية الحروب العسكرية والإعلامية لما دخلنا في جوقة هذا التوظيف السياسي المقيت الذي يطبل البعض لتركيا باستخدامه ويعتبره ذكاء سياسياً وإستراتيجية إعلامية مبهرة. من المعيب على من يلوم السعودية أخلاقياً وقانوينا على مقتل خاشقجي أن يطبل ويمتدح من يقوم بتوظيف دمه في الرهانات والتسويات السياسية.

نعم هناك خطأ فادح جنائي وغير أخلاقي في مقتل خاشقجي، وإنما التوظيف السياسي وهذا التلاعب والاستثمار في الدماء والمساومة عليها هو أكثر فداحة وينم عن ضعف أخلاقي وسياسي غير مسبوق؛ فالموقف الأخلاقي لا يتجزأ ولا يتناقض.. لقد فُتك بنا باسم الحرية والديمقراطية والحقوق، نتدشق بالوعي بهذا الخداع نظرياً، ونقدم لها لحومنا كالأضاحي عملياً لتنهش فيها، بل لننهش لحوم بعضنا البعض أيضاً، فهل نعتبر من التاريخ ولا نُلدغ من الجحر نفسه مرتين!

اقرأ المزيد...

الوسوم: