قواعد الفكر الإخواني (35): كيف استغل حسن البنا الشباب؟

الإخوان المسلمون

قواعد الفكر الإخواني (35): كيف استغل حسن البنا الشباب؟

مشاهدة

10/09/2018

تعتمد كلّ أمة في نهضتها على طاقة الشباب بشكل أساسي؛ فهم الكتلة الأكثر حيوية، والأقدر على دفع أثمان معارك البناء والتحديث، وعندما تعرف أمّة طريقها وترزق بالقيادة الراشدة وبثقافة التحديث المناسبة، والإرادة اللازمة للفعل الحضاري، يصبح من اليسير الولوج للمستقبل. ومن هذا المنطلق أدرك مؤسس جمعة الإخوان المسلمين حسن البنا، أنّ هذه الفئة المدخل لنجاح مشروعه؛ لذا فقد خصّها برسالة من رسائله، هي "إلى الشباب وإلى الطلبة خاصة".

تجنيد الشباب

وتخصيص شريحة الطلبة من بين الشباب لم يأتِ عبثاً في رسالة البنا؛ فالطالب لم يتحمّل بعد أعباء إدارة بيت، أو الإنفاق على أسرة وأولاد، ولديه الوقت والجهد الكافييْن لبذلهما في سبيل ما يؤمن به، وهو في تلك المرحلة العمرية؛ التي تتّسم بالنزوع للخيال وتوهّم القدرة على صياغة العالم على مقاس أفكاره، ويعد لذلك هدفاً مفضلاً على شاب آخر تخطّى الدراسة وحظي بمهنة أو وظيفة، متطلعاً لحياته الشخصية، باذلاً جهده في سبيل تهيئة حياة وبيت وأسرة.

أدرك حسن البنا أنّ فئة الشباب المدخل لنجاح مشروعه لذا خصّهم برسالة من رسائله

أدرك حسن البنا ذلك جيداً، وهو يريد جنوداً، لا أفراداً أحراراً يشاركونه الفعل والقرار، وأطوع الجنود وأكثرهم بذلاً هم الشباب؛ متى آمنوا بفكرة، وخالطت عقولهم ومشاعرهم، وقد كان الرجل بارعاً في العزف على تلك الأوتار، وإثارة تلك المشاعر.

مهّد الرجل، في رسالته، بمقدمة بليغة غازل فيها الأجيال الصاعدة، وشحذ همّتهم وحماستهم بقوله: "إنّما تنجح الفكرة إذا قوي الإيمان بها، ووُجِد الإخلاص في سبيلها، وازدادت الحماسة لها، والاستعداد الذي يحمل على التضحية والعمل لتحقيقها، وهذه كلّها لا تكون إلا للشباب؛ {إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى}".

الفصل عن الواقع

يختم البنا بهذه الآية، ليكرّس في وعي الشباب؛ أنّ هذه المجتمعات أبعد ما تكون على الطريق الصحيح، وأنّهم وحدهم، كفتية الكهف، الذين يسطرون بتفردهم ملحمة الإيمان، والانفصال عن الكفر والجاهلية اللذين يحاربهما.

أطوع الجنود وأكثرهم بذلاً هم الشباب متى آمنوا بفكرة وخالطت عقولهم ومشاعرهم

هو يعي، منذ اللحظة الأولى، ما يريد تحقيقه؛ فصْل هؤلاء الشباب عن واقع مجتمعاتهم، وبناء مشروع بديل، يعزف على وتر المشاعر الدينية، ثم يضع هؤلاء الشباب أمام تلك المهمة المقدسة، فيقول: "قد ينشأ الشاب في أمة وادعة هادئة، قوي سلطانها، واستبحر عمرانها، فينصرف إلى نفسه أكثر مما ينصرف إلى أمته، ويلهو ويعبث وهو هادئ النفس مرتاح الضمير، وقد ينشأ في أمة مجاهدة عاملة، قد استولى عليها غيرها، واستبدّ بشؤونها خصمها؛ فهي تجاهد ما استطاعت في سبيل استرداد الحقّ المسلوب والتراث المغصوب، والحرية الضائعة، والأمجاد الرفيعة، والمثل العليا، وحينئذ؛ يكون من أوجب الواجبات على هذا الشاب، أن ينصرف إلى أمّته أكثر ممّا ينصرف إلى نفسه".

اقرأ أيضاً: بين الأمس واليوم..هل كانت الجماعة وفيّة لمبادئها؟

ويتابع قائلاً: "وهو إذ يفعل ذلك يفوز بالخير العاجل في ميدان النصر والخير الآجل من مثوبة الله، ولعلّ من حسن حظنا أنّنا كنا من الفريق الثاني؛ فتفتحت أعيننا على أمّة دائبة الجهاد، مستمرة الكفاح في سبيل الحق والحرية، واستعدوا، يا رجال، فما أقرب النصر للمؤمنين، وما أعظم النجاح للعاملين الدائبين".

وقود معركة دائمة

يمكن بسهولة رصد أجواء المعركة الدائمة التي يلهب بها ضمير الشباب، ويدغدغ بها مشاعرهم، بهذه الحدّية المسيطرة على تصوّره، في جعل الدنيا دار الصراع الدائم بين الحقّ، الذي يتصور أنه من نصيب جماعته أو حزبه، والباطل الذي يقتسمه باقي الناس.

يكرّس البنا في وعي الشباب بُعد المجتمعات عن الإسلام وأنّ الإخوان وحدهم أصحاب الإيمان الصحيح

يفترض حسن البنا أنّ الدنيا كانت يجب أن تدين لفريق من المسلمين، يكون لهم السلطان على هذه الأرض، وقتها كان من الممكن أن يكون لهذا الشاب حياة خاصة وأهداف خاصة، وطموح خاص، لكنّ المعركة لا تدع لأحدٍ من خيار، سوى حمل السلاح والجهاد بمفهومه.

يضع البنا مجموعة من الافتراضات، ويجعلها مسلَّمات لا تقبل الجدل، لتكون المعمار الذي ستبنى عليه تصورات هؤلاء الشباب، فتحوّلهم إلى وقود لتلك التصوّرات، فيخاطبهم بحدّية وحسم، تحت عنوان: "دعوة الإخوان المسلمين"، أو "دعوة الإسلام في القرن الهجري الرابع عشر"، وبتأمل هذا العنوان جيداً؛ يمكن إدراك أنّ الرجل يقول: إنّ المسلمين جميعاً عليهم أن يكونوا أعضاء في هذا الحزب، ليبقى وصفهم بالإسلام، لأنهم التجسيد الحيّ لهذا الدين.

اقرأ أيضاً: هذه ملامح الانقلاب الذي دعا إليه البنّا

يقول: "يا شباب، لقد آمنا، إيماناً لا جدال فيه ولا شكّ معه، واعتقدنا عقيدة أثبت من الرواسي، وأعمق من خفايا الضمائر، بأنّه ليس هناك إلا فكرة واحدة؛ هي التي تنقذ الدنيا المعذبة، وترشد الإنسانية الحائرة، وتهدي الناس سواء السبيل، وهي لذلك تستحق أن يضحي في سبيل إعلانها والتبشير بها، وحمل الناس عليها، بالأرواح والأموال، وكلّ رخيص وغالٍ، هذه الفكرة هي الإسلام الحنيف الذي لا عوج فيه، ولا شرّ معه، ولا ضلال لمن اتبعه"، وإذا كان الأمر كذلك، وإذا كان الإخوان هم الممثل الحصري للإسلام، كما ذكر، فإنّ نصرة هذا الحزب والعمل معه هي أصل الجهاد لنشر الدين والدفاع عنه.

مبعوثو العناية الإلهية!

هو ينتدبهم لهذا الدور؛ فيجعل الارتباط بالجماعة، والعمل تحت لوائها، هو صحيح الإيمان بالدين والعمل من أجله، ثم يحفزهم لهذا العمل، فيقول: "فأول ما يدعوكم إليه أن تؤمنوا بأنفسكم، وأن تعلموا منزلتكم، وأن تعتقدوا أنكم سادة الدنيا"!

يتوهّم البنا أنّه، هو وجماعته، مبعوثو العناية الإلهية لإنقاذ العالم، متعمداً التبشير بذلك تحت لوائه باسم الدين، فيقول: "إنّ العالم كلّه حائر يضطرب، وكلّ ما فيه من النظم قد عجزت عن علاجه، ولا دواء له إلا الإسلام، فتقدموا -باسم الله- لإنقاذه، فالجميع في انتظار المنقذ، ولن يكون المنقذ إلا رسالة الإسلام التي تحملون مشعلها وتبشرون بها".

إنّها الفاشية باسم الإسلام تلك التي يدعو إليها البنا متمثلاً هتلر وموسوليني دون أن يخفي إعجابه بهما

الدين حالة امتلاء روحي، تصوغ إنساناً صالحاً متعاوناً مع غيره، راشداً في أفعاله، والدولة صيغة جامعة تحفظ حقوق الناس، وتمضي بمؤسساتها نحو التحديث والرقي، محكومة بالقانون، لكن يتوهم البنا أنّ هناك خطة أخرى؛ هي خطة الحرب الدائمة، التي تفرض برنامجاً تعبوياً، يبدأ بصياغة أمّة الأيديولوجيا الواحدة المغلقة، التي لن يعبّد طريقها سوى ما أسماه منهاج الإخوان المسلمين.

يصوغ البنا هذا المنهاج وفق خطة تبدأ، على حدّ قوله: "بالرجل المسلم، ثم بعد ذلك البيت المسلم، ونريد بعد ذلك الشعب المسلم، فالحكومة المسلمة؛ التي تقود هذا الشعب إلى المسجد، وتحمل به الناس على هدى الإسلام من بعد، كما حملتهم على ذلك بأصحاب رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، أبي بكر وعمر، رضي الله عنهما، من قبل، ونحن لهذا لا نعترف بأيّ نظام حكوميّ لا يرتكز على أساس الإسلام، ولا يستمدّ منه، ولا نعترف بهذه الأحزاب السياسية، ولا بهذه الأشكال التقليدية، التي أرغمنا أهل الكفر وأعداء الإسلام على الحكم بها، والعمل عليها، وسنعمل على إحياء نظام الحكم الإسلامي بكلّ مظاهره، وتكوين الحكومة الإسلامية على أساس هذا النظام".

اقرأ أيضاً: جماعة المسلمين حكر على الإخوان

يفصح البنا، في تلك الفقرة، عن أهدافه الحقيقية، وتتبدّى أفكاره أكثر وضوحاً حين يتحدث عن ضمّ كلّ جزء ينتسب للإسلام تحت السلطة التي يسعى إليها، مؤكّداً أنّه: "إن كان الرايخ الألماني يفرض نفسه حامياً لكلّ من يجري في عروقه دم الألمان، فإنّ العقيدة الإسلامية توجب على كلّ مسلم قوي، أن يعدّ نفسه حامياً لكلّ من تشربت نفسه تعاليم القرآن، ولئن كان السنيور موسوليني، يرى من حقّه أن يعيد الإمبراطورية الرومانية، فإنّ من حقنا أن نعيد مجد الإمبراطورية الإسلامية".

إنّها الفاشية باسم الإسلام، تلك التي يدعو إليها البنا، متمثلاً هتلر، دون أن يخفي إعجابه بهما، في غير موضع، بما يتناقض مع رسالة الإسلام الحقيقية في التسامح والعدل، لا الحرب التي يريد البنا وجماعته إشعالها إلى الأبد.

الصفحة الرئيسية