قيس سعيد يغير موعد الاحتفال بالثورة التونسيّة.. أيّ رسالة أراد توجيهها؟

قيس سعيد يغير موعد الاحتفال بالثورة التونسيّة.. أيّ رسالة أراد توجيهها؟

مشاهدة

12/12/2021

بينما الأيام تمضي، بعيداً عن قرارات الخامس والعشرين من شهر تموز (يوليو) الماضي يترقب الشعب التونسي قرارات جديدة من الرئيس قيس سعيّد، تتماهى مع توجهاته التي شرع فيها، ضد كلّ من أفسد الحياة السياسيّة في تونس، وأصاب المواطنين بالكثير من الأضرار خلال العشريّة الماضية، في ظل انهيار الوضع الاقتصادي، سيما مع تصريحات الرئيس المتكررة، التي تؤكّد ألّا عودة للوراء مرة أخرى، وأنّ من يتحدث عن أفول تلك القرارت واهم، وواقع في خيالاته.

إلى ذلك، كشف الرئيس قيس سعيّد في اجتماع وزاري بقرطاج، عن قراره بتعديل ذكرى الاحتفال بالثورة التونسية؛ ليكون في السابع عشر من كانون الأول (ديسمبر) ليوافق أحداث سيدي بوزيد، التي وقعت في نهاية العام 2010.

وبرر سعيّد قراره بقوله إنّ "الانفجار الثوري انطلق من سيدي بوزيد"، واستطرد قائلاً: "للأسف تم احتواء الثورة؛ حتى يتم إقصاء الشعب عن التعبير عن إرادته، وعن الشعارات التي رفعها". وكشف الرئيس التونسي عن شروعه في اتخاذ إجراءات جديداً بقوله: "في الأيام القليلة القادمة، سيتم الاعلان عن المواعيد التي ينتظرها الشعب" مؤكداً أنّه "لا مجال للرجوع إلى الوراء".

بين الترقب والانتظار

على خلفية ذلك، يذهب المتابعون للشأن التونسي إلى التأكيد على ضرورة قراءة تلك التصريحات باعتبارها توطئة لعديد القرارات الرئاسية؛ نحو صياغة عملية إجرائيّة لرؤية الرئيس، صوب مقاربة نظام سياسي متسق ومتوافق مع مكوناته؛ بإجراء ما يلزم من تعديلات دستورية، وإصلاح القضاء، وخلق سبيل للحوار مع القوى السياسية الفاعلة في تونس، خاصّة الاتحاد التونسي للشغل.

قيس سعيّد أكد في تصريحاته غير مرة، أنّ رئاسة الجمهوريّة تعمل على الإعداد لحوار وطني، بمشاركة الشباب بصورة أساسيّة، في حين تطالب الأحزاب السياسية في البلاد والاتحاد العام التونسي للشغل، بخريطة طريق واضحة، وبانتخابات مبكرة.

إلى ذلك، فإنّ ثمة جانباً لافتاً في تحركات الرئيس التونسي، وهو اتجاهه نحو القطيعة مع الدستور القائم، والنظام السابق الذي سعت من خلاله حركة النهضة والمؤيدين لها، لاختطاف الثورة، والمضي بها حيث المصالح الذاتية .

 

عبد اللطيف الحناشي: قرار رئيس الجمهورية باعتبار يوم السابع عشر من كانون الأول يوم عيد الثورة، يدلل على انحيازه للفئات المهمّشة، التي ثارت وانتفضت، وتم نسيانها وتجاهل دورها بعد ذلك

 

  ويبدو أنّ الرئيس سعيّد، بصدد تحديد اللحظة الحاسمة؛ لكشف صياغته ورؤيته نحو الدستور الجديد، الذي ربما سيميل إلى النظام الرئاسي، حيث تتجه كافة جوانب السلطة نحو منصب الرئيس.

في سياق قراءة تحليلية حول قرار الرئيس التونسي بخصوص تاريخ الاحتفال بالثورة التونسيّة، يرى الأكاديمي التونسي، المؤرّخ الدكتور عبد اللطيف الحناشي، أنّ قرار رئيس الجمهورية باعتبار يوم السابع عشر من شهر كانون الأول (ديسمبر) هو يوم عيد الثورة، بدلاً عن الرابع عشر من كانون الثاني (يناير)، يدلل على انحيازه للفئات المهمّشة، التي ثارت وانتفضت، وتم نسيانها وتجاهل دورها بعد ذلك، مؤكداً أنّ الرئيس يرى أنّ الوضع السياسي يتطلب تحركاً جديداً، يستمدّ نوعاً من الشرعيّة الثورية، بتأكيده على تاريخ 17 كانون الأول (ديسمبر).

اقرأ أيضاً: قيس سعيد والقضاء ومذكرة اعتقال المرزوقي

عبداللطيف الحنّاشي في إطار تصريحاته  لـ"حفريات "، لفت إلى أنّ سعيّد بطبيعته التي ترفض الحوار والتعامل مع المكونات الحالية للمشهد السياسي، يريد كسب تأييد الشارع بأكبر قدر ممكن، بتأكيده على أنّه مع الفئات المهمّشة، سيما وأنّه صرح غير مرة، بأنّ تاريخ الثورة  الحقيقي هو 17 كانون الأول (ديسمبر)، معتبراً أنّ هذا التغيير لعيد الثورة، لن يغير التاريخ؛ إذ إنّ التاريخ يكتبه المؤرخون، وليس رجال السياسية.

الحناشي يرى أنّ الرئيس بات اليوم أمام خيارين: الأول هو المضي في مشروعه دون تشريك أحد، والثاني هو أن يتفاعل إيجابياً مع الفاعلين في المشهد السياسي، وأبرزهم الاتحاد العام التونسي للشغل، الذي أعد خريطة طريق تتكون من تسع عشرة نقطة، توافقها أغلب الأحزاب. وتعد مسألة تحديد تاريخ الانتخابات، وتغيير القانون الانتخابي، وتعديل الدستور، من المواضيع الأساسيّة التي ينتظرها أغلب التوانسة.

تصحيح المسار وتوجيه عدة رسائل

في سياق ذلك تقدر فاطمة المسدي، النائب السابق في البرلمان التونسي، حديث الرئيس قيس سعيّد، إبان رئاسته اجتماع الحكومة التونسيّة، بالتأكيد على أنّ دعوة الرئيس لتعديل تاريخ الاحتفال بذكرى الثورة، لم تكن مفاجئة لها، ولعديد من أبناء الشعب التونسي؛ فقد اعتبر سعيّد منذ توليه الرئاسة، أنّ الثورة تم تحويل وجهتها يوم الرابع عشر من شهر كانون الثاني (يناير) في العام 2011.

 

فاطمة المسدي: الرئيس أراد أن يلقن السياسيين والنقابيين درساً، ذلك أنّهم لم يكونوا الجزء الأهم في الثورة، بل جاؤوا في مرحلة أخيرة؛ ليتبنوا حركة شعبية عفوية

 

وتتابع المسدي حديثها لـ"حفريات" قائلة: "إذا تمعنا في وجهة نظر الرئيس، نلاحظ أنّ اندلاع الثورة التونسيّة كانت من شرارة العاطلين عن العمل، حاملين شعار: شغل، حرية، كرامة وطنية، ولم يكن ثمة حضور أو وجود إخواني، ولا سياسي، ولا نقابي، كانت الشرارة نتيجة تحركات ومطالب اجتماعية بالأساس، غير أنّه بعد مدة، اختلطت هذه التحركات بتحركات سياسية ونقابية".

اقرأ أيضاً: هل يفتح قيس سعيد ملف الفساد في قضية اغتيال بلعيد والبراهمي؟

وترى المسدي أنّ الرئيس أراد أن يلقن السياسيين والنقابيين درساً، ذلك أنّهم لم يكونوا الجزء الأهم في الثورة، بل جاؤوا في مرحلة أخيرة؛ ليتبنوا حركة شعبية عفوية، وهذا يدخل في تصور قيس سعيّد لنظام الحكم، الذي لا يعترف بالأحزاب والمنظمات، وبمعنى أشمل الهياكل  الوسيطة بين الدولة والشعب.

قرار الرئيس يتوجه بصفة أخص للإخوان المسلمين، الذين ما فتئوا أن يتشدقوا بأنّهم ساهموا في الثورة، ويصنفون أنفسهم ضمن القوى الثورية، فيأتي قرار الرئيس لتذكيرهم بغيابهم عند قيام الثورة، وتصحيح الحقائق، حيث إنّهم ركبوا على ثورة شعب تونس، قبل عقد من الزمان.

والأمر في نظر المسدي، تحد من الرئيس للإخوان، رغبة في سحب بساط المشروعية الثورية منهم، وتذكير بالحقائق التي دأبوا التحايل عليها، وصنع مقاربات لصالحهم.

اقرأ أيضاً: حركة النهضة التونسية تهاجم قيس سعيد مجدداً .. ماذا قالت؟

وتتوقع فاطمة المسدي، قيام الرئيس بتبني قرارات قد تعصف بالمجلس الأعلى للقضاء، وحل بعض الأحزاب، لإعادة المسار الثوري إلى الطريق الذي رسمه الشعب.

أدلجة الثوة

من جانبه، يذهب الأكاديمي التونسي، الدكتور منصف الوهايبي، في تصريحات خصّ بها "حفريات"، إلى أنّ رئيس الجمهوريّة قيس سعيّد، بإقراره يوم السابع عشر من شهر كانون الأول (ديسمبر) عيداً للثورة، أعاد التونسيّين إلى "ثورة الياسمين"، واصفاً ما قام به رئيس الجمهوريّة، بنوع من "تعديل الساعة"؛ أي تذكير التونسيّين بعفويّة الحدث/ الزلزال، الذي كان عفويّاً، قبل أن يتسلّق عليه "إخوان تونس". وكانوا قبل رحيل الرئيس زين العابدين بن علي، أو "ترحيله"، يتخفّون كعادتهم، ويتحاشون المشاركة في الاحتجاجات والمظاهرات، التي كان يخوضها الوطنيّون والنقابيّون الأحرار نساء ورجالاً.

يتابع الدكتور الوهايبي حديثه مؤكداً أنّ الغنّوشي كان قد صرّح بأنّ "الشابّ محمّد بوعزيزي، الذي أحرق نفسه، بسبب الفاقة والحاجة واليأس "منتحر" لا غير، وأنّ ما قام به محرّم دينيّاً". ويتابع: "كان الاخوان خرساً بكماً، ثمّ اكتشفوا بعد أن تأكّدوا من أنّ ابن علي لن يعود، أنّ لهم حناجر وحبالاً صوتيّة؛ فأخذوا يدرّبونها، وقد وُهبوا نتيجة ما حدث، فرصة أن يتكلّموا باسم "الديمقراطيّة" التونسيّة الناشئة، وأن يفسدوها؛ باستيلائهم على مقاليد السلطة، وتكوين ميليشياتهم المسمّاة "روابط الثورة".

القرار يتوجه بصفة أخص للإخوان، الذين ما فتئوا أن يتشدقوا بأنّهم ساهموا في الثورة، فيأتي قرار الرئيس لتذكيرهم بغيابهم عند قيام الثورة، وتصحيح الحقائق، فقد ركبوا على ثورة شعب تونس

 ويستطرد منصف الوهايبي في تصريحاته قائلاً: مهما يكن، فإنّ زلزال 25 تموز (يوليو)  2021، هو مسار تونس الحقيقي نحو الخلاص من هؤلاء الذين سيّسوا الإسلام وسوّسوه. متابعاً: لقد رفعت ثورة السابع عشر من شهر كانون الأول (ديسمبر) شعاراً لها، هو بيت الشابي الشهير: "إذا الشعب يوما أراد الحياة/ فلابدّ أن يستجيب القدر". علماً بأنّ "الإخوان" يكفّرون الشابي، بسبب هذا البيت.

اقرأ أيضاً: قيس سعيد والمرزوقي باعتباره خراجاً إخوانياً

 ويطرح الوهايبي مقاربة بين محمد البوعزيزي، الذي انتحر في السادسة والعشرين، أو دونها بقليل، وقد تحوّل إلى "أيقونة" في تاريخ تونس، وبين الشابي، الشاعر الذكي والمثقف، وللأسف فإنّ إخوان تونس حاولوا أن يشحنوا هذه الثورة، وكأنهم يسدّون ثغرة، وهم الذين لم يشاركوا فيها، بل جاهدوا يائسين إلى تحويلها إلى ثورة إيديولوجية إسلاميّة، فيما هي في الحقيقة، كانت تخلو من كل هذا، هي ثورة تونسيّة بكل معنى الكلمة.



الصفحة الرئيسية