قُتل أم انتحر؟ غموض يلفّ قضية الفلسطيني زكي مبارك

تركيا

قُتل أم انتحر؟ غموض يلفّ قضية الفلسطيني زكي مبارك

مشاهدة

21/05/2019

في حدثٍ سياسيٍ درامي؛ تحدثت تركيا، في 22 نيسان (أبريل) الماضي، عن اعتقالها في وقتٍ سابق، مواطنَيْن فلسطينيَّيْن بتهمة التجسس، قبل أن تعلن سريعاً وفاة أحدهما، في نهاية الشهر ذاته؛ بسبب (الانتحار)، كما أعلنت السلطات التركية في حينه، لكنّ الأمر لم يتوقف عند هذا الحدّ؛ فبعد وصول جثة المواطن الفلسطيني، زكي مبارك، إلى أهله في مصر مشوّهةً، انتشرت أنباء متضاربة في وسائل الإعلام، حمل البعض منها احتمالية مقتله.

اقرأ أيضاً: هذا ما كشفه الطبّ الشرعي التركي بشأن زكي مبارك
عائلة زكي مبارك، نفت التهم التي وجهت إلى ابنها بالتجسس، بعد وصول جثته، في تابوتٍ محكم الإغلاق، إلى العاصمة المصرية، و"بصدرٍ مشقوق، ودونما لسان"، بحسب تصريحاتها لوسائل الإعلام، فما هي ملابسات هذه القضية؟
تهمة رسمية
بعد إعلانها "القبض على رجلَيْن بتهمة التجسس، وجمع معلومات عن معارضين سياسيين عرب في تركيا، أعلنت السلطات التركية العثور على أحد الرجلين، منتحراً في زنزانته، في سجن سيليفيري، بضواحي إسطنبول، وهذا الرجل هو زكي مبارك، الفلسطيني من قطاع غزة، والحامل لشهادة دكتوراه في العلوم السياسية، ويبلغ من العمر 55 عاماً"، وفق موقع صحيفة "الزمان"، في 30 نيسان (أبريل) الماضي.

وسط اتهاماتٍ عائلة زكي مبارك للسلطات التركية بتعذيب وقتل ابنها في السجن، لم تنشر تركيا أدلةً على التهم بحقه

وكانت السلطات التركية قد "أخضعت المتهمَيْن المقبوض عليهما في وقت سابق من شهر نيسان (إبريل) للتحقيق، من أجل معرفة إن كانت هناك صلة بين وصول أحدهما إلى البلاد، ومقتل الصحفي السعودي، جمال خاشقجي، في قنصلية بلاده بإسطنبول، في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي"، بحسب الموقع ذاته، وذلك دون ذكر أيّة تفاصيل واضحة حول التحقيق مع الشخص الآخر المعتقل، وهو فلسطيني أيضاً، واسمه سامر سميح شعبان.
بعد الإعلان عن انتحار مبارك، أطلت عائلته على وسائل الإعلام العربية، ومن خلال وسائل التواصل الاجتماعي، ممثلةً في أخيه زكريا مبارك، الذي تحدث نافياً التهم؛ حيث رأى أنّ الرواية التركية التي تفسر مقتل شقيقه "مسرحية"، وقال في فيديو نشر على مواقع التواصل الاجتماعي: إنّ "شقيقه زكي قُتل في سجن تركي على أيدي قوات الأمن حتى لا تظهر براءته"، وفق موقع "مصراوي"، في 29 نيسان (إبريل) الماضي. ويرد في تقرير الموقع ذاته؛ أنّ "السفارة الفلسطينية في أنقرة، تمّ إبلاغها بانتحار الفلسطيني مبارك، دون ذكر تفاصيل، سوى الرواية الرسمية حول قيامه "بخنق نفسه"، رغم ما قالته عائلته عن أنّ محامياً في تركيا، تحدّث "عن خروج المتهمين بكفالةٍ مالية خلال يومين، وذلك قبل (انتحار) زكي".

صورة تمّ نشرها لمبارك بعد اعتقاله

غير أنّ الموضوع اتخذ مساراً أكثر درامية وغموضاً، بعد انتشار نقاشاتٍ على مواقع التواصل الاجتماعي وفي وسائل الإعلام، تمحورت حول العلاقات المتأزمة بين دولة تركيا من ناحية، ودولة الإمارات من ناحيةٍ أخرى، وأنّ هنالك احتمالاتٍ حول براءة المتهم مبارك من التهم الموكلة إليه، بينما تحدث تيارٌ آخر عن أنّه لا مصلحة لتركيا بقتل المعتقل لديها، رغم غرابة رواية الانتحار لسجينٍ سياسي بهذه الأهمية، بحسب الرواية التركية، فكيف يبقى في سجنه دون اهتمام أو مراقبة إذاً؟!

اقرأ أيضاً: انتحر أم نحر.. كيف فقد الفلسطيني زكي حسن حياته في سجون أردوغان؟
وتزداد الأمور تعقيداً، بعد حديث عائلته عن جثةٍ تعرضت "للتعذيب والتمثيل "برأيهم"، وأنّ جثته لم تخضع لعملية تشريحٍ طبيعية، كما قالت العائلة: إنّه لم يزر دولة الإمارات أبداً، وهو المتهم بالتجسس لصالحها.

زكريا مبارك يتحدث عن تعذيب أخيه:

جثة بحقيقة مشوهة

بعد استلام عائلة مبارك جثته، قالت شقيقته، سناء مبارك: إنّ "جثمان شقيقها وصل إلى العاصمة المصرية، القاهرة، في الرابع عشر من أيار (مايو) الجاري، بحالة سيئة للغاية، مشيرة إلى أنّه كان موضوعاً داخل تابوت محكم الإغلاق، لدرجة أنّ العائلة واجهت صعوبة في فتحه"، وفق تقرير "سكاي نيوز"، بتاريخ 18 أيار (مايو) 2019.

اقرأ أيضاً: شقيق الفلسطيني المقتول بتركيا: فرغوا أحشاءه وقطعوا لسانه.. ونقاضيهم دولياً
وأضافت سناء: "الجثمان كان في حالة تعفّن"، مشككةً في رواية الأتراك بشأن تاريخ وفاة شقيقها، استناداً إلى حالة التعفن التي تتطلب وقتاً أطول، وأرجعت الأمر إلى محاولة السلطات التركية إخفاء الجريمة التي ارتكبت بحقه، ولفتت إلى أنّ معالم الجثمان لم تكن واضحة، حتى أنّ أفراد عائلته الذين وصلوا إلى القاهرة لم يتمكنوا من التعرف عليه، بسبب تعرض جثته للتحلل، وأوضحت؛ أنّه تعرض للتعذيب، مشيرةً إلى آثار ضربات على الرأس، ونزع الجلد عن الجمجمة"، بحسب التقرير ذاته.

تقول عائلة مبارك إنّ تقريراً طبياً يظهر تعرضه للتعذيب في السجن

وصول جثة مبارك على هذه الشاكلة، والسرعة في إضفاء التفاصيل على الحادثة، خلق تضارباً سريعاً في الآراء، كان مسرحه وسائل التواصل الاجتماعي ومحطات الإعلام؛ حيث انتشر على موقع تويتر هاشتاغ "تركيا تقتل سجيناً"، ندّد أصحابه بما أسموه "قتل مواطن فلسطيني في تركيا"، مبررين آراءهم بالقول: إنّ المتهم، مهما كانت تهمته، فإنه يوجد قانون من أجل مواجهته، وإيجاد أدلةٍ معلنة كافية على تهمته، وليس تركه (لينتحر) في رواية غامضة، وهو الذي يفترض أن يكون مهماً بالنسبة إلى السلطات التركية.

تتضارب الروايات حول وفاة مبارك وسط تساؤلات عن احتمالات إهمال السلطات التركية بحق سجينٍ سياسي، فهل حقاً تركته ينتحر؟

وفي هذا السياق؛ قالت صحيفة "رأي اليوم"، بتاريخ 5 أيار (مايو) الجاري: إنّ "الرواية التركيّة يكتنفها بعض الغُموض، أو كما وصفها نشطاء على مواقع التواصل، هي تتسم بالتخبّط، فالرواية الأولى كانت عن جاسوسين إماراتيين، ثم جاسوسين يعملان لصالح الإمارات، ثم فلسطينيين يعملان لصالح الأخيرة"، وتحدثت الصحيفة عن إمكانية أن "القضية ربما كانت ستخدم تركيا في معركتها لدعم تيار الإسلام السياسي، مقابل محور الاعتدال السعودي الإماراتي"، ما يجعل قتل السلطات التركية لمبارك أمراً غير منطقي، بسبب إمكانية إفادتها منه، لكن يعود آخرون، وفق الصحيفة، للتساؤل عمّا إذا ما كانت التهم صحيحة أو توجد أدلةٌ بشأنها.

اقرأ أيضاً: ما حقيقة انتحار الفلسطيني داخل السجون التركية؟

ووسط جدلٍ ما يزال مستمراً، طالبت عائلة مبارك بتحقيقٍ دوليٍ في مقتله متهمة تركيا بقتل ابنها، مؤكدة أنه بريء مما وجه إليه من تهم، حيث إنها تمتلك "تقريراً طبياً يشير إلى وفاته بسبب جروحٍ ناجمةٍ عن التعذيب".
وبصورةٍ عامة؛ فإنّ العلاقات الدولية، والمسائل السياسية، تضفي غموضاً على وفاة مواطنٍ فلسطيني، توفّي في أحد السجون التركية دون وضوح أدلةٍ على التهم التي سجن لأجلها من ناحية، وسط تساؤلاتٍ حول مدى تأثير وضع العلاقات الإماراتية التركية المتأزم، على وجود احتمالاتٍ بحصول إهمال في الحفاظ على حياة زكي مبارك، مهما كانت صفته أو تهمته، إضافةً إلى تسييس وفاته بصورةٍ مباشرة، دون وجود آثارٍ للحقيقة.


الصفحة الرئيسية