كان فظاً ومتنمراً وبخيلاً.. ابنة ستيف جوبز مؤسس "آبل" تسرد جانبه الوحشي

71428
عدد القراءات

2018-09-10

ترجمة: محمد الدخاخني


عندما أخبر ستيف جوبز ابنته، ليزا برينان-جوبز، أنّ حاسوب "آبل ليزا" لم يُطلق عليه هذا الاسم تيمّناً بها، لم تكن تلك، كما تصرّ، كذبة قاسية بالنّسبة إلى فتاة صغيرة - فقد كان يعلّمها "ألاّ تجني النّجاح على قفاه".
وعندما رفض السّيّد جوبز تركيب جهاز تدفئة في غرفة نومها، لم يكن ذلك، كما تقول، بدافعٍ من قسوة القلب - فقد كان يغرس فيها "نظاماً من القِيَم".
وعندما قال جوبز إبّان احتضاره للسّيّدة برينان-جوبز إنّ رائحتها "تُشبه رائحة المرحاض"، لم يكن ذلك، كما تقرّ، اعتداءً لفظيّاً بغيضاً - فقد كان يُظهِر لها "الصّدق في القول" ليس إلّا.
إنّه لشيء غريب أن يكتب المرء مذكّرات مدمّرة تضمّ في طيّاتها تفاصيل إدانيّة ويدّعي في الوقت نفسه أنّ هذه الأشياء ليست، في الحقيقة، إدانيّة على الإطلاق. إلّا أنّ هذا بالضّبط ما فعلته السّيّدة برينان-جوبز في مذكّراتٍ جديدة صدرت لها، بعنوان Small Fry، وفي سلسلة مقابلات أجريت معها خلال الأسابيع القليلة الماضية.

طُرح للبيع في 4 أيلول (سبتمبر) الجاري
بالفعل يعرف المهووسون بشركة "آبل"، بفضل عشرات السّير الذّاتيّة والأفلام الأخرى، الخطوط العريضة للحياة المبكّرة للسّيّدة برينان-جوبز: لقد أنجبها جوبز عندما كان في الثّالثة والعشرين من عمره، ثمّ نفى أبوّته لها بالرّغم من اتّفاق الحمض النّوويّ بينهما، ولم يقدّم لها سوى القليل من الدّعم الماليّ أو العاطفيّ حتّى عندما أصبح "إله العصر" المبكّر للحوسبة. لكن Small Fry، الّذي يطرح للبيع في 4 أيلول (سبتمبر) الجاري، يعبّر عن سعي السّيّدة برينان-جوبز لاستعادة قصّتها لنفسها.
يمثّل وادي السّليكون في فترة الثّمانينيّات خلفيّةً لتصويراتها الحياتيّة الصّريحة مع السّيّد جوبز وبدونه؛ حيث اختلط هناك الفنّانون والهيبيّون بالتّقنيّين، وازدهرت الأفكار المتعلّقة بكيفيّة بناء المستقبل، وكان شلّالٌ من تريليونات الدّولارات قد أخذ للتّوّ يتدفّق بقوّة. وقد عاشت برينان-جوبز طفولة لا تنقصها الرّفاهية مع والدتها، الفنّانة كريسان برينان، وفترة مراهقة تنعّمت فيها بثروة والدها.

شيء غريب أن يكتب المرء مذكّرات تضمّ  تفاصيل إدانيّة ويدّعي أنها ليست كذلك على الإطلاق

في مقطع تلو الآخر من Small Fry، يظهر جوبز كشخص وحشيّ تجاه ابنته وأولئك الّذين من حولها. وفي الأيّام الّتي تسبق إصدار الكتاب، تخشى السّيّدة برينان-جوبز من أن يتمّ استقبال الكتاب بوصفه نصّاً يُفشي ويفْضَح، وليس باعتباره الصّورة الأكثر دقّة لعائلة ما، كما قصدت منه. وينتابها القلق من أن تدور ردود الفعل حول إرث رجل مشهور عوضاً عن قصّة امرأة شابّة - أي أن يتمّ محوها مجدّداً، وإن كان المحو هذه المرّة يطالها في مذكّرتها الخاصّة.
ما تريد السّيّدة برينان-جوبز، عشيّة نشر كتابها، من القرّاء معرفته هو أنّ: ستيف جوبز نبذ ابنته لأعوام، لكن تلك الابنة قد غفرت له. فعلى نحو يملؤه الزّهو، تحبّه، وتريد أن تكون مشاهد الكتاب الّتي تتناول تزلّجهما على الجليد وضحكهما معاً منتشرة انتشار المشاهد الّتي يقول لها فيها إنّها لن ترث منه شيئاً.
أن تغفر السّيّدة برينان-جوبز شيء، وأن تريد من القارئ، وهو أمر صعب، أن يغفر هو أيضاً للسّيّد جوبز فذلك شيء آخر تماماً. وهي تعلم أنّ هذا يمكن أن يمثّل مشكلة.
"هل فشلت؟"، سألَت، في إحدى محادثاتنا. "هل فشلت في التّمثيل الكامل للمعزّة والسّرور؟ معزّة والدي، والسّرور الكبير لكوني معه عندما كان في حالة جيّدة؟".

ليزا مع والدها، أوائل عام 1980

"الجزء السّيئ من قصّة رائعة"

بعد التّخرج من الجامعة، غادرت السّيّدة برينان-جوبز الولايات المتّحدة من أجل العمل في مجال التّمويل في لندن وإيطاليا؛ انتقلت بعد ذلك إلى عالم التّصميم، ثمّ الكتابة بالقطعة لصالح دوريّات ومجلّات أدبيّة. ومنذ فترة طويلة، وها هي الآن في الأربعين من عمرها، تعمل على تجنّب الدّعاية. فلم تُكتَب عنها إطلاقاً مقالات في الصّحف، كما تملّصت بعناية من معظم مؤرّخي أخبار والدها. (وإن كان ثمّة استثناء واحد فهو آرون سوركين، الّذي أطلق عليها اسم "البطلة" في فيلمه السّير-ذاتيّ Steve Jobs عام 2015). وقد ذكرت السّيّدة برينان-جوبز أنّها لم تثق في والتر إيزاكسون، الّذي كتب سيرة والدها المعتمدة والّتي باعت أعداداً هائلة من النّسخ عام 2011.
"لم أتحدّث البتّة مع والتر، ولم أقرأ الكتاب البتّة، لكنّني أعرف أنّي ظهرت في صورة شخص بارد تجاه أبي ولم أكن مهتمّة بما إذا كان يشعر بالسّوء من جرّاء ذلك"، قالت السّيّدة برينان-جوبز في أواخر تمّوز (يوليو)، فيما هي جالسة في "كانتين"، وهو عبارة عن مقهى نباتي صغير في حي غاردنز كارول في بروكلين. "لقد دمّرني هذا الكتاب".
"شعرت بالخجل من أن أكون الجزء السّيئ من قصّة رائعة"، اسطردت. "وشعرت أنّ الأمر لم يحسم".

تخشى السّيّدة برينان أن يُستقبل الكتاب بوصفه نصّاً يُفشي ويفْضَح وليس باعتباره الصّورة الأدق لعائلة

وهكذا في Small Fry، تسعى إلى حسم بعضٍ من هذا الخزي من خلال وصف الكيفيّة الّتي تفتّحت بها طفولتها، ومَن كانت الشّخصيّات الرّئيسة، ولِمَ حدث كلّ ذلك. عادت السّيّدة برينان-جوبز إلى وادي السّليكون وأجرت مقابلات مع عائلتها، وأصدقائها، وأصدقاء أمّها السّابقين، وصديقة والدها السّابقة. في طفولتها، كانت المنطقة خضراء ومليئة بشجر الكينا والمبرمجين الّذين يسكنون المرائب. لكن المنطقة نفسها تُعدّ الآن أعظم آلةٍ لخلق الثّروة في تاريخ العالم، وما يزال السّيّد جوبز بطلها الشّاهِق.
استهلّت السّيّدة برينان-جوبز العمل على ما سيصبح Small Fry بعد فترة قصيرة من وفاة والدها العام 2011. وبعد أعوام من الكتابة، شعرت أنّ ناشرها، بنغوين برس، يتعجّلها، وخشيت أن تكون "متجمّلة"، وتظهر في صورة من يستفيد من إرث والده. ومن ثمّ أرادت أن تكون مع ناشر أصغر يعمل معها ويمنحها المزيد من الوقت، وتحوّلت إلى دار غروف، حيث، بحسب قولها، اضطّرت للتّخلّي عن 90% من قيمة الدّفعة الأولى الّتي تدفعها عادةً دور النّشر للكاتب بعد التّعاقد على نشر كتابه. (وقد رفض متحدّث باسم بنغوين التّعليق).

اقرأ أيضاً: فضيحة جديدة لشركة آبل

كان من بين نتائج هذا التّأخير أن دخل Small Fry إلى النّقاش العام في وقت أخذت فيه النّساء الّلواتي كنّ يعانين في السّابق من ضعف المقدرة أو التّجاهل، في مختلف الصّناعات، يملكن قولهنّ حول الرّجال الأقوياء. إنّ مذكّرات أوّل مولودة لستيف جوبز كانت دائماً في طريقها لأن تصبح عملاً مثيراً للضّجّة، لكن السّيّدة برينان-جوبز أصدرت كتابها دون قصد في وقت يبدو فيه الجمهور أكثر تناغماً مع الأصوات المهمّشة - وأيضاً في وقت أصبح لدى العديد من النّاس أفكارهم الأكثر ظلمة حول العالَم الّتي أنشأه جوبس باستخدام أجهزته المثيرة بقوّة للانتباه.

والدة ليزا قالت: ليزا قللت من فوضى طفولتها في هذه المذكرات

"آمل أن يمضي عيد الشّكر على نحو طيّب"

لا شيء من ذلك، بالطّبع، كان متخيّلاً عندما وُلِدت السّيّدة برينان-جوبز في 17 أيّار (مايو) العام 1978، في مزرعة إحدى الكوميونات في ولاية أوريغون. كان والداها، وكانا قد التقيا في المدرسة الثّانويّة في كوبرتينو، كاليفورنيا، في الثّالثة والعشرين من العمر. وصل السّيّد جوبز بعد أيّام من الولادة وساعد في تسميتها، لكنّه رفض الاعتراف بأنّه الأب. ومن أجل دعم أسرتها، قامت السّيّدة برينان بتنظيف المنازل والّلجوء إلى المساعدات الحكوميّة. وفقط بعد أن قاضت الحكومة السّيّد جوبز وافق على دفع إعالة الطّفلة.
يصف Small Fry كيف أخذ السّيّد جوبز يهتمّ على نحو أكبر بابنته ضمن مسار بطيء؛ حيث كان يأخذها للتّزلّج ويأتي إلى منزلها زائراً. وقد انتقلت السّيّدة برينان-جوبز معه لفترة من الوقت خلال المدرسة الثّانويّة، وفيما كانت والدتها تقاسي الأوضاع الماليّة وسوء المزاج، كان السّيّد جوبز رجلاً بارداً يعلن مطالب متطرّفة لما يستتبعه أن يكون المرء عضواً في العائلة. كان الجيران الأكثر قرباً قلقين على المراهقة ليزا، وفي إحدى الّليالي، عندما كان السّيّد جوبز في الخارج، قاموا بنقلها من منزله إلى منزلهم. وعلى عكس ما كان يرغب فيه السّيّد جوبز، دفع الجيران المصاريف الّلازمة من أجل أن تكمل دراستها (ثمّ دفع لهم أبوها لاحقاً).

ما تريد السّيّدة برينان من القرّاء معرفته هو أنّ ستيف جوبز نبذ ابنته لأعوام لكن ابنته غفرت له

في إحدى المقابلات، تتحدّث السّيّدة برينان- جوبز عن "عدم الرّغبة في معاداة هؤلاء" الّذين تحبّهم، لكنّها أقرّت بأنّ مذكّراتها ربّما لا تقوم إلّا بذلك. وبصرف النّظر عن السّيّد جوبز، فإنّ جميع الشّخصيّات المركزيّة ما تزال على قيد الحياة إلى حدّ كبير. "آمل أن يمضي عيد الشّكر على نحو طيّب"، قالت.
والدتها، السّيّدة برينان، تأتي في صورة امرأة ذات روح متحرّرة قامت برعاية إبداع ابنتها - ولكنّها قد تكون متقلّبة المزاج، وسريعة الانفعال، وأحياناً مهمِلة. "كان مريعاً أن أقرأ [هذه المذكّرات]"، قالت السّيّدة برينان في مقابلة معها. "كان الأمر صعباً للغاية. لكنّها على حقّ".
تُعرَض الأحقاد الفاضحة للسّيّد جوبز بشكل متكرّر في Small Fry. فذات ليلة على العشاء، يلتفت السّيّد جوبس إلى ابنة خال ابنته، سارة، الّتي أساءت إليه عن جهل من خلال طلبها لطبقٍ يضمّ شيئاً من الّلحوم [وهو قد كان نباتيّاً]. "هل فكّرتِ يوماً في مدى فظاعة صوتك؟"، يسأل السّيّد جوبز سارة. "من فضلك توقّفي عن الكلام بهذا الصّوت الفظيع"، يقول، مضيفاً، "حقّاً عليكِ أن تفكّري في الخطأ الّذي ألمّ بكِ وتحاولي إصلاحه".
تصف السّيّدة برينان-جوبس استخدام والدها المتكرّر للمال من أجل إرباكها أو إخافتها. "في بعض الأحيان كان يقرّر عدم دفع ثمن الأشياء في الدّقيقة الأخيرة"، تكتب، "فيخرج من المطاعم دون دفع الفاتورة". وعندما وجدت والدتها منزلاً جميلاً وطلبت من السّيّد جوبس شرائه لها هي وليزا، وافقها الرّأي أنّ المنزل كان لطيفاً - لكنّه ابتاعه لنفسه وانتقل فيه مع زوجته، لورين باول جوبس.

اقرأ أيضاً: "غوغل" و"أبل" يحذفان تطبيق "صراحة"

قالت السّيّدة برينان إنّ ابنتها قلّلت، على النّقيض، من الفوضى الّتي كانت عليها طفولتها. "لم تتحدّث عن مدى السّوء الّذي كانت عليه حقّاً، إذا كان بإمكانك تصديق ذلك"، قالت.
على أنّ Small Fry يحوي أيضاً لحظات من السّعادة يمكن عبرها التقاط عفويّة السّيّد جوبز وعقله الّذي لا يضاهى. فعندما تذهب السّيّدة برينان-جوبز في رحلة مدرسيّة إلى اليابان، يصل إليها دون سابق إنذار ويُخرِجها من البرنامج ليوم واحد. يجلس الأب وابنته، ويتحدّثان عن الله وكيف يرى الوعي. "كنت خائفة منه وفي الوقت نفسه، شعرت بحبّ انفعاليّ ومليء بالحماس"، تقول.
"عندما شرعت في الكتابة"، أخبرتني السّيّدة برينان-جوبز، "لم أكن أعتقد أنّه سيكون مثيراً للاهتمام على الورق، وكنت محبطة تقريباً من أنّه قد شدّ نحوه الكثير من الجاذبيّة".
بعد أن انتقلَت السّيّدة برينان- جوبز مع السّيّد جوبز في سنّ المراهقة، منعها من رؤية والدتها لمدّة ستّة أشهر، كوسيلة لتوطيد علاقتها بأسرته الجديدة. وفي الوقت نفسه، تحوّل السّيّد جوبز من الشّخصيّة المهملة إلى المسيطرة. وعندما أخذت السّيّدة برينان-جوبز تنخرط بشكل متزايد في مدرستها الثّانويّة، مستهلّةً نادياً للأوبرا، ومترشّحةً لرئاسة فصلها في السّنة الأولى الثّانويّة، أخذ يشعر بالضّيق. "هذه الطّريقة لا تنفع. إنكِ لا تحقّقين أيّ نجاح بوصفك عضوة في هذه العائلة"، يقول السّيّد جوبز في المذكّرات. "إنكِ لستِ بيننا على الإطلاق. إذا كنتِ تريدين أن تصبحي جزءاً من هذه العائلة، فإنّه سيكون عليكِ منحها شيئاً من وقتك".

فيما كانت والدتها تقاسي الأوضاع الماليّة وسوء المزاج، كان السّيّد جوبز رجلاً بارداً يعلن مطالب متطرّفة

ومن أجل استرضاء والدها، انتقلت السّيّدة برينان-جوبز إلى مدرسة أخرى كانت أقرب إلى منزل والدها. وواصلت رئاسة تحرير صحيفة المدرسة. وتقول مرشدتها هناك، وهي معلّمة صحافة تدعى إستر وجسيكي، إنّ Small Fry يمثّل سرداً صادقاً.
"الحوار الّذي دار بينها وبين ستيف صحيح تماماً"، قالت السّيّدة وجسيكي. "وكتابها هديّة لنا جميعاً".
وكان قد جرى توزيع نسخ مبكّرة من المذكّرات بين دوائر العائلة والأصدقاء. ولاحقاً، أعطى كلّ من السّيّدة باول جوبس، وأطفالها، وشقيقة السّيّد جوبز، منى سيمبسون، هذا التّصريح لصحيفة التّايمز: "ليزا جزء من عائلتنا، ولذا قرأنا كتابها بحزن، وهو كتاب يقدّم سرداً يختلف بشكل كبير عن ذكرياتنا حول هذه الأوقات. تصوير ستيف في الكتاب لم يأتِ على شاكلة الزّوج والأب الّذي عرفناه. لقد أحبّ ستيف ليزا، وأعرب عن أسفه أنّه لم يكن الأب الّذي كان ينبغي عليه أن يكونه خلال طفولتها المبكّرة. وكان من دواعي السّرور البالغ لدى ستيف أن يقوم بدعوة ليزا للإقامة معنا جميعاً خلال الأيّام الأخيرة من حياته، وإنّنا جميعاً ممتنّون للسّنوات الّتي قضيناها معاً كعائلة".

كان عمر ليزا 3 سنوات في هذه الصورة مع والدتها، كاليفورنيا

ثمّ يتحرّر

في يوم حارّ من أيّام شهر آب (أغسطس) في بروكلين، توجهتُ صحبة السّيّدة برينان- جوبز إلى الاستوديو الخاصّ بها، وهو عبارة عن شقّة صغيرة بجدران من الطوب قامت بطلائها بالّلون الأبيض وأرضيّة من البامبو مطليّة بالّلون الأسود. وخلال كتابتها Small Fry، كما أخبرتني، قامت بتغطية المرايا المحيطة بمساحة العمل الخاصّة بها بالأوراق. "لا أحبّ التقاط نفسي في المرآة"، قالت، "لأنّ الأمر يشبه - 'أوه، ذاتي'".
قالت السّيّدة برينان-جوبز إنّها كانت متوترة بشأن الكيفيّة الّتي يمكن أن توصف بها جسديّاً في مادة صحفية تدور حولها، ولذا طلبتُ منها استخدام كلماتها الخاصّة. "وجهي غير متساوٍ"، قالت. "لدي عيون صغيرة. أتمنّى لو كانت لدي غمّازات، لكن ليس عندي. أعتقد أنّي أبدو مترهلة الآن".
وقد قاطعتها لأقول إنّ لها ملامح دقيقة، وبها نمش، وطولها حوالي 160 سم، ولها شعر بنيّ محمرّ قليلاً.
"أنفي"، أجابت السّيّدة برينان-جوبز، "ليست دقيقة على نحو خاصّ".
إنّها تنتقد نفسها بشدّة، قائلة إنّها شعرت بالرّعب من قيامها بكتابة "مذكّرات لشخصيّة شهيرة". كما قالت إنّها كانت متأكّدة من أنّ مجلة نيويوركر لن تقوم بنشر مراجعة للكتاب، وإنّه منذ أعوام، كان اجتماعها الأوّل في دار غروف [ممكناً] فقط لأنّ إليزابيث شميتز، مديرة التّحرير، كان تقدّم معروفاً لصديق مشترك بينهما.

شقيقة جوبز: ليزا جزء من عائلتنا وقرأنا كتابها بحزن إذ يقدّم سرداً يختلف عن ذكرياتنا حول هذه الأوقات

"كان أوّل ما فكّرتُ به عندما عرض عليّ الكتاب هو "إنّني لا أقوم بهذا النّوع من الأشياء. لا أعرف كيف أنشر مذكّرات تخصّ شخصيّة شهيرة'"، قالت السّيّدة شميتز، الّتي سبق أن حصلت على مذكّرات أدبيّة مثل H is for Hawk الّتي كتبتها هيلين ماكدونالد، الكاتبة الإنجليزيّة الطّبيعانيّة. لكن كان هناك شيء ما يخصّ كتابات السّيّدة برينان-جوبز جعلها تعيد النّظر. "من الصّفحة الأولى"، قالت، "تبدو لغتها طازجة، مفاجِئة، لا يمكن التّنبّؤ بها".
لقد قرأتُ الكتاب، وكتابتها آسرةٌ حقّاً. تستعمل السّيّدة برينان-جوبز السّكين الّلغويّة نفسها مع نفسها ومع الآخرين. تكتب باشمئزاز عن استخدام حكايات من طفولتها لإثارة التّعاطف من الآخرين، وهي تخجل من أن تكون قد أسقطت اسم والدها خلال مقابلة للدّخول إلى جامعة هارفارد.
وفي الأوّل من آب (أغسطس)، نشرت مجلة فانيتي فير مقتطفاً من Small Fry تحت العنوان الرقميّ I Have a Secret. My Father Is Steve Jobs. وبعد عدد من الّليالي، اتّصلت بي برينان-جوبز، وكانت قلقة. فقد كرهت العنوان، وعلى وسائل التّواصل الاجتماعي، قام القرّاء بتداول التّفاصيل الأكثر وحشيّة في سردها - لا سيّما تعليق "المرحاض".

اقرأ أيضاً: مذكرات محمد عبده.. كيف ودّع رائد التنوير كراهية العلم؟

"كان يخبرني الحقيقة"، قالت لي برينان-جوبز، مضيفة أنّ عطر ماء الورد الّذي كانت تضعه حينها قد طرأ عليه شيء من التّغيّر. "ولم أكن على وعي بذلك. في بعض الأحيان، يكون من الّلطيف أن يخبرك شخص ما بطبيعة الرّائحة الّتي تنبعث منك".
وكان هناك تذكير آخر غير مريح أنّه بالرّغم من أنّ Small Fry يُعدّ قصّة السّيّدة برينان-جوبز، عنيتُ قصّة مكتوبة بأسلوب أدبيّ دقيقة، فإنّ أسطورة والدها تلوح في الأفق بحيث لا تستطيع التّحكّم في كيفيّة تلقي كلماتها. فعند اختيارها لصوت الرّاوي في الإصدار الصّوتيّ حصل أن قامت برفض أولئك الّذين قرأوا السّطور الخاصّة به بقسوة شديدة أو بافتقار لروح الدّعابة.
يبدو أنّ الكثير من جهود السّيّدة برينان-جوبز في مذكّراتها قد تكرّس لإظهار الكيفيّة الّتي يمكن أن يكون عليها ستيف جوبز وحشيّاً...، استعادة تلك الوحشيّة لنفسها. وأن تستعيدها يعني أن تحبّها.
"إن المرء يحصل على ميراثه، في صورة قطعة من الفحم، أو أيّاً ما كان، داخل حُزمة فظيعة"، أخبرتني في لحظة ما. "وعليه أن يأخذ الكثير من الوقت حتّى يقلب هذه الحُزمة الفظيعة رأساً على عقب، ومن ثمّ تكشف له عن شيء رائع، ثمّ يتحرّر".

مشاهد غير لائقة
إذا كانت السّيّدة برينان-جوبز قد شعرت بالقلق إزاء ردود الفعل على المقتطف المتعلّق بمياه المرحاض، فإنّها ربّما تكون غير مستعدّة لما قد يحدث عندما يواجه القرّاء مواد أكثر إزعاجاً. ففي أكثر من موضع في Small Fry، ينخرط السّيّد جوبز في ما يبدو أنّه عاطفة غير لائقة أمام ابنته.
تصفه السّيّدة برينان-جوبز وهو يعانق السّيّدة باول جوبز ذات يوم، حيث "يشدّها مُقبّلاً، ويحرك يده بالقرب من ثدييها"، وفوق فخذها، ثمّ "يئنّ بشكل مسرحيّ".
وعندما تحاول السّيّدة برينان-جوبز المغادرة، يوقفها والدها: "'ليز"، قال. "ابق هنا. إنّنا نعيش لحظة عائليّة. ومن المهمّ أن تحاولي أن تكوني جزءاً من هذه العائلة". فما كان إلّا أن جلستُ ساكنة، أنظر بعيداً فيما كان يئنّ ويتحرّك مستثاراً".
أكّدت السّيّدة برينان-جوبز في مقابلة أنّها لم تشعر أبداً بأيّ تهديد من جانب والدها، وأنّ هذه المشاهد، بالنّسبة إليها، تُظهِر أنّه كان "غريب الأطوار" ليس أكثر.

اقرأ أيضاً: الأتراك يعثرون على مذكرات ناظم حكمت في السجن

على أنّ هذا المشهد لم يكن حادثة منعزلة، كما تقول والدة السّيّدة برينان- جوبز، الّتي كانت قد وصفت محادثة جنسيّة مثيرة للسّخط بين السّيّد جوبز وابنتهما في مذكّراتها الّتي صدرت العام 2013، A Bite in the Apple. فذات مساء، تكتب السّيّدة برينان، سمحت للسّيّد جوبز بمجالسة طفلتهما ليز، الّتي كانت في التّاسعة آنذاك. وعندما عادت السّيّدة برينان إلى البيت مبكّراً، وجدت السّيّد جوبز مع الفتاة، وهو "يستفزّها دون توقف بشأن طموحاتها الجنسيّة"، و"يسخر منها مستخدماً تلميحات جنسيّة"، و"يمزح بشأن سلوكيّات غريبة في غرفة النّوم بين ليزا وهذا الشّخص أو ذاك".
تصف السّيّدة برينان، في مذكّراتها، شعور الخوف الّذي انتابها من أجل ابنتها في تلك الّليلة، ورغبتها في وضع جسدها بينهما والخروج من هناك. "سأكون واضحة"، كتبت السّيّدة برينان، "لم يكن ستيف مفترساً جنسيّاً للأطفال. وإنّما كان هناك شيء آخر يجري". ومع ذلك، حاولت السّيّدة برينان، بعد تلك الّليلة، التّأكّد من وجود "مرافق" في الأوقات الّتي يكون فيها السّيّد جوبز مع ابنته الصّغيرة لساعات طويلة، كما أخبرتني مؤخّراً.
"كان تصرّفه غير لائق تماماً لأنّه لم يكن يعرف كيف يتعامل على نحو أفضل"، قالت السّيّدة برينان. وفي كتابها المذكور، وصفت السّيّد جوبز بأنّه "يقف على مزلاق بين الإنسان والّلاإنسان".
بعد ظهر أحد أيّام شهر آب (أغسطس)، فيما كنتُ أتحدّث أنا والسّيّدة برينان-جوبز في مطبخها، قامت بعمل عصير من أوراق الهندباء والأناناس والكركم وجذور الزنجبيل. إنّها تأكل وفق نظام غذائيّ صحيّ للغاية وتعرف أنّ ذلك يمثّل انعكاساً للنّظام الّذي كان يتّبعه والدها، وإن كان ذلك قد انحرف إلى اتّجاهات صحيّة مقتصرة على فئة معيّنة من أثرياء كاليفورنيا، حتّى مع استحواذ سرطان البنكرياس على المزيد من صحّته.
لدى السّيّدة برينان-جوبز زوج، بيل، وهو موظّف قديم في شركة مايكروسوفت يُطلِق الآن شركة ناشئة للبرمجة. وهو يحظى بابنتين، تبلغان من العمر 10 و12 عاماً، فيما يحظى هو والسّيّدة برينان- جوبز بابن يبلغ من العمر أربعة أشهر. وبينما تشرب العصير الّذي أعدّته، يجالس بيل الأطفال، وتعمّ المنزل طاقة هادئة.
"أرى زوجي والطّريقة الّتي يتعامل بها مع بناته - متجاوبة وحيّة وحسّاسة بأشكال كان والدي ليحبّها"، قالت السّيّدة برينان-جوبز. "كان أبي ليحبّ أن يكون رجلاً من هذا الطّراز، وقد أحاط نفسه برجال من هذا القبيل، لكنّه لم يكن قادراً على ذلك".
بعد عقود من الدّعوى القضائيّة الخاصّة بدعم الطّفلة، قام السّيّد جوبز بمحو أبوّته مجدّداً. حيث يشير Small Fry إلى أنّه في سيرته الذّاتيّة الموجودة على موقع آبل، أُدرِجَ الرّئيس التّنفيذيّ المهووس بالتّفاصيل على أنّه أب لثلاثة أطفال. لكن بالطّبع كان لديه أربعة.

برينان: كان تصرّفه غير لائق تماماً لأنّه لم يكن يعرف كيف يتعامل على نحو أفضل

"إنّنا فقط أناس بنا برودة"

تُعدّ السّيّدة باول جوبز أكثر حاملي مشعل شخصيّة السّيّد جوبز وإرثه شهرة. وبما أنّه في حوزتها ثروة وراثيّة تبلغ نحو 21 مليار دولار، فقد انخرطت في الأعمال الخيريّة وأطلقت Emerson Collective، وهي منظّمة تسعى إلى تحقيق نشاط سياسيّ ليبراليّ واستثمارات هادفة للرّبح، وتمتلك حصّة الأغلبيّة في مجلة أتلانتيك.
إنّ السّيّدة باول جوبز تعمل بمثابة "نغمة تونك" في Small Fry، قالت السّيّدة برينان-جوبز. فعلى سبيل المثال، تطرح عليها زوجة أبيها صوراً عائليّة، لكن الكثير من أوصاف السّيّدة باول جوبز تأخذ شكلاً لاذعاً.
وقد أخبرتني السّيّدة برينان- جوبز أنّها أعطت السّيّدة باول جوبز "أفضل سطر" في الكتاب. يظهر ذلك في المشهد الّذي يحكي ذهاب السّيّدة باول جوبز والسّيّد جوبز إلى جلسة علاجيّة مع المراهقة ليزا. فتبكي السّيّدة برينان-جوبز وتقول إنّها تشعر بالوحدة وكانت تريد من والديها أن يقولا لها ليلة سعيدة قبل أن تنام.
فتجيب السّيّدة باول جوبز المعالِج: "إنّنا فقط أناس بنا برودة".
ومع اقتراب نهاية حياة السّيّد جوبز، اعتذر أخيراً لابنته. وتصف السّيّدة برينان-جوبز ذلك بأنّه "نهاية فيلمها". في الكتاب، تقول إنّ السّيّد جوبز أخبرها أنّه يأسف لأنّه لم يقض المزيد من الوقت معها، ولأنّه اختفى خلال فترة رشدها، متناسياً أعياد ميلادها ولم يُعِد الاتّصال بها حين اتّصلت به ولم يراسلها.
وردّاً على ذلك، تقول السّيّدة برينان-جوبز إنّها تعرف أنّه كان مشغولاً. فيجيب السّيّد جوبز بأنّه تصرّف بالطّريقة الّتي تصرّف بها لأنّها كانت قد أساءت إليه. "لم يكن ذلك لأنّني مشغول. بل كان لأنّني غضبت جدّاً أنّكِ لم تقومي بدعوتي إلى عطلة نهاية الأسبوع في جامعة هارفارد"، يقول في الكتاب، في إشارة إلى فعّالية القبول في الجامعة.

برينان قلقلة من أن تدور ردود الفعل حول إرث رجل مشهور عوضاً عن قصّة امرأة شابّة

يبكي أيضاً ويخبرها مراراً وتكراراً، "إنّني مدين لك بأمر مماثل" - يا له من متكلّم فصيح على نحو شهير لا يستطيع أن يستدعي لغة النّدم الأساسيّة.
قد تواجه السّيّدة برينان-جوبز نوعاً من ندم الكاتب فيما يشقّ كتابها طريقه نحو رفوف المتاجر. لكن تفاصيل مميتة مثل هذه - تمحق أسطورة السّيّد جوبسز- تعتبر دليلاً أكثر من أيّ اختبار حمض نووي على أنّها ابنة والدها.
في نهاية المطاف، ترك السّيّد جوبز لابنته ميراثاً بالملايين - المبلغ نفسه الّذي حصل عليه غيرها من أبنائه - وإن لم تشارك في تخصيص ميراثه الماليّ. لو أنّها في موضع المسؤولية بشأن المليارات الخاصّة به، كما تقول، فإنّها كانت لتمنحها لمؤسّسة Bill and Melinda Gates  - وهو تطوّر غريب بالنّظر إلى تنافس والدها الملحميّ مع [بيل غيتس] ذلك العدو الّلدو لشركة آبل.
"هل سيكون ذلك جموحاً أكثر من الّلازم؟"، سألت. "أشعر أنّ مؤسّسة غيتس تقوم بالفعل بأشياء جيّدة، وأعتقد أنّني سأنتهي من المُشكِل على هذا النّحو".
قالت السّيّدة برينان-جوبز إنّها كتبت Small Fry جزئيّاً لمعرفة سبب حجبه النّقود عنها حتّى عندما تضخّمت ثروته، في الوقت الّذي كان ينفق فيه أمواله بحريّة أكبر على أطفاله الّذين أنجبهم من السّيّدة باول جوبس. وقالت إنّها ترى الآن ذلك التّصرف باعتباره وسيلة لتعليمها أنّ المال يمكن أن يُفسِد المرء.
إنّ نظام الأخلاق هذا "بدا حقيقيّاً وجميلاً ومستنيراً على نحو ما لشخص مثل هذا"، قالت. ومع ذلك، كان السّؤال هو: "لماذا تبنّى نظام القِيَم هذا وطبّقه بشدّة عليّ".
"يمكن أن يكون لديك نظام قِيَم وتكون غير قادر على عيشه بشكل كامل"، أضافت. "ويمكنك أن تتخيّل أنّ تكون بهذا الغنى وبهذه الشّهرة في الوقت نفسه الّذي يكون فيه من الرّائع أن تتمسّك ببعضٍ من نظام القِيَم الخاصّ بك. على أنّه لم يفعل ذلك بشكل صحيح. ولم يطبّق الأمر بالتّساوي. لكنّي أشعر بالامتنان لذلك".

اقرأ أيضاً: هل تكفي السير الذاتية لفهم الظاهرة الإرهابية؟

أخبرتني السّيّدة برينان-جوبز أنّها تحبّ الّلعب بالقوّة الغريبة المتمثّلة في أن تكون كاتبة مذكّرات تخطّ سطوراً عن الصّدمة (تروما)، لأنّ القارئ يعرف أنّها تمكّنت مع الحديث عن الأمر وتجاوزِه. إنّها هنا في موقع متميّز لكتابة هذا الكتاب، في النّهاية. وباعتبارها كاتبة مذكّرات، وإن كانت من النّوع المتردّد، فإنّها تحصل على الكلمة الأخيرة.
قبل ليلة واحدة من وفاته، ومع حلول نهاية الكتاب، يشاهد السّيّد جوبز مسلسل "Law and Order" في السّرير.
"هل ستكتبين عنّي؟"، سألها.
تقول له لا.
"'جيّد"، يقول، ثمّ يعود إلى التّلفزيون".


نيلي بولز، النيويورك تايمز

اقرأ المزيد...

الوسوم: