كان فظاً ومتنمراً وبخيلاً.. ابنة ستيف جوبز مؤسس "آبل" تسرد جانبه الوحشي

72612
عدد القراءات

2018-09-10

ترجمة: محمد الدخاخني


عندما أخبر ستيف جوبز ابنته، ليزا برينان-جوبز، أنّ حاسوب "آبل ليزا" لم يُطلق عليه هذا الاسم تيمّناً بها، لم تكن تلك، كما تصرّ، كذبة قاسية بالنّسبة إلى فتاة صغيرة - فقد كان يعلّمها "ألاّ تجني النّجاح على قفاه".
وعندما رفض السّيّد جوبز تركيب جهاز تدفئة في غرفة نومها، لم يكن ذلك، كما تقول، بدافعٍ من قسوة القلب - فقد كان يغرس فيها "نظاماً من القِيَم".
وعندما قال جوبز إبّان احتضاره للسّيّدة برينان-جوبز إنّ رائحتها "تُشبه رائحة المرحاض"، لم يكن ذلك، كما تقرّ، اعتداءً لفظيّاً بغيضاً - فقد كان يُظهِر لها "الصّدق في القول" ليس إلّا.
إنّه لشيء غريب أن يكتب المرء مذكّرات مدمّرة تضمّ في طيّاتها تفاصيل إدانيّة ويدّعي في الوقت نفسه أنّ هذه الأشياء ليست، في الحقيقة، إدانيّة على الإطلاق. إلّا أنّ هذا بالضّبط ما فعلته السّيّدة برينان-جوبز في مذكّراتٍ جديدة صدرت لها، بعنوان Small Fry، وفي سلسلة مقابلات أجريت معها خلال الأسابيع القليلة الماضية.

طُرح للبيع في 4 أيلول (سبتمبر) الجاري
بالفعل يعرف المهووسون بشركة "آبل"، بفضل عشرات السّير الذّاتيّة والأفلام الأخرى، الخطوط العريضة للحياة المبكّرة للسّيّدة برينان-جوبز: لقد أنجبها جوبز عندما كان في الثّالثة والعشرين من عمره، ثمّ نفى أبوّته لها بالرّغم من اتّفاق الحمض النّوويّ بينهما، ولم يقدّم لها سوى القليل من الدّعم الماليّ أو العاطفيّ حتّى عندما أصبح "إله العصر" المبكّر للحوسبة. لكن Small Fry، الّذي يطرح للبيع في 4 أيلول (سبتمبر) الجاري، يعبّر عن سعي السّيّدة برينان-جوبز لاستعادة قصّتها لنفسها.
يمثّل وادي السّليكون في فترة الثّمانينيّات خلفيّةً لتصويراتها الحياتيّة الصّريحة مع السّيّد جوبز وبدونه؛ حيث اختلط هناك الفنّانون والهيبيّون بالتّقنيّين، وازدهرت الأفكار المتعلّقة بكيفيّة بناء المستقبل، وكان شلّالٌ من تريليونات الدّولارات قد أخذ للتّوّ يتدفّق بقوّة. وقد عاشت برينان-جوبز طفولة لا تنقصها الرّفاهية مع والدتها، الفنّانة كريسان برينان، وفترة مراهقة تنعّمت فيها بثروة والدها.

شيء غريب أن يكتب المرء مذكّرات تضمّ  تفاصيل إدانيّة ويدّعي أنها ليست كذلك على الإطلاق

في مقطع تلو الآخر من Small Fry، يظهر جوبز كشخص وحشيّ تجاه ابنته وأولئك الّذين من حولها. وفي الأيّام الّتي تسبق إصدار الكتاب، تخشى السّيّدة برينان-جوبز من أن يتمّ استقبال الكتاب بوصفه نصّاً يُفشي ويفْضَح، وليس باعتباره الصّورة الأكثر دقّة لعائلة ما، كما قصدت منه. وينتابها القلق من أن تدور ردود الفعل حول إرث رجل مشهور عوضاً عن قصّة امرأة شابّة - أي أن يتمّ محوها مجدّداً، وإن كان المحو هذه المرّة يطالها في مذكّرتها الخاصّة.
ما تريد السّيّدة برينان-جوبز، عشيّة نشر كتابها، من القرّاء معرفته هو أنّ: ستيف جوبز نبذ ابنته لأعوام، لكن تلك الابنة قد غفرت له. فعلى نحو يملؤه الزّهو، تحبّه، وتريد أن تكون مشاهد الكتاب الّتي تتناول تزلّجهما على الجليد وضحكهما معاً منتشرة انتشار المشاهد الّتي يقول لها فيها إنّها لن ترث منه شيئاً.
أن تغفر السّيّدة برينان-جوبز شيء، وأن تريد من القارئ، وهو أمر صعب، أن يغفر هو أيضاً للسّيّد جوبز فذلك شيء آخر تماماً. وهي تعلم أنّ هذا يمكن أن يمثّل مشكلة.
"هل فشلت؟"، سألَت، في إحدى محادثاتنا. "هل فشلت في التّمثيل الكامل للمعزّة والسّرور؟ معزّة والدي، والسّرور الكبير لكوني معه عندما كان في حالة جيّدة؟".

ليزا مع والدها، أوائل عام 1980

"الجزء السّيئ من قصّة رائعة"

بعد التّخرج من الجامعة، غادرت السّيّدة برينان-جوبز الولايات المتّحدة من أجل العمل في مجال التّمويل في لندن وإيطاليا؛ انتقلت بعد ذلك إلى عالم التّصميم، ثمّ الكتابة بالقطعة لصالح دوريّات ومجلّات أدبيّة. ومنذ فترة طويلة، وها هي الآن في الأربعين من عمرها، تعمل على تجنّب الدّعاية. فلم تُكتَب عنها إطلاقاً مقالات في الصّحف، كما تملّصت بعناية من معظم مؤرّخي أخبار والدها. (وإن كان ثمّة استثناء واحد فهو آرون سوركين، الّذي أطلق عليها اسم "البطلة" في فيلمه السّير-ذاتيّ Steve Jobs عام 2015). وقد ذكرت السّيّدة برينان-جوبز أنّها لم تثق في والتر إيزاكسون، الّذي كتب سيرة والدها المعتمدة والّتي باعت أعداداً هائلة من النّسخ عام 2011.
"لم أتحدّث البتّة مع والتر، ولم أقرأ الكتاب البتّة، لكنّني أعرف أنّي ظهرت في صورة شخص بارد تجاه أبي ولم أكن مهتمّة بما إذا كان يشعر بالسّوء من جرّاء ذلك"، قالت السّيّدة برينان-جوبز في أواخر تمّوز (يوليو)، فيما هي جالسة في "كانتين"، وهو عبارة عن مقهى نباتي صغير في حي غاردنز كارول في بروكلين. "لقد دمّرني هذا الكتاب".
"شعرت بالخجل من أن أكون الجزء السّيئ من قصّة رائعة"، اسطردت. "وشعرت أنّ الأمر لم يحسم".

تخشى السّيّدة برينان أن يُستقبل الكتاب بوصفه نصّاً يُفشي ويفْضَح وليس باعتباره الصّورة الأدق لعائلة

وهكذا في Small Fry، تسعى إلى حسم بعضٍ من هذا الخزي من خلال وصف الكيفيّة الّتي تفتّحت بها طفولتها، ومَن كانت الشّخصيّات الرّئيسة، ولِمَ حدث كلّ ذلك. عادت السّيّدة برينان-جوبز إلى وادي السّليكون وأجرت مقابلات مع عائلتها، وأصدقائها، وأصدقاء أمّها السّابقين، وصديقة والدها السّابقة. في طفولتها، كانت المنطقة خضراء ومليئة بشجر الكينا والمبرمجين الّذين يسكنون المرائب. لكن المنطقة نفسها تُعدّ الآن أعظم آلةٍ لخلق الثّروة في تاريخ العالم، وما يزال السّيّد جوبز بطلها الشّاهِق.
استهلّت السّيّدة برينان-جوبز العمل على ما سيصبح Small Fry بعد فترة قصيرة من وفاة والدها العام 2011. وبعد أعوام من الكتابة، شعرت أنّ ناشرها، بنغوين برس، يتعجّلها، وخشيت أن تكون "متجمّلة"، وتظهر في صورة من يستفيد من إرث والده. ومن ثمّ أرادت أن تكون مع ناشر أصغر يعمل معها ويمنحها المزيد من الوقت، وتحوّلت إلى دار غروف، حيث، بحسب قولها، اضطّرت للتّخلّي عن 90% من قيمة الدّفعة الأولى الّتي تدفعها عادةً دور النّشر للكاتب بعد التّعاقد على نشر كتابه. (وقد رفض متحدّث باسم بنغوين التّعليق).

اقرأ أيضاً: فضيحة جديدة لشركة آبل

كان من بين نتائج هذا التّأخير أن دخل Small Fry إلى النّقاش العام في وقت أخذت فيه النّساء الّلواتي كنّ يعانين في السّابق من ضعف المقدرة أو التّجاهل، في مختلف الصّناعات، يملكن قولهنّ حول الرّجال الأقوياء. إنّ مذكّرات أوّل مولودة لستيف جوبز كانت دائماً في طريقها لأن تصبح عملاً مثيراً للضّجّة، لكن السّيّدة برينان-جوبز أصدرت كتابها دون قصد في وقت يبدو فيه الجمهور أكثر تناغماً مع الأصوات المهمّشة - وأيضاً في وقت أصبح لدى العديد من النّاس أفكارهم الأكثر ظلمة حول العالَم الّتي أنشأه جوبس باستخدام أجهزته المثيرة بقوّة للانتباه.

والدة ليزا قالت: ليزا قللت من فوضى طفولتها في هذه المذكرات

"آمل أن يمضي عيد الشّكر على نحو طيّب"

لا شيء من ذلك، بالطّبع، كان متخيّلاً عندما وُلِدت السّيّدة برينان-جوبز في 17 أيّار (مايو) العام 1978، في مزرعة إحدى الكوميونات في ولاية أوريغون. كان والداها، وكانا قد التقيا في المدرسة الثّانويّة في كوبرتينو، كاليفورنيا، في الثّالثة والعشرين من العمر. وصل السّيّد جوبز بعد أيّام من الولادة وساعد في تسميتها، لكنّه رفض الاعتراف بأنّه الأب. ومن أجل دعم أسرتها، قامت السّيّدة برينان بتنظيف المنازل والّلجوء إلى المساعدات الحكوميّة. وفقط بعد أن قاضت الحكومة السّيّد جوبز وافق على دفع إعالة الطّفلة.
يصف Small Fry كيف أخذ السّيّد جوبز يهتمّ على نحو أكبر بابنته ضمن مسار بطيء؛ حيث كان يأخذها للتّزلّج ويأتي إلى منزلها زائراً. وقد انتقلت السّيّدة برينان-جوبز معه لفترة من الوقت خلال المدرسة الثّانويّة، وفيما كانت والدتها تقاسي الأوضاع الماليّة وسوء المزاج، كان السّيّد جوبز رجلاً بارداً يعلن مطالب متطرّفة لما يستتبعه أن يكون المرء عضواً في العائلة. كان الجيران الأكثر قرباً قلقين على المراهقة ليزا، وفي إحدى الّليالي، عندما كان السّيّد جوبز في الخارج، قاموا بنقلها من منزله إلى منزلهم. وعلى عكس ما كان يرغب فيه السّيّد جوبز، دفع الجيران المصاريف الّلازمة من أجل أن تكمل دراستها (ثمّ دفع لهم أبوها لاحقاً).

ما تريد السّيّدة برينان من القرّاء معرفته هو أنّ ستيف جوبز نبذ ابنته لأعوام لكن ابنته غفرت له

في إحدى المقابلات، تتحدّث السّيّدة برينان- جوبز عن "عدم الرّغبة في معاداة هؤلاء" الّذين تحبّهم، لكنّها أقرّت بأنّ مذكّراتها ربّما لا تقوم إلّا بذلك. وبصرف النّظر عن السّيّد جوبز، فإنّ جميع الشّخصيّات المركزيّة ما تزال على قيد الحياة إلى حدّ كبير. "آمل أن يمضي عيد الشّكر على نحو طيّب"، قالت.
والدتها، السّيّدة برينان، تأتي في صورة امرأة ذات روح متحرّرة قامت برعاية إبداع ابنتها - ولكنّها قد تكون متقلّبة المزاج، وسريعة الانفعال، وأحياناً مهمِلة. "كان مريعاً أن أقرأ [هذه المذكّرات]"، قالت السّيّدة برينان في مقابلة معها. "كان الأمر صعباً للغاية. لكنّها على حقّ".
تُعرَض الأحقاد الفاضحة للسّيّد جوبز بشكل متكرّر في Small Fry. فذات ليلة على العشاء، يلتفت السّيّد جوبس إلى ابنة خال ابنته، سارة، الّتي أساءت إليه عن جهل من خلال طلبها لطبقٍ يضمّ شيئاً من الّلحوم [وهو قد كان نباتيّاً]. "هل فكّرتِ يوماً في مدى فظاعة صوتك؟"، يسأل السّيّد جوبز سارة. "من فضلك توقّفي عن الكلام بهذا الصّوت الفظيع"، يقول، مضيفاً، "حقّاً عليكِ أن تفكّري في الخطأ الّذي ألمّ بكِ وتحاولي إصلاحه".
تصف السّيّدة برينان-جوبس استخدام والدها المتكرّر للمال من أجل إرباكها أو إخافتها. "في بعض الأحيان كان يقرّر عدم دفع ثمن الأشياء في الدّقيقة الأخيرة"، تكتب، "فيخرج من المطاعم دون دفع الفاتورة". وعندما وجدت والدتها منزلاً جميلاً وطلبت من السّيّد جوبس شرائه لها هي وليزا، وافقها الرّأي أنّ المنزل كان لطيفاً - لكنّه ابتاعه لنفسه وانتقل فيه مع زوجته، لورين باول جوبس.

اقرأ أيضاً: "غوغل" و"أبل" يحذفان تطبيق "صراحة"

قالت السّيّدة برينان إنّ ابنتها قلّلت، على النّقيض، من الفوضى الّتي كانت عليها طفولتها. "لم تتحدّث عن مدى السّوء الّذي كانت عليه حقّاً، إذا كان بإمكانك تصديق ذلك"، قالت.
على أنّ Small Fry يحوي أيضاً لحظات من السّعادة يمكن عبرها التقاط عفويّة السّيّد جوبز وعقله الّذي لا يضاهى. فعندما تذهب السّيّدة برينان-جوبز في رحلة مدرسيّة إلى اليابان، يصل إليها دون سابق إنذار ويُخرِجها من البرنامج ليوم واحد. يجلس الأب وابنته، ويتحدّثان عن الله وكيف يرى الوعي. "كنت خائفة منه وفي الوقت نفسه، شعرت بحبّ انفعاليّ ومليء بالحماس"، تقول.
"عندما شرعت في الكتابة"، أخبرتني السّيّدة برينان-جوبز، "لم أكن أعتقد أنّه سيكون مثيراً للاهتمام على الورق، وكنت محبطة تقريباً من أنّه قد شدّ نحوه الكثير من الجاذبيّة".
بعد أن انتقلَت السّيّدة برينان- جوبز مع السّيّد جوبز في سنّ المراهقة، منعها من رؤية والدتها لمدّة ستّة أشهر، كوسيلة لتوطيد علاقتها بأسرته الجديدة. وفي الوقت نفسه، تحوّل السّيّد جوبز من الشّخصيّة المهملة إلى المسيطرة. وعندما أخذت السّيّدة برينان-جوبز تنخرط بشكل متزايد في مدرستها الثّانويّة، مستهلّةً نادياً للأوبرا، ومترشّحةً لرئاسة فصلها في السّنة الأولى الثّانويّة، أخذ يشعر بالضّيق. "هذه الطّريقة لا تنفع. إنكِ لا تحقّقين أيّ نجاح بوصفك عضوة في هذه العائلة"، يقول السّيّد جوبز في المذكّرات. "إنكِ لستِ بيننا على الإطلاق. إذا كنتِ تريدين أن تصبحي جزءاً من هذه العائلة، فإنّه سيكون عليكِ منحها شيئاً من وقتك".

فيما كانت والدتها تقاسي الأوضاع الماليّة وسوء المزاج، كان السّيّد جوبز رجلاً بارداً يعلن مطالب متطرّفة

ومن أجل استرضاء والدها، انتقلت السّيّدة برينان-جوبز إلى مدرسة أخرى كانت أقرب إلى منزل والدها. وواصلت رئاسة تحرير صحيفة المدرسة. وتقول مرشدتها هناك، وهي معلّمة صحافة تدعى إستر وجسيكي، إنّ Small Fry يمثّل سرداً صادقاً.
"الحوار الّذي دار بينها وبين ستيف صحيح تماماً"، قالت السّيّدة وجسيكي. "وكتابها هديّة لنا جميعاً".
وكان قد جرى توزيع نسخ مبكّرة من المذكّرات بين دوائر العائلة والأصدقاء. ولاحقاً، أعطى كلّ من السّيّدة باول جوبس، وأطفالها، وشقيقة السّيّد جوبز، منى سيمبسون، هذا التّصريح لصحيفة التّايمز: "ليزا جزء من عائلتنا، ولذا قرأنا كتابها بحزن، وهو كتاب يقدّم سرداً يختلف بشكل كبير عن ذكرياتنا حول هذه الأوقات. تصوير ستيف في الكتاب لم يأتِ على شاكلة الزّوج والأب الّذي عرفناه. لقد أحبّ ستيف ليزا، وأعرب عن أسفه أنّه لم يكن الأب الّذي كان ينبغي عليه أن يكونه خلال طفولتها المبكّرة. وكان من دواعي السّرور البالغ لدى ستيف أن يقوم بدعوة ليزا للإقامة معنا جميعاً خلال الأيّام الأخيرة من حياته، وإنّنا جميعاً ممتنّون للسّنوات الّتي قضيناها معاً كعائلة".

كان عمر ليزا 3 سنوات في هذه الصورة مع والدتها، كاليفورنيا

ثمّ يتحرّر

في يوم حارّ من أيّام شهر آب (أغسطس) في بروكلين، توجهتُ صحبة السّيّدة برينان- جوبز إلى الاستوديو الخاصّ بها، وهو عبارة عن شقّة صغيرة بجدران من الطوب قامت بطلائها بالّلون الأبيض وأرضيّة من البامبو مطليّة بالّلون الأسود. وخلال كتابتها Small Fry، كما أخبرتني، قامت بتغطية المرايا المحيطة بمساحة العمل الخاصّة بها بالأوراق. "لا أحبّ التقاط نفسي في المرآة"، قالت، "لأنّ الأمر يشبه - 'أوه، ذاتي'".
قالت السّيّدة برينان-جوبز إنّها كانت متوترة بشأن الكيفيّة الّتي يمكن أن توصف بها جسديّاً في مادة صحفية تدور حولها، ولذا طلبتُ منها استخدام كلماتها الخاصّة. "وجهي غير متساوٍ"، قالت. "لدي عيون صغيرة. أتمنّى لو كانت لدي غمّازات، لكن ليس عندي. أعتقد أنّي أبدو مترهلة الآن".
وقد قاطعتها لأقول إنّ لها ملامح دقيقة، وبها نمش، وطولها حوالي 160 سم، ولها شعر بنيّ محمرّ قليلاً.
"أنفي"، أجابت السّيّدة برينان-جوبز، "ليست دقيقة على نحو خاصّ".
إنّها تنتقد نفسها بشدّة، قائلة إنّها شعرت بالرّعب من قيامها بكتابة "مذكّرات لشخصيّة شهيرة". كما قالت إنّها كانت متأكّدة من أنّ مجلة نيويوركر لن تقوم بنشر مراجعة للكتاب، وإنّه منذ أعوام، كان اجتماعها الأوّل في دار غروف [ممكناً] فقط لأنّ إليزابيث شميتز، مديرة التّحرير، كان تقدّم معروفاً لصديق مشترك بينهما.

شقيقة جوبز: ليزا جزء من عائلتنا وقرأنا كتابها بحزن إذ يقدّم سرداً يختلف عن ذكرياتنا حول هذه الأوقات

"كان أوّل ما فكّرتُ به عندما عرض عليّ الكتاب هو "إنّني لا أقوم بهذا النّوع من الأشياء. لا أعرف كيف أنشر مذكّرات تخصّ شخصيّة شهيرة'"، قالت السّيّدة شميتز، الّتي سبق أن حصلت على مذكّرات أدبيّة مثل H is for Hawk الّتي كتبتها هيلين ماكدونالد، الكاتبة الإنجليزيّة الطّبيعانيّة. لكن كان هناك شيء ما يخصّ كتابات السّيّدة برينان-جوبز جعلها تعيد النّظر. "من الصّفحة الأولى"، قالت، "تبدو لغتها طازجة، مفاجِئة، لا يمكن التّنبّؤ بها".
لقد قرأتُ الكتاب، وكتابتها آسرةٌ حقّاً. تستعمل السّيّدة برينان-جوبز السّكين الّلغويّة نفسها مع نفسها ومع الآخرين. تكتب باشمئزاز عن استخدام حكايات من طفولتها لإثارة التّعاطف من الآخرين، وهي تخجل من أن تكون قد أسقطت اسم والدها خلال مقابلة للدّخول إلى جامعة هارفارد.
وفي الأوّل من آب (أغسطس)، نشرت مجلة فانيتي فير مقتطفاً من Small Fry تحت العنوان الرقميّ I Have a Secret. My Father Is Steve Jobs. وبعد عدد من الّليالي، اتّصلت بي برينان-جوبز، وكانت قلقة. فقد كرهت العنوان، وعلى وسائل التّواصل الاجتماعي، قام القرّاء بتداول التّفاصيل الأكثر وحشيّة في سردها - لا سيّما تعليق "المرحاض".

اقرأ أيضاً: مذكرات محمد عبده.. كيف ودّع رائد التنوير كراهية العلم؟

"كان يخبرني الحقيقة"، قالت لي برينان-جوبز، مضيفة أنّ عطر ماء الورد الّذي كانت تضعه حينها قد طرأ عليه شيء من التّغيّر. "ولم أكن على وعي بذلك. في بعض الأحيان، يكون من الّلطيف أن يخبرك شخص ما بطبيعة الرّائحة الّتي تنبعث منك".
وكان هناك تذكير آخر غير مريح أنّه بالرّغم من أنّ Small Fry يُعدّ قصّة السّيّدة برينان-جوبز، عنيتُ قصّة مكتوبة بأسلوب أدبيّ دقيقة، فإنّ أسطورة والدها تلوح في الأفق بحيث لا تستطيع التّحكّم في كيفيّة تلقي كلماتها. فعند اختيارها لصوت الرّاوي في الإصدار الصّوتيّ حصل أن قامت برفض أولئك الّذين قرأوا السّطور الخاصّة به بقسوة شديدة أو بافتقار لروح الدّعابة.
يبدو أنّ الكثير من جهود السّيّدة برينان-جوبز في مذكّراتها قد تكرّس لإظهار الكيفيّة الّتي يمكن أن يكون عليها ستيف جوبز وحشيّاً...، استعادة تلك الوحشيّة لنفسها. وأن تستعيدها يعني أن تحبّها.
"إن المرء يحصل على ميراثه، في صورة قطعة من الفحم، أو أيّاً ما كان، داخل حُزمة فظيعة"، أخبرتني في لحظة ما. "وعليه أن يأخذ الكثير من الوقت حتّى يقلب هذه الحُزمة الفظيعة رأساً على عقب، ومن ثمّ تكشف له عن شيء رائع، ثمّ يتحرّر".

مشاهد غير لائقة
إذا كانت السّيّدة برينان-جوبز قد شعرت بالقلق إزاء ردود الفعل على المقتطف المتعلّق بمياه المرحاض، فإنّها ربّما تكون غير مستعدّة لما قد يحدث عندما يواجه القرّاء مواد أكثر إزعاجاً. ففي أكثر من موضع في Small Fry، ينخرط السّيّد جوبز في ما يبدو أنّه عاطفة غير لائقة أمام ابنته.
تصفه السّيّدة برينان-جوبز وهو يعانق السّيّدة باول جوبز ذات يوم، حيث "يشدّها مُقبّلاً، ويحرك يده بالقرب من ثدييها"، وفوق فخذها، ثمّ "يئنّ بشكل مسرحيّ".
وعندما تحاول السّيّدة برينان-جوبز المغادرة، يوقفها والدها: "'ليز"، قال. "ابق هنا. إنّنا نعيش لحظة عائليّة. ومن المهمّ أن تحاولي أن تكوني جزءاً من هذه العائلة". فما كان إلّا أن جلستُ ساكنة، أنظر بعيداً فيما كان يئنّ ويتحرّك مستثاراً".
أكّدت السّيّدة برينان-جوبز في مقابلة أنّها لم تشعر أبداً بأيّ تهديد من جانب والدها، وأنّ هذه المشاهد، بالنّسبة إليها، تُظهِر أنّه كان "غريب الأطوار" ليس أكثر.

اقرأ أيضاً: الأتراك يعثرون على مذكرات ناظم حكمت في السجن

على أنّ هذا المشهد لم يكن حادثة منعزلة، كما تقول والدة السّيّدة برينان- جوبز، الّتي كانت قد وصفت محادثة جنسيّة مثيرة للسّخط بين السّيّد جوبز وابنتهما في مذكّراتها الّتي صدرت العام 2013، A Bite in the Apple. فذات مساء، تكتب السّيّدة برينان، سمحت للسّيّد جوبز بمجالسة طفلتهما ليز، الّتي كانت في التّاسعة آنذاك. وعندما عادت السّيّدة برينان إلى البيت مبكّراً، وجدت السّيّد جوبز مع الفتاة، وهو "يستفزّها دون توقف بشأن طموحاتها الجنسيّة"، و"يسخر منها مستخدماً تلميحات جنسيّة"، و"يمزح بشأن سلوكيّات غريبة في غرفة النّوم بين ليزا وهذا الشّخص أو ذاك".
تصف السّيّدة برينان، في مذكّراتها، شعور الخوف الّذي انتابها من أجل ابنتها في تلك الّليلة، ورغبتها في وضع جسدها بينهما والخروج من هناك. "سأكون واضحة"، كتبت السّيّدة برينان، "لم يكن ستيف مفترساً جنسيّاً للأطفال. وإنّما كان هناك شيء آخر يجري". ومع ذلك، حاولت السّيّدة برينان، بعد تلك الّليلة، التّأكّد من وجود "مرافق" في الأوقات الّتي يكون فيها السّيّد جوبز مع ابنته الصّغيرة لساعات طويلة، كما أخبرتني مؤخّراً.
"كان تصرّفه غير لائق تماماً لأنّه لم يكن يعرف كيف يتعامل على نحو أفضل"، قالت السّيّدة برينان. وفي كتابها المذكور، وصفت السّيّد جوبز بأنّه "يقف على مزلاق بين الإنسان والّلاإنسان".
بعد ظهر أحد أيّام شهر آب (أغسطس)، فيما كنتُ أتحدّث أنا والسّيّدة برينان-جوبز في مطبخها، قامت بعمل عصير من أوراق الهندباء والأناناس والكركم وجذور الزنجبيل. إنّها تأكل وفق نظام غذائيّ صحيّ للغاية وتعرف أنّ ذلك يمثّل انعكاساً للنّظام الّذي كان يتّبعه والدها، وإن كان ذلك قد انحرف إلى اتّجاهات صحيّة مقتصرة على فئة معيّنة من أثرياء كاليفورنيا، حتّى مع استحواذ سرطان البنكرياس على المزيد من صحّته.
لدى السّيّدة برينان-جوبز زوج، بيل، وهو موظّف قديم في شركة مايكروسوفت يُطلِق الآن شركة ناشئة للبرمجة. وهو يحظى بابنتين، تبلغان من العمر 10 و12 عاماً، فيما يحظى هو والسّيّدة برينان- جوبز بابن يبلغ من العمر أربعة أشهر. وبينما تشرب العصير الّذي أعدّته، يجالس بيل الأطفال، وتعمّ المنزل طاقة هادئة.
"أرى زوجي والطّريقة الّتي يتعامل بها مع بناته - متجاوبة وحيّة وحسّاسة بأشكال كان والدي ليحبّها"، قالت السّيّدة برينان-جوبز. "كان أبي ليحبّ أن يكون رجلاً من هذا الطّراز، وقد أحاط نفسه برجال من هذا القبيل، لكنّه لم يكن قادراً على ذلك".
بعد عقود من الدّعوى القضائيّة الخاصّة بدعم الطّفلة، قام السّيّد جوبز بمحو أبوّته مجدّداً. حيث يشير Small Fry إلى أنّه في سيرته الذّاتيّة الموجودة على موقع آبل، أُدرِجَ الرّئيس التّنفيذيّ المهووس بالتّفاصيل على أنّه أب لثلاثة أطفال. لكن بالطّبع كان لديه أربعة.

برينان: كان تصرّفه غير لائق تماماً لأنّه لم يكن يعرف كيف يتعامل على نحو أفضل

"إنّنا فقط أناس بنا برودة"

تُعدّ السّيّدة باول جوبز أكثر حاملي مشعل شخصيّة السّيّد جوبز وإرثه شهرة. وبما أنّه في حوزتها ثروة وراثيّة تبلغ نحو 21 مليار دولار، فقد انخرطت في الأعمال الخيريّة وأطلقت Emerson Collective، وهي منظّمة تسعى إلى تحقيق نشاط سياسيّ ليبراليّ واستثمارات هادفة للرّبح، وتمتلك حصّة الأغلبيّة في مجلة أتلانتيك.
إنّ السّيّدة باول جوبز تعمل بمثابة "نغمة تونك" في Small Fry، قالت السّيّدة برينان-جوبز. فعلى سبيل المثال، تطرح عليها زوجة أبيها صوراً عائليّة، لكن الكثير من أوصاف السّيّدة باول جوبز تأخذ شكلاً لاذعاً.
وقد أخبرتني السّيّدة برينان- جوبز أنّها أعطت السّيّدة باول جوبز "أفضل سطر" في الكتاب. يظهر ذلك في المشهد الّذي يحكي ذهاب السّيّدة باول جوبز والسّيّد جوبز إلى جلسة علاجيّة مع المراهقة ليزا. فتبكي السّيّدة برينان-جوبز وتقول إنّها تشعر بالوحدة وكانت تريد من والديها أن يقولا لها ليلة سعيدة قبل أن تنام.
فتجيب السّيّدة باول جوبز المعالِج: "إنّنا فقط أناس بنا برودة".
ومع اقتراب نهاية حياة السّيّد جوبز، اعتذر أخيراً لابنته. وتصف السّيّدة برينان-جوبز ذلك بأنّه "نهاية فيلمها". في الكتاب، تقول إنّ السّيّد جوبز أخبرها أنّه يأسف لأنّه لم يقض المزيد من الوقت معها، ولأنّه اختفى خلال فترة رشدها، متناسياً أعياد ميلادها ولم يُعِد الاتّصال بها حين اتّصلت به ولم يراسلها.
وردّاً على ذلك، تقول السّيّدة برينان-جوبز إنّها تعرف أنّه كان مشغولاً. فيجيب السّيّد جوبز بأنّه تصرّف بالطّريقة الّتي تصرّف بها لأنّها كانت قد أساءت إليه. "لم يكن ذلك لأنّني مشغول. بل كان لأنّني غضبت جدّاً أنّكِ لم تقومي بدعوتي إلى عطلة نهاية الأسبوع في جامعة هارفارد"، يقول في الكتاب، في إشارة إلى فعّالية القبول في الجامعة.

برينان قلقلة من أن تدور ردود الفعل حول إرث رجل مشهور عوضاً عن قصّة امرأة شابّة

يبكي أيضاً ويخبرها مراراً وتكراراً، "إنّني مدين لك بأمر مماثل" - يا له من متكلّم فصيح على نحو شهير لا يستطيع أن يستدعي لغة النّدم الأساسيّة.
قد تواجه السّيّدة برينان-جوبز نوعاً من ندم الكاتب فيما يشقّ كتابها طريقه نحو رفوف المتاجر. لكن تفاصيل مميتة مثل هذه - تمحق أسطورة السّيّد جوبسز- تعتبر دليلاً أكثر من أيّ اختبار حمض نووي على أنّها ابنة والدها.
في نهاية المطاف، ترك السّيّد جوبز لابنته ميراثاً بالملايين - المبلغ نفسه الّذي حصل عليه غيرها من أبنائه - وإن لم تشارك في تخصيص ميراثه الماليّ. لو أنّها في موضع المسؤولية بشأن المليارات الخاصّة به، كما تقول، فإنّها كانت لتمنحها لمؤسّسة Bill and Melinda Gates  - وهو تطوّر غريب بالنّظر إلى تنافس والدها الملحميّ مع [بيل غيتس] ذلك العدو الّلدو لشركة آبل.
"هل سيكون ذلك جموحاً أكثر من الّلازم؟"، سألت. "أشعر أنّ مؤسّسة غيتس تقوم بالفعل بأشياء جيّدة، وأعتقد أنّني سأنتهي من المُشكِل على هذا النّحو".
قالت السّيّدة برينان-جوبز إنّها كتبت Small Fry جزئيّاً لمعرفة سبب حجبه النّقود عنها حتّى عندما تضخّمت ثروته، في الوقت الّذي كان ينفق فيه أمواله بحريّة أكبر على أطفاله الّذين أنجبهم من السّيّدة باول جوبس. وقالت إنّها ترى الآن ذلك التّصرف باعتباره وسيلة لتعليمها أنّ المال يمكن أن يُفسِد المرء.
إنّ نظام الأخلاق هذا "بدا حقيقيّاً وجميلاً ومستنيراً على نحو ما لشخص مثل هذا"، قالت. ومع ذلك، كان السّؤال هو: "لماذا تبنّى نظام القِيَم هذا وطبّقه بشدّة عليّ".
"يمكن أن يكون لديك نظام قِيَم وتكون غير قادر على عيشه بشكل كامل"، أضافت. "ويمكنك أن تتخيّل أنّ تكون بهذا الغنى وبهذه الشّهرة في الوقت نفسه الّذي يكون فيه من الرّائع أن تتمسّك ببعضٍ من نظام القِيَم الخاصّ بك. على أنّه لم يفعل ذلك بشكل صحيح. ولم يطبّق الأمر بالتّساوي. لكنّي أشعر بالامتنان لذلك".

اقرأ أيضاً: هل تكفي السير الذاتية لفهم الظاهرة الإرهابية؟

أخبرتني السّيّدة برينان-جوبز أنّها تحبّ الّلعب بالقوّة الغريبة المتمثّلة في أن تكون كاتبة مذكّرات تخطّ سطوراً عن الصّدمة (تروما)، لأنّ القارئ يعرف أنّها تمكّنت مع الحديث عن الأمر وتجاوزِه. إنّها هنا في موقع متميّز لكتابة هذا الكتاب، في النّهاية. وباعتبارها كاتبة مذكّرات، وإن كانت من النّوع المتردّد، فإنّها تحصل على الكلمة الأخيرة.
قبل ليلة واحدة من وفاته، ومع حلول نهاية الكتاب، يشاهد السّيّد جوبز مسلسل "Law and Order" في السّرير.
"هل ستكتبين عنّي؟"، سألها.
تقول له لا.
"'جيّد"، يقول، ثمّ يعود إلى التّلفزيون".


نيلي بولز، النيويورك تايمز

اقرأ المزيد...
الوسوم:



عودة ستالين… هكذا يسعى بوتين إلى تبييض سمعة الزعيم السوفييتي

2019-07-21

ترجمة: محمد الدخاخني


تميّز عام 1989 بتوقّعات كبيرة، وغنّت في روسيا فرقة الرّوك "كينو"، "إنّنا في انتظار التّغييرات"! وفي تجمّعات عامّة ضخمة ملأت شوارع موسكو، طالب الملايين بالحرّيّة والدّيمقراطيّة. لقد أحدث عصر غورباتشوف موجة من التّغيير، وشهد النّاس أحداثاً مُذهلة بشكل أسبوعيّ: فانتزعوا الصّحف، وعلّقوا على كلّ كلمة تُبث على شاشة التّلفزيون، ومع كلّ يوم يمرّ شعروا بمزيد من الحيويّة والحرّيّة.

نبش سجل ستالين الأسود

لقد أدرك الكثيرون أيضاً أنّه لتغيير النّظام السوفييتي الفاسد، فإنّه على المرء معرفة حقيقة ماضيه الستالينيّ. وهو ما تحقّق في العام الذي تأسّست فيه منظمّة "ميموريال" لحقوق الإنسان، التي جمعت مئات الناشطين من كافة أنحاء الاتحاد السوفييتي، وكان بعضهم قد عاش حياة الغولاغ (معسكرات العمل)، وبعضهم من المنشقّين الذين عادوا مؤخراً من معسكرات العمل أو المنافي، مثل الفيزيائيّ النّوويّ أندريه ساخاروف. كانت المهمّة واضحة: "سوف نستعيد ذكرى ضحايا ستالين ونقدّمها للعلَن".

 احتفال بعيد ميلاد ستالين في موسكو عام 2015

في ربيع 1989، حدث شيء لم أكن لأتخيله أبداً في أشد أحلامي جموحاً، لقد دُعيتُ إلى معهد التّاريخ والمحفوظات في موسكو لإلقاء محاضرة على الطلاب حول مصير السجناء السابقين في الغولاغ. وبعد ذلك، سألني أحدهم إن كنت قد قابلت مؤيداً فعلياً لستالين من قبل، كانت ردّة فعلي الأولى هي الضّحك، لكنّني توقّفت وتساءلت: هل وصلنا أخيراً إلى نقطة زمنيّة حيث يفكّر أولئك الذين في العشرينيات من عمرهم بأنّه لم يَعُد ثمّة وجود للستالينيين؟ بعد مرور ثلاثين عاماً، ها أنا أتذكر تلك اللحظة بشعور مرير.

أدرك الكثيرون أنّه لتغيير النظام السوفييتي الفاسد فعلى المرء معرفة حقيقة ماضيه الستاليني

في أوائل التسعينيات، تدفق الزوار على المنزل الصغير الذي توجد به مكاتب منظمة "ميموريال". لقد أحضروا معهم مستندات، ومذكّرات من السّجون ومعسكرات العمل، وخطابات من الغولاغ، ورسائل قصيرة أُلقيت من سيّارات الشّحن العابرة ووصلت بأعجوبة إلى المُرسَل إليهم المقصودين. وأشياء أخرى من الغولاغ، كان بينها صناديق مصنوعة من خشب الأبلكاش وُجدت في معسكرات العمل، وسُترات سجن مبطّنة مطبوع عليها أرقام السّجناء، وملاعق وأوعية متعرّجة. وأحضر بعض الزّوار كُتباً خُطّت يدويّاً، وتطريزات، ورسومات، وألواناً مائيّة، وكلّها أشياء تمكّنوا من إخفائها أثناء تفتيش زنازينهم. وقد أدّى ذلك إلى إنشاء أرشيف في "ميموريال"، وهو عبارة عن مجموعة من آلاف الشّظايا المرتبطة بالذكريات العائلية.

اقرأ أيضاً: قمة بوتين وأردوغان.. هذه أهم ملفاتها

في ذلك الوقت، كنّا نظنّ أنّ هذه مجرّد بداية لعمليّة طويلة، وأنّ قادتنا السّياسيين الجدد أدركوا أنّ الوصول إلى الماضي يُعدّ مهمّة أساسية. لكن الإصلاحيّين افتقروا إلى الاهتمام بالتّاريخ؛ فقد كانوا في عجلة من أمرهم لبناء اقتصاد السّوق. لم يروا الصّلة بين الإصلاحات الاقتصاديّة النّاجحة والحاجة إلى مجتمع مدنيّ نَشِط. ومن جانبها، لم تذكر حكومة بوريس يلتسين القمع السّياسي السّوفييتي إلا قبل الانتخابات من أجل التصدّي للشيوعيّين.

عودة رسميّة إلى ستالين

بعد فترة وجيزة، في ظل الأزمة الاقتصادية الحادّة، أصبحت "الدّيمقراطيّة" كلمة قذرة بالنسبة إلى العديد من الرّوس. لقد أُحبِطوا، وشعروا بأنّ الإصلاحات لم تتحقّق البتّة. واستسلم المجتمع الرّوسي للتعب واللامبالاة. إنّ الجرائم الستالينيّة، الّتي اعتُقِد أنه من الأفضل مناقشتها على الملأ، كانت مروِّعة إلى درجة أنّ النّاس لم يرغبوا في قضاء الوقت في التّفكير فيها.

وصف فلاديمير بوتين سقوط الاتحاد السوفيتي بأنه أكبر كارثة جيوسياسية في القرن العشرين

بحلول منتصف التسعينيات، بدأ الحنين إلى الحقبة السّوفييتية يتسلّل إلى نفوس الناس، وبدأت استعادة رمادية عصر بريجنيف، بطوابيره التي لا تنتهي ومحلاته الفارغة، باعتباره عصراً يسوده السلام والازدهار. وتدريجيّاً، تحقّق شيء كان مستحيلاً خلال البيريسترويكا: تعاظَم ظِلّ ستالين مجدداً.

تعد ميموريال المنظّمة الوحيدة التي عملت طوال عقود بلا كلل ودون أيّ دعم حكومي للحفاظ على الذاكرة

جاء صعود فلاديمير بوتين إلى السّلطة مصحوباً بنسخة جديدة من الوطنيّة تعتمد على الجوانب "البطوليّة" و"المُشرِقة" من الماضي السوفييتي. وعادت للظهور صورة لستالين باعتباره قائداً قويّاً كفل الانتصار في الحرب العالمية الثانية وقاد قوّة عظمى سوفيتية. وعملت الدّعاية التلفزيونية مرّة أخرى بجديّة على خلق تلك الصّورة. والملايين الذين قضوا نحبهم في موجات من القمع السّياسي دُفِعوا إلى هوامش الوعي الجماعي.

اليوم، أصبحت أحداث من قبيل تحرير أوروبا الشّرقيّة عام 1989، وسقوط جدار برلين، ونهاية الحرب الباردة مفهومة من جانب العديد من الرّوس على أنّها أشكال من الهزيمة، بل كوارث. ولا عجب، بالنظر إلى أنّ بوتين وصف سقوط الاتحاد السّوفييتي بأنّه "أكبر كارثة جيوسياسية" في القرن العشرين. اليوم، يُطالعك وجه ستالين على نحو كلّي الوجود في كل مكان، من الّلوحات الإعلانية إلى جدران قطارات الأنفاق ونوافذ المكتبات. كذلك، تنتشر العشرات من المعالم الأثريّة الخاصّة بستالين في كافّة أنحاء روسيا.

ستالين ضيّع أملنا

ليس الأمر أنّ الرّوس نسوا العلاقة المباشرة بين اسم ستالين والقمع السّياسي الّذي أثّر على كلّ أسرة تقريباً. فهم بالأحرى لا يريدون التفكير في الإرهاب أو في من ارتكبوه أو ما الذي كان وراءه. كما أنّهم ليسوا مستعدين للاعتراف بأنّ هذا كان الرّكن الأساسي للنّظام بأكمله.

عادت للظهور صورة لستالين باعتباره قائداً قويّاً كفل الانتصار في الحرب العالمية الثانية

لقد أصبحت العمليّة الحالية لتمجيد انتصاراتنا وتبييض سمعة ستالين ممكنة لأنّ روسيا اليوم، في الواقع، ليس لديها أي مفهوم على الإطلاق عن المستقبل. أي بلد نريد العيش فيه؟ بلد "نهض من الجلوس على ركبتيه" ويتبع مساره الخاص والفريد؟ ولكن ما هذا المسار؟ لقد فشل أيديولوجيّو الكرملين في تحديد أيّ شيء بوضوح.

ينضم كثير من المتطوعين والشّباب في مبادرات ميموريال بالرّغم من كافّة العقبات الّتي تضعها السّلطات في طريقهم

إنّه من الصعب اليوم أن نتذكّر عام 1989 دون شعور عميق بالفرصة الضائعة والأمل المدمّر. في أعوام بوتين الأولى، بادلت الأغلبية الصّامتة إمكانية الحريّة بوعود "الاستقرار"، وفيما بعد بالفخر الوطنيّ بـ"روسيا العظيمة"، باعتبارها قوّة ترسم الحدود حولها وتشعر بأنّها حصن مطوَّق.

يبدو أنّ حرّيّتنا تتقلّص كل يوم بالسرعة نفسها التي توسّعت بها قبل 30 عاماً. و"ميموريال" هي المنظّمة الوحيدة التي عملت طوال عقود، بلا كلل ودون أيّ دعم حكومي، على الحفاظ على الذاكرة. وفي عام 2016، وصفتها السّلطات بأنّها "عميل أجنبي"، تماماً مثل عشرات المنظمات غير الحكومية الأخرى. ويوري ديمترييف، أحد مؤرّخينا من منطقة كاريليا، محتجز منذ ما يقرب من ثلاثة أعوام بتهم ملفقة، وقد تعرّض النّاشط الحقوقي، أويب تيتيف، للاضطهاد بسبب عمله في الشيشان.

اقرأ أيضاً: راسبوتين.. الراهب الغامض الذي سرّع بنجاح الثورة الشيوعية
ومع ذلك، هناك قوى في المجتمع الرّوسي تُقاوم ذلك. فالناس يريدون معرفة مصير أسلافهم. ومن جانبها، تتلقّى "ميموريال"، شأن وضعها قبل أعوام عديدة مضت، الدعم مرّة أخرى من العديد من الجهات. وينضم المزيد من المتطوعين ويشارك المزيد من الشّباب في مبادراتنا، وبالرّغم من كافّة العقبات الّتي تضعها السّلطات في وجهنا، حيث يتم إطلاق مشاريع جديدة لاستكشاف الذّاكرة التاريخية.

إنّ التّاريخ لن تُعاد كتابته بالكامل. وقد يكون بوتين محطّ اهتمام كبير في كافة أنحاء العالم، ولكن في روسيا، من الواضح للكثيرين منّا أنّ عودة بلدنا إلى الدّيمقراطية ستكون مستحيلة طالما فشلنا في إدانة ستالين والنّظام الّذي أنشأه.


المصدر: إرينا شيرباكوفا، الغارديان

للمشاركة:

هذا ما قاله أردوغان عن الفصل بين الجنسين في الجامعات

2019-07-18

ترجمة: محمد الدخاخني


أدلى الرئيس التركي، رجب طيّب أردوغان، بتعليق مثير للجدل خلال خطاب ألقاه في قمّة "مجموعة العشرين"، في أوساكا. تضمّن الخطاب مقطعاً يمتدح نظام التّعليم اليابانيّ لفصله بين الجنسين في بعض الجامعات. وقال أردوغان إنّ الجامعات النّسائيّة، والبالغ عددها 80 جامعة، في اليابان عُدّت "شيئاً مهمّاً للغاية"، وإنّه يمكن أن يتخيّل إدخال شيء مماثل في تركيا.

اقرأ أيضاً: انتقد ديكتاتورية أردوغان .. نعوم تشومسكي يتضامن مع "أكاديميّي السلام"

وفي أنقرة، وبُعيد عودته من القمّة، أكّد أردوغان مجدّداً على مزايا النُّظُم التّعليميّة الّتي تُقرّ الفصل بين الجنسين على طريقة النّموذج اليابانيّ. وقال إنّه يمكن أن يتخيّل تطبيق الفصل بين الجنسين في الجامعات التّركيّة، أيضاً، وإنّه طلب من "المجلس التّركيّ للتّعليم العالي" اتّخاذ الخطوات الّلازمة لبدء ذلك.

يجادل أردوغان وقيادة حزب "العدالة والتّنمية" بأنّ الفصل بين الجنسين في المؤسسات التعليمية من شأنه أن يحسّن أداء الطالبات

هذا، وانتقدت بحدّة قطاعات عديدة من الشّعب التّركيّ، بما في ذلك نسويّات وناشطات في مجال حقوق المرأة، أفكار الرّئيس التّركيّ حول عمليّة الإصلاح التّعليميّ. ويعتقد الكثيرون أنّه من غير المناسب تماماً أخذ اليابان، من بين كافّة البلدان، باعتبارها نموذجاً لإصلاح التّعليم: فاليابان لا تُعتبر بأيّ شكل من الأشكال من البلدان المثاليّة فيما يتعلّق بقضايا المساواة بين الجنسين. وكان تقرير يبحث مسألة الّلامساواة بين الجنسين على صعيد عالميّ، صدر عام 2018 عن "المنتدى الاقتصاديّ العالميّ"، قد وضع اليابان في المرتبة 110 من أصل 149 دولة - فيما جاءت تركيا بعدها بـ 20 مركزاً.

رفض نسويّ
تذكّرنا فاطمة-غول بركتاي، وهي عالمة سياسيّة وخبيرة في مجال حقوق المرأة، بأنّ هدف الجامعات القائمة على الفصل بين الجنسين في القرن التّاسع عشر كان إتاحة فرصة أكبر للمرأة للوصول إلى التّعليم. وكان هذا، أيضاً، هو الهدف منها عندما تأسّست في اليابان.

فاطمة-غول بركتاي
لكن في أيامنا هذه وعصرنا هذا، كما تعلّق بركتاي، يُعدّ الفصل بين الجنسين بشكل أكبر فعلاً من أفعال التّمييز. ووفقاً لها، فإنّ جودة النّظام التّعليميّ التّركيّ قد تراجعت بشكل كبير خلال الأعوام الأخيرة، ممّا يعني أنّ هناك مشكلات أخرى أكثر إلحاحاً. تقول بركتاي: "إنّ نظامنا التّعليميّ معطوب بشكل جوهريّ. ونحن بحاجة ماسّة لتحسين تعليمنا. ومن ثمّ، فإنّ الحديث عن جامعات تفصل بين الجنسين في هذه المرحلة هو محض هراء".

اقرأ أيضاً: سلطة أردوغان تتهاوى لهذه الأسباب
وتشير بركتاي إلى نتائج دراسة نُشرت الأسبوع الماضي وتناولت الأداء التّعليميّ لأطفال المدارس التّركيّة، شأنها شأن دراسات تعاطت مع بلدان أخرى. وقد خَلُصَت إلى أنّ أداء العديد من تلاميذ المدارس التّركيّة سيئ للغاية في مادتي الرّياضيّات والّلغة التّركيّة.

اقرأ أيضاً: هل تقوّض إسطنبول إمبراطورية أردوغان؟
ويجادل أردوغان وقيادة حزب "العدالة والتّنمية"، حزبه الحاكم الإسلاميّ المحافظ، بأنّ الفصل بين الجنسين في المؤسّسات التّعليميّة من شأنه أن يحسّن أداء الطّالبات. من جانبها، تقول بيركاي إنّه ما من شيء من المنطق في كلامهم هذا. "إذا نظرت إلى درجات الفتيات في المدارس الابتدائيّة، فسترى أنّ الأداء المدرسيّ لديهنّ أفضل ممّا كان عليه الوضع في أيّ وقت مضى - بالرّغم من أنّهنّ يتعلّمن إلى جانب الأولاد".

حتّى يومنا هذا يؤمن معظم النّاس في تركيا بشدّة بمبدأ العلمانيّة

انتهاك مبدأ العلمانيّة

الأكاديميّة النّسويّة أكسو بورا، من جامعة هاجيتيبي في أنقرة، تصف مبادرة الرّئيس التّركيّ بأنّها "فانتازيا قوامها الحنين إلى الماضي": "في القرن الواحد والعشرين، لا تريد أيّ امرأة، ولا حتّى النّسوة الميّالات إلى النّزعة المحافظة، الدّراسة في مثل هذه الجامعات القائمة على الفصل بين الجنسين". وتعتقد بورا أيضاً أنّ هناك مخاوف أكبر الآن من الفصل بين الجنسين في الجامعات. تقول: "من العبث أن نتحدّث عن جامعات نسائيّة في وقت يتمّ خلاله طرد الأكاديميّين من الجامعات بشكل جماعيّ". وفي هذا إشارة إلى العديد من المعلّمين والأساتذة الأتراك الّذين فقدوا وظائفهم بموجب حالة الطّوارئ الّتي أُعلِنت في أعقاب محاولة الانقلاب في تمّوز (يوليو) 2016. وقد حُكِم على بعضهم بالسّجن.

بركتاي: نظامنا التعليمي معطوب ونحن بحاجة ماسّة لتحسينه والحديث عن جامعات تفصل بين الجنسين بهذه المرحلة محض هراء

ينفر العديد من أعضاء المعارضة في تركيا من الخطابات والسّياسات الدّينيّة المتزايدة للرّئيس. وغالباً ما يُتّهم أردوغان بالتّدخل في النّظام التّعليميّ بهدف غرس القِيَم المحافظة بقوّة أكبر في جيل الشّباب في تركيا. وتعتقد النّاشطة في مجال حقوق المرأة، ظِلال أيمن، أيضاً، أنّ مبادرات الرّئيس التّركيّ جزء من خطّة طويلة الأجل. وتقول: "تُعدّ الجامعات النّسائيّة خطوة نحو تلقيح الشّعب بمزيد من التّدين. ولكنّها خطوة في الاتّجاه الخاطئ. يجب أن نمضي قدماً في العلمنة بدلاً من ذلك. فالجامعات النّسائيّة ستجلبنا إلى الوراء، وليس إلى الأمام".

اقرأ أيضاً: تداعيات خسارة أردوغان في إسطنبول.. كيف نقرأ الحدث؟
كانت العلمانيّة - الفصل بين الدّولة والدّين - واحدة من المبادئ الأساسيّة لتركيا منذ تأسيس الدّولة في عام 1923. وبالتّالي، لم تكن هناك جامعات قائمة على الفصل بين الجنسين. ورأى مصطفى كمال أتاتورك، مؤسّس تركيا الحديثة، فصل الدّولة عن الدّين باعتباره أحد "أركان الدّولة التّركيّة السّتّة".
وحتّى يومنا هذا، يؤمن معظم النّاس في تركيا بشدّة بمبدأ العلمانيّة. وبالتّالي، يُنظَر إلى الفصل بين الجنسين في المؤسّسات التّعليميّة بشكل بالغ النّقد - في النّهاية، يَعتبر العديد من الأتراك في ذلك انتهاكاً لهذا المبدأ. كذلك، مبدأ المساواة بين الجنسين منصوص عليه في القانون. وببساطة، تقول إحدى مواد "القانون الأساسيّ للتّعليم الوطنيّ" الّذي صدر عام 1973: "يُعدّ التّعليم الّذي يشارك فيه كلا الجنسين أمراً جيّداً".


المصدر: بورجو كاراكاس، دويتشه فيله

للمشاركة:

أفغانستان: جحيم للنساء.. والرجال أيضاً

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
2019-07-17

ترجمة: مدني قصري


في جميع الأزمنة، وأياً كان الدين المؤسسي المهيمن، ما انفك مكان المرأة يتأرجح بين الجحيم والحبس. لقد تطور وضعها في أفغانستان في الوقت الذي كان فيه اليسار في السلطة.

اقرأ أيضاً: أفغانستان ولواء "فاطميون"
ومع ذلك، كان المجاهدون المسلحون من قبل الولايات المتحدة وحلفائها يُفجرّون مدارس الفتيات، لأنّ عدم تعليمهنّ مبدأ رباني. هذه الحقيقة وحدها كان ينبغي أن تدفع القادة السياسيين ووسائل الإعلام الغربية إلى توخّي الحذر في دعم هؤلاء الأصوليين. لقد ارتكب الأصوليون الجهاديون، أمثال؛ قلب الدين حكمتيار (غلبدين حكمتيار)، ورباني، ومسعود، وسياف، وخليلي، وأكبري، ومزاري، وشريكهم الإجرامي دوستم، أكثر الجرائم بشاعة ضد النساء الأفغانيات.

تصنَّف أفغانستان الآن كأخطر بلد بالنسبة للنساء تليها جمهورية الكونغو الديمقراطية وباكستان والهند والصومال

تشير حقيقة حديثة إلى درجة تخلف هؤلاء الأصوليين "المعتدلين" المزعومين المهيمنين حالياً على السلطة في كابول، بفضل الدعم الغربي. اقترح نواب، مؤخراً، قانوناً لمعاقبة العنف ضد المرأة. لكنهم أجبِروا على سحب نصهم الذي اعتبره المجاهدون "مؤثرات غربية نمطية تنتهك الشريعة".

تصنَّف أفغانستان الآن كأخطر بلد بالنسبة للنساء، تليها جمهورية الكونغو الديمقراطية وباكستان والهند والصومال.

كان المجاهدون المسلحون يُفجرّون مدارس الفتيات

مصير النساء الفظيع في أفغانستان

تعرضت شابات متزوجات قسراً للتشويه الجسدي، بينما تعرّض البعض الآخر منهنّ للاغتصاب، أو للتشويه والاغتصاب معاً. فهنّ يشهدن للإنسانية على مصير النساء الفظيع في أفغانستان، حيث تتزوج 57٪ منهنّ قسراً قبل سن السادسة عشرة.

تعرضت شابات متزوجات قسراً للتشويه الجسدي وتعرّض البعض الآخر منهنّ للاغتصاب

في شهادة جمعتها "هيومن رايتس ووتش"، قالت الناشطة النسائية الأفغانية وازما فروغ: "بعد مرور ثمانية أعوام على سقوط طالبان وتأسيس حكومة كرزاي، ما تزال حالة النساء الأفغانيات واحدة من أسوأ الحالات في العالم. ما تزال الفصائل السياسية التي تهيمن على أفغانستان معادية أيديولوجياً لكثير من الحقوق التي بدأ العديد من النساء يتمتعن بها منذ سقوط طالبان، مثل حرية الحركة وحرية العمل والحق في التعليم. تقدر اللجنة المستقلة لحقوق الإنسان في أفغانستان أنّ 60٪ إلى 80٪ من جميع الزيجات هي زيجات قسرية في أفغانستان، وأنّ حوالي 57٪ من الفتيات متزوجات قبل سن السادسة عشرة".

اقرأ أيضاً: ملامح إستراتيجية داعش الجديدة في أفغانستان

في آذار (مارس) 2006، شددت لجنة وضع المرأة التابعة للأمم المتحدة على أنّ "الاختطاف وما يسمى بجرائم الشرف، وتبادل الفتيات والنساء لتسوية الديون أو المشاجرة ظل جزءاً مهماً من حياة النساء والفتيات في أفغانستان، من بين العديد من العقبات التي تحول دون تمكينهنّ. وارتبط عدم كفاية الدعم والمساعدة للنساء، ضحايا العنف، بتكرار الانتحار بالنيران (...) في عام 2005. وغالباً ما يتم تشجيع النساء أو منعهن من ممارسة الأنشطة خارج المنازل. كما وردت تقارير عن الدعارة القسرية والاتجار بالنساء الأجنبيات والنساء والأطفال الأفغان".

النساء يهربن من جحيم أفغانستان

الحياة المروعة للمرأة الأفغانية في ظل نظام طالبان

وفقاً لطالبان، ليس للمرأة دور آخر تلعبه سوى الإنجاب أو تلبية احتياجات الرجال أو القيام بالمهام المنزلية.

وتشمل قيود ووحشية طالبان ما يلي:

1- الحظر التام لعمل المرأة خارج منزلها، بما في ذلك بالنسبة للمعلمات والمهندسات ومعظم المهن. يُسمح فقط لعدد قليل من الطبيبات والممرضات بالعمل في عدد قليل من المستشفيات في كابول.
2 - الحظر التام لنشاط المرأة خارج منزلها إذا لم يكن مصحوباً بمحرم.
3 - منع المرأة من التعامل مع التجار الذكور.
4 - منع المرأة من العلاج بواسطة طبيب ذكر.
5. حظر الالتحاق بالمدرسة أو الجامعة أو أي مؤسسة تعليمية أخرى. (حولت طالبان مدارس البنات إلى حلقات دراسية).
6- الالتزام بارتداء حجاب طويل يغطي المرأة من الرأس إلى القدم.

اقرأ أيضاً: اعترافات جهادي سابق: صهر عبد الله عزام يروي قصة الجهاد من الجزائر إلى أفغانستان
7- النساء اللواتي لا يرتدين الحجاب أو لا يرافقهنّ محرم يتعرضن للجلد والضرب والإهانة.
8- النساء اللواتي يظهرن كعبيهنّ يتم جلدهن في الأماكن العامة.
9- حظر وضع الماكياج. (لقد قاموا بتقطيع أصابع العديد من النساء بسبب طلاء الأظافر).
10- حظر التحدث أو مصافحة رجال غير محرم.
11- حظر الضحك بصوت مسموع. (لا ينبغي لأي شخص غريب في العائلة أن يسمع صوت المرأة).
12- حظر ارتداء الأحذية ذات الكعب، وعدم الإزعاج أثناء المشي. (يجب ألا يَسمع الرجل خُطى المرأة).
13- حظر التنقل بسيارة أجرة بدون محرم.
14- حظر التواجد في الراديو أو التلفزيون، أو خلال المناسبات العامة من أي نوع كانت.
15- حظر ممارسة الرياضة أو دخول نادٍ أو مركز رياضي.
16- حظر ركوب الدراجة الهوائية أو الدراجة النارية، حتى لو رافقها محرم.
17. حظر ارتداء الملابس ذات الألوان الزاهية، تعتقد طالبان أنّ هذه "ألوان مثيرة".
18- حظر التجمع في المهرجانات الشعبية أو لأي أسباب ترفيهية.
19- حظر غسل الملابس بالقرب من الأنهار أو في الأماكن العامة.
20- تعديل جميع أسماء الأماكن التي تحمل كلمة "امرأة". على سبيل المثال، تم تغيير اسم "حديقة النساء" إلى "حديقة الربيع".
21- حظر ظهور المرأة على شرفة منزلها أو شقتها.
22- الالتزام بطلاء جميع النوافذ لتفادي مشاهدة النساء من الخارج.
23- يحظر على الخياطين الرجال أخذ قياسات المرأة أو خياطة ملابسها.
24- حظر استحمام النساء في الأماكن العامة.
25 - الفصل بين الرجل والمرأة في وسائل النقل العام. تحمل الحافلات إشارة "للرجال فقط" أو "للنساء فقط".
26- حظر ارتداء السراويل الواسعة، حتى تحت البرقع.
27- حظر تصوير النساء.
28- حظر طباعة صور النساء في الصحف والكتب أو تعليقها على جدران المنازل أو المتاجر.
النساء اللواتي لا يرتدين الحجاب أو لا يرافقهنّ محرمٌ يتعرضن للجلد والضرب والإهانة

بالإضافة إلى هذه القيود المفروضة على النساء، قامت طالبان بـ:
- منع الاستماع إلى الموسيقى، لكل من الرجال والنساء.
- منع مشاهدة الأفلام والتلفزيون ومقاطع الفيديو، ويشمل المنع الجميع.
- منع الاحتفال بالعام الجديد التقليدي (النوروز) في 21 آذار (مارس)، الذي أعلن عطلة غير إسلامية.

اقرأ أيضاً: هل تعود طالبان لحكم أفغانستان من جديد؟

- إلغاء يوم عيد العمال 1 أيار (مايو) ، الذي أطلقوا عليه "العيد الشيوعي".
- إلزام الأشخاص الذين ليس لديهم اسم إسلامي بتغيير أسمائهم.
- فرض تسريحات شعر معيّنة على الأفغان الشباب.
- يُشترط أن يرتدي الرجال ملابس إسلامية ويغطون رؤوسهم.
-  يُشترط ألا يحلق الرجال، ويحلقون لحاهم طالما أنّها لا تنزل قيد قبضة يد عند نهاية الذقن.
- يُشترط أن يحضر الجميع الصلوات الخمس في المساجد.
- حظر تربية الحمام واللعب مع الطيور؛ لأنها عادة غير إسلامية، يتم سجن من لا يحترم هذا الحظر، وقتل الطيور، ويحظر أيضاً ممارسة لعب الطائرة الورقية.

- مطلوب من المتفرجين في الأحداث الرياضية أن يشجعوا عن طريق ترديد الله أكبر مع حظر التصفيق.

- حظر بعض الألعاب، مثل الطائرات الورقية، التي تعتبر "غير إسلامية" من قبل طالبان.
- إعدام أي شخص بحوزته كتابات مرفوضة.
- إعدام أي مسلم يتحول إلى دين آخر.
- يجب على جميع تلاميذ المدارس والطلاب (الذكور) ارتداء عمامة "لا عمامة، لا تعليم".
- يجب على الأقليات غير المسلمة ارتداء شارة مميزة أو خياطة قطعة قماش صفراء على ملابسها.

وضع النساء في أفغانستان أسوأ مما كان عليه في ظل طالبان

حول الوضع في أفغانستان تقول الناشطة الأفغانية، مالايا جويا، في مقابلة مع موقع rawa.org إنّ مسؤولية الأزمة، ليس في أفغانستان فقط، ولكن أيضاً في دول أخرى، مثل العراق أو اليمن أو الصومال أو ليبيا، مسؤولية تتحملها الولايات المتحدة وحلف الناتو. وعن المرأة الأفغانية تحديداً تقول إنّ وضع المرأة في أفغانستان، للأسف، أكثر سوءاً وخطورة مما كان عليه في عهد طالبان.

الحياة مروعة في ظل حكم طالبان

ما هو وضع المرأة في أفغانستان؟ هل تشعرن بالتحرر؟

مالايا جويا: وضع المرأة في أفغانستان للأسف أكثر سوءاً وخطورة مما كان عليه في عهد طالبان. النساء والرجال الأفغان لم يتحرّروا على الإطلاق. إنّهم يعانون من الظلم وانعدام الأمن والفساد والبطالة والفقر. النساء والأطفال هم الأسوأ حالاً. إذا كان الوضع المأساوي للمرأة ذريعة جيدة لحلف الناتو لاحتلال بلدنا، فإنّ نظام أمراء الحرب، الذي حلّ محلّ نظام طالبان، لا يقل شؤماً علينا جميعاً. إنّهم يسيران جنباً إلى جنب مع طالبان، ويخدعون الشعب الأفغاني، متنكرين في زيّ الديمقراطيين.

اقرأ أيضاً: هل تشهد أفغانستان تحولها "ما بعد الإسلاموي"؟

قبل 15 عاماً، كان لدى النساء والرجال في بلدنا عدوّ، وهُم طالبان، ولكن مع الاحتلال، يواجه شعبنا أربعة أعداء: أمراء الحرب، وطالبان، وقوات الاحتلال، وداعش. صحيح أنه في بعض المدن الكبرى، مثل كابول، أو حيرات، أو مزار الشريف، يمكن لبعض النساء الوصول إلى العمل والتعليم، لا سيما لإضفاء الشرعية على الاحتلال. لكن في المناطق الريفية، لم يقدّم النظام للمرأة شيئاً.

كيف تغيرت حياتك منذ الاحتلال؟

خلال فترة طالبان، كنت مُدرّسة سريّة، وأرتدي البرقع. واليوم، ما زلت أرتدي هذا اللباس. أعتقد أنه رمزٌ للقمع، لكنه يمنحني الأمن، مثلما يمنحه لآلاف من النساء الأخريات، لا سيما النساء الناشطات. لأنه يتيح لهنّ إخفاء هُويتهنّ.

اقرأ أيضاً: نساء أفغانستان يخشين من عودة الزمن إلى الوراء

حظيتْ النساءُ الأفغانيات ببعض الحقوق في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، كنّ يرتدين ملابس على الطريقة الغربية إلى حدّ ما، وكان لهنّ دور في المجتمع، وكنّ يسلكن الشارع دون حجاب. بعد أربعة عقود من الحرب، صرن أكثر معاناة من غيرهنّ. فهنّ يتعرضنّ لكثير من المخاطر، خاصة الناشطات منهنّ.

وفق حقوق الإنسان في أفغانستان فإن 60٪ إلى 80٪ من جميع الزيجات هي زيجات قسرية

حاولوا اغتيالي عدة مرات. لا أستطيع البقاء في مكان واحد، لا بد لي من الانتقال من منزل إلى آخر، ولا أستطيع العيش مع عائلتي. هذه قضايا تؤثر على جميع الناشطات الأفغانيات الأخريات. لقد أرادوا إسكاتي؛ لأنني أشجب هؤلاء الأصوليين وأفضحهم للناس، وأكشف جرائمهم التي ترعاها الولايات المتحدة والناتو، اللذان يدعمان السلطة في أفغانستان.
في مكتب أحد أمراء الحرب الأصوليين، عطا محمد نور، حاكم مزار الشريف في شمال أفغانستان. إنه أحد أمراء الحرب الأقوياء الذين شاركوا في الحرب الأهلية من عام 1992 إلى عام 1996. لقد أصبح الآن يحلق ذقنه ويلبس بذلة وربطة عنق. يتلقى ملايين الدولارات من الحكومات الغربية. لديه الآن نوع من الحكومة داخل الحكومة. ذكرت صحيفة "واشنطن بوست" أنه تاجر مخدرات شهير، ورجل فاسد سرق ملايين الدولارات من "المجتمع الدولي" لإعادة الإعمار والتعليم. لقد سُرقت مئات الملايين من الدولارات التي تلقتها الحكومة من الغربيين من قِبل السياسيين الفاسدين الموجودين في السلطة، وكذلك من قِبل المنظمات غير الحكومية، الأفغانية والأجنبية.

 الشعب هو الضحية. طوال 15 عاماً

لماذا يفرّ الناس من أفغانستان ويصبحون لاجئين؟

الوضع في أفغانستان كارثي. خاصة بسبب انعدام الأمن ونقص فرص العمل. 60٪ من السكان عاطلون عن العمل، وربما أكثر. يغادرون البلاد للعيش حياة آمنة، والحصول على وظيفة. عندما يهاجرون عبر طرق خطرة، يتعرّضون للتمييز والقسوة. وهذا ليس فقط في الدول الغربية، ولكن أيضاً في الدول المجاورة. عليهم مواجهة ديكتاتورية إيران وباكستان. ما نريده هو احترام الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان واللاجئين واللجوء. عند إعادتهم إلى أفغانستان، فإنّ هؤلاء يجدون أنفسهم مجبَرين على الاختيار بين الانضمام إلى صفوف طالبان أو داعش، الذين يدفعون لهم  600 يورو شهرياً، أو أن يصبحوا مدمني مخدرات.

الوضع في أفغانستان كارثي خاصة بسبب انعدام الأمن ونقص فرص العمل فـ 60٪ من السكان عاطلون عن العمل

مسؤولية هذه الأزمة، ليس في أفغانستان فقط، ولكن أيضاً في دول أخرى، مثل العراق أو اليمن أو الصومال أو ليبيا، مسؤولية تتحملها الولايات المتحدة وحلف الناتو. لقد استخدِم الإرهاب من قبل رجال السياسة لخدمة إستراتيجيتهم الخاصة، ولصالحهم السياسي والاقتصادي. الشعب هو الضحية. طوال 15 عاماً، لعبوا بمصير الأفغان. لقد غزوا أفغانستان باسم الحرب على الإرهاب، وقتلوا الأبرياء في حرب مزعومة ضد طالبان. إنهم يستخدمون أفغانستان لمصالحهم الخاصة، وللتحكم في القوى الآسيوية الأخرى، مثل الصين وإيران وروسيا وغيرها، وللحصول بسهولة أكبر على الغاز والنفط من الدول الآسيوية. وفي الوقت نفسه، يكسبون مئات الملايين من الدولارات من الاتجار بالأفيون. فهذا الاتجار أكثر خطورة من القاعدة والإرهاب؛ لأن هناك أكثر من ثلاثة ملايين أفغاني مدمنون على الأفيون، وخاصة بين الشباب.

هل يبدي الناس غضبهم من هذا الوضع؟

لدينا مثلٌ في أفغانستان يقول: "حيثما توجد قسوة، هناك أيضاً مقاومة". لقد سئم الناس من هذا الوضع الكارثي. كل يوم، ترتفع أصوات أكثر فأكثر ضد الاحتلال والنظام. في 11 تشرين الثاني (نوفمبر) 2015، على سبيل المثال، تمّت تعبئة تاريخية في أفغانستان، عقب قطع رأس فتاة عمرها تسعة أعوام و6 شبان آخرين من أقلية الهزارة العرقية. المسؤولون عن هذه الجرائم هم طالبان وداعش. عندما أعيدت جثثهم إلى كابول عند منتصف الليل، سار عشرات الآلاف من الأشخاص من مختلف الأعراق إلى القصر الرئاسي للاحتجاج. لكن لم يستمع أحدٌ إليهم. على الرغم من الأمطار، بقوا هناك حتى اليوم التالي، إلى أن قدّمت الحكومة، التي حاولت التلاعب بالتعبئة، ببعض الوعود الفارغة.

جويا: قبل 15 عاماً كان لدينا عدوّ واحد طالبان ولكن مع الاحتلال يواجه شعبنا: أمراء الحرب وقوات الاحتلال وداعش

كل يوم، يزداد هذا النوع من المقاومة، الحرب في أفغانستان ليست مسألة غزو عسكري فحسب، وإنما هي أيضاً دعاية. نحن نؤمن بأنه لا يمكن لأي دولة أن تجلب التحرير إلى دولة أخرى. التحرير لن يأتي إلا من قبل الأفغان. لكن يجب على الولايات المتحدة وحلف الناتو أن يتركانا وشأننا، وأن يتوقف عن وضع مجرمي الحرب في السلطة والتفاوض مع إرهابيي طالبان. الناس يكرهون هؤلاء الأصوليين. فإذا توقفوا عن دعمهم، فإننا نعتقد أنّهم سيصبحون "أيتاماً" بدون دعامة أساسية. البديل الوحيد لمستقبل السلام في أفغانستان يكمن في القوى التقدمية؛ أي المثقفين.

يمثل حزب تضامن أفغانستان، على سبيل المثال، أملاً للشباب الذي كان الضحية الأولى للحرب. إنه حزب علماني يحارب الاحتلال والأصولية. إنه ينظم مظاهرات، ويضم نشطاء فاعلين وشجعاناً للغاية، يخاطرون بحياتهم. من الضروري أن يمارس الأشخاص التقدميون في إسبانيا أو الولايات المتحدة أو أعضاء الناتو الآخرون ضغوطاً على حكوماتهم. نحتاج إلى دعم التحالفات اليسارية في هذه البلدان، لا سيما فيما يتعلق بالتعليم، فهو المفتاح ضد الاحتلال وضد الجهل.


المصدر: gauchemip.org

للمشاركة:



الجيش الألماني في مواجهة التطرف..

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-21

كشف الجيش الألماني؛ أنّه رفض، عام 2017، طلبات 63 شخصاً للانضمام إليه؛ بسبب أفكارهم المتطرفة والتشدّد، وجاهزيتهم لارتكاب أعمال عنف.

وأثبتت الإحصاءات التي نشرها الجيش؛ أنّ من بين 63 متقدماً، رفضت طلباتهم؛ يوجد 21 من النازيين الجدد، ضمن مجموعة "مواطنو الرايخ"، و12 إسلامياً، ومتطرفان يساريان متشددان، وبضعة أشخاص وصفوا بأنّهم "مستعدون لارتكاب أعمال عنف"، وفق ما نقلت وكالة الأنباء الألمانية.

الجيش الألماني يكشف أنّه رفض طلبات 63 للانضمام إليه بسبب أفكارهم المتطرفة والتشدّد

 وتجري الآن عملية تقييم لوضع "حركة الهويات" للمرفوضين، الذين صنفتهم مؤسسة حماية الدستور (هيئة الاستخبارات الداخلية) يمينيين متطرفين.

وطبقاً للتقرير؛ فإنّه بين تموز (يوليو) 2017 وحزيران (يونيو) 2019؛ قامت الهيئة الحربية لمكافحة التجسس (MAD) بفحص طلبات تقدم بها 43,775 متقدم، جرى ذلك بناء على طلب من وزارة الدفاع، بعد تسريبات أفادت بتسرب عناصر من اليمين المتطرف داخل الجيش الاتحادي، وذهبت بعض تلك التقارير لوصف الجيش بأنّه "مرتع لليمين المتطرف".

 لكنّ الفحص كشف أنّ "في 1173 حالة كانت مجرد اتهامات غير واضحة، وغير مؤكدة"، وصدر التقييم بعد أن فحصت الهيئة الحربية لمكافحة التجسس (MAD) بدقة الحالات المشار إليها.

تقرير الهيئة الحربية لمكافحة التجسّس (MAD) يصف الجيش بأنّه "مرتع لليمين المتطرف"

ورأت السياسية اليسارية، أولا يلبكه، في تصريحات صحفية لـ "فرانس برس"؛ أنّ "الفحوصات الأمنية المشار إليها تمثل عامل ردع مؤثر على النازيين الجدد، لكنّها أشارت في الوقت نفسه، إلى أنّ الفحوص لم تشمل العسكريين المنخرطين قديماً في الخدمة، وقالت: إنّ "مدى فاعلية عملية التقييم الجديدة لن يصبح ملموساً إلا بعد مرور أعوام، لكنّ السؤال هو؛ هل تتناقص أعداد الحوادث المرتكبة من قبل عناصر اليمين المتشدد، وأعمال العنف التي يمارسها رفاق الخدمة ضدّ زملائهم".

بدورها، ردّت وزيرة الدفاع، آنيغريت كرامب-كارينباور، على الاتهامات التي طالت الجيش الألماني بشأن عناصر اليمين المتطرف، بالقول: "لا يوجد شكّ يحوم على وجه العموم، حول جنودنا، فهؤلاء الجنود يعرضون حياتهم للخطر أثناء أدائهم للواجب، ولهذا تليق بهم ثقتنا ودعمنا، ولكن هذا لا يعني أنّ على المرء ألّا يتحرى بدقة عن الأشياء التي تحتاج إلى تناول نقدي، لكن لا يجب أن تتسبب مجموعة صغيرة بإساءة لسمعة كلّ الجيش الألماني".

 

 

للمشاركة:

جهادية بريطانية سابقة تكافح التطرف بهذه الأساليب

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-21

نشطت البريطانية، تانيا جويا، التي تعرّف عن نفسها بأنّها "جهادية إسلامية سابقة"، على "إعادة تأهيل" المقاتلين المتطرفين بهدف إعادة دمجهم في مجتمعاتهم.

تانيا جويا تنشط على "إعادة تأهيل" المقاتلين المتطرفين بهدف إعادة دمجهم في مجتمعاتهم

وعرضت جويا، في مقابلة أجرتها معها وكالة "فرانس برس" في واشنطن، مشروعها لمنع العنف والتطرف، قائلة: "هدفي هو أن يشعروا بالندم، وتدريبهم ليكونوا مواطنين صالحين بعد خروجهم من السجن حتى يستعيدوا مكانهم في المجتمع".

وأضافت تانيا: "أدركت أنّه من المهم إبعادهم عن التطرف وإعادة تأهيلهم"، مشدّدة على ضرورة إعادة برمجتهم وإعطائهم أملاً في العملية السياسية.

وتابعت أنّه "يتعين أيضاً أن تشرح لهم "العوامل النفسية والوسائل، التي قادتهم إلى التطرف والرفض الذي عانوه أثناء نشأتهم في أوروبا أو أمريكا، والصراع الثقافي، والأزمات التي مروا بها."

وأردفت "إذا تمّ توضيح ذلك لهم بشكل منطقي جداً، سيتقبلون الأمر، كما حدث معي".

 كما أيدت عودة المقاتلين المقبوض عليهم إلى بلدانهم الأصلية لمحاكمتهم فيها، وهذه ما تدعو إليه الولايات المتحدة، لكنّ دولاً أوروبية، منها فرنسا، تفضل أن يحاكَموا في العراق.

وهي تناضل أيضاً من أجل عودة شميمة بيغوم، التي انضمت إلى تنظيم داعش في 2015؛ حين كان عمرها 15 عاماً، وتودّ العودة إلى لندن، لكنّ عدم إبدائها أيّ ندم على ما فعلت، شكّل صدمة للرأي العام البريطاني، وأسقطت الحكومة عنها الجنسية البريطانية.

وترى تانيا أنّ الدول الغربية "مسؤولة عن هؤلاء الأشخاص، ولا يمكنها تركهم في الشرق الأوسط بأيدي الأكراد، والعنف الذي يتعرضون له في تلك المخيمات سيزيد من تمسّكهم بعقيدتهم المتطرفة".

جويا تؤيد عودة المقاتلين إلى بلدانهم وتؤكّد أنّ العنف في المخيمات يزيد تمسّكهم بالتطرف

ولدت تانيا جويا، عام 1984، في لندن، لأسرة من بنغلادش، وواجهت العنصرية وصعوبات الاندماج. وفي سنّ 17 عاماً، اعتنقت الأفكار المتطرفة، بعد اعتداءات 11 أيلول (سبتمبر) 2001، ودعوة زعيم تنظيم القاعدة آنذاك، أسامة بن لادن، للجهاد العالمي.

تزوجت عام 2004 من مسلم أمريكي، كان اسمه جون جورجيلاس، واتّخذ لقب يحيى البهرومي، وباتت تدعو لإقامة دولة إسلامية، يكون أطفالها الثلاثة جنوداً لها.

لكن في 2013، اقتادها زوجها "رغماً عنها" إلى شمال غرب سوريا للانضمام إلى الجهاديين، فوشت به للسلطات الأمريكية، وفرّت بعد ثلاثة أسابيع وعادت إلى الولايات المتحدة.

وبعد أن عادت إلى ولاية تكساس، التي ينحدر منها زوجها، تخلت عن أفكارها المتطرفة وغيّرت نمط حياتها، وتطلقت وتزوجت من جديد.

في الأثناء؛ انضمّ زوجها السابق إلى تنظيم داعش الإرهابي، الذي سيطر بعد وقت قصير على مناطق واسعة من العراق وسوريا، وتولى دعاية التنظيم المتطرف باللغة الإنكليزية، وقالت إنّه "أصبح أكبر مسؤول أمريكي في التنظيم، وقتل في 2017 في معركة الميادين، شمال سوريا".

ويعتقل الأكراد حالياً حوالي 12 ألف مقاتل أجنبي، من أربعين دولة، في معسكرات في مناطق سيطرتهم، شمال شرق سوريا، بينهم أربعة آلاف امرأة وثمانية آلاف من أطفال الجهاديين.

وهي تشارك في برنامج منع التطرف العنيف الذي تديره منظمة "مشروع كلاريون" الأمريكية، بغرض "منع الشباب من اقتراف الأخطاء التي ارتكبناها أنا وزوجي السابق".

ويتضمّن البرنامج "نماذج اتصالات" و"رسائل مضادة" موجهة للشباب؛ "لتفادي أن يقعوا في براثن التطرف الديني والأيديولوجي"، بحسب ما أوضحت المنسّقة الوطنية للبرنامج، شيرين القدسي.

رحيل رضا: لا أحد يولد متطرفاً عنيفاً؛ بل يتم صنعه والتلاعب به (ليكون كذلك) إنّها مجرد أفكار

ورأت رئيسة الجمعية الكندية "مسلمون في مواجهة المستقبل"، رحيل رضا؛ أنّ "لا أحد يولد متطرفاً عنيفاً؛ بل يتم صنعه والتلاعب به (ليكون كذلك) إنها أيديولوجيا ومجرد أفكار".

وأضافت أنّه يجب بالتالي؛ "منع هذه الأفكار من الانتقال إلى الشبان."

وأشارت إلى أنّ أسلوب التجنيد لدى دعاة تفوق العرق الأبيض والإسلاميين "واحد"، ويقوم على دمج شبان ذوي "شخصية هشّة" في "جماعة".

وتشبه شيرين القدسي الأيديولوجيتين بـ "نارين تغذي كلّ منهما الأخرى" موردة، مثل: مجزرة المسجدين في نيوزيلندا، في آذار (مارس) 2019، حين قتل متطرف أسترالي 51 مصلياً في مسجدين.

 

للمشاركة:

الحوثيون يقتلون بعضهم... لماذا؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-21

وقعت، اشتباكات بين عناصر ميليشيات الحوثي؛ أمس، إثر خلاف نشب بينهم على تقسيم منهوبات.

وأعلنت ميليشيات الحوثي، مقتل 9 من عناصرها، بينهم القيادي مجاهد قشيرة الغولي، ومدير الأمن السياسي في محافظة عمران، كما جرح 11 شخصاً آخرين، في اشتباكات درات بين "عناصر أمنية" تابعة للانقلابيين والغولي.

مقتل 9 عناصر من ميليشيات الحوثي في محافظة عمران إثر خلاف على منهوبات

وأفادت مصادر محلية، وفق ما نقلت "العربية"؛ بأنّ "الغولي نصب كميناً لمدير أمن محافظة عمران لاستعادة ما أخذه منه من منهوبات، وقتل اثنين من مرافقي مدير الأمن، فتمّ استدعاء عشرات العناصر الحوثية من مديرية سفيان إلى عمران، ومحاصرة الغولي في منزله، ودارت اشتباكات لساعات عدة انتهت بمقتل الغولي ومدير الأمن السياسي في عمران، و6 عناصر من "أمن" الميليشيات".

ووفق شهود عيان؛ سحل الحوثيون جثمان الغولي، بعد مقتله في شوارع عمران.

كذلك أوضحت مصادر قبلية؛ أنّ "الغولي كان أحد العناصر القبلية التي انضمت إلى ميليشيات الحوثي في وقت مبكر، وشاركت في اقتحام مدينة عمران، عام 2014، وفي قتل العميد حميد القشيبي، قائد اللواء 310 مدرع".

مقتل طفلتين وإصابة والدتهما في قصف حوثي طال منزلاً بمنطقة دار النصر

في سياق متصل بجرائم ميليشيات الحوثي الإرهابية؛ قُتلت طفلتان وأصيبت والدتهما في قصف طال منزلا بمنطقة دار النصر، مساء أمس.

وأطلقت ميليشيا الحوثي الانقلابية قذيفة باتجاه جبل صبر، تسببت بدمار جزئي لمنزل المواطن محمد أحمد سعيد جوار دار النصر، وأدت لمقتل طفلتيه وإصابة زوجته بجروح عدة.

وأكّدت مصادر طبية وصول الطفلتين؛ هبة محمد أحمد، وهيام محمد أحمد، متوفتين، إثر إصابتهما بشظايا القذيفة، فيما وصلت مسك سعيد محمد مصابة بعدة جروح في جسمها، إثر إصابتها بشظايا القذيفة.

 

للمشاركة:



لماذا يخاف أردوغان من باباجان أكثر من داود أوغلو؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-21

عبد الله منصور

رجب طيب أردوغان… أو كما يحب أن يناديه من حوله بالطيب أردوغان؛ اسم لن يكون من السهل على تركيا أن تنساه، خاصة أنه كان نجم المشهد السياسي في تركيا لنحو ربع قرن، منذ أن تولى رئاسة بلدية إسطنبول في عام 1994، ومنها قفز إلى رئاسة الوزراء، ثم رئاسة الجمهورية التي ما لبث أن حولها إلى عرش سلطنة ذات صلاحيات غير مسبوقة.

مع مطلع الألفية الجديدة وصَّل أردوغان ورفاقه التيار الكهربائي إلى “مصباح” حزب العدالة والتنمية، الذي مهَّد لهم الطريق لتحقيق أحلامهم وطموحاتهم السياسية ليحتكروا المشهد السياسي في تركيا، إلى أن جاء عام النكسة 2019، الذي يعتبر أطول وأصعب الفترات على أردوغان ورفاقه، بعد أن تلقوا خسارة فاضحة في انتخابات المحليات التي خرجوا منها عراة بدون البلديات الكبرى، وعلى رأسها إسطنبول وأنقرة وإزمير وأنطاليا.

لم تكن هذه كلمة النهاية وإنما كان لأردوغان قرار آخر، إذ ضغط على الجهاز القضائي لإلغاء نتائج بلدية إسطنبول التي يحتكرها ورفاقه منذ أن كان عمدتها، لتعاد الانتخابات على مقعد رئاسة بلدية إسطنبول الكبرى في 23 يونيو/ حزيران الماضي، والتي بدأت تطفئ “مصباح” العدالة والتنمية رويدًا رويدًا.

الخسارة هذه المرة لم تكن فادحة وإنما فاضحة ومخزية، تبعها مفاجئات عديدة لم يكن يحلم بها أردوغان. استمرت الشائعات حول نية وزير الاقتصاد السابق علي باباجان تأسيس حزب سياسي خاص به، إلى أن أعلن بنفسه استقالته من الحزب بشكل رسمي، مع توجيه انتقادات حادة ولاذعة لسياسات الحزب وأردوغان، مع الكشف عن تحركه لتأسيس حزبه مع عدد من الأصدقاء المنشقين عن حزب العدالة والتنمية.

أردوغان لا يبالي بالأسماء التي ستعلن انشقاقها عن الحزب، قدر خوفه من باباجان، ولكن لماذا باباجان المختفي عن المشهد السياسي من عام 2015؟

في الوقت الذي يحاول فيه أردوغان استجماع قواه وإعادة ترتيب صفوفه بعد الهزيمة، ظهر هذا الاسم الذي بات يؤرق نوم أردوغان. علي باباجان هو أحد مؤسسي حزب العدالة والتنمية، ومثَّل الحزب داخل البرلمان في أربع دورات منذ 14 نوفمبر 2002، وحتى 7 يونيو/ حزيران 2015. خلال هذه الفترة شغل عدة حقائب وزارية، تنوعت بين وزير الدولة المسؤول عن الاقتصاد في أول حكومة برئاسة عبد الله جول (2002-2007)، بعدها تولى منصب وزير الخارجية في حكومة طيب أردوغان الأولى (2007-2009)، ثم عاد مرة أخرى وزيرًا للدولة لشؤون الاقتصاد (2009-2011)، وفي الفترة بين عامي 2009 و2015 كان يشغل منصب نائب رئيس الوزراء آنذاك أردوغان، وعينه أيضًا كبير المفاوضين للانضمام للاتحاد الأوروبي.

لهذه الدرجة كان الرجل مقربا من أردوغان ومحل ثقة، إلا أن انشقاقه عن الحزب تسبب في حالة من الفزع لأردوغان؛ إذ إنه كان مهندس التنمية الاقتصادية التي شهدتها تركيا في عهد حزب العدالة والتنمية، ومن بعده بدأت الأمور تزداد سوءًا إلى أن بات الأتراك يذوق مرارة الأوضاع الاقتصادية السيئة.

خوف أردوغان وفزعه مُبرر ومعقول، خاصة أنه تمكن من سحر الرأي العام التركي بنجاحاته الاقتصادية، ليدخل التاريخ بأنه أطول حزب يسيطر على السلطة في البلاد. كذلك حالة الغضب التي تسيطر على الشارع التركي الذي بات يبحث عن حلول اقتصادية، دون أن يبالي بالسياسة، وأن المواطنين قد يعقدون آمالهم على باباجان النجم الجديد ليعيد الأمجاد الاقتصادية لبلادهم مرة أخرى؛ خاصة وأنه أكد أكثر من مرة أن حزبه لن يقتصر على المنشقين عن حزب العدالة والتنمية والتيار الإسلامي فقط، وإنما سيفتح أحضانه للجميع العلماني والليبرالي والكردي والمحافظ واليساري.

حتى إن أردوغان فضح نفسه بنفسه، وكشف في تصريحات صحفية له خلال رحلة العودة من زيارته لدولة البوسنة والهرسك، أنه كان ينوي التخلص من باباجان وإبعاده عن المشهد السياسي، قائلًا: “عرضت عليه مهمة رسمية في دولة أوزباكستان، لكنه رفض”، مما يدل على أنه اطلع على نيته الحقيقية وتخطيطه لإبعاده من المشهد السياسي في تركيا.

الدليل على أن أردوغان يخاف من ورقة باباجان الاقتصادية أكثر من أوراقه السياسية، أنه عقد عدة لقاءات واجتماعات مع وزير الاقتصاد السابق أيضًا محمد شيمشك، الذي تثار حوله ادعاءات عن نيته الانشقاق عن الحزب والانضمام لجبهة باباجان.

أما رئيس الوزراء السابق أحمد داود أوغلو فلا يشغل حيزا كبيرا من تفكير أردوغان، خاصة وأنه معروف عنه انتمائه للتيار الإسلامي المحافظ، فضلًا عن شعبيته التي تآكلت على يد أردوغان منذ أن نقله من وزارة الخارجية إلى رئاسة الوزراء، لينهي مسيرته السياسية وسط اتهامات توجه له بالتسبب في توريط تركيا في أزماتها الخارجية مع دول الجوار والدول العربية بشكل خاص.

وفي تطور سريع كشفت الدائرة المقربة من داود أوغلو، خلال الأسبوع الماضي، أنه يخطط للظهور في لقاء تليفزيوني لكشف الستار عن عدد من أخطاء أردوغان وحزب العدالة والتنمية، من بينها الحديث أن السياسات التي اتبعت خلال فترة رئاسته للوزراء كانت بتوجيه من أردوغان وحزبه ولا علاقة له بها.

الفترة المقبلة ستكشف عما إذا كانت كلمة “النهاية” في يد مهندس التنمية الاقتصادية أم أن أردوغان سيقلب الطاولة مرة أخرى.

عن "الزمان" التركية

للمشاركة:

لا مكان للقوة في الخليج

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-21

فاروق يوسف

ليست المشكلة في أن تحتجز إيران ناقلة نفط بريطانية. ذلك حدث تمكن تفادي تداعياته عن طريق الإسراع في الافراج عن الناقلة.

المشكلة تكمن في طريقة تفكير الإيرانيين في أن لهم الحق في التحكم بحركة الملاحة عبر مضيق هرمز. وهو ممر مائي دولي ليست لأحد يد عليا عليه. ذلك التفكير الخاطئ قد يجر إيران إلى مناطق مظلمة.

ما هو مطلوب من إيران وسواها من الدول التي تشترك معها في الاطلالة على مضيق هرمز أن تكون مصدر أمان لحركة الملاحة لا مصدر تهديد.

والامر لا يقبل اللعب أو المزاح الثقيل.

هناك خطوة خاطئة قد لا يؤدي التراجع عنها إلى محوها. وهو ما فعلته إيران في محاولة منها للرد على الاجراء البريطاني في جبل طارق.

ليس من حق إيران أن ترد بتلك الطريقة. ذلك لأنها تنتقل من موقع حراسة الأمن في الخليج إلى موقع، تكون من خلاله مصدر تهديد للأمن. وهو ما لا يتعلق ببريطانيا وحدها بل بجميع الدول التي لها مصلحة في أن تكون الملاحة في الخليج مضمونة وآمنة.

كان على إيران أن تبحث عن حل آخر لأزمتها مع بريطانيا غير أن تستعرض عضلاتها في المكان الخطأ. فإذا كانت بريطانيا قد أخطأت حين احتجزت الناقلة الإيرانية في جبل طارق وهو أمر قابل للنقاش فقد كان على إيران أن لا ترتكب خطأ مشابها يدفعها إلى مواجهة مع العالم.

ومع ذلك فقد كان التصرف البريطاني قانونيا. فالناقلة الإيرانية المحتجزة في جبل طارق كانت ذاهبة إلى سوريا وهو ما لا يسمح به قانون المقاطعة الذي أقرته دول الاتحاد الأوروبي وبريطانيا لا تزال واحدة منها.

بريطانيا إذاً تملك ما يسند موقفها قانونيا. في حين أن إيران لم تتصرف إلا باعتبارها دولة قراصنة. 

هناك فرق بين القانون والقرصنة.

لا أعتقد أن الإيرانيين يدركون ذلك الفرق.

كان من المتوقع أن ترمي إيران حجرا في الفراغ من أجل إثارة المجتمع الدولي واعادته إلى الاهتمام بأزمتها بعد أن بدا واضحا أن أوروبا قد سحبت يدها في ما يتعلق بمساعيها للتخفيف من أثر العقوبات الاقتصادية الأميركية على إيران.

ولقد زاد من عزلة إيران الدولية أن الإدارة الأميركية كانت قد قررت أن لا تلجأ إلى الخيار العسكري في المرحلة الراهنة وهو ما يعني أن الكرة صارت في الملعب الإيراني. فإذا كان الإيرانيون راغبين فعلا في إنهاء العقوبات فما عليهم سوى الذهاب إلى المفاوضات المباشرة، من غير البحث عن وسطاء. وهو ما رفضته إيران وما لا تزال ترفضه.

ذلك موقف لا يشجع أحدا لمد يد العون إليها. فالواضح أن القيادة الإيرانية ترغب بسبب تقديرات خاطئة أن يرضخ العالم للواقع الذي صنعته في منطقة بالرغم من تعارض ذلك الواقع مع القوانين الدولية.

ولكي تؤكد أنها دولة لا تعترف بالقانون الدولي فقد قامت باحتجاز ناقلة النفط البريطانية لتؤكد إنها قادرة على تنفيذ تهديداتها بغلق مضيق هرمز ضاربة عرض الحائط الالتزامات التي يفرضها عليها قانون الممرات الدولية.

كان الأولى بإيران أن تحل أزمة ناقلتها المحتجزة في جبل طارق في سياق قانوني. ذلك لأن هناك محكمة هي التي أقرت التحفظ على الناقلة ولم يتم الاستيلاء عليها من قبل قراصنة.

غير أن إيران التي لا تعترف أصلا بالقانون تصرفت من منطلق كونها في حالة حرب. وهي ترغب في حل أزماتها من خلال منطق الحرب. وهو ما يستدعي من موقع الحرج أن يقوم المجتمع الدولي برعاية مصالحه في الخليج وذلك عن طريق اجبار إيران بالقوة على الخضوع للقانون الدولي.

سيكون ذلك الحل مكلفا وخطرا. غير أنه الحل الوحيد الذي يمكن أن تفهم إيران من خلاله أن لا مكان للقوة في الخليج.

عن "ميدل إيست أونلاين"

للمشاركة:

عودة ستالين… هكذا يسعى بوتين إلى تبييض سمعة الزعيم السوفييتي

2019-07-21

ترجمة: محمد الدخاخني


تميّز عام 1989 بتوقّعات كبيرة، وغنّت في روسيا فرقة الرّوك "كينو"، "إنّنا في انتظار التّغييرات"! وفي تجمّعات عامّة ضخمة ملأت شوارع موسكو، طالب الملايين بالحرّيّة والدّيمقراطيّة. لقد أحدث عصر غورباتشوف موجة من التّغيير، وشهد النّاس أحداثاً مُذهلة بشكل أسبوعيّ: فانتزعوا الصّحف، وعلّقوا على كلّ كلمة تُبث على شاشة التّلفزيون، ومع كلّ يوم يمرّ شعروا بمزيد من الحيويّة والحرّيّة.

نبش سجل ستالين الأسود

لقد أدرك الكثيرون أيضاً أنّه لتغيير النّظام السوفييتي الفاسد، فإنّه على المرء معرفة حقيقة ماضيه الستالينيّ. وهو ما تحقّق في العام الذي تأسّست فيه منظمّة "ميموريال" لحقوق الإنسان، التي جمعت مئات الناشطين من كافة أنحاء الاتحاد السوفييتي، وكان بعضهم قد عاش حياة الغولاغ (معسكرات العمل)، وبعضهم من المنشقّين الذين عادوا مؤخراً من معسكرات العمل أو المنافي، مثل الفيزيائيّ النّوويّ أندريه ساخاروف. كانت المهمّة واضحة: "سوف نستعيد ذكرى ضحايا ستالين ونقدّمها للعلَن".

 احتفال بعيد ميلاد ستالين في موسكو عام 2015

في ربيع 1989، حدث شيء لم أكن لأتخيله أبداً في أشد أحلامي جموحاً، لقد دُعيتُ إلى معهد التّاريخ والمحفوظات في موسكو لإلقاء محاضرة على الطلاب حول مصير السجناء السابقين في الغولاغ. وبعد ذلك، سألني أحدهم إن كنت قد قابلت مؤيداً فعلياً لستالين من قبل، كانت ردّة فعلي الأولى هي الضّحك، لكنّني توقّفت وتساءلت: هل وصلنا أخيراً إلى نقطة زمنيّة حيث يفكّر أولئك الذين في العشرينيات من عمرهم بأنّه لم يَعُد ثمّة وجود للستالينيين؟ بعد مرور ثلاثين عاماً، ها أنا أتذكر تلك اللحظة بشعور مرير.

أدرك الكثيرون أنّه لتغيير النظام السوفييتي الفاسد فعلى المرء معرفة حقيقة ماضيه الستاليني

في أوائل التسعينيات، تدفق الزوار على المنزل الصغير الذي توجد به مكاتب منظمة "ميموريال". لقد أحضروا معهم مستندات، ومذكّرات من السّجون ومعسكرات العمل، وخطابات من الغولاغ، ورسائل قصيرة أُلقيت من سيّارات الشّحن العابرة ووصلت بأعجوبة إلى المُرسَل إليهم المقصودين. وأشياء أخرى من الغولاغ، كان بينها صناديق مصنوعة من خشب الأبلكاش وُجدت في معسكرات العمل، وسُترات سجن مبطّنة مطبوع عليها أرقام السّجناء، وملاعق وأوعية متعرّجة. وأحضر بعض الزّوار كُتباً خُطّت يدويّاً، وتطريزات، ورسومات، وألواناً مائيّة، وكلّها أشياء تمكّنوا من إخفائها أثناء تفتيش زنازينهم. وقد أدّى ذلك إلى إنشاء أرشيف في "ميموريال"، وهو عبارة عن مجموعة من آلاف الشّظايا المرتبطة بالذكريات العائلية.

اقرأ أيضاً: قمة بوتين وأردوغان.. هذه أهم ملفاتها

في ذلك الوقت، كنّا نظنّ أنّ هذه مجرّد بداية لعمليّة طويلة، وأنّ قادتنا السّياسيين الجدد أدركوا أنّ الوصول إلى الماضي يُعدّ مهمّة أساسية. لكن الإصلاحيّين افتقروا إلى الاهتمام بالتّاريخ؛ فقد كانوا في عجلة من أمرهم لبناء اقتصاد السّوق. لم يروا الصّلة بين الإصلاحات الاقتصاديّة النّاجحة والحاجة إلى مجتمع مدنيّ نَشِط. ومن جانبها، لم تذكر حكومة بوريس يلتسين القمع السّياسي السّوفييتي إلا قبل الانتخابات من أجل التصدّي للشيوعيّين.

عودة رسميّة إلى ستالين

بعد فترة وجيزة، في ظل الأزمة الاقتصادية الحادّة، أصبحت "الدّيمقراطيّة" كلمة قذرة بالنسبة إلى العديد من الرّوس. لقد أُحبِطوا، وشعروا بأنّ الإصلاحات لم تتحقّق البتّة. واستسلم المجتمع الرّوسي للتعب واللامبالاة. إنّ الجرائم الستالينيّة، الّتي اعتُقِد أنه من الأفضل مناقشتها على الملأ، كانت مروِّعة إلى درجة أنّ النّاس لم يرغبوا في قضاء الوقت في التّفكير فيها.

وصف فلاديمير بوتين سقوط الاتحاد السوفيتي بأنه أكبر كارثة جيوسياسية في القرن العشرين

بحلول منتصف التسعينيات، بدأ الحنين إلى الحقبة السّوفييتية يتسلّل إلى نفوس الناس، وبدأت استعادة رمادية عصر بريجنيف، بطوابيره التي لا تنتهي ومحلاته الفارغة، باعتباره عصراً يسوده السلام والازدهار. وتدريجيّاً، تحقّق شيء كان مستحيلاً خلال البيريسترويكا: تعاظَم ظِلّ ستالين مجدداً.

تعد ميموريال المنظّمة الوحيدة التي عملت طوال عقود بلا كلل ودون أيّ دعم حكومي للحفاظ على الذاكرة

جاء صعود فلاديمير بوتين إلى السّلطة مصحوباً بنسخة جديدة من الوطنيّة تعتمد على الجوانب "البطوليّة" و"المُشرِقة" من الماضي السوفييتي. وعادت للظهور صورة لستالين باعتباره قائداً قويّاً كفل الانتصار في الحرب العالمية الثانية وقاد قوّة عظمى سوفيتية. وعملت الدّعاية التلفزيونية مرّة أخرى بجديّة على خلق تلك الصّورة. والملايين الذين قضوا نحبهم في موجات من القمع السّياسي دُفِعوا إلى هوامش الوعي الجماعي.

اليوم، أصبحت أحداث من قبيل تحرير أوروبا الشّرقيّة عام 1989، وسقوط جدار برلين، ونهاية الحرب الباردة مفهومة من جانب العديد من الرّوس على أنّها أشكال من الهزيمة، بل كوارث. ولا عجب، بالنظر إلى أنّ بوتين وصف سقوط الاتحاد السّوفييتي بأنّه "أكبر كارثة جيوسياسية" في القرن العشرين. اليوم، يُطالعك وجه ستالين على نحو كلّي الوجود في كل مكان، من الّلوحات الإعلانية إلى جدران قطارات الأنفاق ونوافذ المكتبات. كذلك، تنتشر العشرات من المعالم الأثريّة الخاصّة بستالين في كافّة أنحاء روسيا.

ستالين ضيّع أملنا

ليس الأمر أنّ الرّوس نسوا العلاقة المباشرة بين اسم ستالين والقمع السّياسي الّذي أثّر على كلّ أسرة تقريباً. فهم بالأحرى لا يريدون التفكير في الإرهاب أو في من ارتكبوه أو ما الذي كان وراءه. كما أنّهم ليسوا مستعدين للاعتراف بأنّ هذا كان الرّكن الأساسي للنّظام بأكمله.

عادت للظهور صورة لستالين باعتباره قائداً قويّاً كفل الانتصار في الحرب العالمية الثانية

لقد أصبحت العمليّة الحالية لتمجيد انتصاراتنا وتبييض سمعة ستالين ممكنة لأنّ روسيا اليوم، في الواقع، ليس لديها أي مفهوم على الإطلاق عن المستقبل. أي بلد نريد العيش فيه؟ بلد "نهض من الجلوس على ركبتيه" ويتبع مساره الخاص والفريد؟ ولكن ما هذا المسار؟ لقد فشل أيديولوجيّو الكرملين في تحديد أيّ شيء بوضوح.

ينضم كثير من المتطوعين والشّباب في مبادرات ميموريال بالرّغم من كافّة العقبات الّتي تضعها السّلطات في طريقهم

إنّه من الصعب اليوم أن نتذكّر عام 1989 دون شعور عميق بالفرصة الضائعة والأمل المدمّر. في أعوام بوتين الأولى، بادلت الأغلبية الصّامتة إمكانية الحريّة بوعود "الاستقرار"، وفيما بعد بالفخر الوطنيّ بـ"روسيا العظيمة"، باعتبارها قوّة ترسم الحدود حولها وتشعر بأنّها حصن مطوَّق.

يبدو أنّ حرّيّتنا تتقلّص كل يوم بالسرعة نفسها التي توسّعت بها قبل 30 عاماً. و"ميموريال" هي المنظّمة الوحيدة التي عملت طوال عقود، بلا كلل ودون أيّ دعم حكومي، على الحفاظ على الذاكرة. وفي عام 2016، وصفتها السّلطات بأنّها "عميل أجنبي"، تماماً مثل عشرات المنظمات غير الحكومية الأخرى. ويوري ديمترييف، أحد مؤرّخينا من منطقة كاريليا، محتجز منذ ما يقرب من ثلاثة أعوام بتهم ملفقة، وقد تعرّض النّاشط الحقوقي، أويب تيتيف، للاضطهاد بسبب عمله في الشيشان.

اقرأ أيضاً: راسبوتين.. الراهب الغامض الذي سرّع بنجاح الثورة الشيوعية
ومع ذلك، هناك قوى في المجتمع الرّوسي تُقاوم ذلك. فالناس يريدون معرفة مصير أسلافهم. ومن جانبها، تتلقّى "ميموريال"، شأن وضعها قبل أعوام عديدة مضت، الدعم مرّة أخرى من العديد من الجهات. وينضم المزيد من المتطوعين ويشارك المزيد من الشّباب في مبادراتنا، وبالرّغم من كافّة العقبات الّتي تضعها السّلطات في وجهنا، حيث يتم إطلاق مشاريع جديدة لاستكشاف الذّاكرة التاريخية.

إنّ التّاريخ لن تُعاد كتابته بالكامل. وقد يكون بوتين محطّ اهتمام كبير في كافة أنحاء العالم، ولكن في روسيا، من الواضح للكثيرين منّا أنّ عودة بلدنا إلى الدّيمقراطية ستكون مستحيلة طالما فشلنا في إدانة ستالين والنّظام الّذي أنشأه.


المصدر: إرينا شيرباكوفا، الغارديان

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية