كتاب جديد عن غاندي يحتفي بـ "السنوات التي غيّرت العالم"

1752
عدد القراءات

2018-12-12

تقرأ أوساطٌ سياسيةٌ وثقافية أمريكية كتاباً جديداً عن الزعيم الهندي الخالد غاندي، وحمل عنوان "غاندي: السنوات التي غيّرت العالم  1914-1948" وأمضى فيه المؤلف راماتشاندرا جوها 20 عاماً وأكثر في دراسة المهاتما بوصفه "عنوانَ فخرٍ يعني روحاً عظيمة، أو قديساً".

اقرأ أيضاً: هل كان غاندي عنصرياً؟

كان كتابهُ الأخير "غاندي قبل الهند" (2013)، كشفاً إيضاحياً لشباب غاندي وسنواته كمحامٍ في جنوب إفريقيا، حيث ابتكر وشحذ أساليبه في الاحتجاج السلمي للدفاع عن الجالية الهندية المتنامية هناك. قبل ذلك كان قد وضع "الهند بعد غاندي" (2007)، الذي يتناول قصةَ الهند من اغتيال غاندي من قبل متعصب هندوسي في عام 1948، حتى يومنا هذا.

النبي كسياسي

الكتابُ الجديدُ مهم لجهة أنّ غاندي هو "صانع لعالمنا الحديث كله ولا يقل تأثيره عن كارل ماركس"، كما يلفت ناشرُ الكتاب الذي جاء في 1004 صفحات ويتعامل مع غاندي بوصفه زعيماً يزاوج بين "صورة النبي والزعيم السياسي".

غلاف كتاب "غاندي: السنوات التي غيّرت العالم  1914-1948"

يبدأ الكتاب من مراسل مجلة "تايم" الأمريكية الذي كان يغطّي مسيرةَ غاندي في العام 1930 إلى البحر، وسخر من "الإطار البطيء" للرجل وحركة "حوض العنكبوت" في إشارةٍ إلى طريقة مشي الرجل وجسده الهزيل ضمن مسيرة الاحتجاج على ضريبة الملح والقانون الجائر الذي فرضته الإدارة الإنجليزية الحاكمة. لكن مع استمرار المسيرة، غيرت المجلة نبرتها بالكامل. وقد وصف مراسلها غاندي بأنه قديسٌ ورجلُ دولة كان يستخدم "الأفعال المسيحية كسلاح ضد رجال لديهم معتقدات مسيحية" في إشارة إلى الإنجليز.

كان غاندي قاسياً على زوجته وعلى أبنائه، خصوصاً الأكبر سناً هاريلال، مما حدا به للافتراق الكلي عن والده وفكره

والمؤلف جوها هو أول كاتب سيرة ذاتية تمكن من الوصول إلى أوراق غاندي الشخصية الضخمة، والتي كان يحرسها بحذر اثنان من رفاقه المقربين، الدكتورة سوشيللا نايار وشقيقها. ومن هنا تبدو المادة التي تضمنها كتاب "غاندي: السنوات التي غيّرت العالم" ضخمة وواسعة، لكنها تبدو ضرورية لإظهار كيف انتشر تأثير غاندي إلى أبعد من الهند وخارج نطاق مهمته الأساسية المتمثلة في ضمان استقلال بلاده عن بريطانيا.

لم يفز غاندي بنفسه بجائزة نوبل للسلام، لكنه كان محلَ إعجابٍ عميق من قبل الكثيرين ممن ظفروا بها - الدالاي لاما، رئيس أساقفة جنوب إفريقيا ديزموند توتو، زعيم الحريات المدنية الأميركي مارتن لوثر كينغ وزعيم جنوب إفريقيا نيلسون مانديلا الذين كانوا من بين أعظم المعجبين بالزعيم الهندي. ودفعت المقاومةُ المدنية (المدنية بكل معنى الكلمة - المهذبة، اللاعنفية، غير العسكرية) التي نهجها بالعديد من التغييرات الحاسمة في عصرنا.

ضد كل انتقام

يظهر المؤلف ببراعة في هذا الكتاب، اهتمام غاندي بالتفاصيل: إصراره على الالتزام بالمواعيد والانضباط وعلى محاسبة كل روبية (العملة الهندية) تم إنفاقها، وإيمانه بإعطاء السلطات التحذير المناسب قبل كلّ إجراءٍ مطلوب، وانضباطه في الامتناع عن العداء الشخصي أو الانتقام.

زعيم جنوب إفريقيا "نيلسون مانديلا"

حذّر غاندي من أنّ هذا الأسلوب قد يستغرق وقتاً طويلاً حتى يؤتي ثماره. لقد أخبر مؤيديه مراراً وتكراراً أنه كان مؤمناً بـ "السياسة البطيئة"، فبعد ما يقرب من قرن من وصول غاندي إلى جنوب إفريقيا، سقط نظام الفصل العنصري إثر عقودٍ من المقاومة السلمية التي تزعمها نيلسون مانديلا.

بالطبع لم تعمل طريقة غاندي السلمية دائماً، فقد جعل غاندي تعزيز الوحدة بين الهندوس والمسلمين جزءاً من مهمته، من لحظة عودته إلى الهند من جنوب إفريقيا في عام 1915. كما كان يأمل في تحرير المنبوذين من قهرهم اليومي المروع، لكنه فشل في مواجهة من يعترض على ذلك، وأنّ المضطهدين لا يمكنهم تحرير أنفسهم إلا إذا تم منحهم قوائم انتخابية منفصلة على أساس طائفي المسلمين والهندوس أوغيرهم من الطوائف، وكانت هذه الفكرة لعنةً لغاندي ومنهجه ثم تحولت إلى سببٍ لقتله على يد هندوسي متطرف.

اقرأ أيضاً: أحفاد بلفور وغاندي يحتجون في ذكرى الوعد المشؤوم

وقد نظر المهاتما بحزن أكثر عدوانية وهو انجراف المسلمين عن حركة المؤتمر الوطني الهندي، التي كانت قد حددت في ثمانينيات القرن التاسع عشر تمثيل جميع الهنود دون تمييز في العقيدة. لقد ازدادت رابطة المسلمين المتشددة، في ظل زعيمها محمد علي جناح الذي كان على نقيض غاندي وسعى إلى الانفصال طائفياً عن الهند وتأسيس دولة إسلامية شبه ثيوقراطية (الباكستان)، مع انّ المؤلف لا يعتقد أنّ جناح هو من يتحمل مسؤوليةَ إراقة الدماء المروعة بعد التقسيم.

محمد علي جناح زعيم رابطة المسلمين المتشددة في الهند

وبغض النظر عما قالوه علناً، فإنّ البريطانيين زرعوا بذورهم لخيار "الانقسام والحكم"، عبر تعزيز الانقسامات بين المسلمين والهندوس ومن ثم القول (تشرشل على نحو خاص) بأنّ الهند لا يمكن أن تكون متحدة إلا تحت حكم التاج البريطاني.

جعل غاندي تعزيز الوحدة بين الهندوس والمسلمين جزءاً من مهمته، من لحظة عودته إلى الهند من جنوب إفريقيا

ويتعين، في ضوء ذلك، ملاحظة أنّ وزيرَ المستعمرات ورئيس الوزراء البريطاني تشرتشل كان يكره غاندي شخصياً، بقدر ما كان يكره عقيدة غاندي في اللاعنف، بالمقابل كان لديه العديد من الأصدقاء والمعجبين البريطانيين مثل القاضي برومفيلد، الذي حكم عليه بالسجن لمدة ست سنوات في عام 1922 وقال: "حتى أولئك الذين يختلفون معك في السياسة ينظرون إليك كرجلٍ من المثل العليا والحياة النبيلة وحتى القديسة".

لكن مثل معظم "القديسين" العلمانيين، كان غاندي يعاني من أخطاء شخصية صارخة. كان قاسياً على أبنائه، خصوصاً الأكبر سناً، هاريلال، مما حدا به للافتراق الكلي عن والده وفكره والتحول إلى الإسلام، كذلك معاملته القاسية لزوجته والنظر إليها باستمرار على أنها "امرأة بسيطة" لم يقبل بتقديم علاج البنسلين لها عندما كانت تموت، إنطلاقاً من تجاربه المزعومة "علاج النفس من أي غرائز شهوانية" التي وصلت إلى حد اختبارات للجم الرغبات الجسدية عبر "النوم مع نساء عاريات"، حين استمر في هذه الممارسة المخيفة لعدة أشهر، في تحدٍ لاحتجاجات أقرب أصدقائه.

كان تشرتشل يكره غاندي بقدر ما كان يكره عقيدة غاندي في اللاعنف

لكن من بين عاداته الصارمة "الغريبة" كانت مواسم صيامه التي رفضها أعداؤه واعتبروها حيلاً لا طائل من ورائها، ولكن في كثير من الأحيان أنتجت تغيراتٍ عمليةً، أجبرت المسؤولين البريطانيين ذوي التفكير الضيق على التخلي عن القوانين والضرائب غير العادلة. وصيامه الأخير، قبل أسابيع فقط من مقتله، أوقف أعمال الشغب البشعة، أولاً في كلكتا ثم في دلهي. ويبدو أنّ موته نقل جميع أنحاء الهند إلى مرحلة سحرية: القبول بالتعدد الإثني والطائفي كسبيلٍ لا مناص منه في تحقيق السلام الوطني.

اقرأ المزيد...

الوسوم: