كتاب جديد عن غاندي يحتفي بـ "السنوات التي غيّرت العالم"

كتاب جديد عن غاندي يحتفي بـ "السنوات التي غيّرت العالم"
4864
عدد القراءات

2018-12-12

تقرأ أوساطٌ سياسيةٌ وثقافية أمريكية كتاباً جديداً عن الزعيم الهندي الخالد غاندي، وحمل عنوان "غاندي: السنوات التي غيّرت العالم  1914-1948" وأمضى فيه المؤلف راماتشاندرا جوها 20 عاماً وأكثر في دراسة المهاتما بوصفه "عنوانَ فخرٍ يعني روحاً عظيمة، أو قديساً".

اقرأ أيضاً: هل كان غاندي عنصرياً؟

كان كتابهُ الأخير "غاندي قبل الهند" (2013)، كشفاً إيضاحياً لشباب غاندي وسنواته كمحامٍ في جنوب إفريقيا، حيث ابتكر وشحذ أساليبه في الاحتجاج السلمي للدفاع عن الجالية الهندية المتنامية هناك. قبل ذلك كان قد وضع "الهند بعد غاندي" (2007)، الذي يتناول قصةَ الهند من اغتيال غاندي من قبل متعصب هندوسي في عام 1948، حتى يومنا هذا.

النبي كسياسي

الكتابُ الجديدُ مهم لجهة أنّ غاندي هو "صانع لعالمنا الحديث كله ولا يقل تأثيره عن كارل ماركس"، كما يلفت ناشرُ الكتاب الذي جاء في 1004 صفحات ويتعامل مع غاندي بوصفه زعيماً يزاوج بين "صورة النبي والزعيم السياسي".

غلاف كتاب "غاندي: السنوات التي غيّرت العالم  1914-1948"

يبدأ الكتاب من مراسل مجلة "تايم" الأمريكية الذي كان يغطّي مسيرةَ غاندي في العام 1930 إلى البحر، وسخر من "الإطار البطيء" للرجل وحركة "حوض العنكبوت" في إشارةٍ إلى طريقة مشي الرجل وجسده الهزيل ضمن مسيرة الاحتجاج على ضريبة الملح والقانون الجائر الذي فرضته الإدارة الإنجليزية الحاكمة. لكن مع استمرار المسيرة، غيرت المجلة نبرتها بالكامل. وقد وصف مراسلها غاندي بأنه قديسٌ ورجلُ دولة كان يستخدم "الأفعال المسيحية كسلاح ضد رجال لديهم معتقدات مسيحية" في إشارة إلى الإنجليز.

كان غاندي قاسياً على زوجته وعلى أبنائه، خصوصاً الأكبر سناً هاريلال، مما حدا به للافتراق الكلي عن والده وفكره

والمؤلف جوها هو أول كاتب سيرة ذاتية تمكن من الوصول إلى أوراق غاندي الشخصية الضخمة، والتي كان يحرسها بحذر اثنان من رفاقه المقربين، الدكتورة سوشيللا نايار وشقيقها. ومن هنا تبدو المادة التي تضمنها كتاب "غاندي: السنوات التي غيّرت العالم" ضخمة وواسعة، لكنها تبدو ضرورية لإظهار كيف انتشر تأثير غاندي إلى أبعد من الهند وخارج نطاق مهمته الأساسية المتمثلة في ضمان استقلال بلاده عن بريطانيا.

لم يفز غاندي بنفسه بجائزة نوبل للسلام، لكنه كان محلَ إعجابٍ عميق من قبل الكثيرين ممن ظفروا بها - الدالاي لاما، رئيس أساقفة جنوب إفريقيا ديزموند توتو، زعيم الحريات المدنية الأميركي مارتن لوثر كينغ وزعيم جنوب إفريقيا نيلسون مانديلا الذين كانوا من بين أعظم المعجبين بالزعيم الهندي. ودفعت المقاومةُ المدنية (المدنية بكل معنى الكلمة - المهذبة، اللاعنفية، غير العسكرية) التي نهجها بالعديد من التغييرات الحاسمة في عصرنا.

ضد كل انتقام

يظهر المؤلف ببراعة في هذا الكتاب، اهتمام غاندي بالتفاصيل: إصراره على الالتزام بالمواعيد والانضباط وعلى محاسبة كل روبية (العملة الهندية) تم إنفاقها، وإيمانه بإعطاء السلطات التحذير المناسب قبل كلّ إجراءٍ مطلوب، وانضباطه في الامتناع عن العداء الشخصي أو الانتقام.

زعيم جنوب إفريقيا "نيلسون مانديلا"

حذّر غاندي من أنّ هذا الأسلوب قد يستغرق وقتاً طويلاً حتى يؤتي ثماره. لقد أخبر مؤيديه مراراً وتكراراً أنه كان مؤمناً بـ "السياسة البطيئة"، فبعد ما يقرب من قرن من وصول غاندي إلى جنوب إفريقيا، سقط نظام الفصل العنصري إثر عقودٍ من المقاومة السلمية التي تزعمها نيلسون مانديلا.

بالطبع لم تعمل طريقة غاندي السلمية دائماً، فقد جعل غاندي تعزيز الوحدة بين الهندوس والمسلمين جزءاً من مهمته، من لحظة عودته إلى الهند من جنوب إفريقيا في عام 1915. كما كان يأمل في تحرير المنبوذين من قهرهم اليومي المروع، لكنه فشل في مواجهة من يعترض على ذلك، وأنّ المضطهدين لا يمكنهم تحرير أنفسهم إلا إذا تم منحهم قوائم انتخابية منفصلة على أساس طائفي المسلمين والهندوس أوغيرهم من الطوائف، وكانت هذه الفكرة لعنةً لغاندي ومنهجه ثم تحولت إلى سببٍ لقتله على يد هندوسي متطرف.

اقرأ أيضاً: أحفاد بلفور وغاندي يحتجون في ذكرى الوعد المشؤوم

وقد نظر المهاتما بحزن أكثر عدوانية وهو انجراف المسلمين عن حركة المؤتمر الوطني الهندي، التي كانت قد حددت في ثمانينيات القرن التاسع عشر تمثيل جميع الهنود دون تمييز في العقيدة. لقد ازدادت رابطة المسلمين المتشددة، في ظل زعيمها محمد علي جناح الذي كان على نقيض غاندي وسعى إلى الانفصال طائفياً عن الهند وتأسيس دولة إسلامية شبه ثيوقراطية (الباكستان)، مع انّ المؤلف لا يعتقد أنّ جناح هو من يتحمل مسؤوليةَ إراقة الدماء المروعة بعد التقسيم.

محمد علي جناح زعيم رابطة المسلمين المتشددة في الهند

وبغض النظر عما قالوه علناً، فإنّ البريطانيين زرعوا بذورهم لخيار "الانقسام والحكم"، عبر تعزيز الانقسامات بين المسلمين والهندوس ومن ثم القول (تشرشل على نحو خاص) بأنّ الهند لا يمكن أن تكون متحدة إلا تحت حكم التاج البريطاني.

جعل غاندي تعزيز الوحدة بين الهندوس والمسلمين جزءاً من مهمته، من لحظة عودته إلى الهند من جنوب إفريقيا

ويتعين، في ضوء ذلك، ملاحظة أنّ وزيرَ المستعمرات ورئيس الوزراء البريطاني تشرتشل كان يكره غاندي شخصياً، بقدر ما كان يكره عقيدة غاندي في اللاعنف، بالمقابل كان لديه العديد من الأصدقاء والمعجبين البريطانيين مثل القاضي برومفيلد، الذي حكم عليه بالسجن لمدة ست سنوات في عام 1922 وقال: "حتى أولئك الذين يختلفون معك في السياسة ينظرون إليك كرجلٍ من المثل العليا والحياة النبيلة وحتى القديسة".

لكن مثل معظم "القديسين" العلمانيين، كان غاندي يعاني من أخطاء شخصية صارخة. كان قاسياً على أبنائه، خصوصاً الأكبر سناً، هاريلال، مما حدا به للافتراق الكلي عن والده وفكره والتحول إلى الإسلام، كذلك معاملته القاسية لزوجته والنظر إليها باستمرار على أنها "امرأة بسيطة" لم يقبل بتقديم علاج البنسلين لها عندما كانت تموت، إنطلاقاً من تجاربه المزعومة "علاج النفس من أي غرائز شهوانية" التي وصلت إلى حد اختبارات للجم الرغبات الجسدية عبر "النوم مع نساء عاريات"، حين استمر في هذه الممارسة المخيفة لعدة أشهر، في تحدٍ لاحتجاجات أقرب أصدقائه.

كان تشرتشل يكره غاندي بقدر ما كان يكره عقيدة غاندي في اللاعنف

لكن من بين عاداته الصارمة "الغريبة" كانت مواسم صيامه التي رفضها أعداؤه واعتبروها حيلاً لا طائل من ورائها، ولكن في كثير من الأحيان أنتجت تغيراتٍ عمليةً، أجبرت المسؤولين البريطانيين ذوي التفكير الضيق على التخلي عن القوانين والضرائب غير العادلة. وصيامه الأخير، قبل أسابيع فقط من مقتله، أوقف أعمال الشغب البشعة، أولاً في كلكتا ثم في دلهي. ويبدو أنّ موته نقل جميع أنحاء الهند إلى مرحلة سحرية: القبول بالتعدد الإثني والطائفي كسبيلٍ لا مناص منه في تحقيق السلام الوطني.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



"الطريق إلى جماعة المسلمين".. قراءة في أخطر كتب التكوين السري للإخوان

2020-05-21

الاطلاع على المناهج التربوية والحركية للإخوان المسلمين كفيل بكشف جزء كبير ومهم من أهدافهم، ووسائلهم، وأساليب تعاملهم المرحلي "المداهن" مع المجتمع، والسلطة، وأجهزة الدولة، والقوى السياسية، وقادة الفكر والرأي، والمنشقين عنها، والجماعات الدينية الأخرى، ونظرتهم الحقيقية تجاه كل هؤلاء.
وقد وضع أعلام الإخوان مؤلفات أكثر من أن تحصى تروّج لأفكارهم وتؤسطر مؤسس حركتهم ورجالاتهم و"نضالاتهم"، لكن "الطريق إلى جماعة المسلمين" يعد أخطرها على الإطلاق، ومكمن خطورته أنّه يخلص إلى أنّ "الإخوان" هم الجماعة المرشحة لتخليص الأمة الإسلامية مما تعانيه من فساد وضياع مستخدماً  لغة "البحث العلمي"؛ إذ إنه في الأصل رسالة ماجستير نوقشت في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة نهاية السبعينيات لباحث إخواني يمني مغمور يدعى حسين بن محسن علي جابر، وقامت بطباعته أول مرة جماعة الإخوان المسلمين في الكويت العام 1984 من خلال مكتبتهم "دار الدعوة"، ثم توالت طبعاته في مصر حتى أنه صدرت منه 4 طبعات خلال 4 أعوام فقط (1987-1990)، ويكفي لإدراك أهمية هذا الكتاب معرفة أنّ من قدم له القيادي الإخواني التاريخي المستشار علي جريشة.

 يكشف الكتاب عن أن العنف وسيلة معتمدة مؤجلة لدى الجماعة الإسلامية حتى تحين اللحظة المواتية

يعد الكتاب المرجع الأساسي الذي يشكل العقل الخفي للقاعدة الإخوانية، وكان يدرس في مناهجها حتى وقت قريب في الأسر الإخوانية المنتظمة والعاملة، ويعتبر "المنافستو" الذي يلتزم به الأعضاء العاملون في الدعوة الفردية، وهو مصطلح في قاموس الأدبيات الإخوانية يعني "تجنيد الأعضاء الجدد".
ينبني هذا الكتاب الذي يقع في نحو 466 صفحة على مقولة تأسيسية، جاءت في الفصل الأول منه، وهي أنه "لا توجد جماعة للمسلمين"، ولذا فإن على المسلمين إنشاء هذه الجماعة، فإذ به يأخذ المتلقي في النهاية إلى مقولة أخرى، وهي أن جماعة الإخوان المسلمين هي نفسها جماعة المسلمين، والتي ستعيد "دولة الخلافة الإسلامية"، وذلك بعد أن يكون الكاتب قد قام بتهيئة عقل المتلقي، لاستقبال النتيجة دون التعرض للاندهاش المباغت.
انتظار اللحظة المواتية
ويكشف عن أن العنف وسيلة معتمدة لدى الجماعة، فأعضاء التنظيم يتربون على انتظار لحظة مواتية لاستخدامها، ويرسخ الأفكار العنفية، باعتبار أن دولة الإسلام المنتظرة لن تقوم إلا بعد معركة دامية بين الحق والباطل، وهو ما اشتهر بين دارسي الإخوان بمفهوم "العنف المؤجل"، أي العنف حينما يأتي وقته، وتقدر عليه الجماعة، ولا يكون له تبعات ولا حساب.
ويعرف الكتاب "جماعة المسلمين" بأنها " أهل الاسلام إذا أجمعوا على أمر فواجب على غيرهم من أهل الملل أتباعهم"؛ فلا تختلف "الإخوان" في هذا الشأن عن الجماعات التكفيرية، والتي ترى من نفسها، جماعة المسلمين، إلا أنّ هذا الكتاب شبه السري الذي استخرجناه من الصناديق المغبرة للجماعة، لا يرى حتمية القتال الفوري والآني، كما تراه غيرها من الجماعات التكفيرية؛ بل يعتمد المرحلية المتدرجة، حتى يصل في النهاية لمشهد إمبراطوري دموي، تقاتل خلاله الجماعة كل الأغيار عنها، بعد تخييرهم بين الالتحاق بركبهم، أو الجهاد ضدها.
يحدد الكتاب الارتباط بين الفكرة والتطبيق بواقع الحركة نفسها من حيث السلب والايجاب، مستشهداً بالرسول محمد -صلى الله عليه وسلم- الذي لم يحدد الدخول في مجابهة قريش عسكرياً في معركة بدر، إلا بعد أن تأكد من استعداد كافة قطاعات جيشه لهذه المجابهة.
تنضح سطور الكتاب، بتكفيرية واستعلائية واضحة، ويعتبر المرجع الأهم للباحثين عن روافد العنف المسلح والتكفير، الذي بدا تحولاً كبيراً وسريعاً ظهر في التنظيمات الدموية التي انبثقت عن جماعة الإخوان المسلمين بعد أحداث 30 حزيران (يونيو) 2013 في مصر.
فلا تختلف مضامين ما جاء في الكتاب، عما جاء في كتاب فقه المقاومة الشعبية، الذي أصدره في 25 كانون الثاني (يناير) 2015 القيادي بجماعة الإخوان المسلمين محمد كمال، الذي لقي مصرعه على أيدي قوات الأمن في العام 2016، واستخدمت فيه مصطلحات من عينة " الطائفة الممتنعة" و"أحكام دفع العدو الصائل".
فالكتاب يرى "ممانعة جميع الدول الاسلامية في تحكيم شرع الله، ورفع راية الجهاد لأنها تأمر بالمنكر، وتنهى عن المعروف، وتقمع من طلب عكس ما تريد، وإن الذين يسعون في ركابها بحسب ما تريد رغبة في التعايش السلمي معها مخطئون، وعليهم أن يتوبوا ويقلعوا عن الذي هم فيه، ويستغفروا الله".
حدود "الجماعة".. العالم كله
يحاول الكاتب بين الحين والآخر، تغذية المستهدفين، بما يطلق عليه، مبدأ سيسيولجيا الأمل، الذي ثبت تأثيره عند تلك الجماعات، لدى شرائح واسعة من الشباب المحبط، فيؤكد أن هدف تلك الجماعة هو "فتح" العاصمة الإيطالية روما، وعلى أن الكرة الأرضية ملك لها خالصة من دون الناس.
حدود تلك الجماعة، كما يكشف الكتاب، هي "العالم كله"، لكن التنفيذ يبدأ بديار المسلمين، ثم ينتقل للغزو بعد ذلك في اتجاه "دار الحرب"، حتى تعلو راية تلك الجماعة على المعمورة.
تنطلق الفكرة من قاعدة تقضي بأن للمسلمين ملكية الأرض جميعاً، واستيلاء "أهل الباطل" لبعض أجزائها، هو استيلاء منهم على حق من حقوق جماعة المسلمين، إلا أن الكاتب يعود ليؤكد مرة أخرى، على مبدأ الفتح التدريجي.

 يحاول الكاتب تغذية المستهدفين بالأمل الذي ثبت تأثيره عند تلك الجماعات خاصة بين الشباب المحبط

يحدد الكتاب هنا نقاطاً للوصول؛ الأولى: أن كل شبر على هذه "الأرض" قامت عليه جماعة من الناس تحكم نفسها بشرع الله، فهو "دار عدل"، ونقطة الانطلاقة الثانية: هي أن يتحد أهل دار العدل هؤلاء مع غيرهم، من دور العدل إن وجدت ليكونوا دولة واحدة، ثم نقطة الانطلاقة الثالثة: هي أن تنطلق جبهة دار العدل إن وجدت ليكونوا دولة واحدة.
ثم نقطة الانطلاقة الرابعة: أن تنطلق جبهة العدل المتحدة أو دولة دار العدل المتحدة إلى من حولها من الناس تبلغهم الأحكام وتخضعهم لأحكامه انطلاقة مستمرة "حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله".
أما الهدف العام لجماعة المسلمين كما يحدده الكتاب هي: "أن تعبد البشرية رباً واحداً وتتزعم مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن تزيل الفتنة من الأرض كافة وفتح رومية عاصمة إيطاليا".
التحذير من استعجال قطف الثمرة
ويحذر الكتاب من مغبة الدخول في المواجهة قبل امتلاك الأرض فيقول: إن الجماعة التي تحدد المواجهة مع السلطة على الأرض التي تقف عليها الجماعة نفسها جماعة تعبث بقوتها وتهلك أفرادها بأقل كلفة، وأيسر خسارة لتلك السلطة المهيمنة على تلك الأرض، وهي جماعة مقضي عليها بالفشل والهلاك، وهي بعيدة عن النهج النبوي والتوجيه الرباني.
ثم يعود الكاتب للتحذير مما يطلق عليه "استعجال قطف الثمرة قبل نضوجها" ويضرب بذلك مثالاً بشعب أريتريا مع إثيوبيا، وقضية مسلمي الفلبين مع حكومة الفلبين، ففي قضية شعب أريتريا أدخلته قياداته في مواجهة عسكرية مع حكومة إثيوبيا، وحكومة إثيوبيا هي القابضة على أرض ذلك الشعب، فكانت النتيجة أن قتل وشرد أكثر من ذلك الشعب وانسحبت القيادة تجر وراءها ذيول الفشل والخسارة.
وكذلك قضية مسلمي الفلبين "يقتلون جندياً واحداً من جنود الحكومة التي تحكم الأرض التي يقطنها المسلمون فتبيد الحكومة "الفاجرة" قرية أو عدداً من قرى المسلمين، كل ذلك لأن قيادة المسلمين حددت نقطة المواجهة مع تلك الحكومة قبل أن تملك الأرض التي سوف تنطلق منها إلى تلك المواجهة".
لا للتعددية
يخوض الكاتب حرباً ضد الجماعات الإسلامية من غير الإخوان المسلمين، فهو يرى أن "تعدد الجماعات في الأمة باطل يجب أن يزول، وأن الواجب أن تصب جهود الأمة كلها في قالب واحد وفي اتجاه واحد".
ويقف بالمرصاد ضد فكرة التعددية؛ بل إنه يرى في التعددية ظاهرة يجب القضاء عليها بالقتال قضاء مبرماً، وفي سوقه للأدلة على عدم وجود جماعة المسلمين يقول: "الإسلام لا يعترف بتعدد الحكومات التي تحكم الأمة الإسلامية، فالإسلام لا يعترف بغير حكومة واحدة على رأس الأمة الإسلامية، بل يطالب الأمة الإسلامية أن تقتل الحاكم الثاني مباشرة كما بينت النصوص الشرعية (إذا بويع لخلفتين فاقتلوا الآخر منهما)".
ويعود للسرد التاريخي ليحاول تأكيد صدقية مقولاته: "لو كان التعدد في الحكومات جائزاً لما قاتل عليٌّ معاوية القتال العادل، وأهدر دماء صفوة الأمة الاسلامية من الصحابة الكرام والتابعين الابرار، ولما سمى الرسول صلى الله عليه وسلم الجبهة المقاتلة لعلي الفئة الباغية".
السرية والكتمان
تعتبر السرية ركناً أصيلاً ومهماً عند تنظيم الإخوان، لا يرتبط بمرحلة معينة، ولا بظروف طارئة، فالجماعة عرفت السرية منذ إنشاء مؤسسها حسن البنا لــ"النظام الخاص" الذي اشتهر لاحقاً بـــ"الجهاز السري".. فقد أحاط البنا هذه القوة العسكرية الخاصة بقدر كبير من السرية والكتمان.
ويسقط الكاتب تاريخ السرية النبوية، على جماعة الإخوان، فيختلط السياق، وتندمج السردية؛ إذ تؤصل مناهج الإخوان لأهمية السرية، وتفرد لها مساحات واسعة، وكعادة الإخوان دائماً، تزعم كتب المناهج أن السرية هي اقتداء بالرسول -صلى الله عليه وسلم- الذي عرفت دعوته في مكة مرحلتين: الأولى هي سرية الدعوة وسرية التنظيم، والثانية هي علنية الدعوة مع استمرار سرية التنظيم.

 الكتاب يتهم جميع الدول الاسلامية بممانعة تحكيم شرع الله لأنها تأمر بالمنكر وتنهى عن المعروف

هو نفسه ما يقوله فتحي يكن في كتابه "ماذا يعني انتمائي للإسلام؟": "لا يجوز أن تكشف الحركة كل ما عندها من مخططات وتنظيمات، فليس في ذلك مصلحة على الإطلاق، بل إن ذلك يعد جهلاً بالإسلام، وتعريضاً للحركة وأفرادها لمكر الأعداء".
ولا يختلف ما جاء في هذا الكتاب عن سابقه؛ فعندما يعرض للوسيلة التي سيتحقق من خلالها أهداف الجماعة، فيكشف عن أنها "السرية" مبرراً لها بمقولة: "حتى لا تضرب الدعوة في مهدها"، ثم يعرض للوسيلة الثانية في بناء "الجماعة المسلمة" وهي "الجانب التنظيمي".
ويوضح الكتاب المقصود بالسرية في عمل بناء الجماعة فيؤكد أن "تنحصر معلومات خطة العمل في محيط القيادة العامة للعمل، وأن يجهل الأشخاص في العمل السري بعضهم بعضاً من حيث التكاليف والمهام، وأن يعلم كل واحد في العمل مهمته دون غيره، فلا تخرج معلومات مهام عمرو إلى زيد بحال من الأحوال".
وكل عمل ينقسم إلى قسمين من حيث وجوده في الحياة والعمل الإسلامي، قسم تنظيمي: ويجب أن يكون سراً، وقسم فكري وروحي: وهو الذي يجب أن يكون جهراً ضمن خطة مدروسة.
وتبقى السرية، مبدأً سارياً وممتداً، حتى بعد دخول مرحلة الدعوة العلنية، فيبقى جزء علني معروف للناس، ويظل الجزء الآخر في طي الكتمان، ويضرب بذلك مثالاً بما كان في عهد الجماعة المسلمة الأولى من إعلان أعلام قريش الذين أسلموا ولم تخش الدعوة عليهم سطوة الكفار بسبب قوة قبائلهم فكانوا الواجهة التي تدعو للإسلام.
وأما الطائفة الثانية فهي تمثل ضعاف المسلمين ممن لا سند لهم يدافع عنهم أمام سطوة قريش وجبروتها، فكان عملهم كله سرياً، وكانت مناهجهم كلها سرية.

تَقِيّة المرحلية
ويتوقف الكتاب عند قضية "المرحلية" أكثر من مرة؛ فهي إحدى أهم ركائز جماعة الإخوان، بل هي الإطار الحاكم لتصرفات وقرارات وخطاب الجماعة عبر عقود، وإدراكها يكشف تماماً طبيعة فكر الإخوان ونوايا الجماعة، فتحت مظلة "المرحلية"، تعطي الجماعة وعوداً تنوي إخلافها، وتتعهد بالتزامات تنوي عدم الوفاء بها.
فيرى الكاتب أن التدرج في الخطوات عند التنظيم من أهم ما يميزه؛ لأن ذلك كان من فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- لاعتقادهم أن كل دعوة لا بد لها من مراحل ثلاث: الدعاية والتعريف بالدعوة وإيصالها إلى الناس، ومرحلة التكوين وتجهيز الأنصار وإعداد الجنود، ومرحلة التنفيذ وهي مرحلة العمل والإنتاج.

 تحت مظلة "المرحلية" تعطي الجماعة وعوداً تنوي إخلافها وتتعهد بالتزامات تنوي عدم الوفاء بها

إن إدراك الموقف الحقيقي للإخوان من استخدام القوة والعنف لفرض رأيهم السياسي، أو للتخلص من خصومهم، هو أمر في غاية الأهمية، ليس فقط للإحاطة بحقائق الماضي، ولكن لإدراك سبل التعامل المناسب مع الجماعة مستقبلاً.
ومفهوم "المرحلية" عند الإخوان أن يكون للجماعة خطاب ومواقف تخدم تنظيمهم في مرحلة سياسية وزمنية معينة، حتى لو كانت هذه التصرفات مضرة بالصالح العام للمجتمع، وحتى لو كان هذا الخطاب يكذب على المخاطبين، وكتب الإخوان تعرف ما يسمى بـ"خطاب الاستضعاف" و"خطاب التمكين"، فالأول يتسم بمودة مصطنعة، وقبول للآخر، لا تظهر فيه الجماعة نواياها، والثاني تكشف فيه الجماعة عن أهدافها ووسائلها دون خوف أو تردد.
وقد تحدث سيد قطب في كتاب "معالم في الطريق" عن المرحلية معتبراً إياها سمة من سمات الدين، الذى يحدد لكل مرحلة وسائلها من بدء ميلاد طليعة البعث الإسلامي، وصولاً إلى مرحلة التمكين وإزالة الطواغيت، بتحطيم الأنظمة السياسية الحاكمة أو قهرها حتى تدفع الجزية.
 

الحشد والمفاصلة
أما عن وجوب اكتمال العدد؛ فيشدد الكاتب على أنه لا بد أن يصل عدد أفراد الجماعة الذين سيدخلون المعركة رقماً معيناً من الجيش المقابل، وأن يكون قرار بدء المواجهة من خصوصيات القيادة العليا للجماعة، وأنها لا تكون إلا بعد التمكين من الأرض الصالحة التي سيكون منها ذلك الانطلاق واكتمال العدد الذي ستكون به المواجهة.
ويصل الكاتب إلى أهم وسائل الجماعة إلى أهدافها الخاصة، وهي "وجوب إعادة أجهزة الإعلام والتعليم والاقتصاد وغيرها من أجهزة الدولة إلى الإسلام، ليتولى توجيهها ضمن حدوده وتشريعاته".، و"الضرب بيد من حديد على كل عناصر النفاق والفسق في الأمة وتطهير المجتمع منهم، وإعداد الأمة الإسلامية إعداداً يتناسب مع مطالب المرحلة القادمة من حيث الإعداد والعدة".
أما الوسائل العامة لجماعة المسلمين فهي: "إعلان مبادئ الإسلام للبشرية كافة من خلال أجهزة الإعلام في الدولة الإسلامية، مطالبة كافة البشرية بالدخول للإسلام لنسخه سائر الأديان، ومطالبة كافة الدول بالخضوع لتعاليم الإسلام، وفى هذا الباب سواء كانت هذه الدول غربية علمانية لا صلة لها باليهودية والنصرانية، أو شرقية اشتراكية لا تعترف بالأديان".
ثم يتبع ذلك "إعلان الجهاد المسلح والمستمر حتى النصر على كل من خالف ورفض مطالب جماعة المسلمين الآنفة، وذلك حسب أحكام ومراحل الجهاد المنصوص عليها في مواضعها من هذا الدين، وبحسب خطة وإمكانات تلك الجماعة المباركة".
ويحدد الكاتب محاور الانتقال من نقطة إلى نقطة أخرى؛ الأمر الذي يحدد نقاط الحركة بين الوسائل والأهداف في الجماعة، فالرسول لم يحدد الدخول في مجابهة قريش عسكرياً في معركة بدر إلا بعد أن تأكد من استعداد كافة قطاعات جيشه لهذه المجابهة.
ثم يتبع ذلك "إعلان الجهاد المسلح والمستمر حتى النصر على كل من خالف ورفض مطالب جماعة المسلمين الآنفة، وذلك حسب أحكام ومراحل الجهاد المنصوص عليها في مواضعها من هذا الدين الحنيف، وبحسب خطة وإمكانات تلك الجماعة المباركة"، وعند إقامة الجماعة المسلمة للدولة الاسلامية فإن أحكام الشريعة يجب أن تطبق بشكل كامل وفوري.

الإخوان.. المخلص الأوحد
ويخلص في النهاية إلى أن "الجماعة تتبرأ من كل الحكومات ولا تعترف بالدول التي لا تحكم بالإسلام"، مستشهداً بسعيد حوّى: "وبما أن ولاة الأمر في الأمة اليوم بين كافر أو منافق أو فاسق لا تصح موالاتهم، فأقرب جهة يجب أن يعطيها المسلم ولاءه هي أكمل الجماعات الإسلامية الموجودة في عصرنا الحاضر"، ليصل الكتاب بذلك إلى مبتغاه بأن يجير للإخوان المسلمين جميع مع ذكر من صفات "الجماعة" الصادقة؛ فهي التي يجب الالتحاق بركبها شرعاً؛ "من خلال دراستنا لمبادئها وأفكارها... يتقرر أنها أقرب الجماعات المرشحة لتخليص الأمة الإسلامية مما تعانيه من فساد وضياع، وأنها الجماعة التي سيكون على يدها عودة مجد الأمة الإسلامية وكرامتها بإذن الله"، فما تتمتع به "من الدقة والوضوح في النظام والتنظيم هو ما ينبغي على كل جماعة من الجماعات الإسلامية الاهتمام به، خاصة في هذا الوقت الذي نظم الكفر نفسه ليحول بين المسلمين وأهدافهم".
ثم يعرج على أهم الجماعات الإسلامية العاملة على الساحة ليكشف ثغراتها وعيوب منهجها ومن ثم مخالفتها للدين، ويحرضها على الالتحاق بالإخوان لأنها الجماعة المنوط بها الوصول لهدف إقامة الدولة والدين، كما يخاطب الفرد المستهدف بالدعوة الإخوانية من أجل إقناعه بأن جماعة الإخوان هي الجماعة الكاملة الربانية.
وبعد تفكيك الكتاب لمناهج الجماعات الإسلامية الأخرى المنافسة لجماعة الإخوان المسلمين، من خلال إثبات قصور مناهج تلك الجماعات، وعدم موافقتها لمراد الله، ليقدم بعد ذلك ما أسماه "الجماعة المرشحة" لأن تكون "جماعة المسلمين" التي تحمل راية الله في الأرض وتقيم دولة الخلافة الإسلامية".
وفي الختام يتطرق الكتاب إلى صفات مؤسس جماعة الإخوان المسلمين، حسن البنا، فيجعله كائناً قديساً اجتمعت فيه خصائص القائد الرباني الذي صنعه الله على يديه ليجدد لهذه الأمة دينها، ويصنع هو جماعة المسلمين التي ترجع للأمة عزها ومجدها فيقول "وقد كتب عن هذه الشخصية الفذة وعن جماعته الكثير من العلماء.. ولم يبق لي من مزيد سوى الاقتباس القليل بما يناسب المقام"، ثم ينقل عن حوّى: "إن المسلمين لم يروا مثل حسن البنا منذ مئات السنين في مجموع الصفات التي تحلى بها وخفقت إعلامها على رأسه الشريف.. كان لله بكلية روحه وجسده بقلبه وقالبه بتصرفاته كلها، كان لله فكان الله له واجتباه وجعله من سادات الشهداء الأبرار".

 

للمشاركة:

صناعة الإرهاب في خطاب القرضاوي.. قراءة في كتاب ''جيل النصر المنشود''

2020-05-17

ينطلق يوسف القرضاوي في كتابه ''جيل النصر المنشود'' من رؤية سوداوية إلى الواقع الرّاهن للمسلمين، ويصوّر حجم التأزّم والنّكوص، والضّلال الذي يرى أنّه يسود هذا الواقع، ويؤدّي به إلى الهزائم والانحراف عن ''المثال الإسلامي''، ويحدد ''قوانين النصر المنشود'' في ثلاثة؛ ويبين أنّها جميعاً مسجّلة في القرآن؛ وهي: أنّ ''النصر من عند الله''، وأنّ ''الله لا ينصر إلا من نصره''، وأن ''النصر لا يكون إلا بالمؤمنين''، ويرسم من ثم ملامح أولئك المؤمنين؛ أي من يسمّيهم ''جيل الدّعوة والجهاد، الذي سيعيد الأمة إلى مسارها الصّحيح''، والذي سيعود بالإسلام إلى ''ينابيعه الصّافية'' التي تتحدّد معالمها في حيّز الإسلام الأول الذي نزل به القرآن ودعا إليه الرسول وآمن به أصحابه، والأوصاف التي يقدّمها القرضاوي لهذا الجيل المنشود لا تكاد تنتهي على امتداد هذا الكتيّب الصّغير الأشبه بخطبة مسجدية مسترسلة، يطغى على نصّها الاستشهاد بالقرآن والحديث وأحداث فترة النبوّة، كما أنّها لا تكاد تخرج عن النّمذجة المبالغ فيها.

الإخوان هم الجيل المنشود!
ويؤكّد القرضاوي على الهوية الإخوانية التي ينتمي إليها، ويعتبر أن الإخوان المسلمين في الزمن الحاضر هم النّظير المماثل للصّحابة في زمن النبوّة، ويقول إنّ همَّ المصلحين الإسلاميين الواعين أن ينشأ في الأمّة جيل مسلم مؤمن جديد يستحق أن يسمّى ''جيل النّصر'' الذي يؤمن بأنّ العمل الجماعي لنصرة الإسلام واستعادة سلطانه فريضة وضرورة؛ ''فريضة يوجبها الدّين وضرورة يحتمها الواقع''؛ فللجماعة الإسلامية في تقدير القرضاوي مكانة كبرى تجعله لا يرى بناء ''الجيل المنشود'' بعيداً عنها، بل يعتبر أنّ ''إصلاح الفرد لا يتم إلا في ظل جماعة يعيش في كنفها''.
فكما أنّ النبي بدأ دعوته بتغيير العقائد السائدة في المجتمع القبلي الذي ظهر فيه، وتكوين ''الجماعة المؤمنة'' التي حملت لواء التغيير بالسيف، ومارست السياسة عبر امتلاك السلطة وتأسيس الدولة الإسلامية، فإن ما تفضي إليه أفكار القرضاوي من خلال هذا الكتيّب لا يخرج عن الالتزام بالتمشي ذاته دون إعادة فهم أو قراءة، ودون أي اختلاف أو تنسيب، ولكن مع كثير من الانتقاء؛ فالمنظومة الإسلامية التي يمثلها القرضاوي، هي منظومة تعيش حالة من التكرار والثبات، وتنشدّ إلى جزء من الماضي وتحاول استعادته في الحاضر والعيش فيه.

يعتبر القرضاوي أن الإخوان المسلمين في الزمن الحاضر النّظير المماثل للصّحابة في زمن النبوّة

وليس ''الجيل المنشود'' في ذهن القرضاوي سوى شخوص قائمة على أنماط مكرّرة ومشوّهة لنماذج إسلامية بعينها. فلو نظرنا في تاريخ الصّحابة، سنجد في سيرهم نجاحات وإخفاقات، وصراعات فيما بينهم، وانتصارات وهزائم، وظالماً ومظلوماً وقاتلاً ومقتولاً... ولكن القرضاوي يجعل منهم رموزاً للاقتداء، خاصة في الجوانب الحربية والقتالية التي وسمت تاريخهم التي يراها فاعلة في صناعة الجيل المنشود، ويرى أنّ على هذا الجيل أن يحمل من روحهم ''في مقاومة الردّة وحرب المرتدّين''، ويعمدُ إلى ذكر شخصيات لها سمات حربية وقتالية بأسلوب انتقائي واضح، ويستحضر أياماً ''كيوم خالد في اليرموك أو سعد في القادسية، أو عمرو في أجنادين...''، ويعتبر أنّ روحهم القتالية مجبولة بروح الصّحابة، وأنّهم لمحات مضيئة لا بد من استعادتها في شكلها الأكثر عنفاً وبطشاً، من أجل إعادة أسلمة المجتمع المعاصر.

الوصول إلى السّلطة
وتكون أسلمة المجتمع بحسب هذا الخطاب أوّلاً، ويليها بعد ذلك السّيطرة على الحُكّام ومحاولة امتلاك السّلطة، وإخضاع المجتمع لمسلّمات عقائدية وفكريّة تفضي به إلى الشكل النّهائي للمجتمع الإسلامي الذي يتحدّد بواسطة الدّولة الإسلامية المنشودة، ولعل الخطر الذي ينطوي عليه هذا الخطاب يتبيّن بوضوح في مستوى الغايات والمقاصد التي يقوم عليها فهم القرضاوي للمجتمع والوسائل التي يطرحها لتغييره، والصّورة النّهائية التي سيكون عليها المجتمع الإسلامي ومن ثم الدولة الإسلامية، وهي من دون شكّ صورة مرعبة إذا ما تمثّلنا حجم العنف المعنوي والمادي الذي تنطوي عليه.
فأسلمة المجتمع تمر وجوباً عبر اعتماد أحكام الشّريعة وتطبيقها في المجتمع والدّولة، انطلاقاً من القول بأنّ ''الشريعة هي المنهاج والقرآن هو الدستور''، فلا اعتبار مطلقاً لدى القرضاوي لمنهاج أو شريعة من وضع بشر مثله. ولا نعرف ما إذا كان هذا الطّرح الذي يقدمه يستبطن طرقاً ما لكيفيات استنباط تلك الأحكام في المجتمع، ومن سيقوم بذلك ومن سيتولى الحكم بها؛ فعندما نقول إنّ القرآن هو الدّستور، فذلك يعني أن نتجاهل أنّه نزل بلغة بشرية تحتمل تعدّد القراءة وتعدّد الفهم والتّأويل، وأنّ إصدار الأحكام منه لا بد أن يمر بتدخّل بشري، وأنّ أحكام الشّريعة المستنبطة من القرآن لا يمكن أن تكون إلهية مطلقاً، وأنّ مقولة ''إن الحكم إلا لله وحده'' إنّما هي مطيّة يحمّلها القرضاوي أهواءه العنفيّة والتسلّطية من أجل الهيمنة.

بحسب خطاب القرضاوي الأولوية لأسلمة المجتمع ويليها السّيطرة على الحُكّام ومحاولة امتلاك السّلطة

تكفير العلمانية
ويهاجم بناء على ذلك العلمانية، وينسبها إلى النّخب اللادينية، ويعتبرها نوعاً من الاستعمار الثّقافي الذي يعزل الشّعوب عن دينها، ويحشو أذهانها بمفاهيم خاطئة عن الإسلام وشريعته وتاريخه وأمّته، ويرى أنها مؤامرة الهدف منها منع الدّين من أن يقود الحياة أو يتدخّل في المجتمع بالتّشريع أو التّوجيه أو التنفيذ. ولا يخفى أنّ فهم القرضاوي للعلمانية فهم موجّه يغلب عليه التّضليل والمغالطة، فالعلمانية لا تفصل الشعوب عن دينها وإنّما هي فصل بين الدين والسّياسة. ولذلك فالقرضاوي لا يكفّر العلمانيين فحسب؛ بل كل من لا يقولون بالدولة الدينية، سواء كانوا شيوعيين أم ليبراليين أم غيرهم... ويرميهم بالفجور والإلحاد، والتّآمر على الأمّة وعلى الدّين، ويعتبرهم مرتدّين عن الإسلام، ومن ثم يوجب أن تطبّق عليهم حدود الردّة.
ويبدو جلياً في خطاب القرضاوي سعيه إلى بعث الفرقة في النّسيج المجتمعي عبر استغلال الاختلافات الاجتماعية والعقائدية والتّأسيس عليها؛ من خلال تعميق الخلاف بين أفراد المجتمع، وتقسيمه إلى مؤمنين وكفّار... لينتهي إلى إحداث شكل من التّدافع القائم على الفرز الأيديولوجي؛ وبالتّالي فخطابه يهيئ المنطلقات اللازمة للتناحر والتّقاتل والاحتراب الدّاخلي بين أفراد المجتمع الواحد والتحكّم فيه والعمل على تخضيعه بالقهر والعنف والإرهاب.

''جيل معارك لا تنتهي''
كما يهاجم القرضاوي حكّام المسلمين استناداً إلى الاعتبار نفسه القائل بالمؤامرة، ويرى أنّهم بحكم نشأتهم وتربيتهم ومصالحهم وولاءاتهم، مرتبطون بالمعسكرات المعادية للإسلام، وأنّهم لهذا ''يخشون من حُكمه أن يعود، ويخافون من تعاليمه أن تسود وتقود''، ولا ينفكّ يصفهم بـ ''الطّاغوت''، ويدعو إلى الجيل المنشود الذي سيخرج عليهم وسيقاوم ظلمهم... والحقيقة أنّ القرضاوي لا يدعو إلى حكّام أقل ظلماً ولا أقل بطشاً، فلا تبدو تلك غايات خطابه في هذا الكتيّب، وهو لذلك لا يتحدّث عن صفات بعينها لحاكم ما، عدا أن يكون متوافقاً مع شروط الدّولة الدينية، ومردّ ذلك أنّه لا يرى لهذه الدّولة حدوداً قطريّة، وإنّما هي مفهوم شامل يخترق الكيانات الضيّقة وحدود الدّول القائمة.

خطاب القرضاوي يهيئ المنطلقات اللازمة للتناحر والتّقاتل والاحتراب الدّاخلي بين أفراد المجتمع الواحد

لذلك فمفهوم الصّحوة الإسلامية المنشودة يتجاوز حدود الصّراع الضيّق على الهيمنة واكتساب السّلطة في الدّولة الواحدة، نحو التوسّع اللانهائي لقاعدة الصّراع والعنف، ليشمل الدّول والكيانات السّياسية المخالفة، وبالتّالي يستعيد القرضاوي التّاريخ التوسّعي للدولة الإسلامية، ويجعل من مهام الجيل المنشود أن يدير الصّراع على مستويات متعدّدة في الدّاخل والخارج؛ فهو كما يصفه ''جيل معارك لا تنتهي'' وهو جيل ''صراع متواصل مع الفجرة في الدّاخل والكفرة في الخارج'' و''أرض الله كلّها ميدانه''، ويرى القرضاوي الجهاد فرضاً على المسلمين جميعاً ''يجاهدون في سبيل الله في كل معركة تطلبهم وبكل سلاح يمكنهم، قد يكون باليد إذا كان لا بد من اليد تحمل المدفع، وقد يكون بالمال إذا احتاج الجهاد إلى المال، وما أحوج الجهاد إلى المال''.

 القرضاوي لا يكفّر العلمانيين فحسب؛ بل كل من لا يقولون بالدّولة الدينية ويرميهم بالفجور والإلحاد والتّآمر على الأمّة

الوسطية الكاذبة
منطق الجهاد والقتال والتكفير هو الذي يحكم خطاب القرضاوي ويوجّهه إلى صناعة جيل أشبه ما يكون بالقنبلة الموقوتة أو العبوّة النّاسفة التي يمكن أن تنفجر في وجه المسلمين أنفسهم، كما يمكن أن تنفجر في وجه العالم في أي لحظة ومن أيّ مكان.
من المؤكّد أنّ خطاباً بمثل هذا المحتوى العنفي والظلامي، وبمثل هذه الأهداف التوسّعية المكشوفة، يمثّل تهديداً خطيراً للأمن الداخلي للدّول سواء كانت إسلامية أو أجنبية، ولكنه رغم ذلك يحافظ على وجوده وعلى استمراره، ورغم معاداته الشديدة للحداثة فإنه يستفيد من آخر منتجاتها الاتّصالية، كما يستفيد من تغيّر موازين النفوذ العالمي، وقد شهد العالم وما يزال عمق أثره في الواقع، وقدرته على الاستقطاب وعلى التأثير، ولعلنا بإعادة قراءة هذا الكتيّب ''جيل النصر المنشود'' نساهم في كشف الصورة الحقيقية لهذا الخطاب من داخله؛ وهي صورة بعيدة كل البعد عمّا يسوّق إعلامياً عن وسطيّة القرضاوي واعتداله، فيكفي أن نتساءل ما الذي يميّز أشد الظواهر الإسلامية عنفاً وأكثرها إرهاباً في العالم، من أمثال ''القاعدة'' و''طالبان'' و''داعش'' و'' جبهة النصرة''... عن ''جيل النصر المنشود'' الذي ينادي به القرضاوي في هذا الكتيّب؟ لنكتشف ألا اختلاف بين هذا وأولئك على الإطلاق، ولا يعدو القرضاوي بوسطيّته المتطرّفة الكاذبة في اعتدالها في النهاية إلا أن يكون واجهة أخرى لحالة بن لادن، والزرقاوي والبغدادي وأمثالهم.
 

للمشاركة:

الإسلام السياسي ومستقبل الديمقراطية في العالم الإسلامي

2020-05-10

شكلت صدمة الحداثة الغربية حلقة مفصلية في علاقة الغرب الناهض بالشرق الإسلامي المنكفئ منذ نهاية القرن الثامن عشر، وفرضت طبيعة العلاقة الجديدة على الفكر الإسلامي البحث عن إجابات على جملة من الأسئلة الإشكالية حول ضرورات النهضة والتنمية والتحديث والقضايا الحيوية المتصلة بها كقضية الديمقراطية والعلمنة والدولة ونظام الحكم...، التي لم يفتر النقاش حولها حتى اليوم.

اقرأ أيضاً: أولية العقل: نقد أطروحات الإسلام السياسي
وذهب المسلمون في استقصاء الإجابة عن تلك الأسئلة الضاغطة مذاهب شتى، تشترك بالمجمل في كونها نوعاً من رد الفعل على الحضارة الغربية ونمطها المعولم، وتفترق في طريقة الاستجابة للتحديات التي فرضتها ما بين قبول وتبني مشوب بالحذر من غرب ظهر وجهه الاستعماري القاهر على خلفيته الثقافية الحداثية الإنسانية في العلاقة مع دول الشرق المسلم، وبين رفض ارتدادي يعيش واقع الحداثة الغربية ويستهلك منتجاتها، لكنه يرفضها فكراً ويعادي قيمها. 

شكلت صدمة الحداثة الغربية حلقة مفصلية في علاقة الغرب الناهض بالشرق الإسلامي المنكفئ

وفي الحالتين لم يكن التحديث مساراً طبيعياً يستجيب لمقتضيات التنمية الاجتماعية الداخلية بقدر ما كان "تحديثاً دفاعياً" ضد الضغوط التي كانت تمارسها السلطات الاستعمارية في أشكال تخدم مصالحها.
من واقع الأزمة تلك، وفي طور اشتدادها بعد فشل مسار التحديث والتنمية الذي قادته "الدولة الوطنية" وأحزابها وسلطاتها التي انصرفت إلى مراقبة المجتمع بدل تمثيله وخدمته، وسدت الطريق وأغلقت المجال العام أمام قوى التغيير العلمانية والديمقراطية، نشأت حركات الإسلام السياسي النضالية واستطاعت أن توظّف الرأسمال الرمزي للدين في خطابها التعبوي واكتساب جماهيرية في الأوساط الاجتماعية المهمشة والناقمة والمحبطة في حربها على مجتمعات "الجاهلية" في الداخل والخارج، لكنها عجزت حتى الآن عن إنتاج نموذج إسلامي بديل يحقق ما لم يحققه غيرها، ما يترك النقاش حول مستقبل المجتمعات الإسلامية ومستقبل الديمقراطية في هذه المجتمعات مفتوحاً.

 

في سياق الانشغال الفكري بهذا المستقبل والنقاش المستمر حوله قام مركز طارق بن زياد في المغرب بترجمة كتاب "الإسلام السياسي ومستقبل الديمقراطية في العالم الإسلامي" الذي يشكل حلقة مهمة تغني هذا النقاش من خلال مجموعة من الآراء والمقاربات قدمها عدد من المفكرين المهتمين في هذا الشأن كل من موقعه واختصاصه. 

 

اقرأ أيضاً: أوليفيه روا يحلل عوامل فشل "تجربة الإسلام السياسي"
تصدرت الكتاب دراسة الباحث، نزيه أيوبي، تحت عنوان "أشكال الإسلام الحديث بين التعبير الثقافي والدور السياسي" التي تنطلق من السؤال القديم الحديث حول الدور الذي ينبغي أن يضطلع فيه الإسلام في مواجهة تحدي الغرب ليؤسس الأيوبي نقاشه على مفهوم التنمية بمعناه الواسع وعلى علاقة التنمية بكل من التحديث والعلمنة. فيبين بالمقارنة أنّ التنمية في الغرب لم تكن نتاجاً للمعرفة التكنولوجية فقط، إنما قامت داخل النهضة الثقافية والإصلاح الديني، في حين أنّ التحديث في الشرق الأوسط  قام تحت وطأة العلاقة مع الغرب، وهو "تحديث دفاعي" ذهب في الطريق المعاكس نتيجة الالتباس بين التحديث والتغريب، ما أدى إلى رفض العلمنة بحجة أنه لا يوجد إكليروس ديني في الإسلام، وأنّ الإسلام عقيدة وشريعة وعبادات ومعاملات وبالتالي "دين ودولة"، ما يجعل ضمانة الاندماج الاجتماعي وحقوق المشاركة السياسية دائماً على المحك.

اقرأ أيضاً: "الإسلام السياسي بين الأصوليين والعلمانيين".. التطرف الديني إلى أين؟
وإذا كان النموذج الإسلامي نموذجاً جاذباً في طور المعارضة نتيجة فشل نموذج التنمية والتحديث العلماني، الليبرالي أو الاشتراكي، إلا أنّ تجربة إيران الإسلامية التي كانت تجربة ملهمة للإسلاميين لا تبدو عكس ذلك، وقد لا ينتظرها مستقبل أفضل. وأنّه رغم  وجود مفكرين إسلاميين يقرون بأنّ غير المسلمين مواطنون كاملو المواطنة، فإنّ الفكر القطبي أو المودودي الذي انتشر مؤخراً يأبى عليهم ذلك؛ "فعندما يصبح الدين هو المفهوم الأساسي للهوية والبؤرة المهمة للولاءات فإنّه يصعب إيجاد أرضية مشتركة بين مواطنين يعتنقون ديانات مختلفة".
ويخلص الأيوبي إلى القول إنّ الإسلام السياسي الحديث متعدد بتعدد التيارات التي تدّعي تمثيله، وأنّ بروز التنظيمات "الجهادية" لا يعبّر عن كون الإسلام عقبة في طريق التنمية والتحديث والعلمنة، إنّما فشل السياسات التنموية القومية وزيادة عدد المهمشين وغياب العدالة الاجتماعية دفع الجميع باتجاه الاستثمار السياسي في الدين، والبحث عن مرجعيات فكرية أصولية تناسب ذلك، في حين (يبرز ضمن بعض دوائر المثقفين ضرب جديد هو الإسلام الحضاري يهدف إلى إدماج الإسلام في أهلية، وقومية وحضارية حيث تكون السياسة والاقتصاد تعبيراً لهذا المنحى).

اقرأ أيضاً: دولة جماعات الإسلام السياسي المستحيلة
تحت عنوان "من أجل تحليل اجتماعي للحركات الإسلامية" يقدم المفكر الفرنسي جيل كيبل المعروف بسعة معرفته وتعدد أبحاثه في دراسة الظاهرة الإسلاموية تحليلاً عميقاً لواقع ومستقبل حركات الإسلام السياسي من خلال معاينة ثلاثة نماذج لنشاطها في كل من إيران والجزائر ومصر.

 المرجعية الإسلامية هي الجامع الوحيد لهذه الفئات المتباينة البرامج والأهداف
وخلافاً للأدبيات التي تنظر إلى الظاهرة الإسلامية وفق أحكام جاهزة فلا ترى فيها إلا تجسيداً لما هو شر، أو التي ترى فيها كل ما هو خير معبّر عن المجتمع المدني، يرى كيبل أنّ "الظاهرة الإسلاموية نشأت في ظل ظروف معينة وقد لا تستطيع الصمود للتحولات الطارئة"، وأنّ نجاح أي حركة إسلامية أو فشلها مرهون بقدرتها التنظيمية على التعبئة الاجتماعية لثلاث فئات معارضة ومحرومة، لكل منها مرجعيتها الاجتماعية وبرنامجها السياسي ومواردها السياسية وغايتها المنتظرة من "الدولة الإسلامية" التي تجمعها كهدف: فئة الشباب الحضري الفقير الذي يريد أن تمنحه السكن اللائق وفرصة الشغل المناسب والاحترام، والبرجوازية الورعة التي تمتلك الرأسمال المالي والاقتصادي.

لم يكن التحديث العربي مساراً طبيعياً يستجيب لمقتضيات التنمية الاجتماعية الداخلية بقدر ما كان "تحديثاً دفاعياً"

وينصرف همّها إلى التحكم بمفاصل الدولة بعد إزاحة السلطة وتكريس زعامتها، وتستطيع تعبئة الشباب لممارسة العنف الاجتماعي، والنخبة المثقفة التي يرتهن وجودها بقدرتها على إنتاج الخطاب الأيديولوجي الذي يعبئ كل من الشباب الحضري والبرجوازية الورعة وينزع الشرعية عن السلطة الحاكمة. لذلك يعزو كيبل نجاح التجربة الإيرانية لقدرتها على تحقيق التضافر بين الفئات الثلاث، في حين فشلت التجربتين؛ المصرية والجزائرية نظراً لتنبه السلطات الحاكمة لقوة هذا التضافر فعملت على تفتيته وإثارة مخاوف كل فئة من الأخرى أو احتوائها. ولما كانت المرجعية الإسلامية هي الجامع الوحيد لهذه الفئات المتباينة البرامج والأهداف، وأنّ الأيديولوجيا التي تعبر عن العلاقات الاجتماعية تتغير بتغير  هذه العلاقات بفعل الحركية الاجتماعية والعوامل السياسية والاقتصادية ستفقد الأيديولوجيا الإسلامية شحنتها الثورية مع تغير الظروف.
في بحث "آفاق الديمقراطية في شمال إفريقيا والشرق الأوسط" يقوم الباحث الإنثربولوجي الأمريكي ديل ايكلمان باستقراء آفاق الديمقراطية من دور العامل الثقافي في التنمية الشاملة، والتساؤل حول دور التعليم الجماهيري الذي انتشر منذ السبعينيات في إعادة رسم المخيال السياسي في الخطاب الديني، وكيف يمكن تغيير منظور المتعلم للأيديولوجيا الدينية الرافضة لقيم الحداثة والديمقراطية.

اقرأ أيضاً: مفهوم الإرهاب لدى جماعات الإسلام السياسي
كما يشير إلى الموقف السياسي الغربي السلبي من المسلمين الذي يقوم على التبسيط واستبطان منطق هنتنغتون في صراع الحضارات، ويحكم على الإسلام من خلال الحركات الإسلامية المتشددة ويتبنى مثلها صورة نمطية للدين لا تخضع لمنطق الزمن، ولا يعير اهتماماً حقيقياً للطيف الواسع من المسلمين المعتدلين الذين يعتبرون الخطاب السلفي خطاباً مفلساً، ويستمر بدعم السلطات الاستبدادية التي تعمل على إقصاء المعارضين ودفعهم نحو العنف، ويغض الطرف عن تجاوزات حقوق الإنسان في هذه البلدان.
ويخلص إيكلمان إلى الاستنتاج أنّ "القيود التي وضعتها الحكومات المتعاقبة ضد الأفراد والجماعات التي ترفع صوتها للمطالبة بالتغيير لا يلغي تبني المشاركة الاجتماعية بتدبير الحكم، والتي ترتبط بارتفاع المستوى التعليمي والانفتاح على النظم البديلة في مجال الحكم"، لكن ذلك يتطلب زمناً لتحقيقه وتجاوز الحدود المرسومة.
تحت عنوان "الإسلام السياسي ماضياً وحاضراً ومستقبلاً" تأتي مشاركة الباحث المصري سعد الدين إبراهيم التي تنطلق من  اعتبار الإسلام السياسي أسلوباً للتعبير عن المظالم الدنيوية، والبحث عن حياة رغيدة على الأرض وأنّ الإسلاميين سيجنحون  للاعتدال حالما تُسوّى الاختلافات أو سيضعفون ويتحولون إلى طوائف معزولة.

الحركات الإسلامية نمت كتعبير عن الاحتجاج ضد القمع والتهديد المحدق بالهوية الجماعية
ويذهب إبراهيم إلى أنّ الحركات الإسلامية نمت كتعبير عن الاحتجاج ضد القمع والتهديد المحدق بالهوية الجماعية، وانتشرت بمواقع الفقر والعشوائيات المحرومة التي زادتها اتساعاً سياسة الانفتاح الاقتصادي الذي فرضتها شروط التكيف الهيكلي مع سياسات الغرب القهرية التي مازالت تحابي الحكام "بدل أن تتدخل سياسياً من أجل الديمقراطية، فحتى وإن وصل بعض الراديكاليين إلى السلطة فإنّهم سرعان ما يفقدون "راديكاليتهم" و"إسلامويتهم"".

اقرأ أيضاً: محمد الكيلاني: الإسلام السياسي أكبر عائق أمام الديمقراطية
على صعيد متصل بالمحور السابق يخصص الباحثان غسان سلامة وديريك فانديل مقالهما المشترك لبحث "جذور الأزمة الجزائرية" التي أفضت إلى ظهور الحركة الإسلامية كلاعب سياسي جديد أفرزته السياسات التنموية الفاشلة للدولة الناشئة بعد الاستقلال، وتفرد نخبتها السياسية والعسكرية بالحكم، معتبرة أنّ تاريخها النضالي يعطيها وحده شرعية استمرارها.

سعد الدين إبراهيم يعتبر أنّ الإسلاميين سيجنحون  للاعتدال حالما تُسوّى الاختلافات أو سيضعفون ويتحولون إلى طوائف معزولة

ويرى الباحثان أنّ الأزمة الجزائرية لا تقتصر على الأزمة الاقتصادية التي استفحلت في الثمانينيات، بل هي أزمة سياسية وسوسيوثقافية عميقة. وإذا كانت الجزائر قد تجاوزت المرحلة الدموية التي فجرتها الجبهة الإسلامية للإنقاذ غداة إلغاء نتائج الانتخابات مطلع التسعينيات مؤقتاً، لكن جذور الأزمة بقيت قائمة ومستقبل الديمقراطية مرهون باستدراك وعلاج الأسباب الحقيقية للأزمة، وأن يعي الإسلاميون أن تحول "الحيطست" أي (الشباب المهمش العاطل عن العمل) إلى مقاتلين لا يغني من فقر، وأنّ الخطب البلاغية لا تصنع تنمية ولا تنتج مجتمعاً مندمجاً.
يختتم ديفيد هيرست الكتاب بدراسة تحت عنوان "التحول الديمقراطي في إيران أو ما بعد الخمينية" تنطلق من معاينة نتائج الثورة الخمينية التي شكلت المثال الملهم وحققت الهدف المشترك لجميع الإسلامويين وهو الاستيلاء على السلطة وإقامة "حاكمية الله" وسلطة الإمام "المقدسة" التي وصلت إلى إعادة إنتاج الفقر والاستبداد وعسكرة المجتمع وتفتيته وإقصاء الأقليات والمعارضين الإصلاحيين.
ويبقى تساؤل هيرست مفتوحاً حول ما مدى التغيير الذي قد يحدثه التوجه نحو إجراء انتخابات تشريعية بإيران بعد إحدى وعشرين عاماً من الحكم المطلق في طبيعة النظام الحاكم، وهل شكّل نمطاً ملهماً لغيرها من أصحاب الأيديولوجيات الإسلامية في البلدان الأخرى؟

للمشاركة:



"حفريات" تهنئ في العيد وتستأنف مسيرة النّور

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-05-23

"عيدٌ بِأَيَّةِ حالٍ عُدتَ يا عيدُ.. بِما مَضى أَم بِأَمرٍ فيكَ تَجديدُ.

أَمّا الأَحِبَّةُ فَالبَيداءُ دونَهُمُ.. فَلَيتَ دونَكَ بيداً دونَها بيدُ".

لو كان المتنبي بيننا، لما وجدَ خيراً من هذا الشّعر ليعبّر عن مأساة الإنسان الذي اعتقله "كورونا" وجعله رهين محابس كثيرة أولها الخوف.

لا يأتي عيد الفطر هذا العام بأمر فيه تجديد؛ فالوباء يضرب هنا وهناك، وليس على البشر إلا أن يتعايشوا مع عواصفه، ويتنظروا بشائر أمل قد تلوح بعد عام، وتحمل معها أنباء اللقاح المنتظر، فتنهض البشرية من ذعرها وتستأنف الحياة.

الأحبة في العيد بينهم البيداء والحَجْر الصحي ومواعيد الإقفال التي تفرضها الحكومات التي حبست شعوبها في أقفاص، فتطلقهم في موعد وتحشرهم في آخر، وهم راضون مسلّمون.

"حفريات" في هذه القنطرة التي تفصل زمنين من الخوف والرجاء لا تملك إلا أن تستدرج الخير، وتأمل أن يكون القادم أجمل. وهي تعاهد قرّاءها على استئناف المسيرة في الحفر المعرفيّ من أجل طمر الكراهية والتطرف والفساد، وإحياء النّور "وفي ذلك فليتنافس المتنافسون".

للمشاركة:
الوسوم:

خطوة تركية جديدة في ليبيا.. وواشنطن: لا للحل العسكري

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-05-23

نشرت مواقع متخصصة في رصد حركة الطائرات حول العالم تحركات غير اعتيادية لطائرات نقل عسكرية تركية إلى جانب عدد من الطائرات الحربية التركية، وقالت هذه المراصد، وفق وسائل إعلام، إنّ الطائرات تحركت في أجواء شرق البحر المتوسط وقرب السواحل الليبية، مؤكدة وصول طائرات نقل عسكرية كبيرة، أمس، إلى مطار مصراته قرب طرابلس.

وصول مقاتلات حربية تركية وطائرات نقل عسكرية كبيرة إلى ليبيا لمساندة ميليشيات الوفاق

وفي مقال له في صحيفة "خبر تورك" كتب الصحفي الكردي تشيتينار تشيتين، أمس: "في القريب يمكن أن تتخذ الطائرات المسيرة والطائرات الحربية التركية من قاعدة الوطية الجوية مقراً لها، هذا الأمر ممكن في إطار الاتفاقيات الموقع عليها بين تركيا وحكومة الوفاق".

وفي السياق شدد وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو، على معارضة الولايات المتحدة للتصعيد العسكري الأخير واستمرار تدفق الأسلحة التركية إلى ليبيا.

وقال بيان لوزارة الخارجية الأمريكية إنّ بومبيو أكد في اتصال مع رئيس حكومة الوفاق في طرابلس، فايز السراج، أنّه "لا حل عسكرياً للأزمة الليبية" وأنّ "الحل الوحيد يكمن في العودة إلى المسار السياسي والالتزام بنتائج مؤتمر برلين"، وفق ما أوردت صحيفة "العرب" اللندنية.

اقرأ أيضاً: الغرياني يتحدث عن دور تركيا وقطر في ليبيا.. ماذا قال؟

وعبر وزير الخارجية الأمريكي عن "استياء بلاده لاستمرار مستوى دخول الأسلحة والذخائر إلى ليبيا"، في إشارة واضحة إلى التدخلات التركية المتنامية في ليبيا.

تشيتين: يمكن أن تتخذ الطائرات المسيرة والطائرات الحربية التركية من قاعدة الوطية مقراً لها

وكان رئيس حكومة الوفاق، المدعومة من الميليشيات الإخوانية، سمحت لتركيا عبر اتفاقية أمنية وعسكرية وقعت في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي بتركيز قواعد عسكرية والتدخل في البلاد لمواجهة الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر.

وقال تقرير صادر عن مجموعة الأزمات الدولية الشهر الماضي إنّ تركيا أرسلت إلى ليبيا ما لا يقل عن 100 ضابط عسكري، كما أرسلت سفناً محملة بأسلحة ودفاعات جوية إضافة إلى نحو ألفي مرتزق.

كما أعطى البيان، الصادر عن البيت الأبيض قبل يومين بشأن الأوضاع المستجدة في ليبيا، إشارات واضحة برفض التدخل التركي المتنامي في البلد الغارق بالفوضى.

وقال البيت الأبيض إنّ الرئيس دونالد ترامب ونظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون ناقشا بواعث القلق حول "التدخل الأجنبي المتزايد" في ليبيا و"اتفقا على الحاجة الماسة لوقف التصعيد".

بومبيو يعبر عن استياء بلاده لاستمرار مستوى دخول الأسلحة التركية والذخائر إلى ليبيا

وعكس بيان البيت الأبيض دعوة صريحة إلى ضرورة وضع حد للتدخل التركي في الشأن الليبي، الذي أغرق البلاد بالمرتزقة الذين جلبهم للقتال إلى جانب ميليشيات حكومة الوفاق.

هذا وكان المؤتمر الدولي الذي عقد بألمانيا في كانون الثاني (يناير) الماضي دعا إلى وقف إطلاق النار والعودة للمفاوضات، لكن تزايد التدخلات التركية ومواصلة أنقرة إرسال المرتزقة إلى البلاد وشن هجمات على مراكز للجيش تسبب في فشل الجهود الدولية مما دفع نحو تصاعد للعمليات العسكرية.

للمشاركة:

تقرير: إيران متورطة بأنشطة إرهابية في 40 دولة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-05-23

تطرقت وزارة الخارجية الأمريکية، في بيان لها، إلى الأنشطة الإرهابية للنظام الإيراني، وإلى الانتهاكات التي يتعرض لها المعارضون السياسيون بالخارج.

وزارة الخارجية الأمريكية: النظام الإيراني تورَّط في عمليات اغتيال ومؤامرات وهجمات إرهابية بأكثر من 40 دولة

وقالت الخارجية الأمريكية في بيان صدر أمس: "إنّ النظام الإيراني منذ وصوله إلى السلطة عام 1979، تورَّط في عمليات اغتيال ومؤامرات وهجمات إرهابية بأكثر من 40 دولة"، وفق ما نقل موقع "إيران انترناشيونال".

وتابع البيان: "وأعلن مسؤولون إيرانيون بارزون أنّ إيران تتابع عن كثب وتراقب باستمرار، المعارضين الإيرانيين في دول أخرى؛ من أجل قمعهم وتوجيه ضربات حاسمة ضدهم".

وأردف: "شملت حملة الإرهاب العالمية التي شنّتها إيران ما يقرب من 360 اغتيالاً في دول مختلفة، وهجمات بالقنابل أدت إلى مقتل وتشويه المئات".

ولفت بيان الخارجية الأمريكية إلى أنّ "إيران نفذت هذه الاغتيالات وغيرها من الهجمات بشكل أساسي من خلال فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني ووزارة الاستخبارات والأمن الوطني، ولكن أيضاً عبر أطراف أخرى ووكلاء مثل حزب الله".

ويضيف البيان: "كما يتضح من مذكرات التوقيف وتحقيقات القضاء والشرطة وأجهزة المخابرات وتقارير الشهود، تورط دبلوماسيين إيرانيين مراراً في اغتيالات بالخارج".

اقرأ أيضاً: الحوثيون وفلسطين.. متاجرة تكشف نشاز المشروع الإيراني- الإخواني

ويستطرد: "وبسبب التدقيق المتزايد الذي سبّبه الإرهابيون الإيرانيون الذين يستخدمون الغطاء الدبلوماسي، أظهرت إيران استعداداً لاستخدام العصابات الإجرامية وعصابات المخدرات وأطراف ثالثة أخرى لتنفيذ خططها للاغتيال في الخارج"، مشيراً إلى أنه "حتى عندما يُضبط موظفوها الدبلوماسيون وهم يراقبون الأهداف المراد اغتيالهم، ويوفرون المتفجرات أو يهربون من مسرح الجريمة تكذب إيران باستمرار حول تورّطها في عمليات قتل بالخارج".

حملة الإرهاب التي شنّتها إيران شملت اغتيال ما يقرب من 360 معارضاً في دول مختلفة

وفي إشارة إلى فرض الولایات المتحدة عقوبات على وزير الاستخبارات الإيراني السابق، علي فلاحيان، ذکرت الخارجية الأمريكية أنّ "المعلومات الموثوقة تُظهر أنه كان متورطًا في انتهاكات لحقوق الإنسان عندما كان وزيراً للاستخبارات والأمن".

وأضافت: "تورّط فلاحيان خلال فترة عمله في اغتيال عديد من المعارضين السياسيين الإيرانيين بأوروبا، وضمن ذلك الحالات التي أصدرت فيها المحاكم السويسرية والألمانية أوامر باعتقاله.

ووفقاً لوزارة الخارجية الأمريكية، فإلى جانب استهداف المعارضين السياسيين وقادة ونشطاء الأقليات العرقية والدينية ومسؤولين حكوميين أجانب عبر اغتيالهم، هدّدت إيران بشكل متزايدٍ نشطاء المجتمع المدني والصحافيين الإيرانيين في الخارج.

اقرأ أيضاً: "العفو الدولية" تطالب بالتحقيق بمجزرة احتجاجات إيران.. أدلة وأعداد

وختم بيان الخارجية بالقول: "في وقت سابق من هذا العام، ظهرت تقارير تفيد بأنّ المخابرات الإيرانية هددت باختطاف صحافيين من قناة "إيران إنترناشيونال" ومقرها لندن، ونقلهم قسراً إلى إيران".

للمشاركة:



7 تطورات ومفاجآت تعيد سوريا إلى الواجهة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-05-23

إبراهيم حميدي

عاد الملف السوري إلى تصدر الأوراق البحثية لمراكز التفكير الغربية والعربية إلى حد يذكر نسبياً بأجواء 2012. وذهبت وسائل إعلام ومنصات التواصل الاجتماعي إلى الحديث عن سيناريوهات سياسية وعسكرية لمستقبل البلاد. وأطل مسؤولون واقتصاديون سوريون حاليون وسابقون من بوابات مختلفة لتقديم «أوراق الاعتماد». كما أدلى مسؤولون غربيون بمواقفهم وطموحاتهم لمستقبل البلاد. وانتشر عسكريون في أجواء سوريا وأراضيها في تموضع جيوسياسي في مناطق النفوذ الثلاث.

عودة الملف السوري إلى الواجهة رغم انشغال العالم بوباء «كورونا» مرتبط بسبعة تطورات، هي:

1 - رامي مخلوف. لعقدين من الزمان كان هو الواجهة الاقتصادية وصاحب القرار الاقتصادي الرئيسي في سوريا، لكن منذ صيف العام الماضي، بدأت الأمور تنقلب عليه. انطلقت حملة لتفكيك جميع مؤسساته الاقتصادية وشبكاته العسكرية والإنسانية والسياسية. وعلى عكس جميع التجارب السورية، جاء مخلوف بتصرفات لا تنتمي إلى «القاموس السوري». تحدى بلغة دبلوماسية، وراح يوزع بيانات وفيديوهات على وسائل التواصل الاجتماعي. رفض ثم قبل شروط الحكومة لسداد شركته «سيريتل» مبلغ 185 مليون دولار.

أين روسيا وإيران من مخلوف؟ ماذا يعني هذا على بنية النظام؟ ولماذا الآن؟ وهل هناك جهة خارجية وراءه؟ هل يحصل في سوريا ما يحصل في كل الحروب الأهلية بأن التغييرات السياسية تأتي عندما يسعى «أمراء الحرب» إلى شرعنة أعمالهم؟

 توضيح بعد صمت

2 - الحملة الروسية. بعد زيارة وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو إلى دمشق في مارس (آذار) الماضي وطلبه من الرئيس بشار الأسد التزام اتفاق روسيا وتركيا حول إدلب وإثارته ملفات اقتصادية تتعلق بالإعمار، اندلعت فجأة حملة إعلامية من منصات بحثية وإعلامية قريبة من الكرملين. بقيت موسكو صامتة لبضعة أسابيع، لكنها عادت في الأيام الأخيرة وشنت حملة مضادة. مسؤول عسكري روسي جال في دمشق قبل أيام للتأكيد أنه «لا تغيير في موقف الرئيس فلاديمير بوتين من الأسد». وأجرى السفير الروسي في دمشق الكسندر يفيموف مقابلة مع صحيفة سورية أمس، ليقول بأن العلاقات بين موسكو ودمشق «تتميز بالطابع الصديق والاستراتيجي... والذين يصرون على قراءة التعاون بطريقة الكذب يقومون بعملية تخريب إعلامي فقط لا غير».

هل غيرت موسكو موقفها؟ هل تقصدت الصمت على الحملة بحيث تصل الرسالة إلى دمشق ثم تتراجع؟ ما هو حد التغيير في موسكو: الضغط على الأسد أم تغيير الأسد؟ للإصلاح أم للتغيير؟ هل فعلا، لا تريد روسيا الغرق في المستنقع السوري... اقتصاديا؟ وهل وصل النفوذ الروسي في المنطقة إلى الجدار ويحتاج إلى قفزة؟

3 - الحوار الروسي - الأميركي. تحدث مسؤولون أميركيون عن رغبة موسكو باستئناف الحوار الثنائي. اللافت أن المبعوث الأميركي جيمس جيفري قال لـ«الشرق الأوسط» بأن بلاده لا تمانع في بقاء روسيا عسكريا في سوريا، لكنها تريد خروج إيران. وقال المبعوث الأممي غير بيدرسن لمجلس الأمن: «أؤمن أن للحوار الروسي – الأميركي دوراً رئيسياً، وأشجع الطرفين على مواصلته».

وطرح دبلو ماسيون: لماذا تريد موسكو الحوار حاليا؟ إلى أي حد غير مواقفها؟ وهل يمكن الوصول إلى اتفاق قبل الانتخابات الأميركية؟ هل فعلا «بوتين غاضب من الأسد» أم أنها مناورة «قيصرية» جديدة؟

 انسحاب تكتيكي

4 - الانسحاب الإيراني: أكد مسؤولون أميركيون وإسرائيليون أن إيران «انسحبت تكتيكيا» من سوريا. جاء هذا بعد شن إسرائيل غارات مكثفة على مواقع إيرانية من دمشق إلى حلب إلى دير الزور. لكن هذا تزامن مع أمرين: الأول، إعلان «المرشد» الإيراني علي خامنئي ومسؤولين آخرين بقاء قوات إيران في سوريا والتمسك بـ«الدكتور بشار الأسد رئيسا شرعيا». الثاني، قيام إيران بتشجيع فصائل موالية لها لاستعجال العودة إلى جنوب سوريا قرب الجولان، بما ناقض الاتفاق الروسي - الأميركي - الأردني - الإسرائيلي في بداية 2018، بإبعاد «القوات غير السورية»، أي الإيرانية إلى أكثر من 80 كلم من الحدود والخطوط الجنوبية. هنا، لم تتردد روسيا بإرسال قواتها لإخراج الإيرانيين من ريف درعا في الأيام الأخيرة. واللافت هنا، قول مسؤول إيراني بأن بلاده دفعت بين 20 و30 مليار دولار لدعم دمشق، وتريد استرجاع المبلغ.

ماذا تريد إيران من الانسحاب وإعادة التموضع؟ هل هذا مرتبط بأزمتها الاقتصادية بسبب العقوبات و«كورونا» أم ضغوطات روسية تلبية لمطالب إسرائيلية؟ لماذا فتحت المستحقات المالية من دمشق؟ لماذا عادت واشنطن وتل أبيب للتركيز على الوجود الإيراني؟

5 - هدنة إدلب: رغم خروق كثيرة في هدنة إدلب التي بدأ تنفيذها في 5 مارس (آذار) الماضي، تواصل روسيا وتركيا التزامهما وتسيير دوريات مشتركة. إحدى الدوريات وصلت إلى عمق إدلب باتجاه اللاذقية. تركيا أقامت قاعدة في قمة جبل استراتيجية، هي الأعلى في جبل الزاوية. ورغم التوتر والصدام بين الطرفين في ليبيا بسبب دعم طرفين مختلفين وإرسال كل منهما مرتزقة سوريين لدعم فريقه، لا تزال أنقرة وموسكو تعملان سوية في إدلب وشرق الفرات. هذا طرح أسئلة حول مستقبل هدنة إدلب وديموميتها؟ وتأثير الحدث الليبي سوريا؟ ومصير المتطرفين في إدلب وموعد نفاد صبر روسيا؟

بوابة التغيير

6 - الانتخابات السورية: تأجلت الانتخابات البرلمانية إلى يوليو (تموز) بسبب «كورونا»، لكن الأعين تتجه إلى الانتخابات الرئاسية في منتصف العام المقبل. يتحدث مسؤولون غربيون عن دعم مرشح معارض، وعادت أميركا لدعم المعارضة ماديا. وقام بعض المعارضين بالمبادرة في ترشيح أنفسهم. بل إن باحثا إسرائيليا سمى مرشح تل أبيب للرئاسة. وقال بيدرسون: «هذه الانتخابات ستعقد وفقاً للترتيبات الدستورية القائمة. فالأمم المتحدة ليس لديها ولاية محددة ولم يُطلب منها الانخراط في هذه الانتخابات. إن تركيزي لا يزال منصباً، في سياق الميسر للقرار 2254. على العمل من أجل انتخابات حرة ونزيهة تُجرى عملاً بدستور جديد وتُدار تحت إشراف الأمم المتحدة».

هل تصل أميركا، التي ستخوض انتخابات رئاسية في نوفمبر (تشرين الثاني) ، وروسيا بتوافق إقليمي إلى تفاهمات كي تشكل الانتخابات السورية بوابة التغيير، للوصول إلى تفاهمات تخص الإعمار والعقوبات والوجود الإيراني والعملية السياسية؟ هل هذا مخرج لروسيا التي ترفض مبدأ «تغيير الأنظمة»؟

7 - العقوبات والمساعدات: فتحت أميركا ملف بوابة اليعربية بين العراق وشرق الفرات لإرسال مساعدات بعدما لاحظت أن روسيا لم تنفذ التزاماتها بإيصال المساعدات من دمشق بعد التوافق على قرار خاص بالمساعدات بداية العام. هناك توقعات بمواجهة دبلوماسية روسية - غربية جديدة في مجلس الأمن. وهناك مواجهة قائمة إزاء العقوبات. موسكو تحمل العقوبات الأميركية والأوروبية مسؤولية عدم قدرة دمشق على مواجهة «كورونا» والمعيشية. واشنطن وبروكسل خرجتا عن صمتهما وشنتا حملة إعلامية للقول بأن العقوبات لم تعرقل وصول الأدوات الطبية أو الإنسانية إلى سوريا. عليه، هل يشكل الملفان بوابة جديدة لتفاهمات خطوة مقابل خطوة أم منعطف الافتراق؟

ليس سهلاً الجزم بأي اتجاه تنتهي مآلات التحركات في سوريا وحولها، لكن لا شك هذه التطورات تطرح أسئلة كبيرة يحاول كل طرف محلي وخارجي أن يجير إجاباتها إلى ضفته، في وقت يبدو الجميع في حالة اللايقين.

للمشاركة:

عندما انبطح العثمانيون وجاهروا بالخيانة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-05-23

وليد فكري

"أُسدٌ عليّ وفي الحروب نعامة".. هكذا انطبق شَطر بيت الشعر على الطاووس العثماني الذي طالما نفخ صدره نافشًا ريشه متشدقًا بأنه "حامي حِمَى بلاد الإسلام والمسلمين"، حتى إذا ما فوجيء بجيش مصر يجتاح بلاده ويهدد عاصمته سارع بالاستغاثة بالقوى الأجنبية التي كان حتى الأمس القريب يدعي حمايته البلاد والعباد منها!

لم يتوقف فتح السلطان العثماني باب التدخل الخارجي عند سماحه بإنزال عسكري روسي على سواحله ورسو أساطيل الروس أمام سراي الحكم، ولا عند طلبه تهديد بريطانيا لمصر بضرب الإسكندرية لإجبار محمد علي على إيقاف القتال... ولكنه استغل الهدنة واتفاقية كوتاهية للتورط في مزيدًا من الخيانات.

خونكار اسكله سي.. اتفاقية الخيانة:

لطالما طمع الروس في الوصول ل"المياه الدافئة" كما أوصاهم قيصرهم السابق "بطرس الأكبر"، وها قد أهداهم العثمانيون تلك الهدية.

فقد ارتمى العثماني على أعتاب الروس-المصنفون أصلًا كأعداء-يستغيث بهم، وعقد معهم اتفاقية مهينة هي "خونكار إسكله سي"، وهي اتفاقية دفاع مشترك تقضي بتدخل العثمانيين لرد أي عدوان على روسيا وتدخل الروس للدفاع عن الدولة العثمانية.. ولكنها تضمنت بندًا سريًا أعفى العثمانيين من عبء إرسال قوات لدعم روسيا حال مهاجمتها، بينما سمح للروس بإرسال قواتهم للدفاع عن العثمانيين.. وبناء عليه تعهد الباب العالي بالسماح للأسطول الروسي بالمرور من أي من المضائق وإغلاقها في وجه أية دولة بينها وبين روسيا حالة حرب!.

أي أن السلطان العثماني إمام المسلمين حامي البلاد الإسلامية صاحب البيرق السلطاني والذي يحمل لقب "الغازي" قبل اسمه، قد قرر إثر صدامه مع محمد علي باشا وجيش مصر أن يستدعي طرفًا أجنبيًا معاديًا طامعًا لكي يحميه وليستخدمه كفزاعة لمحمد علي باشا من ناحية، وللقوى الأوروبية التي اتهمها العثمانيون بالتقاعس عن نصرتهم من ناحية أخرى، وقدم له ثمنًا لذلك وصولًا سهلًا ل"المياه الدافئة" وفتح له أبواب أمنه القومي على مصاريعها!.. بم نصف ذلك إن لم يكن بالخيانة؟.

لعبة الفتنة وارتكاب خيانة جديدة:

لم تقف الخيانة العثمانية عند هذا الحد، بل أن العثمانيون استدعوا سلاحهم القديم "زرع الفتنة" لضرب الوجود المصري بالشام.. فقاموا بدس الدسائس لتأليب الأهالي على الحكم المصري وإثارة الفتن والاضطرابات هنا وهناك ضد إبراهيم باشا ورجاله.

وإحقاقًا للحق فإن مسئولية السماح بذلك تقع على عاتق محمد علي باشا وابنه، فصحيح أن إبراهيم باشا كان نشيطًا في إزالة المظالم والمفاسد العثمانية من فتن قبلية وعشائرية وطائفية، وانعدام للأمن، ومؤامرات متبادلة، وفساد إداري ومالي.. ولكنه وأبوه ارتكبا خطئًا إذ حسبا أن ما يسري على مصر يسري على الشام، فمن ناحية أبدى أهل الشام مقاومة شديدة لفكرة "التجنيد الإجباري"، ومن ناحية أخرى كان من المستحيل إقناعهم بفكرة "نزع السلاح" حيث أن ثقافتهم الحياتية-آنذاك وربما حتى الآن في بعض المناطق-تعتبر أن حيازة الفرد أو العشيرة للسلاح هي جزء من الأمن والشرف.

وكان الأحرى بمحمد علي باشا وإبراهيم باشا أن يحترما تلك الخصوصية لأهل الشام وأن يراعيا اختلاف نمط حياتهم عن نمط الحياة المصري.

استغل العثمانيون حالة السخط تلك وقرروا أن ينفخوا في الشرر ليتعاظم ويتحول إلى نار كبيرة.. ولكن هل فعلوا ذلك بأنفسهم فحسب؟.

كلا.. هنا إلى جانب "خيانة زرع الفتنة" نجد "خيانة فتح الباب للدسيسة الأجنبية".. فبريطانيا التي ارتاعت للاتفاقية العثمانية الروسية ومحاولة روسيا الانفراد بالتدخل في الملف العثماني، عرضت على العثمانيين المساعدة من خلال زرعها الفتنة بين الإدارة المصرية وأهل الشام.. ووافق العثمانيون! هكذا بكل بساطة!.

واستغل السلطان اندلاع الثورات في الشام ضد سياسات محمد علي باشا، وأرسل جيشًا جرارًا بقيادة حافظ باشا لمهاجمة قوات إبراهيم باشا في الشام.. رغم وجود اتفاقية سلام بين الجانبين، ليضيف لخيانة البلاد معرة خيانة العهد!.

الخيبة العثمانية الثقيلة:

تقدمت القوات العثمانية-100000 مقاتل- بقيادة حافظ باشا من أرض المعركة عند مدينة "نصيبين".. وفي المعسكر المصري المكوّن من 40000 مقاتل فقط، نظر سليمان باشا الفرنسوي-مساعد إبراهيم باشا-إلى قادة الجند وقال "بإذن الله نشرب القهوة بعد ثلاث ساعات في خيمة قائدهم حافظ باشا".

وبعد ساعتين فقط، أذل فيها الجيش المصري ناصية الجيش العثماني-رغم الفارق العددي الكبير-كان إبراهيم باشا وسليمان باشا والقادة يشربون القهوة في خيمة حافظ باشا التي كانت مترفة بشكل لا يلائم قائدًا متوجهًا لمعركة حربية!.

وكان الأمر بهذا التحرك هو آخر أوامر السلطان العثماني محمود الثاني الذي مات ممرورًا بحسراته وحاملًا خيباته إلى قبره!
واعتلى ابنه  عبد المجيد الأول العرش.

وكأنما تنقص العثمانيون مصائب جديدة، فقد توجه القبودان باشا (القبطان) قائد الأسطول العثماني بسفنه ووضعها تحت تصرف محمد علي!.

سرعان ما استغل الروس الهزيمة العثمانية والتي أدت لانهيار قوة العثمانيين العسكرية (يومًا بيوم مرج دابق) وسارعوا بفرض حمايتهم العسكرية على العثمانيين وفقا للمعاهدة المذكورة، وارتاع البريطانيون من أن وجود محمد علي في تلك المنطقة يهدد أطماعهم في العراق والجزيرة العربية وطريق الهند، وسعت النمسا لمساندة العثمانيين خوفًا من انفراد روسيا باللعبة.

وحاول العثمانيون مخاطبة محمد علي بالمود ودعوته لنسيان مرارات الماضي وفتح صفحة جديدة-بعد أن كانوا في الأمس القريب يهددون ويتوعدون-ويعده بحكم مصر وراثيًا.

ولكن لأن العثمانيون قد ارتضوا أن تكون يدهم هي السُفلى، فقد سارعت الدول الأوروبية روسيا والنمسا وفرنسا وبروسيا وبريطانيا لإرسال مذكرة للباب العالي "تأمر" فيها الدولة العثمانية ألا تبرم أية اتفاقيات بدون الرجوع للدول الأوروبية الخمسة أولًا!.

ووافق الباب العالي رغم مراسلة محمد علي للصدر الأعظم خسرو باشا يطالبه بعدم السماح بإدخال وسيط أجنبي بينهما!.

وراحت القوى الأوروبية تتجادل حول تسوية الأوضاع في الشرق وقد وقف العثماني المتغطرس سابقًا المنكسر حاليًا موقف المتفرج وكأنما الجدل لا يدور حول بلاد يدعي حقه في حكمها.. وفي خضم ذلك حاول البريطانيون والفرنسيون إقناع الباب العالي بالتخلي عن المعاهدة مع الروس والاستعانة بحمايتهما، فسارع الروس بتهديد العثمانيين لو تخلوا عن تلك الاتفاقية!.

وراح العثمانيون يستَعدون القوى الأوروبية ضد محمد علي إلى حد السماح لبريطانيا بالتهديد بضرب مصر بعد أن قصف الأسطول البريطاني بيروت بالفعل، بل وعرض الروس كذلك أن يقوموا بهذا الدور ضد بلد لطالما ادعى المحتل العثماني أنه حاميه!.

وأخيرًا بعد كل تلك الضغوط وحالات الشد والجذب، لم يجد محمد علي باشا في العام 1841م حلًا يقي دولته الدمار سوى أن ينسحب من الشام على أن يتم تثبيته على ولاية مصر ويصبح حكمها وراثيًا في أسرته، مقابل تعهده بدفع الجزية للباب العالي، وأن يلتزم بحد أقصى لعدد القوات التي تعتبر جزئًا من القوات العثمانية، وأن تسري القوانين العثمانية على مصر.

فشلت محاولة محمد علي باشا التوسعية، ولكن ليس بسبب قوة العثمانيين وإنما بسبب سماحهم بتدخُل الأوروبي المتلمظ لاستعمار الشرق.. في حلقة جديدة من سلسلة الخيانات العثمانية..

فرح العثمانيون بهزيمة محمد علي، ولكنهم نسوا أن كرة الثلج كانت قد تحركت وأن مصر ما بعد تلك التجربة تختلف تمامًا عن تلك التي عهدوها قبلًا.. وأن محمد علي باشا قد بدأ مشروعًا استقلاليًا عن الباب العالي قد يكون تعرقل ولكنه لم يُسحَق!.

وبينما كانت دولة العثمانيين تتداعى، كانت مصر تتقدم حضاريًا وصناعيًا وثقافيًا وتعليميًا.. فالحقيقة أن العثمانيين قد انتصروا في معركة-وانتصارًا لم يحققوه بأنفسهم-ولكنهم قد خسروا الحرب.

ربما يفسر هذا أن كثيرًا من العثمانيين الجدد وأتباعهم ما زالوا ينقمون على محمد علي باشا ويكيلون له الاتهامات المشينة إلى يومنا هذا.. وعلى رأسهم أحد أبرز أبواقهم الإخواني دكتور علي الصلابي الذي بلغ به التدليس أن أفرد فصلًا في كتابه "الدولة العثمانية" لاتهام محمد علي باشا بأنه "ماسوني متآمر ضد المسلمين مع الحركة الماسونية العالمية"، وهي تهمة مضحكة تليق بعقلياتهم، لها حديث خاص للرد عليها.. فللحديث بقية.

عن "سكاي نيوز"

للمشاركة:

رهان تركي خاسر، هل تهوي أسعار الغاز القطري إلى ما دون الصفر؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-05-23

موسكو - لم تُخفِ تركيا أبداً أنّ وجودها في كلّ من قطر وليبيا نابع من الرغبة في منافع متبادلة، سياسية وعسكرية واقتصادية، فأنقرة، التي تُعاني منذ نحو 3 سنوات من أزمة اقتصادية خانقة وتدهور لا يتوقف في عملتها الوطنية، لا تزال مستوردا لموارد الطاقة، بينما تسوء العلاقات التركية مع الكثير من الدول في مُحيطها الإقليمي، ومع الاتحاد الأوروبي الذي يُهدّد بتصاعد عقوباته الاقتصادية على إثر أزمة التنقيب عن النفط والغاز التي تُثيرها أنقرة في شرق المتوسط.
ويبدو أنّ تركيا تُسابق الزمن نحو مواصلة استغلالها للأزمة الخليجية للحصول على المزيد من الأموال القطرية، قبل أن تنفذ، على شكل استثمارات وصفقات ضخمة، وودائع أو هبات مالية لا تُرد، وذلك في مقابل توفير الدعم العسكري الذي بات يصفه بعض المُراقبين الدوليين اليوم بأنّه أشبه باحتلال تركي لقطر.
وفي حين طلبت تركيا من حكومة الوفاق الوطني الليبية مباشرة أعمال التنقيب عن النفط والغاز قبالة سواحل ليبيا، وبينما زاد حجم اتفاق مبادلة العملة مع قطر إلى 15 مليار دولار في اتفاق يوفر سيولة أجنبية تشتد حاجة تركيا إليها، كان من اللافت اهتمام الصحافة الروسية بهذه التطورات الاقتصادية السياسية، مُلمحة لرهانٍ تركي خاسر.
وتحت عنوان "أردوغان يفتح جبهة نفطية في ليبيا"، تحدث إيغور سوبوتين، في "نيزافيسيمايا غازيتا" الروسية، عن استياء دول عربية تُعتبر حليفة للجيش الوطني الليبي، من خطط تركيا البدء في التنقيب عن النفط والغاز في السواحل الليبية، بينما تنوي أنقرة زيادة حصتها من الإنتاج ولعب دور موزع للنفط الليبي إلى أوروبا.
وبحسب كبير المحاضرين في قسم العلوم السياسية بالمدرسة الروسية العليا للاقتصاد، غريغوري لوكيانوف، فإن الوضع حول ليبيا معقد، ومن شأن أي رهان إضافي أن يلاقي معارضة من خصوم تركيا الرئيسيين، بينما لن يقف أنصار الجيش الوطني الليبي بقيادة المُشير خليفة حفتر، مكتوفي الأيدي.
أما على صعيد الاستغلال التركي المتواصل للغاز القطري، فإنّ الدوحة تُعاني اليوم من خسائر فادحة، وسوف تواجه قريبا خيارا صعبا إما تخفيض الإنتاج أو إطلاق حرب أسعار، وقد تفقد حصتها في السوق وتفسح المجال لأستراليا لتكون أكبر دولة مصدرة للغاز الطبيعي المسال، وفقاً لما أوردته "روسيا اليوم".
كما حذّرت وكالة بلومبرغ من اندلاع حرب أسعار في سوق الغاز، متوقعة أنّ "أكبر مصدر في العالم للغاز الطبيعي المسال (قطر) قد يدخل في معركة من أجل السوق بسبب ضعف الطلب وارتفاع تكاليف التخزين".
وأشارت الوكالة إلى أن قطر في فبراير الماضي بعد انتشار فيروس كورونا في آسيا قامت بإعادة توجيه شحنات الغاز من آسيا إلى أوروبا، إلا أن القارة العجوز تعاني الآن ضعفا في الطلب على الغاز بسبب الفيروس، إذ هوت مشتريات الطاقة في أوروبا بشكل حاد.
وانخفضت أسعار الغاز العالمية بعد شتاء دافئ وامتلاء المخزونات وتراجع الطلب بسبب جائحة كورونا، وفي ظل ذلك فإن مصدري الغاز يواجهون وضعا صعبا، ولاسيما قطر، التي تعتمد على صادرات الغاز.
ويحذر محللون من أن منتجي الغاز في العالم قد يكونوا قريبين من خوض حرب أسعار للحصول على حصة إضافية في الأسواق ما قد يدفع أسعار الوقود الأزرق إلى مستويات سلبية إلى أن يقوم بعضهم بكبح الإنتاج لدعم الأسعار.
ومنذ بداية العام انخفضت الأسعار بنحو النصف، فعلى سبيل المثال وصلت أسعار الغاز في أوروبا والولايات المتحدة إلى أدنى مستوياتها منذ عام 1999.
وعلق على ذلك الخبير رون أوزر من شركة "ستاتار كابيتال"، ومقرها نيويورك، قائلا، إنه "لا يمكن لسوق استيعاب الإمدادات الزائدة في ظل الطقس الدافئ ووباء كورونا، وهذا ما وضع قطر في وضع صعب للغاية".
وفي ظل هذا الوضع تملك الدوحة خيار تخفيض الإنتاج، لكن هذا من الممكن أن يقوض خططها المستقبلية، ففي يناير من العام الماضي كشفت قطر عن خطة لزيادة إمدادات الغاز من 77 مليون طن سنويا إلى 110 ملايين طن سنويا بحلول 2024، إلى 126 مليون طن سنويا بحلول 2027.
وفي حال نفذت الدوحة هذا الخيار فسيؤثر ذلك على الميزانية القطرية، وتقول "بلومبرغ" بهذا الصدد إن "انخفاض صادرات الغاز سيؤدي إلى تراجع إيرادات الميزانية في قطر".
ولا يستبعد خبراء أن تضطر قطر في نهاية المطاف إلى خفض إنتاجها، إذ أن تقليص الإنتاج سيساهم في دفع أسعار الغاز إلى الأعلى.
وفي حال أشعلت قطر حرب أسعار في سوق الغاز، فمن الممكن أن تهوي الأسعار إلى مستوى دون الصفر كما حدث في سوق النفط العالمية في أبريل الماضي.
وعن المتضررين من حرب الأسعار، يستبعد خبراء من تداعيات كبيرة لذلك على روسيا، إذ أن الغاز الطبيعي المسال يشكل حصة ضئيلة من صادراتها، أم الغاز الطبيعي الذي تصدره عبر الأنابيب فإن ذلك يتم عبر عقود طويلة الأمد وفي حال رفض المشتري الشراء فسيتعرض لغرامات كبيرة.
في ذات الصدد، تحدثت أولغا ساموفالوفا، في "نيزافيسيمايا غازيتا" الروسية، عن ملامح حرب أسعار في سوق الغاز، تديرها أميركا وقطر.
وجاء في المقال الذي ترجمته ونشرته "روسيا اليوم" إنّ "هناك تنافس على أسواق الغاز في مناطق مختلفة من العالم، تُستخدم فيه القوة، أكثر فأكثر. وثمة معركة أخرى تتكشف بين موردي الغاز في تركيا، حيث يزاحم الغاز المسال الأميركي الغاز الطبيعي من إيران وروسيا. فقد اتهمت وسائل الإعلام الإيرانية تركيا بالمماطلة في إصلاح خط أنابيب الغاز الذي يتم من خلاله استجرار الخام الإيراني. وبدلاً من ذلك، تفضل تركيا شراء الغاز الطبيعي المسال من الولايات المتحدة. كما خفضت أنقرة بشكل كبير مشتريات الغاز الروسي، على الرغم من إتمام بناء مشروع "التيار التركي".
وأكدت الكاتبة أنّ قطر تلعب الآن دورا مهما في سوق الغاز، وهي تزود تركيا أيضا بالغاز الطبيعي المسال. وإذا ما خفضت الدوحة أسعار الخام وأطلقت العنان لحرب أسعار، فإن ذلك سيؤدي إلى ركود طويل الأمد في سوق الغاز، سوف يؤثر على كافة الدول.

عن "أحوال" التركية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية