كتاب عراقيون يعاينون تصدعات شيعة السلطة وشيعة الشعب

العراق

كتاب عراقيون يعاينون تصدعات شيعة السلطة وشيعة الشعب

مشاهدة

19/02/2020

إذا كانت الانتفاضة السلميّة العراقية، بجمهور وتضحيات وزخم المناطق الشيعية، فإنّها تقمع فعلياً على يد سلطات شيعية (الحكومة والميليشيات)، هذا يعني أنّنا حيال انقسام فعلي بين شيعة السلطة وشيعة الشعب العراقي.
آراء وقراءات حصرية بـ "حفريات" من كتّاب وأكاديميين عراقيين، تناولت هذا المنعطف الحاسم، بل آخر التصدعات، كما يقول مدير "معهد تطوير الجنوب" والناشط رمضان البدران.

اقرأ أيضاً: نصر الله يكشف تفاصيل دور سليماني في لبنان والعراق

ويعتقد البدران في حديث إلى "حفريات": "آخر التصدعات في مكونات الشعب العراقي، يمرّ به الشيعة؛ حيث مفترق انتفاضة تشرين في العراق، وقد وضع (ذلك التصدع) آخر مفترقات التداخل بين مفهومي الدولة والحكومة".
لكن كيف ظهر هذا التصدع؟ وكيف بدا مفهوما الدولة والحكومة بعد السيطرة الشيعية على السلطة في العراق؟

المستقبل الآمن... الدولة عاجزة
هنا يوضح البدران "جيلٌ جديد واجه الحقيقة وأدرك أنّ الدولة أصبحت عاجزة عن تقديم وعود كافية لمستقبل آمن، جيل أدرك أنّ الأجيال السابقة استحوذت على كلّ المتاح من الموارد، حتى لم يعد هناك مصدر قوت أو رزق
مارست الأحزاب سياسات ماكرة ومتمرسة قوامها شعب مدرب على الانصياع، في الوقت ذاته لعب

رمضان البدران: هناك جيل ثائر يريد وطناً ودولة مستقرة ورحبة تقدم له مستقبلاً آمناً وفرصة حياة عادلة

ت إيران دوراً ماكراً في إدارة ملف بناء السلطة على قياساتها، هذه الخبرة نتاج ٢٥ عاماً من التعاطي مع المجتمع الإيراني، من خلال تسويق ديمقراطية مزيفة وانتخابات شكلية يقابلها غسيل دماغ وترويض بشتى الوسائل".
وقراءة البدران لجوهر التجربة السياسية الإيرانية تبدو مهمة لقراءة تجربة بلاده بعد 2003 لجهة أنّ القوى المتنفذة التي شكّلت تلك التجربة توالي طهران وفكر نظامها: "الأحزاب والتشكيلات التي تبلورت في إيران ودخلت العراق، حملت ذلك الميراث كوسيلة وأهداف، وكما مرّ المجتمع السنّي العراقي في مراحل انقسام بين الموالين لمدرسة السلف وإعادة بناء دولة الخلافة، وبين دعاة الدولة المدنية الوطنية، انقسم المجتمع الشيعي بين دعاة دولة الولاية، التي تمثّل إيران أنموذجها الحي، وتيار مدني وطني".
على منهج طهران... الاستئثار بالسلطة
في كلا الموضعين؛ انقسم المجتمع (العراقي) في متبنياته، لكنّ "ذلك الانقسام تعدى الفكري إلى التعبوي، فأحزاب السلطة، خاصة الشيعية الإسلامية منها، نهجت منهج الاستئثار في الحكم واحتكار الوظائف الحكومية والفرص، وبالتالي نسجت لنفسها شبكة واسعة نفذت داخل النسيج المجتمعي الشيعي، وتحوّلت إلى جزء مهم من قاعدة الماكنة الانتخابية".

اقرأ أيضاً: حزب الله اللبناني ورقة إيران البديلة بعد سليماني لتوجيه ميليشياتها في العراق
يوضح البدران مواصلاً فكرته: "هذا التبادل في المنفعة أنتج كتلةً مجتمعية مستفيدة، وموالين يتنشرون في كلّ مفاصل الجهاز الحكومي والأمني خاصة، وبين النسيج المجتمعي أيضاً، تجربة مستنسخة من تجربة دولة الفقيه والحرس الثوري، لكن على أرضية أكثر خصوبة تركها النظام الشمولي لمرحلة البعث الاشتراكي والتفرد الصدّامي".
وسط هذه الفوضى، وإن كانت تبدو شديدة التنظيم؛ "أهمل جيل كان ينشأ ويترعرع على ما تدرّ به شبكة المعلوماتية وفسحة الرخاء الاقتصادي التي أتاحت للعراقيين السفر والاحتكاك بتجارب دول مناظرة عدة. هذا الوعي قابل عجزاً تاماً في إمكانات الدولة الاقتصادية، وترهلاً كبيراً في كيانها الوظيفي، إلى الحدّ الذي استنفذ كامل الوفرات والفوائض المتأتية من موارد النفط، رغم التوسع الذي جرى على سقف إنتاجه، إنّه الانقسام الشيعي اليوم، انقسام يحدث للمرة الأولى ويفضح الفجوة بين مشروعي بناء الحكومة وبناء الدولة" يؤكّد البدران.

الجيل الثائر بمقابل صنوه القاتل؟
هذا "جيل ثائر يريد وطناً ودولة مستقرة ورحبة تقدّم له مستقبلاً آمناً وفرصة حياة عادلة وتقلص حجم الحرمان والطبقية والتمييز، وكما يراها في بعض نماذج الدول المجاورة"، يقابله "جيلٌ تربى وتورط مع أحزاب السلطة وانخرط في المنظومة الفكرية المستمدة من نظرية وتجربة الفقية في إيران"، وحيال هذا الانقسام بحسب البدران؛ فنحن "ظاهرياً نرى صراعاً بين شيعة الجيل الجديد، وجيل الأحزاب والولاء لدولة الفقيه، الذي أدمن الامتيازات والمكاسب السهلة وغرق في الفساد وتحول إلى قاتل جاهز للدفاع عن هذه المكتسبات بلا تردّد".

"علاقة تقاطعية"
ويعتقد أستاذ العلوم السياسية في جامعة الكوفة، د. إياد العنبر؛ أنّ العلاقة بين شيعة السلطة وشيعة الشعب هي علاقة تقاطعية، ولم تكن في أيّ حال من الأحوال علاقة تكاملية، لأنّ أكثر أحزاب الإسلام السياسي الشيعي لا يمكن وصفها بالأحزاب الجماهيرية، وإنما هي أحزاب هيكلية و"نخبوية" ترى نفسها هي وحدها لها حقّ القيادة والتصرف، وأما الجمهور فالمطلوب منه السمع والطاعة".

د. إياد العنبر: الأحزاب الشيعية ترى أنّ التظاهرات الشعبية خسارة لرمزيات السلطة التي ظلت تستثمرها في التحشيد الانتخابي

ويضيف العنبر، لـ "حفريات": "أما ما تبقى من العناوين السياسية الشيعية التي ظهرت بعد ٢٠٠٣؛ فينطبق عليها وصف الجماعات الخاضعة لإرادة الزعيم، ووجدت في الدخول بالعلمية السياسية وسيلة لتوسيع نفوذها من خلال الحصول على مغانم المشاركة بالحكم وتقاسم الاقتصاد الريعي للدولة من أجل كسب الزبائنية".
وتأسيساً على ذلك؛ "وجدت هذه القوى والأحزاب عنوان الطائفة والمظلومية الشيعية بمثابة حصان طروادة للدخول في اللعبة الديمقراطية، ومن ثم الوصول إلى الحكم. المفارقة أنّ هذه القوى والأحزاب تعترف بالفشل والفساد وسوء الإدارة، الذي كانت نتيجته غياباً تامّاً للمنجز الاقتصادي والخدمي للمحافظات الجنوبية الشيعية، وفي الوقت نفسه لم يتركوا وسيلة ولا دعاية في تخوين التظاهرات، واعتبارها مؤمراة على حكم الشيعة".
ومن هنا تدرك جيداً الأحزاب السلطوية الشيعية؛ أنّ هذه التظاهرات هي تعبير عن رفض حكم الأحزاب وسلطتها "الفاسدة" الأحزاب، وهي (التظاهرات) تعني "خسارة لرمزيات السلطة التي كانت تستثمرها في التحشيد الانتخابي، فهي تارة تستخدم السلاح والبطش وتارة أخرى تستخدم الوسائل الإعلامية والجيوش الإلكترونية للتخوين".

"المظلومون" وقد صاروا ظالمين
هي إذاً حال من فقدان التوازن أصيبت بها الطبقة السياسية الشيعية، كما يحدّد الكاتب والشخصية الإعلامية المعروفة، د. حميد عبد الله: "حال من الدوار إثر انفجار الشارع الشيعي الذي أمضّ به ظلم ذوي القربى فتحولت المظلومية التي تستر بها الفاسدون إلى ظلم وقع على أبناء الطائفة الشيعية، الذين لم يعرفوا مثيلاً له"، يقول عبد الله لـ "حفريات".

د. حميد عبد الله: تحولت المظلومية التي تستر بها الفاسدون إلى ظلم لا مثيل له وقع على الطائفة الشيعية

لقد أسقط بأيدي الماسكين بالسلطة، وهم يرون جمهوراً شيعياً غاضباً ينتفض على سلطتهم، وازادادت حيرتهم عمقاً بعد أن تيقنوا أنّ "المنتفضين هم فتية لم يتجاوز أكبرهم الخمسة والعشرين عاماً، بمعنى أنّهم لم يدركوا حكم البعث، ولم يتأثّروا بصدام، بل تفتّحت عقولهم على واقع مزرٍ، أسس له القادمون من دول المنافي لحكم العراق بعد 2003".

لائحة طويلة من الاتهامات
وبحسب د. عبد الله، الذي خبر فنون الإعلام وأشكاله: فقد "حاول الإعلام البائس لأحزاب السلطة أن يتجاهل التظاهرات قبل أن يصفها بـ "الفتنة"، وحين اخذت بالاتساع، بما يهدّد عروش الطغيان والفساد، راحوا يبحثون عن اتهامات لإلصاقها بالشباب المنتفض، فنعتوهم بـ "عملاء السفارات"،  متناسين أنّ قوى المعارضة التي وصلت إلى السلطة بفعل الاحتلال الامريكي كانت بأجمعها  تمارس أحطّ أنواع التسول عند أبواب السفارات، دون استثناء، وفاتهم أنّ "العمالة" إنما هي براءة اختراع، بل سنّة سيئة سنّتها أحزاب السلطة، وأصبحت وصمة عار لن تمحى في تاريخها".

اقرأ أيضاً: تقريران أمريكيان يكشفان كيف سيطرت الميليشيات على الدولة العراقية
وينبه عبد الله إلى مسألة اغتراب أحزاب السلطة العراقية وعزلتها عن الجمهور فـ "الذين تسلموا السلطة من المحتل الأمريكي يعيشون حالة من الاغتراب والعزلة معاً، أما الاغتراب فمردّه انقطاع تلك الأحزاب عن العراق لعقود طويلة، وحين عادوا إليه بعد 2003 كان العراق غير العراق، بفعل الحروب والتصدعات والحصار، وأحزابهم هي الأخرى غير تلك التي كانت تعمل في الساحة العراقية في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، أما العزلة فمصدرها أنّ الطبقة السياسية المغتربة عزلت نفسها في مربع لا ترى فيه شمساً ولا زمهريراً، تحجبها عن الجمهور حواجز من الترف لم يكونوا يحلمون بالتمتع بها ذات يوم".

"زهايمر" سياسي
وحيال ما تقدّم؛ "لم يعد أمام المغتربين والمعزولين من خيار في التعامل مع التظاهرات إلا طريقين؛ التجاهل أو القمع، وكلاهما لم يجديا نفعاً مع جيل سبق بوعيه وتطلعاته جميع قادة الأحزاب الذين يعيشون حالة من الزهايمر السياسي والشيخوخة الفكرية والخرف الأيديولوجي".
ينهي عبد الله حديثه، بينما ورغم كلّ اختلافات المظهر وشكل الصراع، تبقى الحقيقة التي أظهرتها انتفاضة تشرين، هي صراعُ بين جيل مدرسة السلطة وجيل مدرسة الدولة، كما يقول السياسي المستقل والناشط، رمضان البدران، في نظرته إلى ما يجري في المنطقة الشيعية، وقناعته في أنّ "هذا الجيل المفلس هو من سيتبنى مشروع بناء الدولة التي غادرت العراق بعد الانقلاب الجمهوري 1958، وتقويض الحكم الملكي... نحن بانتظار عودة للدولة العراقية ولو بعد حين".

الصفحة الرئيسية