كريم الصياد: انغلاق جماعات الإسلام السياسي يمنع دمجها في الحياة السياسية

2788
عدد القراءات

2019-03-12

أجرى الحوار: محمد جبريل


قال الدكتور كريم الصياد، أستاذ الفلسفة الإسلامية بجامعة القاهرة إنّه من غير الممكن حالياً إدماج الإسلام السياسي في تنظيم المجتمع سياسياً؛ بسبب طبيعته الديماغوجية، معيداً ذلك أيضاً إلى أنّ التشريع الإسلامي الذي يعد بمثابة حجر الأساس في برنامج الإسلام السياسي يخلو بدوره من مبدأ الحق الطبيعي ويتجاهل الحقوق المكتسبة.

التعامل البراغماتي مع الدين يلغي الإيمان كتجربة وجودية أصيلة ومأسسة الدين تفرِّغ الإيمان من مضمونه

ورأى الباحث في التراث الإسلامي، في حواره مع "حفريات"، أنّه لا يمكن تصور الدين مجرد أيديولوجيا إصلاحية، أو التعامل معه براغماتياً؛ "إذ يلغي هذا التصور التجربة الإيمانية كتجربة وجودية أصيلة".
وأضاف أنّ ظاهرة الصحوة الإسلامية نتجت عن عوامل متنوعة بعضها شعورية، مثل؛ حاجة العرب إلى نوع من استمرار الإلهام، وبعضها سياسية كإلغاء الخلافة الإسلامية التي كانت تتمتع بسلطة روحية بحتة وكانت مركزاً يحفظ وحدة العقيدة.
وأوضح الصياد أنّ المشاريع العربية كلها يمكن الاستفادة من أخطائها وأوجه العجز فيها، لتجاوزها والتعلم النقدي منها، لافتاً إلى أنّ هذه المشاريع تأثرت بحقبة الاستقطاب الأيديولوجي الحاد إبان الحرب الباردة، وهذا ما أصابها بالأدلجة، منوهاً إلى أنّ هذه المشاريع "أنجزت خطوات مهمة، لكن علينا أن نتخطاها جميعاً".
وهنا نصّ الحوار:
إشكالية العلمانية والدين

العلمانية قضية تشريعية بحتة لا يجوز تحويلها إلى نظرية في المعرفة كما حاول مراد وهبة
منذ ثورة 25 يناير لم تُحسم العديد من القضايا المؤجلة، كالعلاقات الإشكالية بين الدين وكل من السياسة، والحياة الاجتماعية، والحريات الفردية، كيف ترى هذه القضايا؟

لقد فتحت ثورة يناير المجال بالتأكيد لطرح التساؤلات الخاصة بكل تلك القضايا وغيرها، وربما هو المكسب الوحيد المتبقي منها، وهو مكسب مهم، دون شكّ، لكن التغيير الفعلي لن يأتي إلا بعد نضج أجيال الثورة واحتلالها مواقع قيادية تبدأ من قيادة الأسرة إلى قيادة الدولة مروراً بوظائف المعلِّم وأستاذ الجامعة؛ أي إنّه تغيير يحتاج إلى عمل جيل أو اثنين، ومع ذلك علينا ألا نتفاءل أكثر من الحد بهذا الصدد؛ إذ إنّ تلك التساؤلات لم تكن جذرية عادةً إلا على مستوى شريحة رقيقة من الشباب المتعلّم.
كيف تنظر إذاً إلى قضية العلمانية؟ وهل يمكن إقحام المرجعية الدينية على مستوى الاختيارات الاجتماعية للناس دون أن يؤثر ذلك على هوية الدولة الحديثة، والحريات الفردية والجمعية؟
العلمانية، في رأيي، قضية تشريعية بحتة، لا يجوز لنا تحويلها إلى نظرية في المعرفة، كما حاول الفيلسوف المصري مراد وهبة، أو اعتبارها رؤية شاملة للعالم تنطوي على نظرية معينة في القيمة، كما اعتقد الدكتور عبد الوهاب المسيري، وهذا يعني أنّ معالجتها يجب أن تتم على مستوى التشريع، وبرؤية تشريعية لا تغفل أياً من حقوق الإنسان أو المصلحة العامة.

اقرأ أيضاً: بين خاسر أو منتصر: جدال العقل والنقل في التراث الإسلامي
وعلى كل حال؛ من غير الممكن حالياً إدماج الإسلام السياسي بشكل عام في تنظيم المجتمع سياسياً؛ لسببين: أولاً لأنه اتجاه ديماغوجي لا يختلف في عمله عن حملة شعارات القومية والوطنية، ولا يختلف جذرياً عن الخطاب الناصري القومي-الوسطي الديني، الذي حاربه في الماضي. وثانياً: لأنّ قلب نظرية التشريع الإسلامي يخلو من مبدأ الحق الطبيعي، وهذا تقصير من علماء أصول الفقه، الذين لم يتصوروا الحقوق إلا مكتسبة في الغالب، فضاعت عليهم فرصة تأصيل حقوق الإنسان في التشريع الإسلامي، وما لم يتجاوز الإسلام السياسي هذين المأزقين فقد حكم على نفسه بالخروج من العملية السياسية.
الأهم من كلّ ذلك؛ لا يمكن تصور الدين كمجرد أيديولوجيا إصلاحية، ولا يمكن التعامل معه براغماتياً؛ فهذا التصور يلغي التجربة الإيمانية كتجربة وجودية أصيلة، وبشكل عام؛ أيّة محاولة لمأسسة الدين تفرِّغ الإيمان من مضمونه.
تتعدد زوايا النظر إلى "الصحوة الإسلامية" من اعتبارها رد فعل على فشل مشاريع الدولة الوطنية مع هزيمة 1967، أو على الحداثة القمعية أو نتيجة طبيعية للفقر والجهل والانفجار السكاني، كيف تنظر إلى هذه الظاهرة، وإلى ذلك النوع من المعالجات؟
ظاهرة الصحوة الإسلامية أقدم بكثير من هزيمة 67؛ فمشروع ابن تيمية لإحياء السلفية في مواجهة الباطنية، والاعتزال، والفلسفة، ...إلخ؛ هو في جوهره مشروع إحياء إسلامي، صِيغَ أيضاً في وقت أزمة (الحروب الصليبية والمغولية)، كما أنّ مشروع محمد عبده في مصر هو كذلك مشروع إحياء آخَر، لكنني لا أنظر للتاريخ كردود أفعال ميكانيكية نيوتونيّة (فعل=رد فعل)، فأنا أؤمن بالحرية الإنسانية أولاً، وبأنّ التاريخ يتحرك نتيجة قرار واعٍ أكثر منه ردّ فعل طبيعياً، وثانياً: التاريخ، في رأيي، يتحرك بشكل جدلي، ومع ذلك فله أحياناً ردود فعل غير متوقعة، نظراً إلى تعقيد الظاهرة الإنسانية وتشعبها وعشوائيتها مقارنة بظواهر الطبيعة.

اقرأ أيضاً: تعثر مسار تنقية كتب التراث الإسلامي وأزمة المؤسسات الدينية
وبالتالي؛ أؤمن بتنوع في العوامل المنتجة لظاهرة الصحوة، فبعضها عوامل شعورية، مثل حاجة العرب إلى نوع من استمرار الإلهام؛ فالإلهام مادة إدمانية خطيرة، وكذلك عقدة الفردوس الإسلامي المفقود (الخلافة أو الأندلس إلخ)، ومن العوامل الاجتماعية كذلك، إلغاء الخلافة نفسها؛ فبعد أن كانت سلطتها روحية بحتة، وكانت مركزاً يحفظ وحدة العقيدة، تولدت بعد إلغائها عشرات المراكز التي يدعي كل منها خلافة جديدة. 
الآن، وبعد كلّ ما حدث؛ هل ترى التدين المسيس في تراجع؟ وهل يصلح التصوف لسدّ الفراغ الذي تركته حركات الإسلام السياسي؟
الإسلام السياسي، كمأسسة الدين، جزء أساسي من السلطة السياسية في العالم العربي بمعناها الواسع، لذلك لا أستطيع وصفه بالتراجع الحقيقي، فهذا هو الظاهر فقط، وقد يعود وقت الحاجة إلى الساحة إذا دعمه إعلام مناسب.
أما عن التصوّف؛ فأنا أراه حلاً ممكناً لإنجاز إصلاح إسلامي جزئي؛ فهو بخلاف الاعتزال المعاصر، غير نخبوي، ويمكنه الانتشار على المستوى الشعبي متنوع التخصصات ومنخفض التعليم، وهو أقل تسيّساً وتكفيراً للخصوم، لكنّ مشكلة التصوف أنّه يؤسس لسلطة نظرية تعتمد على مصادر معرفية غير قابلة للتداول أو النقد، هي سلطة الشيخ، وكبار الصوفية، إذاً؛ التصوف لا يقل ديماغوجية عن الإسلام السياسي، لكنّه أقل خطراً، وأوسع انتشاراً، لكن إذا خُيرتُ بين الإسلام السياسي وبين التصوف، ولا ثالث لهما، سأختار التصوف.
تجديد الفكر الديني 

مشكلة التصوف أنّه يؤسس لسلطة نظرية تعتمد على مصادر معرفية غير قابلة للتداول أو النقد

لكن هل يمكن التعويل على الأزهر في قضية تجديد الفكر الديني في ظل رؤيته التقليدية للتراث الديني؟
بالتأكيد في الوضع الحالي هذا غير ممكن، نظراً لاحتفاظه بمنظومته الفقهية دون تغيير، والأمل في جيل جديد من الأزهريين المتنورين الذين يقبلون بالحوار والنقد.
الأزهر منغلق على مستوى الرؤية الكلية لكلّ من الدين والشريعة، إذا كنتَ تعني بالدين العقيدة، وفي رأيي؛ إنّ قضية الإصلاح الديني الأساسية تبدأ من نقطتين: حقوق الإنسان، والتجربة الإيمانية الأصيلة، أولاهما تخصّ الشريعة، والثانية العقيدة، وتحتاج كل منهما ليس فقط إلى رؤية كلية بل جذرية، وهذا لا أعتقد أنه قريب المنال حالياً.
لكنك منفتح على الحوار مع الأزهر؛ هل ترمي الوصول إلى صيغة تجديدية ما؟ وهل حوار من هذا النوع ممكن من الأساس؟
نعم، أقترح مثل هذا النوع من الحوارات، على أن يتمّ في إطار أخلاقيات الحوار وقواعده، لكن مدى إمكانية ذلك يتوقف على توافر عناصر مستعدة للحوار من الجانبين، وهناك -فيما أعلم- عناصر لديها هذا الاستعداد، لكن حواراتها لا تزيد حالياً عن مجرد جلسات فردية.
لطالما شدّدت على أنّ الشريعة قامت على الحق المكتسب لا الطبيعي، هل ثمة مخرج محتمل لهذه المعضلة؟
ذكرت في رسالتي للماجستير أنّ "التراث الإسلامي لم يعرف مفهوم الحقّ الطبيعي قط، ومن ثمَّ يتعذر على الثقافة العربية استيعاب منظومة حقوق الإنسان كما نشأت في الغرب".
وصلت إلى هذه النتيجة بالاستقراء؛ أي استقراء مصادر أصول الفقه تاريخياً، من الشافعي إلى اليوم؛ كلّ هذه المصادر، بلا استثناء، أقامت الشريعة على الحق المكتسب لا الطبيعي، أي على الأمر الإلهي لا الحقّ الإنساني، رغم أن نص القرآن الكريم يخالف ذلك التصور، ومع إغفال الحق الطبيعي لا يمكن أن نؤسس حقوق الإنسان الطبيعية، سواء الغربية أو غير الغربية، ليست القضية مساوقة مدى التقدم الذي أحرزته الحضارة الغربية بهذا الشأن؛ ففكرة حقوق الإنسان عالمية وقديمة جداً، تعود إلى الفكر الشرقي القديم، ثم الفلسفة الإغريقية، ثم الفلسفة الهللينستية التي اختلط فيها الشرق بالغرب، ومن الخطأ أن ننسبها إلى الغرب الحديث وحده.
والمخرج الممكن، في رأيي؛ هو إعادة دراسة أصول الفقه في الإسلام بشكل لا يقلد القدماء، ويؤسس مبحث (نظرية الحق)؛ حيث تكون حقوق الإنسان الطبيعية أصلاً لنظريات المقاصد والأهلية والاستخلاف.
لم تترجَم رسالتك للدكتوراه التي أعددتها في ألمانيا، ما هو موضوعها؟ وهل نحن بصدد مشروع فكري جديد؟
رسالتي في الدكتوراه عنوانها الرئيس: "علم وجود تفسير القرآن"، وهي محاولة في استخلاص مناهج التفسير الإسلامية بشكل منهجي أكثر دقة مقارنة بما سبقها، وإعادة فهم هذه المناهج فهماً وجودياً؛ أي في دلالتها على أنماط الوجود الإسلامي؛ فالذات المسلمة، في رأيي، ليست واحدة، وهي تتنوع بقدر تنوع استراتيجيات الفهم ومناهجه، وقد سادت الذات التاريخية في أغلب مراحل التاريخ الإسلامي، وهي ذات تكرارية، تؤسس الحاضر في الماضي، وجودياً، قبل أن يكون ذلك معرفياً، والمعرفة ذاتها، في رأيي، قرار وجودي، وذات أصل وجودي.
لكن، من السابق لأوانه أن نقول إنّنا على أعتاب مشروع جديد، إذا كان المشروع في فهمنا هو مجموعة مصنفات ذات إستراتيجية واحدة، وهدف واحد، فهذا يحتاج إنجازه، قبل ادعائه، إلى أعوام طويلة، لكن يمكن القول إنّني أنجزت عدة خطوات في مشروع نقد التراث الإسلامي، خاصة في رسالتي للماجستير والدكتوراه، وعدة أبحاث أخرى، كما أنّني بصدد محاولة في الفلسفة الوجودية، ومحاولة أخرى في فلسفة الموسيقى.
بين حسن حنفي ونصر أبو زيد
حين علا الصخب حول مذكرات حسن حنفي سارعت لتقديم شهادتك عن علاقته بتلاميذه، ووصفته بأنّه هو المسؤول عن تدهورها، هل كنت ترمي بهذه الخطوة إلى التخلص من "أبوة" حنفي؟

أولاً: أنا لم أسارع، فقد أوضحت في المقال المقصود أنني استجبت بعد ضغط، ولسبب وجيه؛ هو أنّ أكثر من قدموا شهاداتهم لم يعرفوا الدكتور علي مبروك كزميل قسم، ولم يعرفوا حنفي أستاذاً بشكل مباشر، حسن حنفي، في رأيي، أساء إلى كثير من تلاميذه بتقديم نقد أخلاقي لهم، دون الاكتفاء بالأحكام العلمية، ونحن نكبر ونتجاوز الآباء الحقيقيين، فما بالك بالروحيين! لكنّني أكدت، في المقال نفسه، أنّ حنفي أستاذ عن جدارة.
قلت في بحثك "منهج الحفر عند نصر أبو زيد" إنّه "لم يلتزم بما توصل إليه من ضرورة التعامل العلمي للتراث.."، هل يمكن القول إنك تمضي الآن في الطريق الذي عبّده أبو زيد ولم يسر فيه؟
أنا تلميذ لكلّ من استفدت منهم، في مصر وألمانيا، لكنّ أستاذي المباشر والأساسي في مصر هو حسن حنفي، وفي ألمانيا، كلاوديا بيكمان، في مرحلة الدكتوراه، وكما كانت لي ملاحظات نقدية على منهجية نصر كانت لي ملاحظات أخرى على حنفي.

اقرأ أيضاً: نصر حامد أبو زيد غرّد خارج السرب فأزهرت كلماته ومات غريباً
أما محاولة المعالجة العلمية للتراث؛ فنحن نجدها لدى الجابري مثلاً أضعاف ما نجدها عند نصر أبو زيد، ومع ذلك؛ فضرورة تقديم معالجة (علمية) بداهة لا تحتاج إلى أستاذ، فهي مطلوبة مثلاً في الرسائل والأبحاث.
هل مقبول من المفكر أن يتخلى عن انحيازاته الاجتماعية من أجل العلمية؟
في رأيي؛ تغيير الواقع لن يأتي إلا عن طريق العلم والدرس العلمي لكلّ مناحي الحياة، بقطع النظر عن أهدافنا القريبة، وليس ثمة مقدس في هذا الصدد؛ فالمقدس هو الذي لا يمكن التعرض له بالنقد، أما العلم فهو الحقيقة الوحيدة التي تنبني أصلاً على النقد لا التسليم.
اتجه أبوزيد إلى آلية التأويل على أمل إعادة تشكيل التراث، كيف تنظر إلى هذه المحاولة؟
هذه المحاولة قديمة جداً بدأت مع التأويل المجازي الاعتزالي للقرآن الكريم، ونصر أبو زيد يعلن محاولة استئنافها لا اختراعها، ومن الممكن أن يقوم التأويل المجازي بنفي التصور الأسطوري عن الدين، لكن لماذا يعدّ هذا شرطاً للتقدم؟ الكثير من أكبر أساتذة الغرب في كلّ التخصصات متدينون بأديان مفعمة بالخرافات، لكنهم يفرقون بين البحث العلمي وبين الإيمان الديني، والقانون يمنح الباحث هناك حقّ عدم تكفيره أو استبعاده على أساس ديني (في الغالب ليس دائماً).

اقرأ أيضاً: نصر أبو زيد مشتبكاً مع ابن عربي: تصالح العقل والتصوف
والدين الإسلامي يقوم على عدد من الغيبيات التي تدخل في إطار الميتافيزيقا، وبالتالي لا يمكن استبعاد الميتافيزيقا من دائرته استبعاداً كلياً، كما أنّ النفي الوضعي للميتافيزيقا هو، في رأيي، كذلك خرافة لا تقل عن الخرافة التي يحاول مجابهتها، فلا يمكننا أن نبرهن على الغيبيات أو ننكرها موضوعياً.
لكنّ الدرس العلمي للتراث موضوع مختلف؛ إذ يحاول وصف التراث موضوعياً، في حدود الموضوعية الممكنة في العلوم الاجتماعية، ونقده بناء على ذلك، ومن الممكن أن يتم كلّ ذلك مع احتفاظ الباحث بإيمانه الخاص، وليس من العلمية في شيء أن نقوم بتأويل متعسف غير مبرهَن نظرياً لإحدى مواضع الغيبيات في القرآن الكريم، بدعوى أنّ ذلك التأويل أكثر تقدمية؛ فقد يكون القرآن الكريم قد قصد بالفعل معاني تلك الغيبيات كغيبيات، هذا تناول نفعي نقده أبو زيد كثيراً في الوقت الذي قام فيه هو نفسه به، وإذا أردت رأيي؛ فأن ننقد تأويلاً معيناً للقرآن الكريم بدعوى أنّه غير مبرهن نظرياً أكثر جدوى من أن ننقده بدعوى أنّه لا يتماشى مع روح العصر العلمية، لأنّ النقد العلمي الموضوعي المنطلق من أرضية محايدة أقدر على إقناع الخصوم النظريين أنفسهم لا الجمهور فحسب.
التعاطي مع التراث

الإصلاح الديني يبدأ من تأصيل حقوق الإنسان في الشريعة والتجربة الإيمانية في العقيدة
كأنك تقول إنّ اللجوء إلى منهج "الحفر الإيديولوجي" دليل على ضعف التكوين العلمي، ما هي المتطلبات العلمية الضرورية للباحث في التراث الإسلامي إذاً؟

اللجوء إلى هذا المنهج ثمرة مباشرة لأدلجة البحث العلمي، وعدم الإيمان بحقيقة موضوعية من الأصل، وهو متوقف على إرادة الباحث قبل أن يكون نتيجة للضعف العلمي، وهو أكثر سهولة من الدرس العلمي الممنهج؛ فمن المقبول في كثير من الأحيان دون سؤال في الأوساط العلمانية غير المتخصصة أن تتهم الشافعي بالعنصرية أو الأشعري بعقدة قتل الأب، ولكنه محال تقريباً على التحقيق العلمي.

تولدت بعد سقوط الخلافة الإسلامية عشرات المراكز التي يدعي كل منها خلافة جديدة

أما المطلوب للباحث في التراث الإسلامي؛ فهو أن يطلع على وفرة متنوعة من المصادر قبل المراجع، ثم المراجع؛ حيث لا يبني وجهات نظر مسبقة، وأن يدرس المناهج المختلفة لتكوين موقفه المنهجي، وألا يتسرع في الاشتباهات الأيديولوجية كالمذكورة أعلاه، وأن يبدأ البحث من نقطة صِفرية في المعرفة، دون انحيازات مع التراث أو ضده.
في هذا السياق خالفت أبو زيد عندما قال إنّ الشافعي نقطة بداية للأيديولوجيا الوسطية؛ فليس للمعرفة لحظة تأسيس، والشافعي تجلٍّ من تجليات البنية المعرفية التي أنتجته.
ويمكن أن نخرج بنتيجة عدم جدوى حفر أبو زيد الأيديولوجي ببنيوية لاتاريخية، لكن الفارق بين هذا وبين الواقع؛ أنني لا أجعل البنية المعرفية نقطة القاع المبدئية؛ بل أؤمن بتأسيسها الأنطولوجي، وهو ما يساهم في تجاوز المنهج التاريخي، وإلا ظلت هذه البنية المعرفية معلقة في الهواء بلا أصل.
هل تلغي إذاً إمكانية التاريخانية في فهم ونقد العلوم؟ وهل غضّ النظر عن السياق التاريخي والاجتماعي للأنساق الفكرية والذهاب إلى النصوص مباشرة هو الأكثر إنتاجاً وفاعلية؟
لا ألغيها، لكنها غالباً ما تستعمَل لدى الباحثين العرب اليوم بمنطق التقليد، فهي (موضة) منذ أدونيس وحتى علي مبروك، وكان هذا بالمناسبة آخر حوار بيني وبين نصر أبو زيد، ولم يعلق على كلامي.

اقرأ أيضاً: مركزية السياسي في قراءة علي مبروك للتراث
وإضافة إلى كونها موضة؛ فهي كذلك لا تتم غالباً بإحكام علمي منهجي، والكتابات التي نقدتها في هذا الصدد لا تكاد تستعمل فعلاً أيّ مصدر أو مرجع تاريخي واحد! وحتى بالاعتماد على هذه المصادر سيظل الشكّ في المعرفة التاريخية حاضراً وهاجساً، كما أن العوامل التاريخية متداخلة ومتبادلة التأثير مع العوامل النظرية، مما يجعل الاعتقاد في الأصل المادي وحده للمفاهيم والنظريات متهافتاً. فصحيح أنّ للعوامل التاريخية دوراً جوهرياً، لكن دور العوامل العرفية لا يقل أهمية، وهذه العوامل الأخيرة يمكن الوقوف عليها بقدر أكبر من الدقة بكثير من العوامل الأولى.  
أدنْتَ المشاريع العربية بسبب انطلاقها من مهمات سياسية حاضرة ولم تلتزم بالمعايير العلمية في تعاطيها مع التراث، كيف يمكن تقديم أبحاث منزهة عن السياسة؟
لا يوجد بحث نستطيع أن نقول بموضوعية أنه منزّه تماماً عن السياسة، حتى أبحاث الرياضيات والفيزياء؛ لأنّ للعلم تأثيره في المجتمع في النهاية، لكنّ الفكرة يمكن تلخيصها في: أولاً: هل نتخذ العلم طريقاً للتغيير أم اللاعلم؟ ثانياً: هل قدمت تلك المشاريع العربية المعاصرة نفسها كأيديولوجيا أم كأبحاث علمية؟ لقد قدم حنفي نفسه كمؤدلِج (بكسر اللام) للتراث؛ لذلك فإنّ نقده على أساس اللاعلمية غير ممكن، أما من يقدم ما يطلق هو عليه اسم البحث العلمي، دون أن يتسلح بمنهجية علمية، فهذا أرفض تسميته ببحث علمي بطبيعة الحال.
لكن أليس اتخاذك من مدرسة القاهرة (حسن حنفي، نصر أبو زيد، علي مبروك، على الترتيب) نقطة انطلاق لتعميم أحكامك النقدية على كلّ المفكرين العرب مجرد افتراض؟
بالتأكيد، لهذا لم أعمّم الكلام على (كلّ المفكرين العرب)، وإلا فأين؟ لقد نقدت المشروعات العربية المعاصرة تحديداً في بحث "منهج الحفر الإيديولوجي"، وهي التي بدأت بأدونيس، من السبعينيات إلى اليوم، وإشكالية البحث الأساسية على أية حال كانت (نصر أبو زيد) حتى في عنوانه، كما تعرضت في البحث لحنفي ومبروك وأدونيس والجابري، أما تعميم الحكم بهذا النطاق على كلّ الفكر العربي المعاصر، أو كلّ أصحاب المشروعات العربية المعاصرة فخطوة تالية يلزمها الكثير من الإعداد (وقد كتبت هامشاً يوضح ذلك كلّه في البحث).
نقد العقل العربي 

جورج طرابيشي لم يفهم أساس مشروع حسن حنفي لكنه أجاد في نقد الجابري
انطلقت مشروعات تفكيك بنية العقل العربي من مبدأ أنّه مايزال يعاني من استشراء اللاعقل والأيديولوجيا على المعرفة العلمية.. هل يصلح هذا المنطلق أساساً للتفكر في الراهن العربي؟

أعتقد أنّ هناك كذلك أسباباً اجتماعية للتخلف لا يمكن إغفالها، حتى لا ندور في دائرة مغلقة، وإضافة إلى الأسباب الاجتماعية والنظرية هناك كذلك نوع ثالث هو الأسباب الوجودية؛ ما يعني أن معتقداتنا وأهدافنا ورؤيتنا للحياة غير مؤسسة على تجربة فردية أصيلة بما يكفي.
وما الذي يجمع بين المشاريع العربية هذه؟ وما المشروع الذي يمكن البناء عليه فيها؟

كل المشاريع العربية يمكن الاستفادة من أخطائها وأوجه العجز فيها لتجاوزها والتعلم النقدي منها، لا أعتقد في مشروع معين ينبغي استكماله، أعتقد أنّ المشاريع العربية المعاصرة تأثرت بحقبة الاستقطاب الأيديولوجي الحاد إبان الحرب الباردة، وهذا ما أصابها بالأدلجة، لقد أنجزتْ خطوات مهمة، ولكن علينا أن نتخطاها جميعاً. 

الإصلاح الديني يبدأ من تأصيل حقوق الإنسان في الشريعة والتجربة الإيمانية في العقيدة

المشروع الذي أعتقد ضرورة استكماله بالنسبة إليّ؛ هو مشروع عبد الرحمن بدوي، إذا كنتَ تسأل عن المشروعات الفلسفية العربية بنطاقها الواسع، وليس فقط في النصف الثاني من القرن العشرين.
وما تعليقك على النقد الذي وجهه جورج طرابيشي بخصوص حسن حنفي في "المثقفون العرب والتراث"؟
أعتقد أنّ نقد لا يفهَم، أو لا يريد أن يفهَم، أساس مشروع حنفي، لكنّه أجاد في نقد الجابري، رغم أنني أرى أن الجابري، حتى الآن، صاحب أشمل دراسة أبستمولوجية في التراث، لكنها مع ذلك لم تنجُ من الأخطاء والتعميمات وعدم كفاية المصادر، وهذا لا يقلل كثيراً من أهميتها.
بين الموسيقى والفكر

أنت عازف موسيقي، ولك كتابات في التأليف الموسيقي ونقده، هل تعتقد أنّ انشغالاتك الموسيقية وهمومك الفكرية يتكاملان بصورة ما؟
هناك كتابات خفيفة كثيرة في الموسيقى والشعر لكتّاب آخرين، ولها جمهورها، ولكتاباتي كذلك جمهورها، لكن لنلاحظ أنني لا أكتب (عن الموسيقى) أو (مع الموسيقى)؛ بل في النقد الموسيقي وفلسفة الموسيقى، والأخيران مجالان يعتمدان على المنهج والمصطلح والنظرية.

اقرأ أيضاً: مواجهة عبر الموسيقى بين التشدد والاعتدال
مؤخراً تواً من كتابة مقال بعنوان "فلسفة الموسيقى وموسيقى الفلسفة"؛ فللفلسفة كذلك موسيقاها، الفكرة هي في الزاوية التي يتخذها المرء للنظر إلى هذه المجالات التي قد تبدو منفصلة؛ فأنا أنظر إلى الموسيقى كفن التلاعب بالأبنية النظرية الخالصة المجردة، ونقطة التقائها مع الفلسفة هي التجريد، كما أنّ نقطة التقاء الشعر مع الفلسفة هي إعادة بناء اللغة؛ وأنا أنصح طلاب الفلسفة الجدد بضرورة الاستماع إلى الموسيقى الخالصة وقراءة الشعر.
فؤاد زكريا وصف الموسيقى العربية بـ"الرتابة" وإدوارد سعيد قال عنها إنّها مبنية على تكرار اللحن، ما رأيك فيما ذهبا إليه؟
الموسيقى العربية عالَم مختلف، وهي أكثر ثراء من الكلاسيكية في المقامات والإيقاعات، لو أردنا الإنصاف، كما أنّ هناك موسيقى عربية كلاسيكية؛ كأبي بكر خيرت، وكامل الرمالي، وعزيز الشوان، وغيرهم، وهي لا تقوم على تكرار اللحن؛ بل على الاشتقاق اللحني، ولا أرى أنّ علينا بالضرورة تحويل الموسيقى العربية إلى كلاسيكية؛ لأن المستمع إلى الموسيقى الاشتقاقية يمكنه بسهولة الحصول على المؤلفات الكلاسيكية، والعكس صحيح.

اقرأ أيضاً: كيف تساهم الموسيقى في تجاوز البؤس الدنيوي؟
ما نحتاجه، في رأيي، ليس نوعاً موسيقياً معيناً؛ بل أن نكوّن فكرة أعمق عن الموسيقى نفسها بما هي وجود متميِّز، وبما هي تأويل للعالَم.
كناقد موسيقي أين ترى موقع الموسيقى الكلاسيكية اليوم مع الأشكال الجديدة التي تسيّدت المشهد الفني في العالم كلّه؟
نعم، لقد قلّت رقعة الموسيقى الكلاسيكية كثيراً، ولكن هذا صاحبه تضخم سكاني كبير، كذلك على مستوى العالم، وتنوع في الفنون، واستثمار للموسيقى في السينما وألعاب الفيديو، رغم ذلك؛ يظلّ هناك جمهور للموسيقى الكلاسيكية في كلّ بلاد العالم، لكنّ من يهتمون بهذا النوع من الموسيقى ويملكون قدرة على التجريد؛ هم شريحة قليلة العدد.

اقرأ المزيد...

الوسوم: