كريم الصياد: انغلاق جماعات الإسلام السياسي يمنع دمجها في الحياة السياسية

3138
عدد القراءات

2019-03-12

أجرى الحوار: محمد جبريل


قال الدكتور كريم الصياد، أستاذ الفلسفة الإسلامية بجامعة القاهرة إنّه من غير الممكن حالياً إدماج الإسلام السياسي في تنظيم المجتمع سياسياً؛ بسبب طبيعته الديماغوجية، معيداً ذلك أيضاً إلى أنّ التشريع الإسلامي الذي يعد بمثابة حجر الأساس في برنامج الإسلام السياسي يخلو بدوره من مبدأ الحق الطبيعي ويتجاهل الحقوق المكتسبة.

التعامل البراغماتي مع الدين يلغي الإيمان كتجربة وجودية أصيلة ومأسسة الدين تفرِّغ الإيمان من مضمونه

ورأى الباحث في التراث الإسلامي، في حواره مع "حفريات"، أنّه لا يمكن تصور الدين مجرد أيديولوجيا إصلاحية، أو التعامل معه براغماتياً؛ "إذ يلغي هذا التصور التجربة الإيمانية كتجربة وجودية أصيلة".
وأضاف أنّ ظاهرة الصحوة الإسلامية نتجت عن عوامل متنوعة بعضها شعورية، مثل؛ حاجة العرب إلى نوع من استمرار الإلهام، وبعضها سياسية كإلغاء الخلافة الإسلامية التي كانت تتمتع بسلطة روحية بحتة وكانت مركزاً يحفظ وحدة العقيدة.
وأوضح الصياد أنّ المشاريع العربية كلها يمكن الاستفادة من أخطائها وأوجه العجز فيها، لتجاوزها والتعلم النقدي منها، لافتاً إلى أنّ هذه المشاريع تأثرت بحقبة الاستقطاب الأيديولوجي الحاد إبان الحرب الباردة، وهذا ما أصابها بالأدلجة، منوهاً إلى أنّ هذه المشاريع "أنجزت خطوات مهمة، لكن علينا أن نتخطاها جميعاً".
وهنا نصّ الحوار:
إشكالية العلمانية والدين

العلمانية قضية تشريعية بحتة لا يجوز تحويلها إلى نظرية في المعرفة كما حاول مراد وهبة
منذ ثورة 25 يناير لم تُحسم العديد من القضايا المؤجلة، كالعلاقات الإشكالية بين الدين وكل من السياسة، والحياة الاجتماعية، والحريات الفردية، كيف ترى هذه القضايا؟

لقد فتحت ثورة يناير المجال بالتأكيد لطرح التساؤلات الخاصة بكل تلك القضايا وغيرها، وربما هو المكسب الوحيد المتبقي منها، وهو مكسب مهم، دون شكّ، لكن التغيير الفعلي لن يأتي إلا بعد نضج أجيال الثورة واحتلالها مواقع قيادية تبدأ من قيادة الأسرة إلى قيادة الدولة مروراً بوظائف المعلِّم وأستاذ الجامعة؛ أي إنّه تغيير يحتاج إلى عمل جيل أو اثنين، ومع ذلك علينا ألا نتفاءل أكثر من الحد بهذا الصدد؛ إذ إنّ تلك التساؤلات لم تكن جذرية عادةً إلا على مستوى شريحة رقيقة من الشباب المتعلّم.
كيف تنظر إذاً إلى قضية العلمانية؟ وهل يمكن إقحام المرجعية الدينية على مستوى الاختيارات الاجتماعية للناس دون أن يؤثر ذلك على هوية الدولة الحديثة، والحريات الفردية والجمعية؟
العلمانية، في رأيي، قضية تشريعية بحتة، لا يجوز لنا تحويلها إلى نظرية في المعرفة، كما حاول الفيلسوف المصري مراد وهبة، أو اعتبارها رؤية شاملة للعالم تنطوي على نظرية معينة في القيمة، كما اعتقد الدكتور عبد الوهاب المسيري، وهذا يعني أنّ معالجتها يجب أن تتم على مستوى التشريع، وبرؤية تشريعية لا تغفل أياً من حقوق الإنسان أو المصلحة العامة.

اقرأ أيضاً: بين خاسر أو منتصر: جدال العقل والنقل في التراث الإسلامي
وعلى كل حال؛ من غير الممكن حالياً إدماج الإسلام السياسي بشكل عام في تنظيم المجتمع سياسياً؛ لسببين: أولاً لأنه اتجاه ديماغوجي لا يختلف في عمله عن حملة شعارات القومية والوطنية، ولا يختلف جذرياً عن الخطاب الناصري القومي-الوسطي الديني، الذي حاربه في الماضي. وثانياً: لأنّ قلب نظرية التشريع الإسلامي يخلو من مبدأ الحق الطبيعي، وهذا تقصير من علماء أصول الفقه، الذين لم يتصوروا الحقوق إلا مكتسبة في الغالب، فضاعت عليهم فرصة تأصيل حقوق الإنسان في التشريع الإسلامي، وما لم يتجاوز الإسلام السياسي هذين المأزقين فقد حكم على نفسه بالخروج من العملية السياسية.
الأهم من كلّ ذلك؛ لا يمكن تصور الدين كمجرد أيديولوجيا إصلاحية، ولا يمكن التعامل معه براغماتياً؛ فهذا التصور يلغي التجربة الإيمانية كتجربة وجودية أصيلة، وبشكل عام؛ أيّة محاولة لمأسسة الدين تفرِّغ الإيمان من مضمونه.
تتعدد زوايا النظر إلى "الصحوة الإسلامية" من اعتبارها رد فعل على فشل مشاريع الدولة الوطنية مع هزيمة 1967، أو على الحداثة القمعية أو نتيجة طبيعية للفقر والجهل والانفجار السكاني، كيف تنظر إلى هذه الظاهرة، وإلى ذلك النوع من المعالجات؟
ظاهرة الصحوة الإسلامية أقدم بكثير من هزيمة 67؛ فمشروع ابن تيمية لإحياء السلفية في مواجهة الباطنية، والاعتزال، والفلسفة، ...إلخ؛ هو في جوهره مشروع إحياء إسلامي، صِيغَ أيضاً في وقت أزمة (الحروب الصليبية والمغولية)، كما أنّ مشروع محمد عبده في مصر هو كذلك مشروع إحياء آخَر، لكنني لا أنظر للتاريخ كردود أفعال ميكانيكية نيوتونيّة (فعل=رد فعل)، فأنا أؤمن بالحرية الإنسانية أولاً، وبأنّ التاريخ يتحرك نتيجة قرار واعٍ أكثر منه ردّ فعل طبيعياً، وثانياً: التاريخ، في رأيي، يتحرك بشكل جدلي، ومع ذلك فله أحياناً ردود فعل غير متوقعة، نظراً إلى تعقيد الظاهرة الإنسانية وتشعبها وعشوائيتها مقارنة بظواهر الطبيعة.

اقرأ أيضاً: تعثر مسار تنقية كتب التراث الإسلامي وأزمة المؤسسات الدينية
وبالتالي؛ أؤمن بتنوع في العوامل المنتجة لظاهرة الصحوة، فبعضها عوامل شعورية، مثل حاجة العرب إلى نوع من استمرار الإلهام؛ فالإلهام مادة إدمانية خطيرة، وكذلك عقدة الفردوس الإسلامي المفقود (الخلافة أو الأندلس إلخ)، ومن العوامل الاجتماعية كذلك، إلغاء الخلافة نفسها؛ فبعد أن كانت سلطتها روحية بحتة، وكانت مركزاً يحفظ وحدة العقيدة، تولدت بعد إلغائها عشرات المراكز التي يدعي كل منها خلافة جديدة. 
الآن، وبعد كلّ ما حدث؛ هل ترى التدين المسيس في تراجع؟ وهل يصلح التصوف لسدّ الفراغ الذي تركته حركات الإسلام السياسي؟
الإسلام السياسي، كمأسسة الدين، جزء أساسي من السلطة السياسية في العالم العربي بمعناها الواسع، لذلك لا أستطيع وصفه بالتراجع الحقيقي، فهذا هو الظاهر فقط، وقد يعود وقت الحاجة إلى الساحة إذا دعمه إعلام مناسب.
أما عن التصوّف؛ فأنا أراه حلاً ممكناً لإنجاز إصلاح إسلامي جزئي؛ فهو بخلاف الاعتزال المعاصر، غير نخبوي، ويمكنه الانتشار على المستوى الشعبي متنوع التخصصات ومنخفض التعليم، وهو أقل تسيّساً وتكفيراً للخصوم، لكنّ مشكلة التصوف أنّه يؤسس لسلطة نظرية تعتمد على مصادر معرفية غير قابلة للتداول أو النقد، هي سلطة الشيخ، وكبار الصوفية، إذاً؛ التصوف لا يقل ديماغوجية عن الإسلام السياسي، لكنّه أقل خطراً، وأوسع انتشاراً، لكن إذا خُيرتُ بين الإسلام السياسي وبين التصوف، ولا ثالث لهما، سأختار التصوف.
تجديد الفكر الديني 

مشكلة التصوف أنّه يؤسس لسلطة نظرية تعتمد على مصادر معرفية غير قابلة للتداول أو النقد

لكن هل يمكن التعويل على الأزهر في قضية تجديد الفكر الديني في ظل رؤيته التقليدية للتراث الديني؟
بالتأكيد في الوضع الحالي هذا غير ممكن، نظراً لاحتفاظه بمنظومته الفقهية دون تغيير، والأمل في جيل جديد من الأزهريين المتنورين الذين يقبلون بالحوار والنقد.
الأزهر منغلق على مستوى الرؤية الكلية لكلّ من الدين والشريعة، إذا كنتَ تعني بالدين العقيدة، وفي رأيي؛ إنّ قضية الإصلاح الديني الأساسية تبدأ من نقطتين: حقوق الإنسان، والتجربة الإيمانية الأصيلة، أولاهما تخصّ الشريعة، والثانية العقيدة، وتحتاج كل منهما ليس فقط إلى رؤية كلية بل جذرية، وهذا لا أعتقد أنه قريب المنال حالياً.
لكنك منفتح على الحوار مع الأزهر؛ هل ترمي الوصول إلى صيغة تجديدية ما؟ وهل حوار من هذا النوع ممكن من الأساس؟
نعم، أقترح مثل هذا النوع من الحوارات، على أن يتمّ في إطار أخلاقيات الحوار وقواعده، لكن مدى إمكانية ذلك يتوقف على توافر عناصر مستعدة للحوار من الجانبين، وهناك -فيما أعلم- عناصر لديها هذا الاستعداد، لكن حواراتها لا تزيد حالياً عن مجرد جلسات فردية.
لطالما شدّدت على أنّ الشريعة قامت على الحق المكتسب لا الطبيعي، هل ثمة مخرج محتمل لهذه المعضلة؟
ذكرت في رسالتي للماجستير أنّ "التراث الإسلامي لم يعرف مفهوم الحقّ الطبيعي قط، ومن ثمَّ يتعذر على الثقافة العربية استيعاب منظومة حقوق الإنسان كما نشأت في الغرب".
وصلت إلى هذه النتيجة بالاستقراء؛ أي استقراء مصادر أصول الفقه تاريخياً، من الشافعي إلى اليوم؛ كلّ هذه المصادر، بلا استثناء، أقامت الشريعة على الحق المكتسب لا الطبيعي، أي على الأمر الإلهي لا الحقّ الإنساني، رغم أن نص القرآن الكريم يخالف ذلك التصور، ومع إغفال الحق الطبيعي لا يمكن أن نؤسس حقوق الإنسان الطبيعية، سواء الغربية أو غير الغربية، ليست القضية مساوقة مدى التقدم الذي أحرزته الحضارة الغربية بهذا الشأن؛ ففكرة حقوق الإنسان عالمية وقديمة جداً، تعود إلى الفكر الشرقي القديم، ثم الفلسفة الإغريقية، ثم الفلسفة الهللينستية التي اختلط فيها الشرق بالغرب، ومن الخطأ أن ننسبها إلى الغرب الحديث وحده.
والمخرج الممكن، في رأيي؛ هو إعادة دراسة أصول الفقه في الإسلام بشكل لا يقلد القدماء، ويؤسس مبحث (نظرية الحق)؛ حيث تكون حقوق الإنسان الطبيعية أصلاً لنظريات المقاصد والأهلية والاستخلاف.
لم تترجَم رسالتك للدكتوراه التي أعددتها في ألمانيا، ما هو موضوعها؟ وهل نحن بصدد مشروع فكري جديد؟
رسالتي في الدكتوراه عنوانها الرئيس: "علم وجود تفسير القرآن"، وهي محاولة في استخلاص مناهج التفسير الإسلامية بشكل منهجي أكثر دقة مقارنة بما سبقها، وإعادة فهم هذه المناهج فهماً وجودياً؛ أي في دلالتها على أنماط الوجود الإسلامي؛ فالذات المسلمة، في رأيي، ليست واحدة، وهي تتنوع بقدر تنوع استراتيجيات الفهم ومناهجه، وقد سادت الذات التاريخية في أغلب مراحل التاريخ الإسلامي، وهي ذات تكرارية، تؤسس الحاضر في الماضي، وجودياً، قبل أن يكون ذلك معرفياً، والمعرفة ذاتها، في رأيي، قرار وجودي، وذات أصل وجودي.
لكن، من السابق لأوانه أن نقول إنّنا على أعتاب مشروع جديد، إذا كان المشروع في فهمنا هو مجموعة مصنفات ذات إستراتيجية واحدة، وهدف واحد، فهذا يحتاج إنجازه، قبل ادعائه، إلى أعوام طويلة، لكن يمكن القول إنّني أنجزت عدة خطوات في مشروع نقد التراث الإسلامي، خاصة في رسالتي للماجستير والدكتوراه، وعدة أبحاث أخرى، كما أنّني بصدد محاولة في الفلسفة الوجودية، ومحاولة أخرى في فلسفة الموسيقى.
بين حسن حنفي ونصر أبو زيد
حين علا الصخب حول مذكرات حسن حنفي سارعت لتقديم شهادتك عن علاقته بتلاميذه، ووصفته بأنّه هو المسؤول عن تدهورها، هل كنت ترمي بهذه الخطوة إلى التخلص من "أبوة" حنفي؟

أولاً: أنا لم أسارع، فقد أوضحت في المقال المقصود أنني استجبت بعد ضغط، ولسبب وجيه؛ هو أنّ أكثر من قدموا شهاداتهم لم يعرفوا الدكتور علي مبروك كزميل قسم، ولم يعرفوا حنفي أستاذاً بشكل مباشر، حسن حنفي، في رأيي، أساء إلى كثير من تلاميذه بتقديم نقد أخلاقي لهم، دون الاكتفاء بالأحكام العلمية، ونحن نكبر ونتجاوز الآباء الحقيقيين، فما بالك بالروحيين! لكنّني أكدت، في المقال نفسه، أنّ حنفي أستاذ عن جدارة.
قلت في بحثك "منهج الحفر عند نصر أبو زيد" إنّه "لم يلتزم بما توصل إليه من ضرورة التعامل العلمي للتراث.."، هل يمكن القول إنك تمضي الآن في الطريق الذي عبّده أبو زيد ولم يسر فيه؟
أنا تلميذ لكلّ من استفدت منهم، في مصر وألمانيا، لكنّ أستاذي المباشر والأساسي في مصر هو حسن حنفي، وفي ألمانيا، كلاوديا بيكمان، في مرحلة الدكتوراه، وكما كانت لي ملاحظات نقدية على منهجية نصر كانت لي ملاحظات أخرى على حنفي.

اقرأ أيضاً: نصر حامد أبو زيد غرّد خارج السرب فأزهرت كلماته ومات غريباً
أما محاولة المعالجة العلمية للتراث؛ فنحن نجدها لدى الجابري مثلاً أضعاف ما نجدها عند نصر أبو زيد، ومع ذلك؛ فضرورة تقديم معالجة (علمية) بداهة لا تحتاج إلى أستاذ، فهي مطلوبة مثلاً في الرسائل والأبحاث.
هل مقبول من المفكر أن يتخلى عن انحيازاته الاجتماعية من أجل العلمية؟
في رأيي؛ تغيير الواقع لن يأتي إلا عن طريق العلم والدرس العلمي لكلّ مناحي الحياة، بقطع النظر عن أهدافنا القريبة، وليس ثمة مقدس في هذا الصدد؛ فالمقدس هو الذي لا يمكن التعرض له بالنقد، أما العلم فهو الحقيقة الوحيدة التي تنبني أصلاً على النقد لا التسليم.
اتجه أبوزيد إلى آلية التأويل على أمل إعادة تشكيل التراث، كيف تنظر إلى هذه المحاولة؟
هذه المحاولة قديمة جداً بدأت مع التأويل المجازي الاعتزالي للقرآن الكريم، ونصر أبو زيد يعلن محاولة استئنافها لا اختراعها، ومن الممكن أن يقوم التأويل المجازي بنفي التصور الأسطوري عن الدين، لكن لماذا يعدّ هذا شرطاً للتقدم؟ الكثير من أكبر أساتذة الغرب في كلّ التخصصات متدينون بأديان مفعمة بالخرافات، لكنهم يفرقون بين البحث العلمي وبين الإيمان الديني، والقانون يمنح الباحث هناك حقّ عدم تكفيره أو استبعاده على أساس ديني (في الغالب ليس دائماً).

اقرأ أيضاً: نصر أبو زيد مشتبكاً مع ابن عربي: تصالح العقل والتصوف
والدين الإسلامي يقوم على عدد من الغيبيات التي تدخل في إطار الميتافيزيقا، وبالتالي لا يمكن استبعاد الميتافيزيقا من دائرته استبعاداً كلياً، كما أنّ النفي الوضعي للميتافيزيقا هو، في رأيي، كذلك خرافة لا تقل عن الخرافة التي يحاول مجابهتها، فلا يمكننا أن نبرهن على الغيبيات أو ننكرها موضوعياً.
لكنّ الدرس العلمي للتراث موضوع مختلف؛ إذ يحاول وصف التراث موضوعياً، في حدود الموضوعية الممكنة في العلوم الاجتماعية، ونقده بناء على ذلك، ومن الممكن أن يتم كلّ ذلك مع احتفاظ الباحث بإيمانه الخاص، وليس من العلمية في شيء أن نقوم بتأويل متعسف غير مبرهَن نظرياً لإحدى مواضع الغيبيات في القرآن الكريم، بدعوى أنّ ذلك التأويل أكثر تقدمية؛ فقد يكون القرآن الكريم قد قصد بالفعل معاني تلك الغيبيات كغيبيات، هذا تناول نفعي نقده أبو زيد كثيراً في الوقت الذي قام فيه هو نفسه به، وإذا أردت رأيي؛ فأن ننقد تأويلاً معيناً للقرآن الكريم بدعوى أنّه غير مبرهن نظرياً أكثر جدوى من أن ننقده بدعوى أنّه لا يتماشى مع روح العصر العلمية، لأنّ النقد العلمي الموضوعي المنطلق من أرضية محايدة أقدر على إقناع الخصوم النظريين أنفسهم لا الجمهور فحسب.
التعاطي مع التراث

الإصلاح الديني يبدأ من تأصيل حقوق الإنسان في الشريعة والتجربة الإيمانية في العقيدة
كأنك تقول إنّ اللجوء إلى منهج "الحفر الإيديولوجي" دليل على ضعف التكوين العلمي، ما هي المتطلبات العلمية الضرورية للباحث في التراث الإسلامي إذاً؟

اللجوء إلى هذا المنهج ثمرة مباشرة لأدلجة البحث العلمي، وعدم الإيمان بحقيقة موضوعية من الأصل، وهو متوقف على إرادة الباحث قبل أن يكون نتيجة للضعف العلمي، وهو أكثر سهولة من الدرس العلمي الممنهج؛ فمن المقبول في كثير من الأحيان دون سؤال في الأوساط العلمانية غير المتخصصة أن تتهم الشافعي بالعنصرية أو الأشعري بعقدة قتل الأب، ولكنه محال تقريباً على التحقيق العلمي.

تولدت بعد سقوط الخلافة الإسلامية عشرات المراكز التي يدعي كل منها خلافة جديدة

أما المطلوب للباحث في التراث الإسلامي؛ فهو أن يطلع على وفرة متنوعة من المصادر قبل المراجع، ثم المراجع؛ حيث لا يبني وجهات نظر مسبقة، وأن يدرس المناهج المختلفة لتكوين موقفه المنهجي، وألا يتسرع في الاشتباهات الأيديولوجية كالمذكورة أعلاه، وأن يبدأ البحث من نقطة صِفرية في المعرفة، دون انحيازات مع التراث أو ضده.
في هذا السياق خالفت أبو زيد عندما قال إنّ الشافعي نقطة بداية للأيديولوجيا الوسطية؛ فليس للمعرفة لحظة تأسيس، والشافعي تجلٍّ من تجليات البنية المعرفية التي أنتجته.
ويمكن أن نخرج بنتيجة عدم جدوى حفر أبو زيد الأيديولوجي ببنيوية لاتاريخية، لكن الفارق بين هذا وبين الواقع؛ أنني لا أجعل البنية المعرفية نقطة القاع المبدئية؛ بل أؤمن بتأسيسها الأنطولوجي، وهو ما يساهم في تجاوز المنهج التاريخي، وإلا ظلت هذه البنية المعرفية معلقة في الهواء بلا أصل.
هل تلغي إذاً إمكانية التاريخانية في فهم ونقد العلوم؟ وهل غضّ النظر عن السياق التاريخي والاجتماعي للأنساق الفكرية والذهاب إلى النصوص مباشرة هو الأكثر إنتاجاً وفاعلية؟
لا ألغيها، لكنها غالباً ما تستعمَل لدى الباحثين العرب اليوم بمنطق التقليد، فهي (موضة) منذ أدونيس وحتى علي مبروك، وكان هذا بالمناسبة آخر حوار بيني وبين نصر أبو زيد، ولم يعلق على كلامي.

اقرأ أيضاً: مركزية السياسي في قراءة علي مبروك للتراث
وإضافة إلى كونها موضة؛ فهي كذلك لا تتم غالباً بإحكام علمي منهجي، والكتابات التي نقدتها في هذا الصدد لا تكاد تستعمل فعلاً أيّ مصدر أو مرجع تاريخي واحد! وحتى بالاعتماد على هذه المصادر سيظل الشكّ في المعرفة التاريخية حاضراً وهاجساً، كما أن العوامل التاريخية متداخلة ومتبادلة التأثير مع العوامل النظرية، مما يجعل الاعتقاد في الأصل المادي وحده للمفاهيم والنظريات متهافتاً. فصحيح أنّ للعوامل التاريخية دوراً جوهرياً، لكن دور العوامل العرفية لا يقل أهمية، وهذه العوامل الأخيرة يمكن الوقوف عليها بقدر أكبر من الدقة بكثير من العوامل الأولى.  
أدنْتَ المشاريع العربية بسبب انطلاقها من مهمات سياسية حاضرة ولم تلتزم بالمعايير العلمية في تعاطيها مع التراث، كيف يمكن تقديم أبحاث منزهة عن السياسة؟
لا يوجد بحث نستطيع أن نقول بموضوعية أنه منزّه تماماً عن السياسة، حتى أبحاث الرياضيات والفيزياء؛ لأنّ للعلم تأثيره في المجتمع في النهاية، لكنّ الفكرة يمكن تلخيصها في: أولاً: هل نتخذ العلم طريقاً للتغيير أم اللاعلم؟ ثانياً: هل قدمت تلك المشاريع العربية المعاصرة نفسها كأيديولوجيا أم كأبحاث علمية؟ لقد قدم حنفي نفسه كمؤدلِج (بكسر اللام) للتراث؛ لذلك فإنّ نقده على أساس اللاعلمية غير ممكن، أما من يقدم ما يطلق هو عليه اسم البحث العلمي، دون أن يتسلح بمنهجية علمية، فهذا أرفض تسميته ببحث علمي بطبيعة الحال.
لكن أليس اتخاذك من مدرسة القاهرة (حسن حنفي، نصر أبو زيد، علي مبروك، على الترتيب) نقطة انطلاق لتعميم أحكامك النقدية على كلّ المفكرين العرب مجرد افتراض؟
بالتأكيد، لهذا لم أعمّم الكلام على (كلّ المفكرين العرب)، وإلا فأين؟ لقد نقدت المشروعات العربية المعاصرة تحديداً في بحث "منهج الحفر الإيديولوجي"، وهي التي بدأت بأدونيس، من السبعينيات إلى اليوم، وإشكالية البحث الأساسية على أية حال كانت (نصر أبو زيد) حتى في عنوانه، كما تعرضت في البحث لحنفي ومبروك وأدونيس والجابري، أما تعميم الحكم بهذا النطاق على كلّ الفكر العربي المعاصر، أو كلّ أصحاب المشروعات العربية المعاصرة فخطوة تالية يلزمها الكثير من الإعداد (وقد كتبت هامشاً يوضح ذلك كلّه في البحث).
نقد العقل العربي 

جورج طرابيشي لم يفهم أساس مشروع حسن حنفي لكنه أجاد في نقد الجابري
انطلقت مشروعات تفكيك بنية العقل العربي من مبدأ أنّه مايزال يعاني من استشراء اللاعقل والأيديولوجيا على المعرفة العلمية.. هل يصلح هذا المنطلق أساساً للتفكر في الراهن العربي؟

أعتقد أنّ هناك كذلك أسباباً اجتماعية للتخلف لا يمكن إغفالها، حتى لا ندور في دائرة مغلقة، وإضافة إلى الأسباب الاجتماعية والنظرية هناك كذلك نوع ثالث هو الأسباب الوجودية؛ ما يعني أن معتقداتنا وأهدافنا ورؤيتنا للحياة غير مؤسسة على تجربة فردية أصيلة بما يكفي.
وما الذي يجمع بين المشاريع العربية هذه؟ وما المشروع الذي يمكن البناء عليه فيها؟

كل المشاريع العربية يمكن الاستفادة من أخطائها وأوجه العجز فيها لتجاوزها والتعلم النقدي منها، لا أعتقد في مشروع معين ينبغي استكماله، أعتقد أنّ المشاريع العربية المعاصرة تأثرت بحقبة الاستقطاب الأيديولوجي الحاد إبان الحرب الباردة، وهذا ما أصابها بالأدلجة، لقد أنجزتْ خطوات مهمة، ولكن علينا أن نتخطاها جميعاً. 

الإصلاح الديني يبدأ من تأصيل حقوق الإنسان في الشريعة والتجربة الإيمانية في العقيدة

المشروع الذي أعتقد ضرورة استكماله بالنسبة إليّ؛ هو مشروع عبد الرحمن بدوي، إذا كنتَ تسأل عن المشروعات الفلسفية العربية بنطاقها الواسع، وليس فقط في النصف الثاني من القرن العشرين.
وما تعليقك على النقد الذي وجهه جورج طرابيشي بخصوص حسن حنفي في "المثقفون العرب والتراث"؟
أعتقد أنّ نقد لا يفهَم، أو لا يريد أن يفهَم، أساس مشروع حنفي، لكنّه أجاد في نقد الجابري، رغم أنني أرى أن الجابري، حتى الآن، صاحب أشمل دراسة أبستمولوجية في التراث، لكنها مع ذلك لم تنجُ من الأخطاء والتعميمات وعدم كفاية المصادر، وهذا لا يقلل كثيراً من أهميتها.
بين الموسيقى والفكر

أنت عازف موسيقي، ولك كتابات في التأليف الموسيقي ونقده، هل تعتقد أنّ انشغالاتك الموسيقية وهمومك الفكرية يتكاملان بصورة ما؟
هناك كتابات خفيفة كثيرة في الموسيقى والشعر لكتّاب آخرين، ولها جمهورها، ولكتاباتي كذلك جمهورها، لكن لنلاحظ أنني لا أكتب (عن الموسيقى) أو (مع الموسيقى)؛ بل في النقد الموسيقي وفلسفة الموسيقى، والأخيران مجالان يعتمدان على المنهج والمصطلح والنظرية.

اقرأ أيضاً: مواجهة عبر الموسيقى بين التشدد والاعتدال
مؤخراً تواً من كتابة مقال بعنوان "فلسفة الموسيقى وموسيقى الفلسفة"؛ فللفلسفة كذلك موسيقاها، الفكرة هي في الزاوية التي يتخذها المرء للنظر إلى هذه المجالات التي قد تبدو منفصلة؛ فأنا أنظر إلى الموسيقى كفن التلاعب بالأبنية النظرية الخالصة المجردة، ونقطة التقائها مع الفلسفة هي التجريد، كما أنّ نقطة التقاء الشعر مع الفلسفة هي إعادة بناء اللغة؛ وأنا أنصح طلاب الفلسفة الجدد بضرورة الاستماع إلى الموسيقى الخالصة وقراءة الشعر.
فؤاد زكريا وصف الموسيقى العربية بـ"الرتابة" وإدوارد سعيد قال عنها إنّها مبنية على تكرار اللحن، ما رأيك فيما ذهبا إليه؟
الموسيقى العربية عالَم مختلف، وهي أكثر ثراء من الكلاسيكية في المقامات والإيقاعات، لو أردنا الإنصاف، كما أنّ هناك موسيقى عربية كلاسيكية؛ كأبي بكر خيرت، وكامل الرمالي، وعزيز الشوان، وغيرهم، وهي لا تقوم على تكرار اللحن؛ بل على الاشتقاق اللحني، ولا أرى أنّ علينا بالضرورة تحويل الموسيقى العربية إلى كلاسيكية؛ لأن المستمع إلى الموسيقى الاشتقاقية يمكنه بسهولة الحصول على المؤلفات الكلاسيكية، والعكس صحيح.

اقرأ أيضاً: كيف تساهم الموسيقى في تجاوز البؤس الدنيوي؟
ما نحتاجه، في رأيي، ليس نوعاً موسيقياً معيناً؛ بل أن نكوّن فكرة أعمق عن الموسيقى نفسها بما هي وجود متميِّز، وبما هي تأويل للعالَم.
كناقد موسيقي أين ترى موقع الموسيقى الكلاسيكية اليوم مع الأشكال الجديدة التي تسيّدت المشهد الفني في العالم كلّه؟
نعم، لقد قلّت رقعة الموسيقى الكلاسيكية كثيراً، ولكن هذا صاحبه تضخم سكاني كبير، كذلك على مستوى العالم، وتنوع في الفنون، واستثمار للموسيقى في السينما وألعاب الفيديو، رغم ذلك؛ يظلّ هناك جمهور للموسيقى الكلاسيكية في كلّ بلاد العالم، لكنّ من يهتمون بهذا النوع من الموسيقى ويملكون قدرة على التجريد؛ هم شريحة قليلة العدد.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



مختار نوح: مرسي كان يرغب في إجراء مراجعات قبل وفاته والشاطر رفض

2019-07-15

أجرى الحوار: سامح فايز


قال المحامي والقيادي السابق في جماعة الإخوان المسلمين، مختار نوح: إنّ الرئيس المعزول، الراحل محمد مرسي، كان يرغب في إجراء مراجعات للموقف السياسي للجماعة قبل وفاته، غير أنّ خيرت الشاطر رفض تلك المسألة، وطلبت الجماعة من مرسي عدم الخوض في مسألة المراجعات.

الإخوان لا تعود أبداً إلا بعون من السلطة لا علاقة لها بظروف إلهية وذلك يكون استثماراً فالجماعة قابلة للاستثمار

وأضاف نوح: "لا يوجد أمل لعودة الجماعة مرة أخرى للمشهد العام، بعد أن كشفت عن وجهها المتطرف، وسيطرة التنظيم الخاص، ومقاتلة الشعب"، لافتاً إلى أنّ الإخوان عادت في مرات سابقة للحياة بعد حظرها من الأنظمة الحاكمة؛ بسبب رغبة الحكام في استثمار الجماعة، إلا أنّ تلك المسألة غير قابلة للحدوث الآن.
وأشار نوح، في حوار مع "حـفريات"، إلى أنّ النظام الخاص يسيطر على الجماعة بالكامل، منذ عام 1995، بعد تولّي مصطفى مشهور مكتب الإرشاد، منوهاً إلى أنّ أوّل ما فعله النظام الخاص؛ إقصاء غير المنتمين له من الجماعة بالكامل.
هنا نصّ الحوار:

خيرت الشاطر
على مدار تاريخ جماعة الإخوان تمّ حلّها وحظرها أكثر من مرة، وكانت تعود في كلّ مرة أقوى من السابق، تلك المسألة تطرح سؤالاً عن هل هناك إمكانية لعودة الجماعة للمشهد من جديد؟

جماعة الإخوان لا تعود أبداً إلا بعون من السلطة، لا علاقة لها بظروف إلهية، وذلك يكون استثماراً، فالجماعة قابلة للاستثمار، أنا أذكر مرتين لرجوعها، الأولى، كانت أيام السادات، وكان المفترض عقلاً بعد أن قتل السادات، وانتماء خالد الإسلامبولي لجماعة الإخوان مسبقاً، أن يكون هناك حذر في الاستثمار؛ أي أن يكون استثماراً محسوباً، لكن حسني مبارك أجرى الصفقة بطريقة أخرى، طريقة خدعنا فيها جميعاً، حتى أنا خدعت فيها في بداية الأمر، فقد أعلن أنه لن يقابل عمر التلمساني، لكنه سار في أربع خطوات، الخطوة الأولى: ترك ملف التفاوض مع الإخوان للأمن، الخطوة الثانية: التفاوض بالطريق العملي، بمعنى، إذا تعدى الإخوان الحدود المتفق عليها يقاومهم بالقبض الرمزي؛ أي القبض المعلومة نهايته.

اقرأ أيضاً: تهديدات بالقتل لقيادي بحماس بعد قطع راتبه لانتقاده الإخوان
الخطوة الثالثة: أن يكون الحوار سياسياً في الدرجة الأولى، لا يشمل الدعوة، ولا سلامة غاية الإخوان، ولا غيرها، فقط سياسي بالدرجة الأولى.
الخطوة الرابعة: أن يقدم الإخوان له ما يريد.
وبالتالي؛ عادت جماعة الإخوان، مرة أخرى، بقبلة الحياة، لكن في تلك المرة، السلطة لا تستطيع إعطاء الإخوان قبلة الحياة، فالتنظيم السرّي كشف عن وجهه، وأنّه المسيطر على الجماعة، وقاتل، وقَتل، وأعلن الجهاد المسلح، وأصبحت المسألة مستحيلة على عودة الإخوان، ومستحيل على أيّ حاكم أن يتحمّل مسؤولية عودتهم.
استخدام العنف

 

في جميع المرات التي تمّ فيها حظر الجماعة كان التنظيم السرّي موجوداً، ورغم ذلك عادت الجماعة، فالتنظيم لم يكن غائباً في الحقبة الملكية، ولم يكن غائباً فترة الزعيم الراحل جمال عبد الناصر.
استخدام العنف في مواجهة الشعب غير استخدامه في مواجهة اليهود، غير استخدامه في مواجهة أشخاص، مثلاً في حادثة قتل الخازندار نجد الكاتب الصحفي والروائي، إحسان عبد القدوس، في روايته "في بيتنا رجل"، يصوّر الإرهابي على أنّه بطل، فيمحي من ذاكرة الناس أنّ الإرهابي قام بفعل القتل، لكن يجعلهم يعيشون قصة حبّ خالدة مع زبيدة ثروت، فتنسيهم زبيدة قصة رئيس الوزراء الذي قُتل، وعمر الشريف له سحره، هنا نرى كيف تستخدم القصص والأدب والسينما، أنا أعتقد أنه خطأ كبير لإحسان عبد القدوس، وقد أبلغته برأيي هذا، وأبلغت محمد عبد القدوس.

 

اقرأ أيضاً: الإخوان في قطر: تيار سياسي أم أكثر من ذلك؟
الآن أيضاً: هناك بعض الأعمال في السينما تناولت جماعة الإخوان باعتبارها فصيلاً سياسياً، وأننا جميعاً نعيش في مركب واحد، ونواجه عدوّاً واحداً؛ هل معنى ذلك أنّ خطأ فيلم "في بيتنا رجل" تكرّر؟
الأفكار المرتبطة بزمن سياسي وواضح، وفيها عنصر المجاملة، لا نعتبرها في الفنّ علامة، مثل: فيلم "الهجامة"، للفنانة ليلى علوي، وهشام سليم، وهو فيلم يظهر الثورة ضدّ السادات بصورة سلبية، فانتفاضة الخبز، عام 77، أظهروها بأنّها ثورة حرامية وغير شريفة، علماً بأنّها كانت ثورة حقيقية ومنظمة.
حوار الجماعة مع الغرب
جماعة الإخوان كانت تجري تفاهمات مع جهات أجنبية وسفارات أوروبية، وهي مسألة ساهمت كثيراً في عودتها للمشهد العام أكثر من مرة بدعم من تلك الجهات؛ ما تعقيبك على هذه المسألة؟

وأنا في السجن، عرّفني أحد الصحفيين، البارزين الآن، على سعد الدين إبراهيم، وكنت أنا بالذات محظوراً من الحديث مع أيّ شخص داخل السجن، وكنت أتعرّض للحبس الانفرادي إذا تحدّثت مع أيّ سجين، لكنّ سعد الدين إبراهيم تواصل معي رغم ذلك، وبعد قليل من الحوار طلب تحديد لقاءات مع الإخوان، وعندما علم الإخوان بذلك اكتفوا بأنني أوصلتهم به، ثم استبعدوني من جلسات الحوار، لكن بعد خروجنا من السجن علمت أنّ سعد الدين إبراهيم ينظّم حفلاً كبيراً للحوار بين الإخوان والسفراء الأوروبيين، وتمّت دعوتي للحوار، لكنّني رفضت المشاركة.

اقرأ أيضاً: علاء النادي: أثبتت التجارب أن الإخوان يسيرون عكس التطور التاريخي
المرة الثانية التي عرفت فيها بشكل مباشر أنّ الجماعة تجري لقاءات مع جهات أجنبية؛ كانت عندما قابلت زكريا عزمي، رئيس ديوان رئيس الجمهورية في عهد حسني مبارك، وأخبرني بأنّ الإخوان تخطّوا الحدود، ويجرون اتصالات بالخارج، وعندما أوصلت الرسالة لخيرت الشاطر استهتر بها، فقد كان لا يحب أن يتفاهم أحد غيره مع النظام، فرفض الرسالة تماماً، فتمّ القبض بعدها على 23 شخصاً من قيادات الإخوان.
لكن في عهد المرشد محمد حامد أبو النصر جاء في وثائق ويكليكس؛ أنّ السفارة الأمريكية حاولت مقابلته والحوار معه، لكنّه طلب منهم بشكل مباشر استئذان وزارة الداخلية المصرية والحصول على موافقتها لإجراء أيّ حوار؛ ما سبب تغيّر شكل الحوار في عهد أبو النصر عن عهد مشهور؟
في ظلّ غياب التنظيم الخاص أيام التلمساني وأبو النصر، كان من الممكن طلب استئذان الداخلية، لكن في وجود التنظيم الخاص أصبحت العلاقة مفتوحة مع أمريكا والغرب، وذلك عن طريق حماس، وغياب التنظيم الخاص في تلك الفترة كان بسبب استبعاد المرشد عمر التلمساني لرجالات التنظيم، لذلك يكره أعضاء التنظيم الخاص عمر التلمساني جداً، حتى أنّهم لم يكتبوا عنه نهائياً ضمن أدبياتهم عن القيادات الإخوانية؛ فالتنظيم الخاص بدأ يتحكم في التنظيم بعد ولاية محمد حامد أبو النصر؛ بسبب صعود نفوذ مصطفى مشهور، الذي بدأ في الاستعانة برجال التنظيم الخاص، مثل: محمود عزت، وخيرت الشاطر، اللذين استبعدهما عمر التلمساني سابقاً من أي دور داخل الجماعة، خاصة بوجود قضية رقم 122 لسنة 1983 حينها، اسمها "قضية التنظيم الخاص"، وعندها اجتمع عمر التلمساني بمجموعة من القانونيين وكنت أحدهم، وعندما اجتمعنا طلب الاطلاع على أوراق القضية دون أن يعرف أحد، واستطعت عام 1990 الحصول على نسخة من القضية، واكتشفت أنه تمّ حفظها، رغم أنّ نيابة أمن الدولة لم تكن تحفظ أيّة قضايا للإخوان، وتلك القضية كان المتهم الأول فيها خيرت الشاطر، والثاني محمود عزت، ورغم ذلك لم يقبض عليهما!

سيطرة التنظيم الخاص

مختار نوح مع المرشد مصطفى مشهور
لماذا تغيرت سياسة الجماعة في إجراء حوارات مع جهات أجنبية، بعد سيطرة التنظيم الخاص على مجريات الجماعة؟

التنظيم السري يؤمن بالميكافيلية، أو الغاية تبرر الوسيلة، أما الإخوان العاديّون فيرفضون ذلك، هؤلاء الذين انضموا وقت عمر التلمساني، وشكلوا معه مكتب الإرشاد، وكانوا يرفضون التنظيم الخاص، والعمل المسلّح؛ فالصراع كان دائراً بين الجناحَين، حتى استقرت جماعة الإخوان على العنف المسلّح والتنظيم الخاص، عام 1995، التفاهمات قبل ذلك كانت ضدّ مبدأ الغاية تبرر الوسيلة، وكانت علنيّة؛ فنجد أنّ عمر التلمساني يتحدث مع السادات في العلن، وأنّ السادات يحذّره من التنظيم الخاص في العلن أيضاً، فيخبره التلمساني بأنّه لن يضمّ للجماعة أيّ فرد من التنظيم الخاص في العلن، فلا توجد سرّية؛ لذلك هو مكروه من رجال التنظيم الخاص، لكن مع تولّي مصطفى مشهور لمكتب الإرشاد، ظهرت على السطح من جديد مبادئ سيد قطب، ومبادئ سرية التنظيم وعلنية الدعوة، ومسألة أننا نعيش في مجتمع جاهلي تحوّلت لسلوك عملي، فلا نخرج المال لشخص جاهلي؛ بل نعطيها لشخص مسلم، ورغم ذلك، كانت تأتيني، وأنا في الجماعة، بعض القضايا للتحقيق فيها، وجدتها تتضمن سرقات وانحرافات كثيرة داخل الإخوان، وشكاوى أخلاقية كثيرة، لكن لا أستطيع نشر تلك التحقيقات الآن لأنني تكتّمت عليها، مسألة واحدة فقط نشرتها، كانت لها علاقة بالتحقيق مع محامٍ شابّ يعمل في مكتبي للمحاماة.

اقرأ أيضاً: لماذا تحاصر ألمانيا جماعة الإخوان؟!
كان حكم الجماعة في المطلق للتنظيم الخاص، وهم الذين ذهبوا بالجماعة إلى التسليح؛ إذا كانت توجد رغبة في تجميع السلميين حول محمود عزت؛ فهو نوع من الاختفاء مرة أخرى حول الشعارات المضللة، إنما يحيى موسى، المسؤول عن الخلية النوعية التي قتلت النائب العام هشام بركات، ما كان له أن يخرج عن طوع محمود عزت قيد أنملة.

 

سيطر التنظيم الخاص على مجريات الجماعة، عام 1995، مع تولّي مصطفى مشهور، وفي تلك الفترة تقريباً ظهرت على السطح الجبهة الإسلامية العالمية لمحاربة اليهود والأمريكيين، التي أصبحت تنظيم القاعدة بعد ذلك؛ هل نستطيع أن نقول إنّ هناك علاقة بين سيطرة النظام الخاص ونشأة تنظيم القاعدة؟
كان ملاحظاً أنّ الإخوان في مصر لم يتعاطفوا مع الإخوان الذين ضربوا في أفغانستان، لم يتعاطفوا معهم التعاطف المطلوب، ولم يكن هناك إمداد بالمال أو السلاح، وأعتقد أنّهم عندما وجدوا كفّة نظام القاعدة وأسامة بن لادن هي الراجحة، لم يرغبوا بمعاداتها، فالقضية لم تكن قضية سوفييت، أو دفاع عن الإسلام، لكنّها كانت قضية رجاء أمريكي ويجب تحقيقه، فكان السمع والطاعة الكاملان من مبارك لأمريكا، وبدء تسفير المجاهدين لأفغانستان بشكل منظم.
العمل تحت الأرض
أقصد؛ هل نستطيع أن نقول إنّ هناك علاقة مباشرة بين صعود النظام الخاص وظهور القاعدة على سطح المشهد العام؟
طبعاً، فالأفكار هي هي، والكتب هي هي، على العكس؛ تنظيم القاعدة الآن أكثر اعتدالاً، على عكس داعش، أيمن الظواهري في الماضي أصدر كتاب "الحصاد المرّ"، هاجم من خلاله جماعة الإخوان لدخولهم البرلمان، لكن تفكيره في تلك الفترة كان قاصراً، فالعمل تحت الأرض يختلف تماماً عن العمل فوق الأرض، وذلك تمّ بالطبع بعد سيطرة التنظيم الخاص، الذي كان من ضمن أهدافه طرد غير المنتمين له داخل الجماعة، فتجد أنّه بعد سيطرة التنظيم الخاص خرج عبد المنعم أبو الفتوح، وعبد الستار المليجي، ومحمد عبد اللطيف، وأبو العلا ماضي، ومختار نوح، وأكثر من 80 قيادة، وكان أجرأ من خرج في تلك الفترة عبد الستار المليجي؛ الذي كتب كتاباً عن التنظيم الخاص، وقرأناه ونحن ما نزال أعضاء داخل الجماعة، ووصل الرقم لأكثر من 600 إخواني، ولا أتحدث هنا عن الآلاف الذين خرجوا من الجماعة بعد أحداث "الربيع العربي"، كانون الثاني (يناير) 2011.
هناك وثائق مسربة من مخابرات أوروبية تشير إلى وجود دعم غير مباشر لجماعة الإخوان في المنطقة العربية؛ ما تعليقك على ذلك؟
إذا دخلت إسرائيل على حماس الآن، ودكّتها تماماً؛ هل سيعقّب أحد على ذلك؟ لن يعقّب أحد، ولا حماس نفسها، ذلك يطرح سؤالاً مهماً؛ لماذا لا تدكّ إسرائيل حماس وتنهي تلك الأزمة نهائياً؟ تلك هي نظرية مبارك والإخوان، فأنا مستفيد منها، حماس هي التي قلبت نظام القوى في فلسطين، وأصبحت هناك دولتان، فيصل الأمر؛ أنني أموّل حماس حتى تعيش، وأضربها من الجانب الآخر عند اللزوم، وأدعم التعاطف مع قضية فلسطين، وذلك يثبتها أكثر على حدود مصر، ويسبب ذلك قلقاً شديداً لمصر، فحماس تبني أنفاقاً تسهّل دخول السلاح إلى مصر.

 

في وجود التنظيم الخاص أصبحت العلاقة مفتوحة مع أمريكا والغرب وذلك عن طريق حركة حماس

ثالثاً: ساهمت حماس في انقسام السلطة الفلسطينية.
رابعاً: تعلي من راية عدم النصر؛ فهي سلمية أكثر من السلطة الفلسطينية، وهي التي تقاوم تنظيمات السلفية الجهادية والمتطرفين في غزة، وهي التي توجه بنادقها ناحية مصر لا إسرائيل.
هكذا كانت خطة مبارك في تعامله مع الإخوان؛ فهو يدعم وجود الإخوان؛ لأنّهم مسألة مهمة جداً لتحقيق رغبة أمريكا، أو لمواجهة إيران عند اللزوم، أو مواجهة العراق عند اللزوم الآخر؛ لذلك تلاحظ أنّ إخوان الكويت انفصلوا عن إخوان مصر تماماً، بعد حرب العراق؛ لأنّ إخوان مصر لم ينبسوا ببنت شفة عن حرب الكويت، بينما مبارك تحدّث، فارتفعت أسهمه وانخفضت أسهم الإخوان.
لذلك؛ أريد التأكيد على مسألة الدعم غير المباشر لجماعة الإخوان من قبل بعض الجهات، التي تجد في وجود الإخوان وبقاء الجماعة مصلحة لها.
انتفاضة مرسي

 ساهمت حماس في انقسام السلطة الفلسطينية
وفاة محمد مرسي ربما أعطت الأمل للبعض في أنّه ستكون هناك إمكانية للتفاهم مع النظام، على اعتبار أنّ الجماعة كانت ترفض التفاهم إلا إذا عاد مرسي للحكم؛ هل تتفق مع تلك الرؤية؟

على العكس؛ مرسي هو من أراد عمل مراجعات في الموقف السياسي قبل وفاته، لكنّ خيرت الشاطر رفض، مرسي في النهاية بدأ مراجعة نفسه بصوت عالٍ، على غير عادته، وبدأ بطرح السؤال حول أسباب الصدام، وقال: لماذا لم نقف عند حدّ معيّن بعد أن تمّ القبض عليّ؟ هنا نكون نحن الأبطال، ونحن المظلومين، ونحن من في السجون، وبدأ في قول إنّ المسألة السياسية لم تحسَب بشكل صحيح، وطلب الإخوان من مرسي أن يتوقف عن قول ذلك، وعرفت من مصادري داخل الجماعة تفاصيل تلك الأزمة، وكان واضحاً أنّ الخلاف في تلك المسألة وصل إلى قمته.

للمشاركة:

علاء النادي: أثبتت التجارب أن الإخوان يسيرون عكس التطور التاريخي

2019-07-09

أجرى الحوار: صلاح الدين حسن


قال الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية، علاء النادي، إنّ الإرث التاريخي والشعور بأنّ الجماعة الأم للإخوان المسلمين في مصر تعني الجذر والأساس، لعبا دوراً مهماً في تغذية مسارات جمودها وتحجرها، مضيفاً في حواره مع "حفريات" أنّ الإخوان تجاوزهم النسق التاريخي، وأنّ تكوين الجماعة لن يسعفها في المراجعة، ومحكّاتها التاريخية تؤكد أنّها غير قادرة، أو راغبة في ذلك.

اقرأ أيضاً: السرّ المخبوء: السادات وعبد الناصر والإخوان.. من المسؤول عن البعث الثاني للجماعة؟
ولفت النادي إلى أنّ ما كان يستهلكه الإخوان في العشرينيات؛ هو ما يستهلكونه الآن في مجال الأفكار وبرامج التكوين، دونما إحساس بأنّ تلك الحالة الماضوية لا يمكن أن تكافئ تطورات الواقع ومستجدات الحياة المتلاحقة، نافياً بعض الفرضيات الغربية بأنّ وجود الإخوان يمتص التوجهات العنفية لداعش وأخواتها، بدليل أنّ "تيارات العنف تواجدت تاريخياً، والإخوان موجودون على الساحة".

وهنا نصّ الحوار:

جمود الجماعة الأم

رسم الإخوان بأدائهم صورة باهتة في الوعي الجمعي ولن يكون بمقدور الجماعة أن تتجاوز ذلك
لماذا تبدو جماعة الإخوان الأم في مصر أكثر جموداً عند مقارنتها بأفرع الجماعة الأخرى في دول مثل تونس والمغرب؟

لعب الإرث التاريخي، والشعور بأنّ الجماعة في مصر تعني الجذر والأساس، دوراً مهماً في تغذية مسارات الجمود والتحجر في مصر.
لقد ظلّ الإخوان في مصر مسكونين بوعي دفين، مفاده أنّهم الأكثر خبرة وقدرة على تجاوز العقبات والتحديات التاريخية التي مرت بها الجماعة، رغم أنّ الجماعة لم تدرس موضوعياً؛ هل نجحت فعلاً في التعاطي الناجع مع تلك التحديات، أم أنّها تجاوزتها بتأثيرات سلبية عميقة في مسارات الوعي والأفكار؟

ظلّ إخوان مصر مسكونين بوعي دفين مفاده أنّهم الأكثر خبرة وقدرة على تجاوز العقبات والتحديات التاريخية

تملّك إخوان مصر شعور بأنّهم المسؤولون عن حماية الجماعة ونقاء صورتها، وإثبات صوابية وصدقية خياراتها، وأنّ أيّ اجتهاد يحمل في طياته احتمالية دفع تكلفة من صورة الجماعة الرمزية، قد ينسحب على كلّ الإخوان في مختلف أماكن تواجدهم، عكس التنظيمات القُطرية التي يمكن للإخوان دوماً نسب نجاحاتهم للحركة، إذا كانت إيجابية، والتهوين من تأثيراتها بداعي الخصوصية والنزعة القُطرية في الحالات السلبية.
بعض التنظيمات القُطرية للإخوان تمتعت برحابة في تناول الأفكار الأكثر مرونة، وتداولها داخل محاضن التربية والتكوين لديها، عكس إخوان مصر الذين ظلوا على تشبث بقوالب نمطية متحجرة في التثقيف والتنشئة.
هذا الأمر يكون مع الوقت حالة جمعية مواتية لإمكانية التطور والقدرة على المرونة أو حالة ارتدادية متصلبة تنحاز دوماً للحدية والتقليد والقوالب النمطية المألوفة.
ما سرّ عدم إدراك هذه الجماعة لأخطائها، ومن ثم عدم الاعتراف بها، ومحاولة مراجعاتها وتصحيحها؟
امتلك إخوان مصر قيادات، وصفت دائماً بالتاريخية، اتّسمت في الغالب بالتقدم في العمر، ورسم صورة ذهنية حولها أقرب إلى الصورة الأبوية، التي تعطي لمواقفها وقراراتها وأفكارها ما يشبه الحصانة، ضدّ النقد وعدم المسّ بها في إطار التقييم؛ تلك الحالة لم تكن موجودة في بعض حالات التكوينات الأخرى، مما جعل السياسات والمواقف والأفكار خاضعة بصورة أكبر لإمكانيات التعاطي والنقد والتجاوز، دونما شعور بالعبء في ذلك، وهو عبء أخلاقي ثقيل لدى التنظيمات الإسلامية بشكل عام.

اقرأ أيضاً: الإخوان واستهداف أجيال بالتعليم الموجّه
إنّ أساسيات الجماعة في الجذر التكويني ضمّت عناصر تكبح التطور والتهيئة لأجواء الانفتاح، وقد ظلّت تلك العناصر، وإلى الآن، المكون الأساس في التنشئة؛ عبر مراحل الجماعة المختلفة، من اللافت أن تجد ما كان يستهلكه الإخوان في العشرينيات؛ هو ما يستهلكونه الآن في مجال الأفكار وبرامج التكوين، دونما إحساس بأنّ تلك الحالة الماضوية لا يمكن أن تكافئ تطورات الواقع ومستجدات الحياة المتلاحقة.
أخطاء جديدة قديمة

عوض تقييمات نقدية صارمة لتجربتهم اجترّ الإخوان ذات الأساليب والمنهجيات القائمة على النزعة التبريرية
هل ترى أنّ الجماعة ضمن الظروف الحالية ماتزال قادرة على التجنيد والاستقطاب؟

جماعة الإخوان، بشكلها التاريخي، لا يمكن أن تعود، لقد أثبتت كل التجارب والمحكات أنّ الجماعة وصلت إلى مرحلة من الضمور والانكفاء، والسير عكس خطى التطور التاريخي، وافتقاد كلّ مقومات التطور والتجديد، والحديث عن كونها جماعة ربانية كلام بلاغي، وليس شرعياً بالمناسبة، فلا توجد هناك عصمة أو قدسية لجماعة أو تنظيم؛ فهي بالأخير اجتهاد بشري تجري عليه أحكام السنن الكونية.

اقرأ أيضاً: "قسم الوحدات".. محاولات الإخوان اختراق المؤسسة العسكرية
وبالمناسبة؛ إنّ رهان الإخوان على أنّهم اختيار الشعوب تضمن مبالغات، فلم يفز الإخوان في الاستحقاقات بنسب كاسحة، كما أنّ قطاعات ممن أيدوهم انطلقوا من رهانات حياتية، وليس كما يتوهم الإخوان؛ قناعات قيمية ثابتة بهم، لقد رسم الإخوان، بأدائهم، صورة باهتة في الوعي الجمعي، ولن يكون بمقدور الجماعة أن تتجاوز ذلك.
عدم الاعتراف بالفشل

رهان الإخوان على أنّهم اختيار الشعوب تضمن مبالغات فلم يفوزوا يوماً باستحقاقات انتخابية بنسب كاسحة
بعد أحداث 30 يونيو؛ ظهر خطاب أشبه بالجماعات الجهادية داخل أجنحة إخوانية، هل تعتقد أنّ مثل هذه الخطابات كان مفاجئاً؟

الأكثر تأكيداً لفرضية أنّ جماعة الإخوان لا يمكنها العودة لمسارها التاريخي بلا قطيعة، أنّ الجماعة ما تزال تطرح أفكاراً حول صوابية مواقفها، وأنّها لم تفشل في مجال رسم الخطط والأفكار والقدرة على إثبات أنّها كيان سياسي قادر على إدارة دولة معاصرة. فعوضاً عن أن تصدر عن الإخوان تقييمات نقدية صارمة لتجربتهم، اجترّوا ذات الأساليب والمنهجيات القائمة على النزعة التبريرية، واتهام الواقع المحيط والتذرع بمقولات إطلاقية قدرية ليس مجالها الواقع الحياتي ودنيا الناس.

أثبتت كل التجارب والمحكّات أنّ الجماعة وصلت إلى مرحلة من الضمور والانكفاء والسير عكس خطى التطور التاريخي

هذا يعود بالأساس إلى أنّ تكوينات التأسيس المعرفي لم تكن تحسم بإطلاق حول نبذ العنف والتطرف، بغضّ النظر عن السياق التاريخي، وظرف الجماعة السياسي، والغريب أنّ الإخوان لطالما انتقدوا الجماعة الإسلامية في العقود السابقة حول أفكارهم عن العنف، والمعروف أنّ تلك الأفكار نشأت جراء صراع سياسي احتدم بين الجماعة والنظام في ذلك الوقت.
إنّ إدانة العنف والتطرف قيمياً لا يمكن أن يرتبط بالظرفية التاريخية، وبالمناسبة لقد كتبت دراسة، منذ أكثر من 15 عاماً، حول الإخوان والتعددية، وطالبت ساعتها الإخوان بأن يحسموا مواقفهم الفكرية حول القبول بالأبعاد القيمية بأفكار التعددية والديمقراطية، والتخلي عن الكلمة السالبة لكلّ ذلك؛ عندما كان يذيل الإخوان موقفهم من تلك القضايا بكلمة ولكن، والتي كانت تنسف عملياً كل ما كان يسبقها من كلام عام ظاهره الإيجابية والقبول.

 

 

هل ترى أنّه، مع الوقت، يمكن لجماعة الإخوان أن تراجع نفسها مراجعات تاريخية علنية أمام مجتمعها وأعضائها؟
تاريخياً؛ الإخوان تجاوزهم النسق التاريخي وتكوين الجماعة لن يسعفها في ذلك ومحكّاتها التاريخية تؤكد أنّها غير قادرة، أو راغبة في ذلك، لا توجد داخل الجماعة قيادة أو كتلة تاريخية تمتلك تلك المؤهلات، ومن يتصدر المشهد في الجماعة قيادات تاريخية عتيقة لا تمتلك من الشرعية سوى ما يرسم حول صلابتها في المحن وثباتها، وما إلى ذلك من مقولات، دون أي رصيد من قدرات في مجال الأفكار وإدارة الشأن العام.

اقرأ أيضاً: منشق عن الجماعة يفك أسرار صلات اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا والإخوان
أيّ تطور تاريخي يعني أنّ الإخوان سيكتبون في السطر الأول أنّ الجماعة، بشكلها التاريخي وأفكارها، قد انتهت وهذا ما لا يستطيع الإخوان قوله أو تصوره.
ما رأيك ببعض الطروحات الغربية عن أنّ الإخوان يمكنهم امتصاص الحالة العنفوية الإسلامية؛ وأنّ اختفاءهم من المشهد السياسي سيتبعه تغوّل "داعش" وأخواتها؟
هذه المقولة غير صحيحة؛ لأنّها من زاوية تربط أيّ انسداد سياسي محتمل بغياب الإخوان فقط، دون غيرهم، وهذا ليس صائباً، كما أنّ تيارات العنف تواجدت تاريخياً، والإخوان موجودون على الساحة، وفي بعض الأحيان؛ وهم في ظلّ تمتع بحالة من مشروعية التواجد، كما أنّ الكتل التصويتية التي حصل عليها الإخوان لا تؤشر إلى حصولهم على أغلبية كبيرة تهدّد تماسك الكيانية الاجتماعية، كما أنّ ربط العنف السياسي المحتمل بالحالة الإسلامية فقط غير صحيح، وهو ما يقلل عملياً من مقولة حصر العنف في الأفكار الإسلامية، وأهمية تواجد الإخوان ككابح يقلل من فرص ظهوره.

اقرأ أيضاً: كيف تسلّل الإخوان إلى منظمات حقوق الإنسان؟
العنف والتطرف سياقان معقدان أكبر من حصرهما في تلك المقولات البسيطة، وتجاوزهما يحتاج إلى نظرة أكثر وعياً من هذا، كما أنّ ذلك يفترض ضمناً أنّ خطاب الإخوان متأسس بشكل مركزي حول قضايا الديمقراطية والتعددية والحريات، ومركزية تلك المقولات وحاكميتها للنسق الفكري للإخوان، وهذا غير موجود بالطبع.
كما أنّ التجارب أثبتت أنّ ما يحرك قناعات قطاعات عريضة ويحدد سلوكها واختياراتها وقناعاتها السياسية؛ هو ما يمسّ الشأن الحياتي ومعاش الناس، وليست مقولات قيمية، على أهميتها وجاذبيتها، وعدم الجدال حول شرعيتها الأخلاقية، حتى تلك المرتبطة بالشريعة الإسلامية وأحكامها.

للمشاركة:

إبراهيم عبدالمجيد: حتى نشعر بوجودنا يجب أن نكون مختلفين

2019-06-30

أجرى الحوار: سامح فايز


قال الكاتب والروائي المصري، إبراهيم عبدالمجيد، إنّه ليس صاحب مشروع معين، وإنّه يكتب ما يخطر على باله من حكايات، مشيراً في حواره مع "حفريات" إلى أنّ مَن ألهموه أناس سعداء بالخيال لا الحقيقة، "فالحقيقة أنهم فقراء جداً، ومساكين جداً، فهم غرباء حتى وإن لم يمتلكوا المكان إلا روحياً، لكن مادياً لا يملكون شيئاً".

عبدالمجيد: لستُ صاحب مشروع فما أتذكره أكتبه سواء له علاقة أو ليس له علاقة بما قبله

وأضاف عبدالمجيد أنّ معظم ما نفعله مجرد أشياء لإرضاء الآخرين، "فنحن غير موجودين في الأصل، وحتى نشعر بذلك الوجود يجب أن نقوم بأفعال غير طبيعية".
وأوضح صاحب رواية "البلدة الأخرى" أنّ ثيمة الاغتراب أساسية في معظم أعماله أو في أحد شخصياته، على الأقل، وقد تلبستها تلك الحالة، "نحن زائلون والمكان الذي نعيش فيه الآن سوف يعيش عمراً أكثر من أعمارنا".
وهنا نصّ الحوار:
الخروج من عالم الواقع

"ما وراء الكتابة"

أغلب أبطالك يعيشون حالة من الاغتراب النفسي.. لماذا تعدّ هذه الفكرة محورية في أعمالك؟

في السبعينيات؛ كنت مع الماركسيين، وكنت مجنداً في أحد الأحزاب الشيوعية، إلى جانب أنّ دراستي للفلسفة حبّبت إليّ الفلسفة الوجودية، وذلك الحبّ لم يأتِ لمجرد أنني قرأت في الفلسفة، ولكن لأنني بالفعل كنت أعيش تلك الحياة، في حيّ كرموز.

اقرأ أيضاً: رواية "الإصبع السادسة".. الهروب إلى التاريخ لفهم الحاضر
ورغم أنّ ذلك الحي هو أصل الإسكندرية، لكنه كان يضمّ غرباء كثيرين، والعديد من الشركات، والتي أغلق أغلبها في عصر الانفتاح، مثل: النسيج، والزيت الصابون، والملح والصودا، وكانت هناك ترعة المحمودية أيضاً، وكانت تسير في تلك الترعة سفن من أسوان والإسكندرية، تحمل بضائع إلى البلاد التي تمرّ بها، وكانت آخر تلك البلاد الإسكندرية، ثم يتم شحن السفن مرة أخرى في عودتها إلى أسوان، كما جاء في فيلمَي: "صراع في النيل"، و"دماء على النيل".

عبدالمجيد: المكان هو البطل في جميع رواياتي ربما في رواية أو روايتين كان الزمان هو الأساس

كنا نلعب بـ "الكرة الشراب" أمام ترعة المحمودية في المساء، وأحياناً نجالس المراكبية، ونستمع إلى حكاياتهم، التي في أغلبها أساطير، جميعها عن عروسة البحر، والثأر، عن ذلك الشخص الذي قتل ثم ظهر مرة أخرى في الصعيد، جميعها حكايات أسطورية.
عندما كبرت بعض الشيء، أدركت أنّها حكايات تهوّن عليهم طريق السفر الطويل، فأدخلوني إلى عالم الغرابة باكراً.
أيضاً، كانت هناك قطارات السكة الحديد، التي تروح وتغدو وجميعها حكايات، وكانت هناك الاحتفالات بالموالد التي يشارك فيها المسلمون والمسيحيون معاً، وكان داخل تلك الاحتفالات جو أسطوري وخرافي.
ذلك الجو دفعني للحياة في عالم غير الواقع الذي أعيشه، وأصبح هو الواقع، ووضعني في منطقة بين السماء والأرض، إلى جانب دراستي للوجودية، وأدركت كيف أنّ هؤلاء الناس، رغم سعادتهم، فإنهم سعداء بالخيال، وليس الحقيقة، فالحقيقة أنّهم فقراء جداً، ومساكين جداً، فهم غرباء حتى وإن امتلكوا المكان، فهم يمتلكون المكان روحياً، لكن مادياً لا يملكون شيئاً.

اقرأ أيضاً: رواية الطباخ: فن طهي أزمات السياسة وتناقضات الاقتصاد
أضع إلى جانب ذلك قراءتي المبكرة للأساطير اليونانية، والتي جاءت نتيجة دخول السينمات، فكنا ونحن أطفال عندما نشاهد تلك الأفلام نخرج للبحث عن الإلياذة والأوديسة لقراءتها، إضافة إلى التطورات السياسية التي حدثت في مصر والتي كانت عكس ما هو منتظر.
ماذا تقصد بالتطورات السياسية التي حدثت وفي أيّ العقود تحديداً؟
جيلنا التحق بالتعليم الأساسي بعد ثورة يوليو 1952، مدارسنا كانت تعيش على النظام الملكي؛ لأنّ المدرسين تعلموا أيضاً في هذا النظام، وكانت مدارسنا تنظّم رحلة كل يوم جمعة للسينما، وكانت هناك جماعة للرحلات، وجماعة للشعر، وأخرى للموسيقى، وجماعة للتمثيل، وكان عدد الطلاب في الفصل لا يتجاوز 20 طالباً، وهناك حصص قراءة حرة كل أسبوع، وتلك كانت بداية محبتي للأدب، فالمدارس كانت جميلة جداً، وكنا سعداء، وفي الوقت نفسه كنّا نسمع عن مشروعات عبدالناصر، الذي يبني مدرسة كل ستة أيام، ثم جاءت النكسة، عام 1967، عكس كل الخيال، فأحبطت، وزادت من الاغتراب، وكانت ليلة كئيبة جداً.

اقرأ أيضاً: هكذا قاربت رواية "طرق الرب" طُرق البيروقراطية المقدسة
في ليلة أخرى عندما كنا في منظمة الشباب في الجمرك، اجتمعنا للاستماع لخطاب تنحي عبدالناصر، وبمجرد أن انتهى طلب منا أمين منظمة حي الجمرك ألّا نغضب من هذا القرار، فسببناه وهرولنا إلى الشارع، فوجدنا الشوارع قد امتلأت جنباتها بالناس، يطالبون بعدم تنحي ناصر.
وكنت أسير بينهم أبكي، وقررت أن أعود إلى عملي في الترسانة البحرية، وقابلني الناس جماعات، وأنا ذاهب وحدي إلى العمل، وهناك لم أجد أحداً، فالجميع كان في المنشية، فجلست وحدي حتى الصباح، والدنيا ظلام، وكان أسود ظلام رأيته في حياتي، كأنّه لم يكن هناك قبله أرض ولا بشر، برزخ من الظلام، وأحسست أنه غُرِّر بنا، وجاء الاغتراب من هنا.

سطوة الاغتراب

"طيور العنبر"
الاغتراب حضر بقوة في عملك "البلدة الأخرى" العام 1991، و"هنا القاهرة" المنشور العام 2014، لماذا يستمر معك هذا الشعور طوال تلك الأعوام؟

المسألة أصبحت في روحي، حتى لو لم تجد عالم الرواية بالكامل وقد امتلأ بذلك، فسوف تجد شخصية من الشخصيات وقد تلبستها تلك الحالة، مثل رواية "لا أحد ينام في الإسكندرية"، هناك ذلك الشخص في القطار الذي كان يحمل أمانات الناس ويقوم بتوصيلها بين المحطات، وكان يطلق عليه (أبونيه)، ثم وجدوه يوماً ما جالساً في القطار الذاهب للصحراء، فسألوه: هل هناك من يرسل أمانات إلى الصحراء، فيقول لهم: لا، فيكرّرون السؤال: فهل يرسل أحدهم شيئاً من الصحراء، فقال: لا، فسألوه: إذاً، لماذا تجلس في القطار؟ فقال لهم: وأين أذهب؟!

عبدالمجيد: معظم ما نفعله مجرد أشياء لإرضاء الآخرين فنحن غير موجودين في الأصل

هذا هو الاغتراب، فالعادة أهلكت الروح واستولت على الشخص، أيضاً ذلك الشخص في الرواية نفسها، الجالس في مكتب بريد العلمين، لإرسال واستقبال "التليغرافات"، فعندما وجد أنّه ما من أحد يرسل شيئاً، بدأ في إرسال التليغرافات لنفسه، فالاغتراب هنا، وإن لم يكن موجوداً في الرواية كعمل متكامل، لكنه ظهر في بعض شخصيات العمل، لأنني أدركت أنّ الإنسان زائل، وأنّ ذلك المكتب الذي نجلس عليه الآن سوف يعيش عمراً أكثر من أعمارنا، إلى جانب أن معظم ما نفعله مجرد أشياء لإرضاء الآخرين، فنحن غير موجودين في الأصل، وحتى نشعر بذلك الوجود يجب أن نقوم بأفعال غير طبيعية.
وعندما سافرت إلى السعودية ظهرت حالة الاغتراب تلك بشكل أكبر، فالمكان متّسع جداً، والأفراد قليلون جداً، والجميع يفكر في النقود، لكن الروح غائبة!
المكان في رواية إبراهيم عبدالمجيد له دور حيوي وكأنه أحد أبطال العمل، لماذا؟
المكان هو البطل في جميع رواياتي، ربما في رواية أو في روايتين كان الزمان هو الأساس، مثل "أداجيو"، والسبب في ذلك أنني عندما كنت في الرابعة عشرة من عمري، كنت قد أدركت أنني أهوى الكتابة، وكنت كلما قرأت رواية قلّدتها في عوالمها.
حتى حدث أن حضرت ندوة للأستاذ محمد مندور في الإسكندرية، وكانت عن المذاهب الأدبية، وظلّ يتحدث عن الكلاسيكية، والسريالية، والرومانسية، والمذاهب الفنية والأدبية، والتي لم أكن أعرفها، فقلت لنفسي: "ما الذي أفعله؟!"، مجرد تقليد لروايات موجودة بالفعل!
وحدث أن توقفت عن الكتابة نتيجة لذلك لثلاثة أعوام، وبدأت القراءة في تاريخ الفنون، والنقد الأدبي، وتاريخ الأداب، وتاريخ المذاهب الأدبية، وهي المسألة التي فادتني جداً؛ فوجدت أنّ مسألة المكان موضوع رئيس في النقاش.

اقرأ أيضاً: شعرية الأعماق في رواية "بأي ذنب رحلت؟" للكاتب محمد المعزوز
فمثلاً: في الرواية الواقعية المكان مستقل، فنجد نجيب محفوظ في الثلاثية كمثال يصف المكان بدقة حتى نراه، لكن بعيداً عن مشاعر الناس، أما في الرواية الرومانتيكية؛ المكان بحسب مشاعر الناس، فإذا كانوا مبتهجين فالمكان حلو، وإذا كانوا تعيسين فالمكان تبعاً لذلك سيئ، أما الواقعية الجديدة في أوروبا، في الستينيات، قالت: إنّ المكان مستقل، الإنسان ثانوي فيه، فالرواية كلها تجدها عن الأشياء، وعندما فكرت في تلك المسألة ارتأيت أنّ المكان في منطقة بين بين؛ بمعنى أنّ المكان صانع الشخصية.
"قطط العام الفائت"

كيف جاءتك تلك الفكرة؟
جاءني ذلك التفكير من هؤلاء الذين قابلتهم وذكرتهم في حديثي معك؛ فالذي يغني في الصحراء يدفعه إلى ذلك اتساع المكان، أما إذا كان في مكان ضيّق فلن يغني، ولكن سيحتاج إلى كسر الأبواب والنوافذ التي تقيده، وعامل القطار الذي تدور حكاياته حول الجنيات، دفعه لذلك المكان، فالمكان هنا أصبح صانع الشخصيات.
من يقرأ أعمالك الأدبية يشعر كأنه يشاهد فيلماً سينمائياً، ويتخيل المشهد ويتفاعل معه، كأنّ السينما تنافس الأدب داخلك؟
حدث ذلك بالتربية، ولم تكن إرادة؛ ففي بدايات حياتي كانت السينما هي الأساس، أما القراءة فقد عرفتها وأنا في الصف الرابع الابتدائي، لكن قبل ذلك كانت السينما، مثلاً: عندما كنت في الرابعة من عمري وجدت باب الحضانة التي ألحقتني بها العائلة مفتوحاً، وكانت تسمى قديماً الروضة، فخرجت من المكان ومشيت، فوجدت أمامي سينما، اسمها "سينما النيل"، فدخل الناس فدخلت معهم، وشاهدت أول أفلامي، وأحببت السينما بشدة.

عبدالمجيد: في بدايات حياتي كانت السينما هي الأساس أما القراءة فقد عرفتها وأنا في مرحلة لاحقة

كانت أمي تصحبني إلى الروضة في الصباح الباكر، وتأتي لاصطحابي في الواحدة ظهراً، وعندما تتركني وترحل أخرج متجهاً إلى السينما، حتى حدث في يوم أن حضرت أمي لاصطحابي مبكراً عن موعدها فلم تجدني، فذهبوا إلى قسم شرطة كرموز لتحرير محضر بفقداني، وكان القسم بجوار سينما النيل، وعندموا خرجوا من القسم شاهدوني أمام السينما، وعندما قصصت عليهم الحكاية قال أبي إنّه سوف يجعلني أشاهد السينما مرة كل أسبوع، شريطة ألا أترك الروضة مرة أخرى.
في مراحل عمرية أكبر كنت عندما أشاهد الفيلم أبحث عن اسم الرواية المقتبس عنها؛ ثم أقتنيها لأقرأها، هنا كنت أقرأ الروايات التي أشاهد فيلمها، فأصبحت السينما شيئاً ملتحماً بجسدي، وأدركت أنّ الصورة أهم مسألة في الأدب، وأنك ككاتب بدلاً من الإكثار من الكتابة لوصف صورة معينة فمن الأفضل أن تكتبها في جملة واحدة، فالمهم الصورة، لا الحكي.
إلهامات الإسكندرية

 "الإسكندرية في غيمة"

هل ثلاثيتك عن الإسكندرية رغبة في إعادة رسم ملامح إسكندرية الكوزموبوليتان (متعددة الثقافات) بعد مسخها؟
كان هدفاً، لكنه جاء متأخراً؛ فأنا لا أكتب مذكرات يومية كمثال، لكن أعتمد على النسيان، كما كتبت في البلدة الأخرى عن ذلك قائلاً: "ما يضيع منك، ليس لديك رغبة فيه"، فإن نسيت لا أهتم بها، وإذا ألحّت أكتبها في رواية.

اقرأ أيضاً: هل انتهى زمن الرواية؟
إلى جانب ذلك؛ أنا لست صاحب مشروع، فما أتذكره أكتبه، سواء له علاقة أو ليس له علاقة بما قبله؛ الحرب العالمية الثانية عاشها أبي وأمي، وكانت حكاياتهما دائماً عنها، أذكر مرة أنّ أبي أحضر شيئاً حادّاً قطع به شيئاً في إصبعه ليخرجه من تحت الجلد، وعندما سألته قال إنها شظايا حرب، ثم وضعها في كوب كذكرى، ثم قال إنّ جرح إصبعه سوف يلتئم، ثم أخذ يحكي كيف أنّ لغماً انفجر بجواره، وأنّ العرب عالجوه من الإصابة، ثم استمر الحكي عن تفاصيل معركة العلمين التي عاشها، وبدأت أمي هي الأخرى في الحكي، هنا تمّ شحني بالحرب العالمية الثانية، ورغبت في الكتابة عنها.
ومتى بدأت في سرد ثلاثيتك على صفحات كتاب؟
في العام 1990؛ كنت مسافراً للإسكندرية، أنا وأبنائي، وفي طريق العلمين وقفنا، وبدأت في سرد ما قصّه عليّ أبي على أبنائي، وهنا بدأت فكرة الرواية تراودني عن نفسي، ثم حدث بعد أن كتبتها، ومن قراءتي للصحف في تلك الفترة، أن اكتشفت أننا كنا نعيش في عالم آخر غير الذي نعيشه الآن.

عبدالمجيد: العادة أهلكت الروح واستولت على الشخص حتى أصبح يعيش حالة اغتراب مستمرة

كنت تجد خبراً عن مسابقة ملكة جمال البلاد، أو عن اجتماع ملاك اتحادات العمارات لانتخاب رئيس الحي، فهو ليس معيناً كما الآن، لذلك لم تكن لتجد قديماً بناءً مخالفاً، تجد مثلاً تنازل مواطن إسكندري عن قضية رفعها على المحافظ الذي صدمته سيارته، وعندما تتمّ إقالة المسؤول من منصبه يتنازل المواطن عن القضية، لأنّه رفعها على المحافظ لصفته، وليس لشخصه؛ وتجد الخبر الذي يخصّ ذلك المواطن العادي في الصفحة الأولى من جريدة "الأهرام"، وبدأت أسأل نفسي: أين ذلك المجتمع؟ هنا قررت أن أسجله مكتوباً.
وبعد أن أنهيت رواية "لا أحد ينام"، قررت أن أكتب رواية أخرى، عن أول مرحلة تخلصت فيها مصر من ذلك المعنى العالمي الذي كانت تتسم به، فمصر دائماً كانت ملجأ لكلّ الناس من كلّ العالم.
أول مرحلة كانت في الخمسينيات، خصوصاً مع العدوان الثلاثي، وخروج اليهود من مصر بشكل كبير، والفرنسيين والإنجليز، هنا كتبت رواية "طيور العنبر"، ثم حدث التحوّل في السبعينيات صوب الوهابية، فأصبحت لا عالمية ولا مصرية، فكتبت رواية "الإسكندرية في غيمة".

للمشاركة:



دراسة توضح حالة المجموعات الدينية المرتبطة بالأديان في العالم

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-20

خلُصت دراسة دولية إلى تزايد عدد البلدان في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا التي تتعرض فيها مجموعات دينية معينة للاضطهاد والقمع والعداء الاجتماعي.

وأكّدت الدراسة، التي أجراها مركز "بيو" للأبحاث "Pew Research Center"، الذي يدرس القوانين والممارسات المتعلقة بالتعامل مع الأديان، في 198 دولة حول العالم، ارتفاع عدد البلدان التي يتعرض فيها الأشخاص للعنف بسبب معتقداتهم الدينية من 39 إلى 56 دولة، بين عامَي 2007 و2017، وفق وكالة الأنباء الألمانية.

مركز "بيو" يؤكّد ارتفاع عدد البلدان التي يتعرض فيها الأشخاص للعنف بسبب معتقداتهم الدينية من 39 إلى 56 دولة

وفي عام 2007؛ وفق دراسة مركز "بيو" للأبحاث، بعنوان "نظرة فاحصة على كيفية اتساع نطاق القيود الدينية حول العالم"، اقتصرت هذه الاعتداءات ذات الطابع الديني على أربع دول أوروبية، وعام 2017؛ شهدت 15 دولة في أوروبا اعتداءات من هذا النوع.

ضحايا الاعتداءات الدينية ليسوا فقط من الذين يصنّفون أنفسهم من الملحدين فحسب؛ بل أيضاً من المنتمين إلى مختلف الديانات، ومن ضمنهم؛ مسلمون ومسيحيون ويهود.

على المستوى الرسمي؛ تفاقمت عمليات الحظر والقيود عن طريق العقبات القانونية والبيروقراطية ضدّ جماعات دينية معينة، ووفق مركز "بيو"؛ فقد ارتفع عدد الدول التي فرضت مثل هذه القيود من 40 إلى 52 دولة، بين عامَي 2007 و2017، وقد انضمّت الصين وروسيا وإندونيسيا إلى القائمة، خاصّة بعد ازداد قمع الحكومات للمجتمعات الدينية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، بنسبة 72%، باستثناء لبنان، ووفق مركز الأبحاث؛ فإنّ جميع الدول العشرين في المنطقة تفضّل ديناً معيناً، وفي 17 منها يُعدّ الإسلام دين الدولة الرسمي.

وفي سياق متصل؛ كشفت دراسة أجرتها شبكة أبحاث "الباروميتر" العربية بجامعة برينستون، عن اتجاهات العلمنة المتزايدة في العالم العربي.

دراسة أجرتها شبكة أبحاث "الباروميتر" العربية تكشف عن اتجاهات العلمنة المتزايدة في العالم العربي

ويستند استطلاع الرأي، الذي أجري في شهر حزيران (يونيو) الماضي، بتكليف من هيئة الإذاعة البريطانية"BBC"  إلى آراء أكثر من 25 ألف شخص من 11 دولة عربية، باستثناء اليمن، ارتفعت نسبة السكان الذين يعرّفون أنفسهم على أنهم "غير متدينين" في جميع الدول المعنية، بين عامي 2013 و 2018 أكبر تطور كان في تونس؛ حيث وصف ثلث السكان أنفسهم، عام 2018، بأنّهم "غير متدينين".

 وعام 2013؛ كانت النسبة ما تزال 10%، وفي المغرب؛ ارتفعت النسبة من 4 إلى 10%، وفي ليبيا من 10 إلى 25%، وفي الجزائر من 7 إلى 12%، في المقابل؛ فإنّ هذا الاتجاه بالكاد ملحوظ في العراق والأردن والأراضي الفلسطينية.

 

 

للمشاركة:

هكذا تستغلّ ميليشيات الحوثي الإرهابية اللاجئين الأفارقة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-20

نفّذت قيادة القوات المشتركة لتحالف دعم الشرعية في اليمن، فجر اليوم، عملية عسكرية لتدمير خمسة مواقع دفاع جوي وموقع تخزين صواريخ بالستية في محافظة صنعاء، تتبع للميليشيا الحوثية الإرهابية المدعومة من إيران.

تحالف دعم الشرعية في اليمن يدمّر خمسة مواقع دفاع جوي وموقع تخزين صواريخ بالستية للحوثيين في صنعاء

وأوضح العقيد الركن تركي المالكي، المتحدث الرسمي باسم قوات تحالف دعم الشرعية في اليمن؛ أنّ "عملية الاستهداف هي امتداد للعمليات العسكرية السابقة، والتي تمّ تنفيذها من قيادة القوات المشتركة للتحالف لاستهداف وتدمير قدرات الدفاع الجوي، والقدرات العدائية الأخرى"، وفق ما أوردت وكالة "وام".

وأكّد المالكي التزام قيادة القوات المشتركة للتحالف بمنع وصول واستخدام الميليشيا الحوثية الإرهابية، وكذلك التنظيمات الإرهابية الأخرى، لمثل هذه القدرات النوعية التي تمثل تهديداً مباشراً لطائرات الأمم المتحدة والملاحة الجوية وحياة المدنيين.

كما أكّد أنّ عملية الاستهداف تتوافق مع القانون الدولي الإنساني وقواعده العرفية، مشيراً إلى أنّ قيادة القوات المشتركة للتحالف اتخذت كافة الإجراءات الوقائية والتدابير اللازمة لحماية المدنيين وتجنيبهم للأضرار الجانبية.

هذا وتحاول ميليشيات الحوثي الإرهابية تعويض عشرات الآلاف من مقاتليها الذين التهمتهم جبهات القتال خلال الأعوام الخمسة الماضية، عن طريق عملية استقطاب مشبوهة لآلاف اللاجئين، الذين وصلوا إلى اليمن بطرق غير شرعية عبر سواحل البحرين الأحمر والعربي، في مخطط يكشف عن توجه مستقبلي للاعتماد على المرتزقة الأفارقة من أجل تعويض النزيف الحادّ في عناصرها.

وكشفت الميليشيات الموالية لإيران، في اليومَين الماضيَين، بدء تنفيذ مخططها الجديد، وذلك من الترتيبات لافتتاح مخيم للاجئين الأفارقة في مدينة إب (وسط اليمن(، وفق ما أوردت "العين" الإخبارية.

وخصّصت ميليشيا الحوثي مساحة واسعة تصل إلى 8000 متر مربعاً، لإنشاء مخيم اللجوء، الذي من المقرَّر أن يستقبل 1000 لاجئ من دول القرن الإفريقي، وفي مقدّمتها إثيوبيا والصومال وإرتيريا.

وأضافت المصادر؛ أنّ الميليشيات اختارت أحد التلال المطلة على الضواحي الجنوبية لمدينة إب، بالقرب من أحد معسكراتها الخاصة بتجميع وتدريب المقاتلين، مكاناً للمخيم، وأجبرت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين والهجرة على تمويل إنشائه.

وعلاوة على استخدامهم المهاجرين غير الشرعيّين كـ "مرتزقة" لتعزير جبهاتها القتالية المتهالكة، دون الحاجة إلى إنفاق الكثير من الأموال عليهم، كما كانت تفعل مع شيوخ القبائل؛ تعتقد الميليشيات أنّ بإمكانها أيضاً المتاجرة بهم، والحصول على ملايين الدولارات، كدعم من المنظمات الدولية والدول الغنية.

ورصدت تقارير حكومية، في وقت سابق، قيام الميليشيات الحوثية باستقطاب وتجنيد المئات من الأفارقة في صفوفهم، خلال العامين الماضيين.

في حين وثّقت القوات الحكومية اليمنية مقتل وإصابة أعداد من المرتزقة الأفارقة، في بعض جبهات القتال، مثل: دمت، ومريس، وتعز، والحديدة.

الحوثيون يستقطبون آلاف اللاجئين الذين وصلوا إلى اليمن بطرق غير شرعية للقتال في الجبهات

وسبق أن اعترفت الميليشيات الحوثية، في آذار (مارس) الماضي، عبر وسائل إعلامها الرسمية، بمقتل أحد الصوماليين الذين استقطبتهم للقتال في صفوفها بجبهات الحدود ضدّ القوات السعودية.

كما أشارت تقارير إعلامية إلى أنّ الميليشيات شكلت مؤخراً لجنة خاصة، برئاسة أبو علي الحاكم، رئيس ما يسمى الاستخبارات العسكرية، مهمّتها استقطاب المهاجرين الأفارقة، وحشدهم إلى أماكن سرية خاصة، يخضعون فيها لدورات طائفية قبل أن يتم إرسالهم إلى معسكرات التدريب، ثم إلى جبهات القتال.

وتؤكّد الإحصائيات الرسمية للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في اليمن؛ أنّ أكثر من 150 ألفاً من اللاجئين والمهاجرين غير الشرعيين، وصلوا إلى اليمن خلال العام الماضي، جميعهم من الدول الإفريقية.

وخلافاً للمخطط الإرهابي الحوثي، تعمل الحكومة الشرعية اليمنية بشكل دوري على ترحيل اللاجئين الأفارقة الذين يصلون إلى شواطئ شبوة عبر مطار عدن، على دفعات متفرقة، وذلك بالتنسيق مع الأمم المتحدة.

وأعلنت منظمات الهجرة الدولية، ترحيل أكثر من 1400 لاجئ إفريقي من اليمن إلى بلدانهم، خلال الأشهر الماضية.

 

للمشاركة:

إنجازات إماراتية جديدة على الصعيد العالمي

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-20

سجلت دولة الإمارات العربية مستويات متقدمة على الصعيد العالمي في أداء الشبكة وسرعة النطاق العريض الثابت؛ حيث بلغت الإمارات المركز الأول على مستوى المنطقة في سرعة اتصال النطاق العريض الثابت، وفق أحدث بيانات شركة"Ookla"  الرائدة في مجال تحليل واختبار سرعات الإنترنت على مستوى العالم.

الإمارات الأولى إقليمياً في أداء شبكة الإنترنت وفي سرعة اتصال النطاق العريض الثابت

وأظهرت بيانات اختبار السرعة من"Ookla" ؛ أنّ أداء الشبكة في الإمارات سجّل مستويات متقدمة على الصعيد العالمي؛ حيث تصدّرت دول المنطقة بعد أن قفزت 16 مرتبة في الشهر الماضي، ووصل معدّل سرعة التنزيل على شبكة النطاق العريض الثابت، بحسب مؤشر"Ookla"  إلى 88.35 ميجابت في الثانية، واحتلت الإمارات المرتبة الـ 25 ضمن قائمة عالمية ضمّت 177 دولة، وفق وكالة "وام".

كما تبوّأت الإمارات مكانةً ريادية بين أفضل 20 دولة على مستوى العالم على صعيد الاقتصادات المتقدمة، ويقوم مؤشر "speedtest" العالمي، بمقارنة بيانات سرعة الإنترنت شهرياً من أنحاء العالم، والذي يستمدّ بياناته اعتماداً على الملايين من الاختبارات التي يجريها أشخاص عبر التطبيق كلّ شهر.

وفق سياق متصل بإنجازات الإمارات، حدّث مؤشر "باسبورت إندكس" العالمي، أمس، قوائم جوازات السفر الأكثر نفوذاً في العالم، وجدّد تصنيف جواز السفر الإماراتي في المركز الأول كأقوى جواز سفر في العالم يمكّن حامله من دخول 174 دولة من دون تأشيرة مسبقة؛ "116 دولة من دون تأشيرة، و58 دولة عبر الإنترنت، أو لدى الوصول للمطار".

جواز السفر الإماراتي أقوى جواز سفر في العالم يمكّن حامله من دخول 174 دولة دون تأشيرة

يأتي ذلك بعد إضافة جمهورية بنين، الواقعة غرب إفريقيا، ضمن الدول التي تعفي مواطني الإمارات من التأشيرة المسبقة.

ووفق مؤشر "باسبورت إندكس" التابع لشركة "آرتون كابيتال" للاستشارات المالية العالمية؛ فإنّ جواز السفر الإماراتي لم يعد أمامه إلا 24 دولة فقط تحتاج إلى تأشيرة مسبقة، أي حوالي 12% فقط من دول العالم.

 

للمشاركة:



انشقاق جديد بالإخوان.. استقالة قيادي من "النهضة" بتونس

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-20

محسن أمين

قدم القيادي في حركة "النهضة" الإخوانية التونسية علي الشرطاني استقالته من الحزب، الجمعة، في أحدث انشقاق يضرب صفوف الحركة في ظل خلافات كبرى تعصف بها في الفترة الأخيرة.

وتأتي الاستقالة لتكون الثالثة لقيادي في الحركة خلال نحو شهرين، بعد تقديم لطفي زيتون استقالته من منصب المستشار السياسي لرئيس الحركة راشد الغنوشي في 8 يوليو/تموز، ومحمد غراد المسؤول عن العلاقات الخارجية للحركة الإخوانية في 17 يونيو/حزيران الماضي احتجاجا على سياسات الغنوشي.

ونشر الشرطاني تدوينة على صفحته بالفيسبوك، انتقد خلالها سياسة النهضة "الاستئصالية والإقصائية واللاديمقراطية التي تمارسها حركة النهضة ورئيسها راشد الغنوشي ضد الأحرار في صفوفها".

وأضاف: "كل ذنبي أيها الأخوة الكرامة أني لست متزلفا وصاحب رأي وموقف من أجل الحركة، ويجب أن تكون ومن أجل الوطن وجهة قفصة.. ديمقراطية قيادة النهضة هي إقصاء كل صاحب صوت حر، وصاحب موقف قيادة لا تريد استمرار وجود الأحرار في صفوف الحركة".

وتابع:" لا مكان لعلي شرطاني الذي أمضى في الحركة 40 عاما بالقائمة الانتخابية وهو الحائز على 107 أصوات وكان فيها مكان لمن له 50 و60 صوتا"، في إشارة إلى الانتخابات الداخلية التي قامت بها الحركة لاختيار مرشحيها للتشريعية.

ويرى متابعون أن استقالة الشرطاني مؤشر على تصاعد التوتر داخل الحركة الإخوانية التونسية بسبب نتائج الانتخابات الداخلية التي أسفرت عن سقوط عدد من القيادات.

وكان المستشار السياسي لرئيس حركة النهضة الإخوانية لطفي زيتون كتب تدوينة عبر صفحته الرسمية بموقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" أعلن فيها استقالته من منصبه دون توضيح أسباب.

وقالت مصادر مقربة من الحركة الإخوانية التونسية: "إن علاقة زيتون بالحركة تصدعت منذ نحو عام بسبب معارضته سياسة راشد الغنوشي الذي ينفرد برأيه واحتجاجا على الأطروحات الفكرية التي يراها إخوانية".

وخلال الفترة الأخيرة، كان زيتون من أشد الرافضين لمواصلة توافق حركة النهضة مع رئيس الحكومة يوسف الشاهد، وطالب بالإطاحة به في أكثر مرة.

وقبله بأيام قدم محمد غراد المسؤول عن العلاقات الخارجية لحركة النهضة الإخوانية استقالته بعد ضغوط مارسها رفيق عبدالسلام صهر الغنوشي لرغبته في الاستحواذ على الملف الخارجي للحركة.

وصهر الغنوشي معروف بقربه من النظام القطري باعتباره الرئيس السابق لمركز الدراسات الاستراتيجية لقناة "الجزيرة"، ويواجه اتهامات قضائية بالاستحواذ على هبة صينية تقدر بـ500 ألف دولار عندما كان وزيرا للخارجية عام 2012.

وتولى غراد العلاقات الخارجية للحركة الإخوانية منذ عام 2017 خلفا لنائب رئيس مجلس النواب عبدالفتاح مورو المعروف بانتقاداته اللاذعة لسياسة الحركة وخلافاته مع رئيسها راشد الغنوشي.

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:

وزارة العمل اللبنانية وحرمان اللاجئ الفلسطيني من الحق في الحياة !

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-19

هاني حبيب

وقف الشعب اللبناني الشقيق إلى جانب الشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية واحتضن كفاحه المسلح في فترة عصيبة من نضاله الوطني، وشكل موقف الحكومة اللبنانية مؤخراً من صفقة القرن وعدم المشاركة في مؤتمر ورشة البحرين، رغم كل الضغوط، دعماً للحقوق الفلسطينية ومواجهة مؤامرة التوطين التي سعى إليها مؤتمر ورشة البحرين في سياق ما يسمى بصفقة القرن. وبالنظر إلى هذا الموقف، خاصة بعدم المشاركة في مؤتمر ورشة البحرين، ذات الأبعاد الاقتصادية، فإنه لا يمكن غض النظر عن قرارات وزارة العمل اللبنانية الهادفة إلى وضع عدة إجراءات من شأنها المساهمة في تجويع اللاجئين الفلسطينيين في لبنان بهدف إلحاقهم بالحل الاقتصادي في سياق صفقة القرن. ولعلّ تزامن إطلاق هذه التشريعات والإجراءات ما يكشف ارتباطها بورشة البحرين ومراميها وأهدافها.
ورغم أن وزارة العمل اللبنانية، حاولت أن تشرح أسباب هذه التشريعات، إلاّ أنها في الواقع أكدت من خلال هذا الشرح على إصرارها على المضي قدماً في هذا المخطط، خاصة وأن اللاجئين الفلسطينيين لا يطالبون إلاّ بتطبيق القانون اللبناني والالتزام بقاعدة الحقوق والواجبات، إذ إن البرلمان اللبناني كان قد أصدر عام 2010 تعديلات قانونية على قانون العمل اللبناني لامس جزئياً وضع العمالة الفلسطينية في لبنان.
إن قرارات وزارة العمل الأخيرة، تخلط بين اللاجئ الفلسطيني، والعمال الوافدين أو المهاجرين غير الشرعيين، بينما نصت التعديلات البرلمانية على خصوصية العامل الفلسطيني، وبالتالي فإن "مرسوم تنظيم عمل الأجانب" لا شأن له بالعامل الفلسطيني وفقاً للقانون اللبناني وتعديلات قانون العمل التي أجراها البرلمان اللبناني قبل عشرة أعوام، علماً أنه تم تجاهل هذه التعديلات، التي لم توضع موضع التنفيذ منذ إصدارها، خاصة فيما يتعلق بصندوق الضمان الاجتماعي، وبينما تتحدث الوزارة عن امتيازات للعمالة الفلسطينية، إلاّ أنها لم تلحظ بشكل متعمد، أن التعديلات المشار إليها لم تطبق، وبالتالي ظل القانون بدون تطبيق في وقت تشير فيه وزارة العمل اللبنانية أنها تعمل على تنظيم العمالة الفلسطينية في لبنان، وواقع الأمر أن هذه الإجراءات تترافق مع الضغوط الأميركية والإسرائيلية في سياق تصفية الحقوق الوطنية، خاصة في سياق تنظيم ضغوط ممنهجة على اللاجئ الفلسطيني بهدف دفعه للهجرة في سياق مؤامرة التوطين، بالتوازي مع ما دعت إليه إدارة ترامب حول "الأونروا" وضرورة تصفيتها نهائياً.
في تقريرها الأخير لعام 2019 أشارت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، إلى أن حوالى 36% من الشباب الفلسطيني يعاني من أزمة بطالة، بينما بلغت هذه النسبة الـ57%  بين اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، ومن شأن إجراءات وزارة العمل اللبنانية الأخيرة، أن تعمل على قتل بطيء ممنهج للاجئين الفلسطينيين، بينما لا يطالب هؤلاء إلاّ بتنفيذ التعديلات التي أجراها البرلمان اللبناني قبل عشرة أعوام، وبالتالي، فإن وزارة العمل اللبنانية هي ذاتها التي تخرق القانون اللبناني، والتحرك الشعبي الفلسطيني في لبنان بإسناد من القوى الوطنية اللبنانية لمناهضة هذه الإجراءات، لتؤكد على الدعم الشعبي اللبناني للحقوق الوطنية الفلسطينية من جهة، وحق اللاجئ الفلسطيني في التظاهر السلمي من أجل نيل حقوقه التي كفلها له القانون اللبناني!

عن "الأيام" الفلسطينية

للمشاركة:

التسامح.. طريق الشعوب للتقدم

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-19

أحمد السعداوي

تنهض الأمم وترتقي بالتسامح القائم على التفاهم والتعايش.. وبإعلاء قيمة الآخر يزداد الترابط بين أفراد المجتمعات فيسودها الاستقرار والسلام، وتصل البلدان إلى أعلى درجات التقدم والرفاهية. فالتسامح نقل قارة أوروبا إلى أعلى مراتب التقدم والازدهار، بعد حربين عالميتين راح ضحيتهما أكثر من 77 مليون قتيل وعشرات الملايين من المصابين وخسائر مالية تجاوزت عشرات المليارات من الدولارات، حيث برئت القارة من آثار هاتين الكارثتين الكبريين في تاريخ البشرية، اعتماداً على سيادة مبدأ التسامح ونسيان الجروح الغائرة.وفي أفريقيا، تعافت العديد من الدول من تجارب مريرة، وحافظت على وحدتها وشيدت نهضتها بالتسامح، وحالياً تشهد الكثير من مظاهر التقدم والازدهار، وباتت تضاهي بنظافتها شوارع العواصم الأوروبية.

«التجربة الماليزية».. الأقلية في «قلب» الأغلبية
النموذج الماليزي في التعايش بين مختلف الأجناس والأديان، يستحق الوقوف أمامه طويلاً، خاصة أنه يجسد تلاحم الأصول المختلفة دون تعصب من أغلبية ضد أقلية، ودون احتقان أقلية في وجه أغلبية.
ويتشكل سكان ماليزيا من الملاويين أهل البلد منذ القدم ونسبتهم حالياً حوالي 65% علاوة على الصينيين ونسبتهم تقترب من 20% والهنود15%، ويتعايش هذا الخليط في احترام وتقدير متبادلين تحت مظلة القانون، والصينيون والهنود جاؤوا إلى ماليزيا منذ عشرات السنين طلباً للعيش، فاستقبلهم المسلمون من سكان البلاد واستوعبوهم في المجتمع وسمحوا لهم بكل رضا ببناء معابدهم ودور عبادتهم إلى جوار مساجد أهل البلد الأصليين، ولم يجدوا غضاضة في ذلك.
وفي العاصمة كوالالمبور ترى مجموعة من المعابد البوذية الخاصة بالصينيين، وكذلك المعابد الهندوسية الخاصة بالهنود، وأشهرها معبد «كهف باتو» الشهير الذي أقيم في جبل على أطراف المدينة وسكن به الهنود الذين لم تكن لهم مساكن تؤويهم، وبنوا به دار عبادتهم على ارتفاع شاهق، ومع مرور السنين انتقل الهنود للسكن في بيوت وبقي معبد الكهف مزاراً للسياح.

ومن الشواهد الواضحة على سيادة مفهوم التسامح في ماليزيا ذات الأغلبية من المسلمين، أن بها أكبر تمثال هندوسي في العالم بالقرب من العاصمة كوالالمبور، ويزوره الهندوس من شتى بقاع الأرض، كما أن الدستور الماليزي يكفل للمواطن حق ممارسة الحريات والشعائر الدينية بسلام وتآلف، علماً بأن أحكام الشريعة الإسلامية تطبق في المحاكم الشرعية على المسلمين، أما أصحاب الديانات الأخرى، فيحتكمون إلى شرائعهم.
وينعكس تسامح الأغلبية على سيكولوجية الشباب الماليزي الذين يُشكلون قرابة 70% من إجمالي عدد السكان هناك، فالشباب الماليزي، سواء المسلم والهندوسي والسيخي والمسيحي، وغيرهم من الفئات والجماعات العرقية المتنوعة، ورث هذه الروح المتسامحة والمتعاونة، فهم يعملون معاً وبدرجة عالية من التنسيق والتوافق وهدفهم الجامع شعاره «ماليزيا الموحدة».

مانديلا.. رمز السلام
بات نيلسون مانديلا، الزعيم الأفريقي، رمزاً للتسامح والسلام في القرن العشرين لما رسخه من قيم العفو والتغاضي عن أخطاء الآخرين، بعدما قضى نحو 27 عاماً في سجون نظام الفصل العنصري في دولة جنوب أفريقيا، ليخرج من المعتقل ويتولى رئاسة البلاد، ويرسي قيم التسامح والمصالحة التي كانت الأساس في نهضة دولة جنوب أفريقيا وتقدمها، وعمل خلال مراحل حياته على نشر ثقافة السلام، وقيم الحرية والعدالة، ليتوج ذلك بحصوله على جائزة نوبل للسلام عام 1993.

أوروبا.. في المقدمة
نقل مفهوم التسامح قارة أوروبا إلى أعلى مراتب التقدم والازدهار، بعد حربين عالميتين راح ضحيتهما أكثر من 77 مليون قتيل وعشرات الملايين من المصابين وخسائر مالية تجاوزت عشرات المليارات من الدولارات، حيث برئت قارة أوروبا من آثار هاتين الكارثتين الكبريين في تاريخ البشرية، اعتماداً على سيادة مبدأ التسامح ونسيان الجروح الغائرة التي تسببت فيها هاتان الحربان.
والآن نرى القارة الأوربية في مقدمة الركب العالمي في المجالات كافة تقريباً، بعدما اعتمدت التسامح والاعتراف بأهمية تعدد الثقافات والمذاهب والأفكار كقيمة عظيمة تضمن الحياة على كوكب الأرض.

رواندا.. «مصالحة» تتجاوز «الدماء»
صنعت رواندا التي كانت ضحية حرب أهلية راح ضحيتها 800 ألف قتيل في مائة يوم، عام 1994، المستحيل واستردت عافيتها بالتسامح وإعلاء ثقافة الاعتراف بالتعددية، وصارت نموذجاً حضارياً رائعاً في القارة الأفريقية، بعد تسامح أطراف النزاع عن الكوارث التي حلت بهم خلال فترة الحرب الأهلية.
وفي سبيل الوصول إلى هذا النجاح، انتهجت رواندا أسلوباً فريداً للمصالحة يستند إلى نظام قضائي تقليدي يعرف باسم «جاكاكا»، أمكن بموجبه التعامل مع مئات الآلاف من الأشخاص المتهمين بجرائم الإبادة الجماعية، وبموجب هذا النظام يجتمع سكان القرية بأكملها ليشهدوا على عمليات الاعتراف وعلى صدقيتها، وتشجيع الضحية على الصفح والغفران، والاتفاق على بعض التعويضات مثل المساعدة في حراثة حقل الضحية لفترة من الوقت.

وبفضل السياسة الحكيمة وترسيخ أهمية التسامح، نجحت رواندا في تسجيل تغيير لافت نحو الأفضل لتتحول إلى قصة نجاح حقيقية، فأصبحت مركزاً اقتصادياً وتكنولوجياً في المنطقة، وتمكنت من جذب أكثر من مليون سائح عام 2014، وما كان هذا العدد ليتوافد على رواندا لولا انتشار الأمن والسلام ومظاهر الجمال في كل ربوعها، حتى أن عاصمتها كيجالي اختيرت في 2015 كأجمل مدينة أفريقية.
وحالياً تشهد رواندا كثيراً من مظاهر التقدم والازدهار، منها تضاعف دخل الفرد ثلاث مرات في السنوات العشر الأخيرة، وتوصف الحكومة الرواندية بأنها من أكثر الحكومات كفاءة ونزاهة في أفريقيا، كما تضاهي شوارع مدينة كيجالي، بنظافتها وحسن صيانتها، معظم شوارع العواصم الأوروبية. ويصل مستوى بعض مراكز التسوق فيها نظراءها في الغرب بدرجة تدفع كثيراً من وسائل الإعلام الغربية إلى وصفها بـ«سنغافورة أفريقيا».

روسيا.. تعددت الطوائف و«الشعب واحد»
من ماليزيا إلى روسيا تلك الدولة التي تنتشر حدودها بين قارتي آسيا وأوروبا، فنجد أن 80 بالمائة من سكانها يتبعون طائفة الأرثوذكس، ويمثل المسلمون 15 بالمائة، وهناك الطوائف اليهودية، وطائفة من البوذيين، واللاما وغيرها من الطوائف الصغيرة التي تتعايش جميعاً في ظل الاحترام المتبادل وقبول الآخر.
وبسبب هذه الروح العظيمة في التآلف بين مختلف الفئات، وروح التسامح التي يشعر بها كل من يعيش في روسيا، حصل مركز التسامح واللاعنف التابع للحكومة الروسية على جائزة من منظمة اليونسكو في أكتوبر 2018، لنشاطاته الكثيرة في مجالات البحوث والبرامج التعليميّة لتعزيز الحوار بين الديانات ووجهات النظر المختلفة مع تركيز خاص على الشباب، وسيراً على هذا النهج، كشفت روسيا التي تضم 20 مليون مسلم أنها ستطلق قناة فضائية للمسلمين.

والمتابع للحالة الروسية، يمكنه مشاهدة طقوس واحتفالات أعياد الطوائف المختلفة تجرى في أجواء من السعادة والاحترام بين الجميع، ويمكن ملاحظة الجانب المعماري الفريد لدور العبادة لتلك الطوائف، حيث نجد المساجد المتأثرة بالنمط المعماري الروسي، والكنائس مختلفة الحقب التاريخية، بخلاف المعابد التي تكشف جانباً مهماً من تنوع النمط المعماري والحضاري الروسي وانفتاحه على مختلف الثقافات.
من أبرز نماذج حالة التسامح الديني في روسيا، مدينة قازان التي تحتضن دور عبادة لمختلف الطوائف الدينية، غير أن درة الشواهد على هذا الانسجام بين الجميع، هو معبد كل الأديان المشيد على شاطئ نهر الفولجا والذي يسمى أيضاً «المعبد الكوني»، الذي تم تشييده عام 1994، ويعتبر تحفة معمارية رائعة يعكسها جمال قبابه الساطعة والملونة على صفحة المياه. حيث يتكون المعبد من 16 قبة لـ16 ديانة سماوية، بما في ذلك الأديان السابقة التي لم تعد تمارس. حيث يتجاور النمط الإسلامي مع المعالم الكنسية الأرثوذكسية والكاثوليكية، وتوجت القباب بالهلال الإسلامي والصليب بالإضافة إلى نجمة داوود والقبة الصينية، وغيرها من الرموز الدينية في العالم.

عن "الاتحاد" الإماراتية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية