كشف المستور... إيران إذ تسعى إلى تشكيل تنظيم "قاعدة جديد"

32498
عدد القراءات

2018-09-11

لم يكن ما نشره مركز "نيو أمريكا" في واشنطن، عن وجود علاقة تعاون بين إيران وتنظيم القاعدة، لأعوام طويلة، كشفاً جديداً؛ إذ إنّ تلك العلاقة ثبتت باعتراف الناطق السابق باسم تنظيم "داعش"، أبي محمد العدناني، العام 2014، في رسالة صوتية له موجَّهة إلى أيمن الظواهري، بعنوان "عذراً أمير القاعدة".

قال العدناني: إنّ أمراء القاعدة غلت يد فرع التنظيم في العراق من توجيه ضرباته لإيران ومصالحها، لأسباب تعود إلى مصالح للتنظيم مع طهران، و"امتثالاً لأمر القاعدة للحفاظ على مصالحها وخطوط إمدادها في إيران"، وإنّ أمراء التنظيم في العراق استجابوا لذلك، لما أسماه "وحدة الصف والكلمة"؛ لذا فقد رأى العدناني؛ أنّ "للقاعدة دَيناً ثميناً في عنُقِ إيران"، على حدّ قوله.

ناطق داعش المقتول وجه ضربة قاسية للقاعدة، التي ظلت لأعوام تخفي تلك العلاقة، وتهيل عليها أكواماً من التراب

وبذلك؛ فإنّ ناطق داعش، المقتول على يد قوات التحالف، قد وجه ضربة قاسية للقاعدة، التي ظلت لأعوام تخفي تلك العلاقة، وتهيل عليها أكواماً من التراب.

وإن اعتمدت الدراسة على 300 وثيقة سرية، حصلت عليها وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية "سي آي إيه" بعد الهجوم على المجمّع الذي كان يسكن فيه زعيم تنظيم القاعدة، أسامة بن لادن، في أبوت آباد الباكستانية، العام 2011، فإنّها لم تعطِ تفسيرات شافية لعلاقة الطرفين "القاعدة- طهران"، وذهبت إلى اعتبار التعاون بينهما لم يكن على "أساس إستراتيجي؛ وذلك بسبب "الاختلاف الأيديولوجي، وغياب الثقة بين الطرفين، بل كانت علاقاتهما "بسبب المصالح المتبادلة التي تقتضيها ظروف كلّ مرحلة".

الناطق السابق باسم تنظيم "داعش"، أبو محمد العدناني

جذور العلاقة

لم يكن للمكوّن السلفي الجهادي الخالص وحده في تنظيم القاعدة، الذي قدم غالبيته من شبه الجزيرة العربية، أن يهضم العلاقة بين قادته ونظام الملالي في إيران، إلّا أنّ هناك مكوناً آخر متنفذاً، كان قادماً من مصر، يتمثل في "تنظيم الجهاد"، كانت لديه القدرة على تمرير ذلك؛ بل والتنظير له شرعياً.

فإنّ للظواهري وأقرانه من المصريين في القاعدة خصوصية، كونهم أبناء التربة الجهادية المصرية، التي تشكلت في سبعينيات القرن الماضي، وهي البيئة التي لم تحضر فيها الطائفة الشيعية كعدوّ قريب، كما أنّ هذه التنظيمات نهلت من الأفكار الأساسية لسيد قطب، التي حلّقت بعيداً عن المناهج السلفية، التي ترى من الطائفة الشيعية عدواً رئيساً ومركزياً.

الظواهري: اتهام وسائل الإعلام لنا بتلقي الدعم من إيران، هو من باب الافتراء المحض وموقفنا واضح من إيران

لقد أبدت جماعتا "الجهاد" و"الجماعة الإسلامية" إعجاباً بالثورة الخمينية في إيران، العام 1979، باعتبارها ثورة إسلامية ملهمة، اشتركت معهم في عداوة نظام الرئيس المصري الراحل، محمد أنور السادات، الذي أصرّ على استقبال شاه إيران، ما كان له انعكاسه فيما بعد باحتفاء النظام الإيراني الجديد بقاتله، خالد الإسلامبولي، الذي أُطلق اسمه على أحد شوارع طهران الرئيسة.

لكنّ الظواهري؛ الذي انخرط في تشكيل القاعدة، بمزيجه الجديد، حديث قديم، يعود إلى العام 1994؛ عندما سُئل عن اتهام وسائل الإعلام للحركات الإسلامية بأنّها تتلقى دعماً وتوجيهاً من إيران، ومن ذلك تهمة وسائل الإعلام المصرية للتنظيمات التي قامت بعمليات مسلّحة على أراضيها في هذا الوقت، بالتبعية للشيعة؛ حيث قال: اتهام وسائل الإعلام لنا بتلقي الدعم من إيران، هو من باب الافتراء المحض؛ فإنّ لنا موقفنا الواضح من إيران، الذي ينبني على الحقائق العقيدية والعلمية.

اقرأ أيضاً: وثائق جديدة تكشف خفايا علاقة القاعدة بإيران

دار الزمان دورته، وثبتت علاقة القاعدة بإيران، التي لم يستطع الظواهري نفيها، بعد أن كشفها الناطق باسم داعش، ولم يكن ذلك من باب الافتراء والكذب، أما مسألة الخلافات العقيدية والعلمية؛ فإنّها ليست جوهرية لديه، كما زعم زعيم القاعدة.

أيمن الظواهري

التكفير الحكمي لا العيني

تحت ضغط المكوّن السلفيّ الجهادي في القاعدة، حاول الظواهري، المعروف بالمراوغة، إظهار أنّ موقفه العقدي واضح تجاه الإيرانيين الشيعة؛ الذين ابتعد عن وصفهم بالروافض، وهي التسمية الشائعة لدى التيار السلفي في مجمله.

عدّ الظواهري العقائد التي يعتقدها عموم الشيعة "الإثني عشرية" كفراً، إلّا إذا كان اعتقاده لها عن جهل، بناءً على أحاديث عدّها صحيحة، ولم يبلغه الحقّ فيها، أو كان عامياً جاهلاً؛ فهو معذور بجهله على التفصيل المعروف في كتب الأصول.

عدّ الظواهري العقائد التي يعتقدها عموم الشيعة "الإثني عشرية" كفراً، إلّا إذا كان اعتقاده لها عن جهل

وهو ما يعني؛ أنّ الظواهري كفّر الشيعة الإثني عشرية، بأئمتهم وعمومهم،  تكفيراً حكمياً فقط، ولم يسقط حكم التكفير العيني على الطائفة في جملتها؛ إذ إنّه اشترط إقامة الحجة أولاً، على من يعتقدها من علمائهم، أو من العامة، الذين يظنون في أصولهم الصدق ولم يبلغهم الحقّ، أو كان جاهلاً؛ فهؤلاء جميعاً معذرون بجهلهم، وهو ما يقرب الشيعة في فكر تلك الجماعات من الصوفية، التي يرون أنّ أفعالها كفرية، إلا أنّ أصحابها لا يقع عليهم حكم التكفير عينياً، وهو ما لم يكن يؤمن به مؤسس جماعة التوحيد والجهاد في العراق، أبو مصعب الزرقاوي، الذي ذهب لمبايعة القاعدة فيما بعد، إلا أنّه كان يرى من عموم الشيعة كفّاراً يجب قتلهم وقتالهم.

ولذا؛ فقد كان مطلب العدناني من الظواهري واضح؛ حيث قال، في نهاية رسالته له: "ندعوكَ ثانياً لتصحيح منهجك؛ بأن تصدع بتكفير الروافض المشركين الأنجاس"، وهو الأمر الذي لم يستجب له الظواهري فيما بعد، فظهر أنّ الخلافات بينهما منهجية، حتى لو كانت الأسباب التي فجرت الخلافات الكامنة تحت السطح تنظيمية وبراغماتية.

 

 

إيران... العدوّ المؤجَّل!

فإذا كانت إحدى وثائق "أبوت آباد" تثبت أنّ القاعدة كانت تعدّ إيران عدواً مؤجلاً، والولايات المتحدة الأمريكية عدواً حالياً، فإنّ ذلك لا يعني الحقيقة المجردة؛ لأنّ تلك الرسائل ربما كتبت بهدف تخفيف وقع العلاقة بين التنظيم وإيران على هؤلاء المتبرمين في التنظيم، الذين يرون في الجمهورية الإيرانية؛ عدواً أصيلاً بدوافع عقيدية وإستراتيجية.

كما لم يكن جديداً ما ذكرته الوثائق؛ من أن القاعدة اتخذت من الأراضي الإيرانية، ممراً لتهريب الأشخاص والمال سراً؛ فقد كشفه عدد من كتابات قادة القاعدة، ومن بينهم "سيف العدل"، في مقالة له حملت عنوان "السيرة الجهادية للقائد الذباح أبي مصعب الزرقاوي".

اقرأ أيضاً: تفاصيل الصفقة التي عقدتها ميليشيات الحوثي مع تنظيم القاعدة

فمنذ ضيقت حكومة بنظير بوتو، على من كانوا يطلقون عليهم "المجاهدين العرب"، وسلمت عدداً منهم إلى دولهم، بحجة عدم تسوية أوضاعهم، وباتت الحدود الباكستانية الأفغانية غير آمنة لتسلل المقاتلين، فتحت إيران ممرات آمنة لعبور عناصر القاعدة إلى أفغانستان، وعودتهم مرة أخرى إليها، ومنها إلى تركيا، ثم الهبوط إلى حيث يشاؤون من دول العالم.

وعام 1999؛ وظّفت القاعدة شخصاً كان ما يزال لتوّه قادماً من الأردن، في بناء معسكر للتدريب في مدينة "هيرات" الأفغانية، المتاخمة للحدود الإيرانية، حتى يتمكن من استجلاب المقاتلين من الدول المجاورة لإسرائيل، وإدخالهم إلى معسكره، عبر الحدود الإيرانية، كان الشخص هو؛ أبو مصعب الزرقاوي، الذي بات فيما بعد العدو الأكبر للطائفة الشيعية في العراق.

أبو مصعب الزرقاوي

ما هدف إيران؟

سمحت الاتفاقية الضمنية المبرمة بين القاعدة وإيران، التي تقضي بجعل طهران محطة لعبور المقاتلين إلى أفغانستان، مقابل عدم تعرض القاعدة لها ولمصالحها، بامتلاك نظام الملالي كمّاً هائلاً من المعلومات عن القاعدة وعناصرها، الذي ربما ساومت عليه الولايات المتحدة ذاتها.

وبعد هجمات الحادي عشر من أيلول (سبتمبر)؛ شنّت الولايات المتحدة ضربات جوية على معاقل الطالبان والقاعدة، إلا أن معسكر "هيرات"، الذي يديره أبو مصعب الزرقاوي، والذي لم تكن لديه معرفة سابقة بالهجمات التي شنتها القاعدة على واشنطن ونيويورك، كان قد تعرض لهجوم من قبل طائفة الشيعة الهزارة، ذات الولاء لإيران، مما أدى لسقوط عائلات هؤلاء المقاتلين في قبضة تلك الطائفة، وهو ما فتح علامات استفهام، حول ترصد الإيرانيين لمجموعة الزرقاوي تحديداً.

يشير التقرير إلى أن زعماء القاعدة في إيران، أصبحوا أكثر نفوذاً، ويعملون مع زعيم التنظيم المتطرف، أيمن الظواهري

ومع ذلك، أصدر قادة القاعدة تعليماتهم إلى عناصرها بالهروب في اتجاه الأراضي الإيرانية، إلا أنّ مجموعة الزرقاوي، التي كان يقترب عددها من الــ 400 عنصر، تعرّض أغلبهم للملاحقة والاعتقال، بينما تمتعت بقية المجموعات بمعاملة أفضل.

بيد أنّ الزرقاوي، ومعه عدد قليل من مجموعته، استطاعوا التسلل إلى الشمال العراقي الكردي، ليبدأ رحلته في تشكيل نواة تنظيم "التوحيد والجهاد"، الذي وضع الشيعة على أولوية أجندته الصراعية.

وباتت القاعدة المركزية أسيرة لدى النظام الإيراني، من خلال كمّ المعلومات الضخم الذي يمتلكه عنها، من خلال اعترافات قادتها المحتجزين لديها، أو من المفرَج عنهم الخاضعين للمراقبة الدائمة.

اقرأ أيضاً: "حراس الدين".. القاعدة إذ ترتدي ثوباً جديداً

ليس غريباً، إذاً؛ أن يشير تقرير أصدره فريق خبراء الأمم المتحدة، إلى أن زعماء القاعدة في إيران، أصبحوا أكثر نفوذاً، ويعملون مع زعيم التنظيم المتطرف، أيمن الظواهري، للتأثير في الأحداث في سوريا، ونقل التقرير عن سفراء دول أعضاء بالأمم المتحدة؛ أنّ "الإيرانيين والظواهري تعاونوا مع جماعة على صلة بتنظيم القاعدة في إدلب".

بن لادن: إيران هي الممر الرئيس لنا بالنسبة إلى الأموال، والأفراد، والمراسلات

للعلاقة أبعاد أخرى

وطالما يمتلك النظام الإيراني أوراق اللعبة مع القاعدة؛ فإنّ بإمكانه فرض شروطه وموازناته على المشهد السوري، الذي يفترض فيه أنّ القاعدة، بفرعها هناك، تشكّل اللاعب المسلَّح الرئيس ضدّ قوات النظام السورية المتحالفة مع إيران.

ولا تقتصر علاقة القاعدة بالنظام الإيراني فحسب؛ بل تمتد إلى حزب الله اللبناني، أحد الأذرع الإيرانية، اللاعبة عسكرياً في المشهد السوري، والذي من المفترض أنّه عدوّ للقاعدة أيضاً، إلا أنّ الحقيقة تقول إنّ جذورهما تمتدّ إلى زمن بعيد.

اقرأ أيضاً: مراسلات بين الإرهابيين تكشف طبيعة العلاقة بين إيران والقاعدة

يقول تقرير "نيو أميركا": إنّ "العلاقة بين إيران والقاعدة قويت في تسعينيات القرن الماضي؛ عندما التقى عماد مغنية، أحد قادة ميليشيا حزب الله بأسامة بن لادن، بهدف تبادل الخبرات بين الجانبين".

كما كتب بن لادن في إحدى رسائله: "إيران هي الممر الرئيس لنا بالنسبة إلى الأموال، والأفراد، والمراسلات".

تمتلك إيران، إذاً، ثروة كبيرة؛ من خلال سيطرتها على تنظيم القاعدة، وهو ما جعل تمدّد تنظيم داعش مخيفاً لها، الأمر الذي جعلها تفكّر في قيامة القاعدة مجدداً، من رحم تنظيم داعش، بعد تراجعه وانحداره.

وكانت صحيفة بريطانية ، وفق ما أوردت صحيفة "الشرق الأوسط"، نشرت في بداية هذا العام، تقريراً يفيد بأنّ إيران تخطط لأن "تبعث تنظيم القاعدة من رحم تنظيم داعش"، وذلك "عبر تنسيق بين طهران وقادة عسكريين من القاعدة، سافروا إلى دمشق من أجل تجميع صفوف مقاتلي داعش، وتأسيس "تنظيم قاعدة جديد"، يشبه فيلق القدس وحزب الله".

 

 

اقرأ المزيد...

الوسوم: