"كوماندوز".. فريق شبابي يتحدّى البطالة في غزة

"كوماندوز".. فريق شبابي يتحدّى البطالة في غزة

مشاهدة

22/06/2020

تحت لهيب أشعة الشمس الحارقة، ووسط مساحات زراعية شاسعة من القمح، الذي تتمايل سنابله بلونها الذهبي في منطقة عبسان الكبيرة، شرق مدنية خانيونس جنوب قطاع غزة، ينهمك الشاب علاء أبو طير (31 عاماً) بجمع كومة كبيرة من سنابل القمح، بعد حصادها يدوياً، ليتكبد مشقة وعناء حصاده.

وأكّد أبو طير، وهو مؤسس فريق "كوماندوز الشبابي"؛ أنّه "منذ ساعات الفجر الأولى يخرج إلى عمله، بعد تحديد العدد المطلوب من الفريق للمشاركة به، وفق نوع العمل وحجمه، وذلك بهدف انتشال عائلته من الفقر، وتأمين قوت يومه، والقضاء على مفهوم البطالة، والقيام بالأعمال الشاقة المختلفة، حتى إن لم تكن ضمن اختصاصه الجامعي".

مواطن غزيّ: انضممت لكوماندوز لتلبية متطلبات عائلتي المعيشية واليومية، بعد أن تقطعت بي السبل من العمل في مجال تخصصي

ويضمّ فريق "كوماندوز الشبابي" أعضاء من الشباب الخريجين العاطلين عن العمل، من الذين فقدوا الأمل في العمل ضمن تخصصاتهم الجامعية، بعد أن ضاقت بهم الدنيا، حتى باتوا يعملون في المهن الشاقة، بعد أن كان من المفترض أن يصبحوا معلمين وممرضين ومهندسين وغير ذلك.

ووفق إحصائية صادرة عن وزارة التنمية الاجتماعية في قطاع غزة؛ فإنّ نسبة الفقر والبطالة في القطاع، عام 2019، وصلت إلى ما يقارب  75%، وهناك 70% من سكان القطاع غير آمنين غذائياً.

يضمّ فريق "كوماندوز الشبابي" أعضاء من الشباب الخريجين العاطلين عن العمل

وتفرض إسرائيل منذ نحو 13 عاماً حصاراً مشدداً على غزة، ما أدى إلى زيادة كبيرة في نسب الفقر والبطالة في القطاع المكتظ بالسكان.

استيعاب الخريجين العاطلين عن العمل

وتابع أبو طير، وهو خريج تربية رياضية منذ عام 2009، خلال حديثه لـ "حفريات": "بعد أكثر من سبعة أعوام متواصلة من البحث عن العمل في كافة المؤسسات الحكومية والأهلية، وبعد أن تبخرت أحلامي بأن أصبح مدرساً للتربية الرياضية، أطلقت مبادرة "كوماندوز" عام 2016، لاستيعاب أكبر عدد ممكن من الخريجين العاطلين عن العمل، في ظلّ الأوضاع الاقتصادية السيئة التي يعانيها السكان في قطاع غزة، وارتفاع معدلات البطالة لمستويات كبيرة".

اقرأ أيضاً: هل فشل الإسلام السياسي في غزة.. ولماذا؟

ولفت إلى أنّ "المبادرة ضمّت في البداية خمسة خريجين فقط، حتى وصل العدد حالياً إلى ما يزيد عن 60 شخصاً، جلّهم من الخريجين الجامعيين، الذين يشكّلون ما نسبته 80% من أعضاء الفريق، للقيام بالأعمال المرهقة والشاقة، لتأمين مستلزماتهم اليومية في ظلّ الظروف الاقتصادية الخانقة التي يسبّبها الحصار الإسرائيلي والانقسام السياسي الفلسطيني الداخلي".

وعن طبيعة الأعمال التي يقوم بها فريق "كوماندوز"، يقول أبو طير: "العمل يتركز بشكل رئيس في المجال الزراعي، وتنظيف الأراضي والطرقات، وكذلك في أعمال البناء المختلفة"، مبيناً أنّ "عمل الفريق يستمر لساعات طويلة، بمتوسط دخل يومي لا يتعدى 20 شيكل (5.8 دولار أمريكي)".

أجور زهيدة

وبيّن أنّ "الفريق يضمّ خريجين من عدة تخصصات مختلفة؛ كالتربية الرياضية، والإعلام، والمحاسبة، والعلاقات العامة، وإدارة الأعمال، والهندسة الزراعية، والتخدير"، مؤكداً: "في بداية انضمامهم لفريق "كوماندوز" شعروا بصعوبة بالأمر، في ظل عدم وجود فرص عمل تتناسب مع تخصصاتهم ومؤهلاتهم الجامعية، إلى أن اعتادوا ممارسة هذه الأعمال، بعد أن فقدوا الأمل في الحصول على وظائف تحفظ كرامتهم وحقوقهم بالعيش حياة أفضل".

الأوضاع الاقتصادية في قطاع غزة تمرّ بأسوأ فتراتها منذ عدة أعوام

وتابع أبو طير: "الفريق يعمل بأجور زهيدة جداً، تكاد تفي بأدنى متطلباتنا المعيشية، لكنّها أفضل من القيام ببعض الأمور المرفوضة اجتماعياً وقانونياً، كالتسول وغيرها"، مطالباً الجهات المعنية، سواء في غزة أو الضفة الغربية، بعدم إقحام الشباب في المناكفات السياسية والعمل على تأمين أدنى متطلبات الخريجين الجامعيين، وإيجاد فرص عمل تليق بهم، وتمكّنهم وعائلاتهم من العيش حياة كريمة".

أعمال صعبة وشاقة

منذ أربعة أشهر، الشاب محمد أبو لحية، وهو خريج كلية أصول الدين من الجامعة الإسلامية في غزة، عام 2014، والحاصل على دبلوم التربية من جامعة القدس المفتوحة، يقطع سبعة كيلومترات ذهاباً وإياباً مستقلاً دراجته الهوائية من بلدة القرارة التي يقطن بها إلى منطقة عبسان الكبيرة، شرق خانيونس، جنوب قطاع غزة؛ للالتحاق بالفريق للعمل في المهام الصعبة المختلفة".

اقرأ أيضاً: كيف تعمل مافيا المولّدات الكهربائية في قطاع غزة؟

ويبيّن أبو لحية (28 عاماً)، وهو متزوج وأب لطفلة؛ أنّه ينطلق للعمل في تمام الساعة الرابعة والنصف فجراً، متحدياً المخاطر التي قد يتعرض لها أثناء سيره في الطريق، كمهاجمة الكلاب المفترسة له، ويقضي ما يقارب ثماني ساعات متواصلة في ممارسة الأعمال الزراعية الشاقة، كالعناية بجميع المزروعات الخضراء، والقيام بأعمال البناء بكافة أنواعها؛ كرفع الأحجار الإسمنتية، والبلاط، والرمال، وهي أعمال تحتاج إلى جهد بدني كبير للقيام بها، نظراً لصعوبتها".

ضحية الانقسام السياسي

وتابع أبو لحية: "لم أتمكن من إيجاد فرصة عمل تتناسب مع تخصصي الجامعي، بعد البحث لعدة أعوام، لأعمل كمدرس للتربية الإسلامية في المدارس الشرعية أو الخاصة أو الحكومية"، مبيناً أنّ انضمامه لفريق كوماندوز جاء تلبية لأدنى متطلبات عائلته المعيشية واليومية، بعد أن تقطعت به السبل من العمل في مجال تخصصه".

الفريق يضمّ خريجين من عدة تخصصات مختلفة

وأوضح: "الأجر المالي الزهيد الذي أحصل عليه يومياً لا يساوي العمل الشاق الذي أقوم به"، معللاً سبب تمسكه بالعمل بعدم وجود بدائل أخرى، إضافة إلى سوء الأوضاع الاقتصادية التي يعانيها السكان في قطاع غزة، خاصة من فئة الخريجين، الذين أصبحوا ضحية للانقسام السياسي الفلسطيني".

المحلل الاقتصادي أسامة الريس لـ"حفريات": معدلات البطالة ارتفعت في قطاع غزة لمستويات كبيرة، وكان للشباب النصيب الأكبر منها

من جهته، يرى المحلل الاقتصادي أسامة الريس؛ أنّ "الأوضاع الاقتصادية في قطاع غزة تمرّ بأسوأ فتراتها منذ عدة أعوام، بعد إغلاق العديد من المؤسسات الدولية مشاريعها بعد جائحة كورونا، التي كانت تمنح العديد من الخريجين العاطلين عن العمل فرص عمل بشكل مؤقت"، إضافة إلى الانقسام السياسي الفلسطيني والحصار الإسرائيلي، الذي أصاب كافة مناحي الحياة بالقطاع بالشلل التام".

وتابع الريس في حديثه لـ "حفريات": "هناك أكثر من 300 ألف عاطل عن العمل في قطاع غزة غالبيتهم من الشباب"، مبيناً: "الجامعات الفلسطينية تخرّج سنوياً أكثر من 11 ألف طالب يتنافسون على عدد محدود من الوظائف في المؤسسات الحكومية والخاصة، وهو الأمر الذي أدى إلى انعدام الأفق والأمل أمام الشباب في غزة، خاصة الخريجين منهم، ما دفعهم للبحث عن بدائل أخرى؛ كالهجرة إلى خارج قطاع غزة، أو اللجوء إلى إدمان المواد المخدرة".

"الأونروا" تتحمل المسؤولية الأكبر في ارتفاع معدلات البطالة

تقليص مساعدات وخدمات الأونروا

 ولفت إلى أنّ "معدلات البطالة ارتفعت في قطاع غزة لمستويات كبيرة، وكان للشباب النصيب الأكبر منها، ووصلت إلى 53% في الفئة العمرية بين 20 عاماً و29 عاماً، وهي نسبة خطيرة تتطلب تدخلاً فورياً من قبل السلطة الفلسطينية ووكالة الأونروا، على وجه التحديد، لتأمين فرص عمل مؤقتة أو دائمة للشباب العاطلين تتناسب مع مؤهلاتهم وقدراتهم وتحفظ كرامتهم الإنسانية".

اقرأ أيضاً: كيف تحوّلت غزة من مصدّر للورود إلى مستورد لها؟

وأكد الريس أنّ "وكالة غوث وتشغيل اللاجئين "الأونروا" تتحمل المسؤولية الأكبر في ارتفاع معدلات البطالة وتأزم الأوضاع المعيشية بين الخريجين الجامعيين، مع تقليص المساعدات والخدمات المقدمة للاجئين الفلسطينيين بحجة العجز المالي في ميزانيتها السنوية، مشيراً إلى أنّ "وكالة الغوث لم تتوقف يوماً عن دفع رواتب موظفيها، وهو ما يثبت عكس ما تدّعيه من وجود أزمة مالية خانقة تتعرض لها".

وطالب الريس السلطة الفلسطينية بأن "تكون أكثر شفافية ووضوحاً بخصوص تحديد حصة قطاع غزة من الموازنة السنوية، لردم الفجوة التي يعانيها غالبية السكان في غزة، وزيادة الإنفاق على المشروعات الإنمائية التي تسمح بتشغيل الشباب والعاطلين عن العمل".



الوسوم
الصفحة الرئيسية