كيف أججت وسائل التواصل الإسلاموفوبيا بعد 11 سبتمبر؟

كيف أججت وسائل التواصل الإسلاموفوبيا بعد 11 سبتمبر؟

مشاهدة

13/09/2021

طارق الشامي

تشير دراسات عديدة إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي التي بدأت في الانتشار عقب أحداث سبتمبر (أيلول) عام 2001 بسنوات عدة، أسهمت إلى حد بعيد في إضافة مزيد من الزخم على تضخيم ظاهرة الإسلاموفوبيا التي كانت بالفعل قد بدأت في الازدياد في بعض وسائل الإعلام الأميركية والدولية بعد هجمات سبتمبر مباشرة، فما أبرز ملامح ودلائل مساهمات السوشيال ميديا في هذه الظاهرة، وما مساحة التدخل من قبل عمالقة التكنولوجيا لمواجهة ظاهرة الإسلاموفوبيا؟

أبعد من الوصف

بعد 20 عاماً من أحداث 11 سبتمبر التي دبرها تنظيم "القاعدة" الإرهابي، لم تقتصر مهاجمة المسلمين عبر الإنترنت على السياسيين أو فئة بعينها من دون أخرى، فقد ذهبت الصور النمطية التي تربط المسلمين بالإرهاب، إلى ما هو أبعد من الوصف والتصوير في الصحف والتلفزيون ووسائل الإعلام الأميركية، ودقت مجموعة من الأبحاث التي جرت، أخيراً، ناقوس الخطر بشأن تفشي ظاهرة الإسلاموفوبيا عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وبخاصة استخدام الجماعات اليمينية المتطرفة المعلومات المضللة وأساليب التلاعب الأخرى لتشويه سمعة المسلمين وعقيدتهم.

مخاطر الكراهية

وتشير دراسة أجراها الأكاديمي عمران عوان، ونشرها في كتاب صدر عام 2020 تحت عنوان "الإسلاموفوبيا في الفضاء الإلكتروني"، إلى أن تأجيج مشاعر الكراهية الإلكترونية ضد المسلمين يتخذ أشكالاً مختلفة في المواد الموجودة على الإنترنت، والتي يمكن أن تؤدي إلى إساءة فعلية وعنف في أرض الواقع خارج الفضاء الإلكتروني، ومن بين ذلك المطاردات والمضايقات عبر الإنترنت باستخدام الصور ومقاطع الفيديو وغرف الدردشة والنصوص عبر وسائل التواصل الاجتماعي بهدف إحداث ضرر واضح.

ويتماشى ذلك مع دراسة أجراها سيف شاهين أستاذ مساعد الاتصال والإعلام في الجامعة الأميركية في واشنطن، خلصت إلى أن الهويات الدينية والعنصرية والحزبية كانت واضحة في التغريدات المسجلة بموقع "تويتر" على الإنترنت، والتي تميل إلى الخلط مع القومية كي تستخدم لإضفاء الشرعية على الهويات الأخرى، وهو ما يفسر انفجار الشعبوية اليمينية في الولايات المتحدة خلال الأعوام الأخيرة، ونجاح القادة الشعبويين في توظيف الهويات الدينية والعرقية والحزبية عبر الدور المركزي الذي تلعبه وسائل الإعلام الرقمية في هذه العملية.

لغة معادية

وفي يوليو (تموز) الماضي، نشر فريق بحثي بقيادة لورانس بينتاك أستاذ الاتصال والإعلام في كلية إدوارد مارو، والباحث في المجلس الأطلسي في واشنطن، بحثاً عن التغريدات التي تناولت حملات عشرات المسلمين المرشحين لعدد من المناصب العامة في الولايات المتحدة وفي انتخابات الكونغرس الأميركي، أفاد بأن نصف التغريدات التي درسوها تضمنت لغة معادية للإسلام أو معادية للأجانب أو أشكالاً أخرى من خطاب الكراهية، إذ تضمنت نسبة عالية من الروايات التي تبدو غير صحيحة، تضخيم الرسائل الناتجة عن حفنة من المحرضين.

آليات التضخيم

وجاءت غالبية المنشورات المسيئة من عدد صغير ممن يمكن تسميتهم "المحرضين"، وهي الحسابات التي تضع بذور المحادثات المعادية للإسلام على "تويتر"، وتنتمي غالبيتها لحسابات المنتمين للتيار المحافظ، لكن الباحثين أفادوا بأن مثل هذه الحسابات لم تولد جاذبية أو حركة متابعة كبيرة على "تويتر"، ولكن بدلاً من ذلك، وجد فريق الباحثين أن المسؤولية وراء انتشارها تعود إلى ما يسمى لدى خبراء الأمن السيبراني بآليات " التضخيم" أو "الأمبليفايرز"، وهي حسابات تُجمع وتُوزع أفكار زبائنها من "المحرضين" الذين وضعوا المحادثات المعادية للإسلام والمسلمين، من خلال إعادة التغريد والردود بشكل جماعي.

وكانت النتيجة المثيرة للاهتمام، هي أن أربعة فقط من أفضل 20 عملية تضخيم معادية للإسلام كانت حسابات لأشخاص حقيقيين، بينما كان معظمها إما حسابات وهمية تسمى "بوتز"، تنشأ باستخدام لوغاريتمات (خوارزميات) تعمل على تقليد الحسابات البشرية، أو أنها حسابات لأشخاص حقيقيين يستخدمون حسابات مزيفة "ستوكبابيتس" من أجل خداع الآخرين والتلاعب بالمحادثات عبر الإنترنت.

وهكذا، تمكنت هذه الحسابات الوهمية والمزيفة بنشر التغريدات المعادية للإسلام التي تم نشرها في الأصل من خلال حسابات حقيقية، ما أدى إلى إحداث تأثير التضخيم الذي أدى إلى زيادة ظاهرة الإسلاموفوبيا لجميع مستخدمي "تويتر" على الإنترنت.

الحسابات المخفية

وإذا كان "تويتر" يمتلك ما يزيد قليلاً على 200 مليون مستخدم نشط يومياً، فإن "فيسبوك" يمتلك ما يقرب من ملياري حساب، ويستخدم بعضها استراتيجيات تلاعب مماثلة على هذه المنصة لزيادة تأثير الإسلاموفوبيا، ومن أبرز هذه الاستراتيجيات ما يسمى الحسابات المخفية أو المستترة، وهي التي أنشئت على صفحات "فيسبوك" لنشر الدعاية السياسية من خلال إخفاء ملف تعريف المستخدم، وتقليد هوية الخصم السياسي بهدف إثارة ردود فعل كريهة وعدوانية.

ومن أمثلة ذلك ما درسه الباحث في المعلومات المضللة يوهان فاركاس وزملاؤه عن حسابات "فيسبوك" المخفية في الدنمارك، والتي يديرها أفراد أو مجموعات يتظاهرون بأنهم إسلاميون متطرفون من أجل إثارة الكراهية ضد المسلمين، ووجد تحليل الباحثين المختصين أن هناك 11 صفحة من هذه الحسابات، تبين أنها مزيفة، حيث نشر المسؤولون عن هذه الصفحات ادعاءات حاقدة بشأن الدنماركيين والمجتمع الدنماركي وهددوا باستيلاء المسلمين على البلاد.

أكثر من التعصب الديني

وعلى الرغم من أن "فيسبوك" أزال هذه الصفحات لانتهاكها سياسة محتوى المنصة، لكنها عادت للظهور تحت ستار مختلف بحسب ما تشير الدراسة، ونجحت هذه الصفحات المخفية في إثارة آلاف التعليقات المعادية والعنصرية تجاه الإسلاميين المتطرفين التي يعتقد المستخدمون أنها كانت تدير الصفحات، غير أن ما حدث أن هذه الصفحات أثارت الغضب تجاه الجالية المسلمة الأوسع في الدنمارك، بمن في ذلك اللاجئون.

وما يزيد من تأثير وخطورة هذه التعليقات أنها غالباً ما تنسجم مع نظرة أوسع للمسلمين باعتبارهم يمثلون تهديداً للقيم الغربية وللعرق الأبيض، ما يؤكد كيف أن الإسلاموفوبيا تتجاوز فكرة التعصب الديني فقط، كما يعتقد البعض.

تهديدات مزدوجة

ولا يعني ذلك أن المتطرفين الإسلاميين الحقيقيين غير موجودين على شبكة الإنترنت، فقد استخدمت الإنترنت بشكل عام ووسائل التواصل الاجتماعي بشكل خاص كوسيلة للتطرف الإسلامي لفترات طويلة سابقة، لكن في السنوات الأخيرة، عمدت الجماعات اليمينية المتطرفة إلى توسيع وجودها على الإنترنت بشكل أسرع بكثير من الإسلاميين.

ووفقاً لدراسة أجراها خبير التطرف "جي أم بيرغر" بين عامي 2012 و2016، فقد زاد متابعو القوميين البيض على "تويتر" بأكثر من 600 في المئة، وهو ما يعني أنهم يتفوقون على تنظيم "داعش" في كل مقياس اجتماعي تقريباً عبر احتساب أعداد المتابعين والتغريدات يومياً.

ووجدت دراسة أحدث لـ"بيرغر" عام 2018 لمحتوى اليمين المتطرف على "تويتر"، أن هناك وجوداً قوياً للحسابات الشخصية المزيفة ولحسابات الـ"بوتز" المؤتمتة وأساليب التلاعب بالوسائط الاجتماعية الأخرى بين هذه المجموعات اليمينية المتطرفة.

دور عمالقة التكنولوجيا

وعلى الرغم من أن شركات وسائل التواصل الاجتماعي شددت من سياساتها بهدف تحديد واستبعاد المحتوى الضار من قبل الجماعات الإرهابية الإسلامية، فإن نقاد شركات وسائل التواصل الاجتماعي من عمالقة التكنولوجيا، يعتبرون أن الشركات بدت أقل استعداداً لمراقبة الجماعات اليمينية مثل المتعصبين البيض، ما يسهل نشر الإسلاموفوبيا على الإنترنت.

مخاطر مرتفعة

وتحذر الدراسة من أن التعرض لرسائل الإسلاموفوبيا يمكن أن تكون له عواقب وخيمة، حيث تظهر التجارب أن تصوير المسلمين على أنهم إرهابيون يمكن أن يزيد من الدعم للقيود المدنية التي تقوم بها السلطات على المستوى الوطني أو المحلي على المسلمين الأميركيين، إضافة إلى دعم العمل العسكري ضد الدول ذات الأغلبية المسلمة.

ويشير البحث نفسه إلى أن التعرض لمحتوى يناهض الصور النمطية للمسلمين، مثل تطوع المسلمين لمساعدة أقرانهم الأميركيين خلال موسم عيد الميلاد، يمكن أن يكون له تأثير معاكس ويقلل الدعم لمثل هذه السياسات، بخاصة بين السياسيين المحافظين.

غير أن ظاهرة الإسلاموفوبيا تتصاعد، حيث تم الإبلاغ عن العنف ضد المسلمين وتخريب المساجد وحرق القرآن على نطاق واسع في الولايات المتحدة على مدار العشرين عاماً الماضية، وهناك دلائل على استمرار الظاهرة.

تحت الحصار

لكن الدراسات التي أعقبت الانتخابات الرئاسية الأميركية عام 2016 تشير إلى أن المسلمين يعانون من الإسلاموفوبيا بشكل متكرر على الإنترنت أكثر من المواجهة المباشرة وجهاً لوجه، وفي وقت سابق من العام الجاري 2021، رفعت مجموعة مناصرة للمسلمين دعوى قضائية ضد مديري "فيسبوك"، متهمة الشركة بالفشل في إزالة خطاب الكراهية ضد المسلمين، وتضمنت الدعوى مزاعم بأن "فيسبوك" نفسها كلفت بإجراء تدقيق للحقوق المدنية، واكتشفت أن الموقع خلق جواً يشعر فيه المسلمون بأنهم تحت الحصار.

وفي عام 2011، خلال تأبين الذكرى العاشرة لأحداث 11 سبتمبر، وثق تقرير صادر عن مركز التقدم الأميركي في واشنطن، شبكة الإسلاموفوبيا الواسعة في الولايات المتحدة، ولفت التقرير الانتباه إلى خطورة الدور الذي يضطلع به خبراء المعلومات المضللة من اليمين المتطرف في نشر الدعاية المعادية للمسلمين.

وبعد خمس سنوات فقط من هذا التاريخ، كانت البلاد بأكملها غارقة في الحديث عن خبراء معلومات مضللة يستخدمون استراتيجيات مماثلة، لكنها كانت هذه المرة تستهدف التأثير على الانتخابات الرئاسية، ما يعني أن هذه الاستراتيجيات المتطورة لا تستهدف المسلمين فحسب، بل يمكن تكرارها على نطاق أوسع.

جرائم الكراهية

ووفقاً لبيان مكتب التحقيقات الفيدرالي "أف. بي. آي"، ارتفعت جرائم الكراهية ضد المسلمين بنسبة 1617 في المئة خلال العام التالي للهجمات الإرهابية 2002، وهو ما يمثل أعلى معدلات جرائم الكراهية ضد الإسلام في الولايات المتحدة على الإطلاق، ولكن حتى مع تحرك البلاد بعيداً عن الهجمات وزيادة عدد السكان الأميركيين المسلمين في البلاد، لم يتضاءل التمييز ضد هذا المجتمع، وفقاً لتقرير مركز "بيو" للأبحاث.

فمع مرور السنين، انخفض عدد جرائم الكراهية ثم ارتفع مرة أخرى في السنوات الأخيرة، وفقاً لمكتب التحقيقات الفيدرالي، لكن الضرر حدث لسنوات، وشعر المسلمون في الولايات المتحدة بعدم اليقين حول مكانتهم في المجتمع الأميركي، بحسب ما تشير المبادرة البحثية التي أطلقتها جامعة كاليفورنيا في بيركلي تحت اسم مشروع الإسلاموفوبيا للبحث والتوثيق.

أداة سياسية

وأشار موقع شبكة "أيه بي سي" الأميركية في تقرير له إلى أنه في كل دورة انتخابية، كان عدم اليقين بشأن دور المسلمين في المجتمع الأميركي يتفاقم، بعدما أصبحت الإسلاموفوبيا أداة سياسية مع بعض الشخصيات العامة، مثل الرئيس السابق دونالد ترمب والمعلقين الإعلاميين الذين يستخدمون الخوف ضد المسلمين والعرب الأميركيين لإثارة قواعدهم، كما استُخدم الخطاب المعادي للمسلمين ضد الرئيس السابق باراك أوباما خلال حملتيه الرئاسيتين، على الرغم من حقيقة أن أوباما مسيحي، لكن تم استخدام الإشاعات العنصرية والمعادية للأجانب حول دينه ومسقط رأسه لإذكاء الغضب وعدم الثقة تجاه أوباما، ما أدى إلى زيادة الخوف الموجود مسبقاً بشأن المسلمين.

واستمرت المشاعر المعادية للمسلمين خلال دورة انتخابات عام 2016، والتي تصاعدت خلالها جرائم الكراهية المعادية للمسلمين مرة أخرى، فوفقاً لمكتب التحقيقات الفيدرالي، كانت هناك 481 حادثة في عام 2001، تلاها انخفاض كبير في الحوادث في العام التالي الذي سجل 155 حادثة، ولكن في عام 2015، كانت هناك 257 جريمة كراهية ضد المسلمين و307 في عام 2016، وانخفض عدد الحوادث منذ ذلك الحين حتى عام 2019، وهو آخر عام تتوفر عنه بيانات.

عن "اندبندنت عربية"

الصفحة الرئيسية