كيف أصبحت النسوية المعاصرة ذراعاً خفياً للنظام الرأسمالي الذكوري؟

النسوية

كيف أصبحت النسوية المعاصرة ذراعاً خفياً للنظام الرأسمالي الذكوري؟

مشاهدة

24/09/2019

عام 2006؛ بدأت الناشطة الاجتماعية والنسوية، تارانا بيرك، في استخدام عبارة "Me Too"، أو "أنا أيضاً"، على شبكة التواصل الاجتماعي "ماي سبيس"، تحكي فيها وقائع تحرش واعتداء جنسي حدثت معها.
وعام 2017 عادت العبارة لتطفو مرة أخرى، وتجتاح مواقع التواصل، ليشارك المشاهير حول العالم، وبشكل خاص نجمات هوليوود.

اقرأ أيضاً: "النسوية".. المرأة الغربية ماتزال تعاني التمييز
تتبنى العديد من المؤسسات النسوية العربية قضية الجنسانية بشكل عام كمحور لمعاناة النساء، لكنّ السؤال الذي يطرح نفسه؛ هل يمكن أن نختزل معاناة المرأة العربية في التجنيس فقط؟

اتجاهات النسوية
يمكن تقسيم الاتجاهات النسوية إلى حركتين؛ النسوية الليبرالية التي تسعى بدورها للتصالح مع الرأسمالية، واكتساب أكبر حقوق ممكنة للنساء في ظلّ النظام الرأسمالي، والنسوية الماركسية التي تظهر كتيار مضاد لهذا التيار؛ حيث يتبنون قضية المرأة من منظور الصراع الطبقي، ويعملون على تفكيك طبيعة علاقات الإنتاج، المتسببة في امتهان المرأة، هنا يكمن الصراع بين الاتجاهين.

ناشطة لبنانية: لا بدّ من العمل على حراك نسوي يبدأ من الأطراف وينظَّم في القرى والعشوائيات ومدن الصفيح

وتُجمل الأستاذة الفخرية بعلم الاجتماع والدراسات النسائية بجامعة نيويورك، جوديث لوربر، في كتابها "البناء الاجتماعي للنوع الجندري"، الحركات النسائية بثلاثة اتجاهات: أولها؛ "نسويات الإصلاح الجنساني"، وتتأصل فلسفتها في السياسة الليبرالية، وتركز في طرحها على الحقوق الفردية، وهناك خطاب النسوية المقاومة للجنس وتتقاطع في خطابها مع الجنسانية، أما الأخريات؛ فهنّ نسويات ثورة النوع الاجتماعي، وترتكز في طرحها على سلوكيات معينة، وديناميكيات المجموعات النسائية، والتي يتم من خلالها إبقاء النساء في وضع التابعات، حتى في الثقافة الفرعية التي تدّعي أنّها تدعم المساواة بين الجنسين، ويسعى الخطاب إلى تعطيل النظام الاجتماعي، من خلال تفكيك مفاهيمه وفئاته، وتحليل التكاثر الثقافي لعدم المساواة.

غلاف كتاب "البناء الاجتماعي للنوع الجندري" لجوديث لوربر

في واقع الأمر؛ إنّ التيار النسوي مصطلح يحدّد الأيديولوجيات والحركات النسائية التي لا تندرج في معسكر النسويات الراديكاليات، وبشكلها التقليدي، ركزت النسوية السائدة على الإصلاح السياسي والقانوني، وبدأت موجتها الأولى في القرن التاسع عشر، لكن قدّمت الكاتبة الأمريكية ذات الأصول الأفريقية، أنجيلا ديفيس، تعليقاً حول تلك الحركة، خاصة التي برزت عام 2017، واصفة إياها بالنسوية البرجوازية، كونها لا تصطدم بأي شكل مع قضايا العرق والطبقة، وغيرها من القضايا التي لا تهمهن.

اقرأ أيضاً: نسويات مغربيات في مرمى تكفير المتشددين والتحريض على قتلهن
أنجيلا الشيوعية، التي ترفض ما تسميه "النسوية البيضاء"، والتي لا تحمل الهموم الحقيقية للنساء، وتهتم بقضايا جزئية، مثل: المشاركة السياسية للمرأة، أو التركيز على تعليم الإناث، وهي قضايا تخطّاها الغرب منذ زمن، لا تجد حرجاً في وصف النسوية السائدة، كما يتجلى لدى تايلور سويفت، بالمتاجرة بالقضايا الفرعية، كما تصفهم بالخضوع للنظام الأبوي الذي تعاني النساء في ظلّه، وتعدّ واحدة من رموز حركة "الفهود السوداء"، في الولايات المتحدة، التي قاتلت لأجل المساواة العرقية، واستمر نضالها بالكتابة عن القضية الفلسطينية، ومقاطعة الكيان الصهيوني، الأمر الذي أدّى إلى إلغاء تكريمها الذي كان من المقرر في تشرين الأول (أكتوبر) 2018، من مؤسسة "برمينغهام لحقوق الإنسان"، وذلك بعد تأييدها لحركة "BDS".

الفردانية الليبرالية
يكمن الخلاف الأساسي بين النسوية الليبرالية والراديكالية، في أنّ الأولى تتحايل على النظام القائم، لمزيد من المكتسبات، التي اختلسها منها النظام نفسه؛ فهي لا تحاول تغيير النظام الذي يفرض سيطرته على النساء، ويعدّ المرأة أداة جنسانية فحسب، بل كون هذه النسوية برجوازية الطابع، تحاول الحفاظ على مكانتها الاجتماعية، عن طريق الحفاظ على جوهر النظام، وغالباً ما تكون المكتسبات السياسية في طور التطبيق على النساء البرجوازيات حصراً، بينما النسوية الراديكالية ماركسية الهوى، تحاول هدم النظام الرأسمالي نفسه، الذي يرون فيه سرّ البلية على وضع النساء الدوني في المجتمع، فهي تخلق طابعاً طبقياً للصراع، أكثر من الطابع الفرداني للنسوية المعاصرة، وهذا أبرز ما قدمّته النسوية الأمريكية، سوزان مولر، في حوارها مع النسوية الأمريكية، أليسون جاغار، في دراسة بعنوان "الاتجاهات الفلسفية للنسوية المعاصرة"، والتي تناولت فلسفة النسويات المعاصرات في تحديد طبيعة اشتباكهن مع الوضع الراهن.

اقرأ أيضاً: عاملات لا يصرخن عبر "هاشتاغات" .. نسويات بلا نسوية
وتتفق مع هذا الطرح النسوية الماركسية وطالبة العلوم القانونية بالجامعة التونسية، هنا عباس، في حديثها لـ "حفريات"، إذ تؤكد أنّ "النسوية المعاصرة الرائجة تعدّ أحد الأذرع الخفية للنظام الرأسمالي الذكوري الأبوي، ويتضح هذا في تحليل النسوية الليبرالية للمجتمع الذكوري وطريقتهم في تحديد مواقع المسؤولية".

أليسون جاغار

وتستطرد قائلة: "في اعتقادي، ومن معطيات الواقع أيضاً؛ إنّ قضية المرأة في المجتمع هي مسألة سياسية بامتياز مرتبطة بوجود نظام قمعي يسيطر على أجساد النساء، ويتحكم برغبات كلّ من لا يخضع لهذه السلطة، ويبرز هذا العنف أكثر في الشقّ الاقتصادي الموجه لكلّ ضحايا العنف المسلط على النساء، بواقع التمييز الجندري والطبقي في الأساس؛ ففي تونس مثلاً وأعتقد أنّ الوضع مشابه في البقاع العربية، لا توجد تنظيمات قوية للماركسيات، تقدم محتوى معرفياً ناضجاً لأجل قضايا المرأة، التي نتبناها على أساس الصراع الطبقي".

قضية المرأة مسألة سياسية مرتبطة بوجود نظام قمعي يسيطر على أجساد النساء ويتحكم برغبات من لا يخضع لهذه السلطة

ونشرت صحيفة "مورنينج ستار" البريطانية، مقالاً حول الصراع القائم بين النسوية الليبرالية والماركسية، فالليبراليات يناضلن من أجل استعادة "الجسد الأنثوي"، والذي يعدّ ساحة المعركة بالنسبة إليهن، لذلك ليس من الغريب أن تتصاعد مطالبات إباحة تجارة الجنس، باعتباره أحد أدوات تحرّر المرأة، على العكس من الماركسيات اللاتي يرين في هذا تجنيساً أكثر للمرأة، وإعاقة للصراع الطبقي الذي تغفله الليبراليات، فالمطالبة بالمساواة في ظلّ نظام رأسمالي، تعدّ تواصلاً لاستغلال الطبقة العاملة، وحتى بحصول النساء على حقوق جديدة، فإنّ القوالب الجنسانية ما تزال قائمة؛ فهنّ بالضرورة ربّات بيوت، وسيقع العنف عليهنّ مرة أخرى.

ما بعد الكولونيالية
نشأ ما نسميه "النضال النسوي البرجوازي"، في الغرب الاستعماري، كأمر حصري على نساء البرجوازية، بينما ظلت نساء المستعمرات في وضع مزرٍ، ومكانة أشدّ انحطاطاً بدورها، وبانحسار الاحتلال العسكري، لدول إفريقيا وأمريكا اللاتينية وآسيا، نشأ تيار النسوية ما بعد الكولونيالية، كردّ فعل على النسوية الغربية بتعاليها وانغلاقها على مجتمعها، وبحسب النسوية الإنجليزية، جابريلا كارمان، وفق مقالها في جريدة "الفيمينيزم"، فإنّ هذه النسوية أيضاً اتسمت بالنخبوية، والتعالي على شرائح عديدة من القطاعات الجماهيرية، وترى أنّها لا تقل انغلاقاً عن النسوية البيضاء في أمريكا الأوروبية، والتي تحولّت فيما بعد إلى عمل مؤسسي بامتياز.

اقرأ أيضاً: بخصوص النسوية العربية العابسة
في هذا الصدد تحدثت لـ "حفريات" إحدى كوادر الحزب الشيوعي اللبناني، الكاتبة جنى نخالة، حول النسوية العربية الراهنة، حيث أشارت إلى أنه "من الواضح أنّ هناك أزمة في الحراك النسوي العربي عموماً، واللبناني خصوصاً، والأزمة برأيي تبدأ "ولا تنتهي"، فيما يسمّى "أنجزة" (NGO-isation) الحراك النسوي، بتحويل حراك سياسي بامتياز إلى مجموعة من المؤسسات الربحية، ممّا يفرّغه من مضمونه السياسي بالأساس، وعليه أصبح العمل النسوي كغيره، يتحكّم به اقتصاد السوق فيتوجّه بهذا الاتجاه أو غيره تبعاً لمصدر التمويل أو شكل المشاريع المطلوبة أو القضايا التي يُجبَر على العمل عليها".

(NGO-isation)

وتستطرد قائلة: "من ناحية أخرى؛ ما يحصل يشوّه أيضاً مفهوم العمل النسوي في وعي الجماعة؛ إذ يصبح ممأسساً في إطار منظومة المجتمع المدني، ينحصر ليصبح مصدراً للخدمات، مجدّداً علاقة التبعية التي تربط المهمّشات والمهمّشين بالنظام، ومكرّساً لأمرين: (شرعية "الشحاذة" لكلّ من استغلّهن\م النظام، ونفض المسؤولية عن النظام بحدّ ذاته)، فالمنظّمات هذه بمنظورها وبخطابها، لا تلوم النظام ولا تظهّر أنه أساس الأزمة؛ بل تعمل على "تقديم الحلول"، ويتضح أنّ هذه المنظمات لم تستطع أن تقدّم حلولاً جذرية؛ لأنّ حلولها بالأصل مرحلية، وتعتمد على أخذ كلّ حالة بحالتها؛ فهي لا تحاول إيجاد حلول حقيقية، ومقاربتها للمشاكل لا تعتمد على قراءة سياسية للواقع، ولا فهم أسباب الاستغلال ومصادره، مطيلة مرّة أخرى في عمر النظام، ومرسّخة له، بدلاً من تحدّيه، وعلى مستوى المضمون؛ فإنّ المنظمات النسوية استطاعت تفريغ العمل النسوي من أسسه، عبر الاعتماد على العمل الفردي بدلاً من الجماعي، من خلال بتر العلاقة التاريخية مع نضالات الشعوب وتاريخها ومفاهيمها (وما تعابير مثل "تشبيك ومناصرة وحشد" سوى بدائل ركيكة لمفاهيم ثورية؛ مثل "بناء التحالفات والتثقيف غير الهرمي والتنظيم").
خندق المجتمع المدني
صيغ مفهوم المجتمع المدني، للمرة الأولى، من قبل كتاب الثورة الفرنسية من روسو ولوك، لتمييزه عن المجتمع الطبيعي. ووفق مقال نشره موقع "سيسولوجي جايد"؛ فإنّ المجتمع المدني من وجهة نظر علماء الاجتماع، إنّما هو أداة لحماية الدولة نفسها، فالفيلسوف الألماني كارل ماركس، في نقده لهيجل، يرى أنّ أيّ فصل بين مؤسسات المجتمع المدني والدولة، غير حقيقي؛ حيث إنّ تلك المؤسسات تعمل على حماية الدولة من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي تهدّد وجودها، هنا تظهر مؤسسات المجتمع المدني التي تتبنى قضايا المرأة، كجزء من خطاب الدولة نفسها، فهي ظاهرياً تحاربه، لكنّها ضمنياً تعزز وجوده. أما نخالة فترى أنّ تلك المؤسسات "تعمل عبر تدعيم الفوارق الطبقية بين النساء، وتظهير الامتيازات كمنطلق ضروري لنشر المعرفة؛ أي إنّ المعرفة أصبحت، وفي سياق نسوي، مملوكة من نخبة طبقية ثقافية، توزّعها بفوقية على بقية النساء الفاقدات للمعرفة.
وتضيف: "أعتقد أنّ ما نحتاج إليه، كنسويات، هو إعادة الحراك النسوي إلى واقعه السياسي، بعيداً عن مطرقة حقوق المرأة التي عفا عليها الزمن أو سندان المجتمع المدني بمفهومه وتعريفه الحاليَّين في مجتماعاتنا، لا بدّ من  العمل على حراك نسوي يبدأ من الأطراف، ينظّم في القرى والعشوائيات ومدن الصفيح، ويجعل النساء الأكثر تهميشاً، قائدات له".

الصفحة الرئيسية