كيف تسبّبت "هجرة سيّد قطب" في الدفع بآلاف الشباب المسلم إلى المحرقة؟

9228
عدد القراءات

2018-09-13

لا تكاد تهلّ ذكرى رأس السنة الهجرية، كلّ عام، حتى ينشط قادة تنظيمات الإسلام السياسي في بثّ رسائلهم وإصداراتهم، المرئية والصوتية، بمناسبة ذكرى الهجرة النبوية الشريفة، التي تحتلّ موقعاً مركزياً في عقل التنظيمات وأدبياتها.

أحيت تلك التنظيمات مفهومها الخاص لهجرة النبي، صلّى الله عليه وسلّم، من مكة إلى المدينة، بحسب واقعها وأساليبها في إعادة تركيب وجدان عناصرها، أو خياراتها الإستراتيجية في الوصول إلى السلطة، سواء عبر العمل المسلَّح، أو استخدام طرق العمل السلمي.

أغلق النبي، صلّى الله عليه وسلّم، باب الهجرة المكانية بعد فتح مكة، فقال: "لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية"، بيد أنّ جماعات الإسلام السياسي فتحت هذا الباب مجدداً في العصر الحديث، بعد أن أسقطت شرعية النظم القائمة؛ فباتت المجتمعات لديهم جاهلية، تسقط عليها أحكام دار الكفر بدرجات متفاوتة، بحسب عقيدة كلّ تنظيم على حدة.

أسقط الإخوان شرعية النظم القائمة فباتت المجتمعات لديهم جاهلية

نظرية الشغور

تشكّل الوجدان الجمعي للجماعات الإسلامية على التمثّل الحرفيّ، المتصوَّر في عقلهم لسيرة النبي وصحابته، وارتكزت، فيما بعد سقوط الخلافة العثمانية وتلاشيها، إلى قاعدة "شغور منصب الإمام"، ما دعاها إلى إعادة تشكيل جماعة تتبع نهج المسلمين الأوائل، موقنة أنّ ذلك الطريق سيوصلها في نهاية المطاف إلى خلافة على منهاج النبوة، طالما اتبعت ما فعله رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم.

كما أنّ الهجرة باتت ركناً أصيلاً على مستوى الجماعة؛ فإنها تبقى كذلك على مستوى الفرد المنتمي إليها

أمست الهجرة ركناً أصيلاً؛ فهي المحطة الأساسية لتشكّل النواة الأولية لقيامة الدولة الإسلامية؛ إذ إنّ الهجرة يتبعها الفتح "الموطن الأصلي"، ثم بدء مرحلة التمدّد والسيطرة على الدول المجاورة، فإذا كان المسلمون تابعوا فتوحاتهم حتى أسقطوا الفرس، وصولاً إلى القسطنطينية، فإنّ المسلمين الموعودين في نهاية الزمان سيسقطون العاصمة الإيطالية روما، ويصلّون في المقر البابوي في الفاتيكان (وفق اعتقادهم).

كما أنّ الهجرة باتت ركناً أصيلاً على مستوى الجماعة؛ فإنها تبقى كذلك على مستوى الفرد المنتمي إليها، الذي لا يكتمل إيمانه إلا بــ "هجرة"؛ بل إنّ ذلك الإيمان يتعرض للجرح، إذا كانت هناك نواة لإمارة يشكّلها الجهادويّون، ثم يتكاسل هذا الفرد إلى الهجرة إليها؛ إذ إنّه رضي، وفق معتقدات التنظيم، بأن يستظلّ تحت راية الحكم الجاهلي.

خلق بؤر الصراع

تسبّبت تلك العقيدة في حالة التنظيمات الجهادية، إلى خلق بؤر وجيوب الصراع، منذ اندلاع الحرب الأفغانية السوفيتية، العام 1979، وصولاً إلى الحرب في سوريا والعراق.

فذهب هؤلاء الجهاديون للبحث عن "يثرب جديدة" يسيطرون عليها، ليشكّلوا مكوّنين رئيسَين في ذلك المجتمع الجديد (المهاجرون والأنصار)، لينطلقوا منه بعد ذلك للعودة للسيطرة على بلدانهم الأصلية وفتحها! (مكة جديدة)، ثمّ لينطلقوا منها لغزو العالم، حتى الوصول إلى مركز الديانة المسيحية في العالم (روما).

استدعى تنظيم القاعدة روايات تتحدث عن أصحاب الرايات السّود، الذين سيزحفون في اتجاه بيت المقدس

ومع أنّ الظروف الجغرافية والسياسية التي تمرّ بها الأرض المختارة للهجرة، وفق تفكير الجهادويين، هي ما تستنفر هؤلاء الجهاديّين وتجذبهم إليها، إلّا أنّهم يبحثون بعد ذلك عن قدسية لتلك الأراضي، تضفي عليها خصائص الأرض الموعودة، التي سينطلق منها "جند الله" لإعادة الخلافة الإسلامية الكبرى على منهاج النبوّة.

ففي حالة الهجرة إلى أفغانستان؛ استدعى تنظيم القاعدة روايات تتحدث عن أصحاب الرايات السّود، الذين سيزحفون في اتجاه بيت المقدس.

وفي الحالة السورية؛ استدعت القاعدة وداعش النبوءات الملحمية الكبرى من كتب التراث، لتثبت أنّ الشّام هي أرض ملتقى لمعارك نهاية الزمان، التي ستنتصر فيها الفئة المؤمنة على جيوش الروم ومن حالفهم.

"الهجرة الجديدة" كان سيّد قطب أول من دشّن هذا المفهوم

الواقع يفشل النظرية

لكن دائماً ما كان بين النظرية والتطبيق هوّة سحيقة؛ فقد أثبتت التجربة العملية البون الشاسع بينهما؛ فلم يتحقق التآخي والتآلف الذي استطاع النبي، صلّى الله عليه وسلّم، تحقيقه على أرض يثرب، ولاقى التنظيمان المهاجران مآلات تراجيدية، فتعرضا للطرد والملاحقة، وأركن إليهما إخوتهما من "الأنصار" أسباب الإجهاض والفشل والنكبة.

قضت النزعات القومية والعرقية، في نهاية المطاف، مفهوم الهجرة المثالي وأسقطته، وآل المهاجرون لختام مأساوي لا يشي بشيء من النصرة والتآلف، فبينما قبل الأنصار في عهد النبي، صلّى الله عليه وسلّم، إمرة المهاجرين وسيادتهم، لم يقبلها العنصر المحلي في التنظيمات الجهادية، بل وألحقوا بهم أسباب الفشل والإعاقة، مرددين مقولة: "أهل مكّة أدرى بشعابها".

وعلى المستوى الإستراتيجي؛ لم تستطع تلك التنظيمات أن تمسك أرض الهجرة، فلم تثبت لهم إمارة تحت وقع الضربات العسكرية لخصومهم، وآل المهاجرون الجدد إلى القتل والسجن والشتات.

هجرة سيّد قطب

أول من دشّن مفهوم "الهجرة الجديدة" كان سيّد قطب؛ الذي ذهب أحد أتباعه، وهو شكري مصطفى، إلى تشكيل تنظيم سمّي إعلامياً بــ "التكفير والهجرة"، قبض عليه مبكراً، وقضى زعيمه بعد الحكم عليه بالإعدام من إحدى المحاكم المصرية.

شكّل أحد أتباع قطب وهو شكري مصطفى تنظيم التكفير والهجرة وقبض عليه مبكراً وحكم عليه بالإعدام 

وفي محاضرة صوتية له بمناسبة الهجرة النبوية؛ تحدّث سيّد قطب عن مفهوم الهجرة، التي تعني "طريقاً شاقّة ليست مفروشة بالورود والرياحين؛ إنّ الطريق مفروشة بالأشواك، لا بل الطريق مفروشة بالأشلاء والجماجم، مزينة بالدماء، هذا هو المعنى الثاني الذي يجب أن نستذكره".

يبشّر سيّد قطب في حديثه الأتباع؛ بأنّهم سيلاقون في الهجرة، التي ليست مجرّد ذكرى، بل هي سيرة تُتَّبع؛ بأنّه سيلقي على كاهلهم (قولاً ثقيلاً... وسيجتاز طريقاً ثقيلاً).

دفع قطب بحديثه عشرات الآلاف من الشباب المسلم إلى أن يلقوا حتفهم في أتون الصراع والمعارك، بدعوى أنّ هجرة النبي، صلّى الله عليه وسلّم، باب فتح من جديد، ليسلكوا نهجه، بدعوى أنّ هذه المجتمعات عادت لسيرة المجتمعات الجاهلية الأولى، ولم يعد هناك دولة إسلام، وهو ما أدخل المجتمعات الإسلامية في هوّة صراع سحيق، لم تخرج منه بعد.

اقرأ المزيد...

الوسوم: