كيف تشكل تجارة القات الخريطة الاقتصادية في القرن الأفريقي؟

تحقيقات

كيف تشكل تجارة القات الخريطة الاقتصادية في القرن الأفريقي؟

مشاهدة

04/06/2018

تحقيق: صهيب عبد الرحمن

"جاد" في الصومالية، و"تشات" في الأمهرية، و"ميرا" في السواحلية، كلها مسميات لنبات "القات" المنتشر في مجتمعات القرن الأفريقي، وهو نبات يمضغ أوراقه وجذوعه ليحصل مستهلكوه على شعور بالراحة واليقظة الذهنية والإثارة. يعقبها آثار "ما بعد المضغ"، وهي الأرق، الهلوسة، وفقدان الشهية. إضافة لهذه الأعراض، فإنّ انتشار مضغ هذا النبات يحمل أبعاداً مختلفة ذات طبيعة اجتماعية وصحية واقتصادية لدى شعوب القرن الأفريقي.
ولا يعرف تحديداً، تاريخ ظهور هذا النبات، ولا بداية مضغه، لكن يرجح أنها في القرن العاشر الميلادي؛ إذ انتشر مضغه في أوقات مختلفة في مجتمعات القرن. لكنّ انتشاره  ازداد في القرن الماضي، ويشكل حالياً أحد أكبر السلع التجارية المنتشرة في القرن الأفريقي، في ظل الاقتصادات الضعيفة لدول المنطقة بفعل ظروف الحروب.
جذور أثيوبية
قبل سبعمئة عام نقل الأثيوبيون القات إلى اليمن، وما يزالون يزرعونه ويصدرونه حتى اليوم إلى اليمن وإلى دول القرن الأفريقي؛ الصومال وجيبوتي وأريتريا، ودول أفريقية أخرى كتنزانيا وكينيا، ودول المهجر مثل؛ الخليج في وأوروبا وأمريكا.

الصومال وصوماللاند وجيبوتي يخسرون يومياً ملايين الدولارات من العملة الصعبة لشراء القات من كينيا وأثيوبيا

ويعتقد أنّ منشأ القات الأول هو في المرتفعات الأيثوبية، وتحديداً في مدينة "هرر". ومن هناك تم إدخاله في أوقات مختلفة في أراضي الصومال الحالية وصوماللاند وجيبوتي وجنوب اليمن وشماله وكينيا ومدغشقر وتنزانيا، وصولاً إلى جنوب شرق أفريقيا.
وحالياً، ينبت معظم القات الرئيسي في أثيوبيا في التلال المحيطة بمدن "ديري داوا" و"هرر" الشهيرتين في شرق أيثوبيا على بعد نحو 150 كيلومتراً من الحدود مع صوماللاند. ومن ثم يتم نقلها إلى دول المنطقة عبر الجو والبر، ويحرص أن يتم تصدير النبتة سريعاً بعد القطف. فكلما كانت النبتة يانعة زاد تأثيرها وزادت قيمتها.

طقس اجتماعي وديني
يشكل القات طقساً اجتماعياً، فهو يقدم في المآتم وفي الأعراس، وفي المقاهي والبيوت، ولا يتردد العشاق في تعاطيه في جلساتهم الحميمة. وكذلك يحضر القات في المناسبات الدينية، بما فيها الإسلامية، مثل؛ إحياء المولد النبوي، والاحتفالات الصوفية، كما يمضغ الصوفيون القات ليبقوا مستيقظين أثناء سهراتهم الدينية، وارتبط القات بالروحانيات، ويطلق الصوفيون عليه "قوت الأولياء"، للرد على التيارات الإسلاموية الجديدة، التي راجت مؤخراً في المنطقة والتي منعت القات وعدّته من المحرمات.
يتواجد القات في الحياة اليومية لدى سكان القرن، كما في أماكن أخرى من العالم، مثل اليمن الذي ينتشر فيها بكثرة، فيروح متعاطو القات يتناقشون بشكل حيوي في أمور الاقتصاد والسياسة والتاريخ والحياة  أثناء مضغ الأوراق في أشكاك صغيرة.
وأفادت دراسة صادرة عن معهد لندن لدراسة الاعتماد على المخدرات في عام 2014 بأنّ "القات تقليد اجتماعي في الثقافات التي يستخدم فيها السكان الأصليون، تماماً مثل القهوة في الثقافة الغربية".
ويصل رواج القات في مجتمعات القرن الأفريقي إلى حد كبير، ففي الصومال وصوماللاند، تشير الأرقام إلى أنّ 75% من الذكور يمضغون القات، وفي كل مدينة وقرية توجد قاعات قات يتجمع فيها الناس لساعات وهم يستمعون إلى الموسيقى الصاخبة ويمضغون باقات الأوراق الخضراء.

من الملفت عند ذكر نسب المتعاطين للقات غياب ذكر نسبة الإناث اللواتي يتعاطينه. وعن ذلك، يقول أحمد علي، وهو خبير في الاقتصاد، في حديثه لــ"حفريات": "جميعنا يعرف أنّ أعداداً كبيرة من الرجال والنساء يمضغون القات، لكن لا تُذكر النسب المئوية من فئات النساء. ولا أعرف السبب تحديداً، قد يكون تحاشياً لحشر النساء في سلوك نعتبره مشيناً، أو شيئاً من هذا القبيل، خاصة في مجتمعنا الملائكي الحريص على الأخلاق. لكن عادة ما يمضع الرجال القات في الأكشاك العامة، بينما النساء في بيوت خاصة، مخصصة لمضغ القات. هذا لا يعني أنّ البيوت غير معروفة، لكن أحسب أنّ واضعي هذه الأرقام حريصون على سمعة المجتمع، ولا يريدون خدش حيائنا (يضحك)".
في السابق، كان انتشار القات محصوراً على المدن، لكن مؤخراً، دخل إلى القرية والبادية، ففي كل قرية يوجد بائعون للقات يستوردونه من المدينة، وبعد أن كانوا يستعملونه بالمناسبات أصبح من العادات اليومية يرادف الأكل والشرب، حتى إنهم أيام الحرث والحصاد يمضغونه في الليل عوضاً عن النهار، ويعتقدون أنه يزيد من نشاطهم العملي، قد يكون هذا صحيحاً، لكنه يؤثر سلباً في اقتصادهم وصحتهم.
أعباءٌ اقتصادية جبّارة
يشكل القات مؤسسة اقتصادية ضخمة في القرن الأفريقي، ويمثل منتجاً رئيسياً للتصدير لدى بعض دول المنطقة، ولدى البعض الآخر، رغم أنّه في المقابل يمثل عبئاً اقتصادياً، واستنزافا للأموال والقدرات.
بالنسبة لأثيوبيا، يعدّ القات مصدراً رئيسياً للدخل القومي؛ حيث تنفق جارتها صوماللاند حوالي 524 مليون دولار سنوياً؛ أي ما يعادل حوالي 30٪ من الناتج المحلي الإجمالي، على شراء القات الأثيوبي (يعتقد الكثيرون أنّ الرقم الحقيقي أعلى من ذلك بكثير).

تنظيم الوقت الذي يمسح في مضغ القات وتقليل أماكن بيعه في الدول المستهكلة سيساعد على تخفيف حدة مشاكله

كذلك بالنسبة للجار الشرقي الآخر لأثيوبيا؛ جيبوتي، وهي من أكثر الأسواق الخارجية تحقيقاً للربحية لأثيوبيا، ما يجعل الحكومة الأثيوبية تنظر إلى القات باعتباره منتجاً مفيداً قابلاً للتصدير إلى بلدان أخرى.
يؤكد الخبير الاقتصادي أحمد علي أنّ القات "عبء كبير على الاقتصاد الهش لصوماللاند، لأنه يعني أن نسبة كبيرة من عملتها الأجنبية تستخدم لشرائه"، موضحاً أنّ "سبب هبوط قيمة الشلن (العملة الصوماللاندية) هي بسبب شراء القات؛ حيث يرسل يومياً ما يقارب مليون ونصف المليون دولار من العملة الصعبة إلى أثيوبيا، في بلد يعاني من البطالة والفقر وسوء الخدمات بشكل مرعب. إنه أمر كارثي يستنزف قدراتنا الاقتصادية والصحية".
وتعد شركة "571"، ومقرها "هرجسيا" في صوماللاند أكبر مصدّر للقات في منطقة القرن الأفريقي، إذ تصدر 8 طن من القات يومياً، كما أنها تملك طائرتها الخاصة لنقل البضاعة من أثيوبيا، إلى الصومال وصوماللاند وجيبوتي، ومعسكرات الشتات الصومالي في اليمن، ولبنان، وتركيا.

طائرة محملة بالقات

وفي كينيا يعتمد ما يقدر بنحو نصف مليون كيني على زراعة القات وبيعه لكسب عيشهم. وكانت بريطانيا تستورد ما قيمته 25 مليون دولار من القات سنوياً قبل حظره في عام 2014.
وفي الوقت الحالي تصدر كينيا ما قيمته نحو 250 مليون دولار من القات سنوياً، متجاوزة الشاي الذي يعتبر واحداً من الصادرات المربحة للبلاد، وفقاً لما تقوله الحكومة الكينية. وتغادر عشرات الرحلات الجوية مطاري نيروبي الرئيسيين يومياً، وهي تنقل الأكياس المحملة بالقات إلى الصومال في تجارة تبلغ قيمتها نحو 400 ألف دولار يومياً، وفقا للوكالة الوطنية للحملة ضد المخدرات في كينيا.

شاحانات قات كينية متجهة إلى الصومال

وتعبتر هذه الدول أي تغيير في الطلب على القات أمراً كارثياً على اقتصادها، كما حصل مع أثيوبيا حين حظرت المملكة المتحدة توريد القات؛ إذ كانت رابع أكبر مُصَدِّر لها، بقيمة أرباح وصلت إلى 250 مليون دولار خلال 2013 فقط.
تأثيرات مدمرة على المجتمع والصحة
أعلنت منظمة الصحة العالمية في عام 1980 القات مخدراً، ومذّاك، قامت بعض أنظمة المنطقة بحملات ضد القات، لكن انتهت جميعها بالفشل.

تعد شركة571 في صوماللاند أكبر مصدّر للقات في منطقة القرن الأفريقي، إذ تصدر 8 طن يومياً

ومن حين لآخر، تتعالى الأصوات المعارضة للقات؛ إذ يطالب الناشطون والجمعيات الصحية بحظره، وإغلاق متاجر القات، والبيوت المخصّصة لمضغه. وخلافاً لهذا الرأي، يعتقد أحمد علي أنّ "هذا ليس نهجاً واقعياً. فلا يمكن قطع سبل عيش الملايين، وتغيير العرف الاجتماعي بين عشية وضحاها". لكنه في الوقت نفسه يدعو إلى التعلم من الأخطاء السابقة التي حالت دون وقوفه، ويقترح تبني سياسات متشددة لكن غير مباشرة ضد متعاطي القات؛ كزيادة الضرائب عليه، أو حصر أيام توفره في السوق، بيومين بدلاً من أيام الأسبوع كاملة، في تلميح إلى أعداد الموظفين الذي يمضون نصف يوم في العمل، ثم يتوجهون بعد الظهر الى أشكاك القات.

وللقات آثار سلبية على البيئة؛ إذ تنتشر ملايين من أكياس البلاستيك التي يتم توزيع القات فيها على الأرض في الصومال وصوماللاند، مسببة كارثة بيئية. وبالإضافة إلى ذلك، وإلى جانب خسارة الملايين من الأموال النقدية الشرائية كل يوم لشراء القات، ووجود المخاطر الصحية، يستنزف القات ميزانية الأسرة؛ لأن الرجال ينفقون نسبة كبيرة من دخل الأسرة على القات على حساب طعام الأطفال والرعاية الصحية والتعليم. ويساهم ذلك في التفكك الأسرى، عن طريق زيادة العنف المنزلي ومعدلات الطلاق.
فشل مستمر في التقليل من أضراره
النقاش حول التأثير الاقتصادي والصحي والاجتماعي المدمر للقات في الصومال قديم قدم القات نفسه. ويتحدث الكاتب الصومالي بشير غود في مقال له عن المحاولات التي اتخذت تاريخياً لحظر القات وانتهت بالفشل كلها، "فقد فرضت الإدارة الاستعمارية البريطانية قيوداً على استيراد القات في محمية صوماللاند البريطانية في عام 1921 وفي كينيا عام 1940، لكن في المرتين أدى الحظر إلى أن يصبح القات أكثر ربحاً في السوق السوداء، وأن يرتبط استخدامه بالتمرد على القمع البريطاني. كما حاولت الإدارة الفرنسية في جيبوتي الحد من واردات القات واستهلاكه في عام 1952. لكنها لم تنجح. وفي اليمن، أدى الحظر الذي فرضته الحكومة البريطانية على القات في عام 1957 إلى غضب شعبي في عدن، وكذلك أثيوبيا، بلد التصدير، في حين أنّ محاولة حظر القات في جنوب اليمن بعد الاستقلال أدت إلى سقوط الحكومة الجنوبية في عام 1972".
وتنتشر قصة حدثت في أيام الاستعمار في صوماللاند، حين منع الاحتلال البريطاني استيراد القات، لكنّ الصوماليين لجأوا إلى حيل جديدة لإدخاله؛ حيث حملوا القات في نعش، كي يتم إنزاله من الطائرة، على أساس أنهم يحملون ميتاً.

الصفحة الرئيسية