كيف تنظر الديانات الكبرى إلى التسامح؟

كيف تنظر الديانات الكبرى إلى التسامح؟

مشاهدة

17/09/2019

يقدم كتاب "التسامح: النظرية والبحث والممارسة"، الصادر بنسخته العربية عن المركز القومي للترجمة، خلاصة مجموعة أوراق بحثية، قُدّمت خلال لقاء علمي مشترك ضم علماء وباحثين في مجالات التربية وعلم النفس والفلسفة والتاريخ، وسنركز هنا على عرض الجزء المتعلق بالمنظور الديني للتسامح، ولعله يكون فرصة أخرى لعرض الجوانب السيكولوجية لهذه القيمة الإنسانية.

المنظور الديني للتسامح
يمكن أن تسهم المنظورات الدينية للتسامح في إلقاء الضوء على كيفية تأثير الدين في العمليات النفسية المتضمنة في هذه الممارسة، وقد طلب من خمسة باحثين متخصصين، كل واحد ينتمي إلى دين من خمسة أديان كبرى؛ اليهودية، والمسيحية، والإسلام، والهندوسية، والبوذية، أن يجيبوا عن الأسئلة التالية:

يمكن أن تسهم المنظورات الدينية للتسامح في إلقاء الضوء على كيفية تأثير الدين في العمليات النفسية المصاحبة

كيف يعرف التسامح في ضوء تعاليم دينك؟
ما الأساس الإلهي للتسامح وفقا لتعاليم دينك؟
إلى أي مدى يعد التسامح مهماً أو محورياً في تعاليم دينك؟
هل التسامح في ظل تعاليم دينك مشروط بإبداء المسيء أسفه؟
هل يستوجب التسامح التصالح مع المسيء؟ هل من المحتمل التسامح مع عدم التصالح؟

كتاب "التسامح: النظرية والبحث والممارسة"
تستخدم الديانة اليهودية مصطلحي "العفو" و"الاعتذار" عندما لا يكون هناك عقاب على المعتدي، أما التسامح فيتضمن إزالة الاعتداء، والتصالح يعني عودة الأمور إلى الوضع السابق، في العائلة أو الجماعة أو العمل، وقد يكون تصالح بدون تسامح. ويفهم التسامح في المسيحية على أنّه سلوك العفو أو التحرر من الإيذاء أو الإساءة أو الذنب، فيستلزم من الفرد المتسامح أن تكون لديه شفقة، وأن يحرر أي شخص أساء إليه من أي سلوك أو اتجاه سلبي، يعوق العلاقة القائمة بينهما، ومن الفرد الذي يُمنح التسامح (المسيء) أن يظهر علامات الندم على ما اقترف، وأن يظهر أيضاً سلوكيات تنمّ عن الأسف العميق والحب مجاراة للكرم الذي أظهره المتسامح. وقد عبّر القرآن الكريم عن التسامح من خلال ثلاثة مصطلحات: العفو، والغفران، والصفح. ويشير مفهوم التسامح في البوذية إلى الصبر والتخلي عن الغضب، ويعبر المفهوم في الهندوسية عن الشفقة والرحمة. 

اقرأ أيضاً: التسامح والسلم الأهلي

 


يمتد جوهر التسامح في اليهودية من معرفة الله تعالى وامتثال صفاته، فهو غفور رحيم، وتخبر التوراة أنّ من يتصرف برحمة مع الناس وسائر المخلوقات يرحمه الله تعالى، والعكس صحيح أيضاً. وتمثل الرحمة معنى أساسياً وجوهرياً في المسيحية؛ فالمسيح وهو يتألم دعا الله تعالى أن يرحم المسيئين إليه، فإنّهم لا يعلمون، وفي الصلاة يدعو المسيحيون "اغفر لنا ذنوبنا كما نغفر نحن أيضاً للمذنبين". وقد مدح القرآن الكريم الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس، وفي البوذية فإنّ الكراهية لا توقف الكراهية، لكن بالحب نبلغ أهدافنا، وتعد صلاة التسامح وطلب الصفح في الهندوسية أساساً لتسامح الناس وصفحهم بين بعضهم بعضاً.

 

في اليهودية كما الإسلام لا يكون تسامح بغير أن يصفح من تعرض للإساءة

ويعتبر التسامح مركزياً في اليهودية، وتستمد هذه المركزية من أهمية يوم التكفير في الدين؛ إذ هو أكثر الأيام قدسية في السنة اليهودية، و"يسامحنا الله في هذا اليوم إذا سامحنا الذين أسأنا إليهم"، فتسامح الإنسان يشغل منزلة أساسية في اليهودية، ومنذ أن سامح إبراهيم "أفيميلكا" أصبح التسامح علامة مميزة في أبناء إبراهيم، ويعد التسامح محورياً في المسيحية، ويمثل إمكانية وواقعية حدوث تغير وتحول لدى الفرد في علاقته بالآخرين. وفي الإسلام فإنّ مسامحة الله تعالى للإنسان تعتمد على مسامحة الناس له على إساءته إليهم، ومقابلة الشر بمثله قد تكون شراً، وفي البوذية فإنه وإن يكن التسامح ليس محورياً فإنّ الصبر على الإساءة والشفقة على المحتاجين يمثلان سلوكاً محورياً، وفي الهندوسية فإنّه مطلوب ممن يتبع الدين أن يكون متسامحاً.

اقرأ أيضاً: التسامح والقوة الناعمة لدولة الإمارات العربية المتحدة
وفي اليهودية، كما الإسلام، لا يكون تسامح بغير أن يصفح من تعرض للإساءة، وإذا كانت الإساءة توجب العقوبة القانونية فلا يمكن منع العقوبة أو تخفيفها بغير الصفح، لكن أيضاً يجب أن يقرّ المعتدي بخطئه ويعتذر عنه ويطلب الصفح، وتعويض الضحية عن الضرر الذي لحق به، وأما في المسيحية فإنّ التسامح سلوك عام يلتمس المغفرة لكل مسيء، وكذلك الأمر في البوذية والهندوسية؛ إذ يكون الصفح والتسامح مستقلاً عن سلوك المسيء ومصيره أو اعتذاره أو عدم اعتذاره.

 

هل يستوجب التسامح التصالح مع المسيء؟
في اليهودية والإسلام لا يستوجب التسامح التصالح، ولا يتطلب التصالح التسامح، فقد أسامح المسيء ولكن أقرر أنّني لا أرغب أن أرتبط به بعد ذلك، وعلى أي حال لدينا الحق دائماً في أن نختار أصدقاءنا، وعندما يكون المسيء فرداً من الأسرة يكون هذا الحق أكثر تقييداً، فطبيعة الأسر تتطلب أن نبذل قصارى جهدنا لننسجم معهم، حتى لو لم نكن نحب فرداً محدداً في الأسرة بدرجة كبيرة، وتفرض الصداقات الطويلة علينا على نحو مماثل التزاماً أخلاقياً أن نبذل قصارى جهدنا للتغلب على الإساءة واستعادة العلاقة، فيستحق أفراد الأسرة والأصدقاء الطيبون هذا الجهد بفضل الدعم الذي قدموه لنا على مدى سنوات وتوليهم واجب الدعم المستقبلي، ولكن حتى في ظل هذه الحالات قد تتسبب بعض الإساءات في أن نرفض أن نتصالح مع الشخص الذي آذانا، على الرغم من أننا سامحناه بصدق وبوعي، ولا يتطلب التسامح على أي حال أن ننسى الإساءة، وبعض الذكريات تكون مؤلمة جداً بحيث لا تسمح بعلاقات حميمية أعمق، كما أنّه لا يتطلب حداً أدنى من اللطف تجاه أولئك الذين اقترفوا أشياء فظيعة في حقنا كذلك.

تعد صلاة التسامح وطلب الصفح في الهندوسية أساساً لتسامح الناس وصفحهم بين بعضهم بعضاً

وعلى العكس قد أختار أن أتصالح مع شخص على الرغم من أنني لم أسامحه ويكون فشلي في أن أتسامح خطأً من جانبي إذا اجتاز المسيء عملية التراجع التي وصفناها آنفاً وإذا لم يتراجع المسيء، فعندئذ لن أكون ملزماً أن أسامحه وقد يحثني حبي للشخص وأملي في إقامة علاقات مستقبلية على أن أتصالح معه على الرغم من الأشياء التي فعلها معي.
في المسيحية لا توجد شروط مسبقة للتسامح، ومع ذلك يعد التسامح شرطاً مسبقاً للتصالح، وينبغي ألا يحجب المسيحيون أنفسهم عن إمكانية التصالح، ومع ذلك يجب أن نكون واقعيين في إدراك أن التصالح قد لا يحدث أحياناً. وأما في البوذية فعلى المرء أن يكون صارماً في ضبط انفعالاته وأفعاله، ولكن في الوقت نفسه ينبغي عليه أن يكون متسامحاً تماماً مع أفعال الآخرين ومتفهماً لها وخاصة الذين آذوه. وكما قال جاتاكامالا: معاناة الآخرين هي التي تجعل الناس الطيبين يعانون.

اقرأ أيضاً: التسامح.. طريق الشعوب للتقدم
والخلاصة أنّ التعاليم الدينية يمكن أن تفيد في التدريب على التسامح، ويمكن أن يزود الاستماع كخطوة أساسية في الفهم الديني الباحثين الاجتماعيين باستبصارات نفسية عن طبيعة الخبرات الإنسانية تستحق على الأقل أن تستكشف.

الصفحة الرئيسية