كيف جعلت إسرائيل من الضفة الغربية مكباً للنفايات الصلبة والسامة؟

في ظل سياستها الممنهجة لتدمير البيئة الفلسطينية، تواصل سلطات الاحتلال الإسرائيلي استغلال أراضي الضفة الغربية لدفن كميات كبيرة من نفاياتها الكيماوية والطبية، وغيرها من النفايات السامة دون أدنى اعتبار للأضرار البيئية والصحية المترتبة على السكان الفلسطينيين لتحقيق مصالحها الاقتصادية، وذلك في مخالفة وخرق واضح للقوانين الدولية التي تمنع نقل نفايات الدولة المحتلة إلى الأراضي التي احتلتها.

سلطات الاحتلال قررت خلال 2018، إقامة عدة منشآت لمعالجة النفايات الإسرائيلية في داخل إسرائيل والمستوطنات ودفنها في الضفة الغربية

وتفيد التقارير الإسرائيلية بأنّ ظاهرة دفن النفايات الصلبة الإسرائيلية في مكبات عشوائية بالضفة الغربية تفاقمت في بعض المناطق بالضفة، وتشير المعطيات الإسرائيلية إلى هبوط كبير في إجمالي نسبة النفايات التي تدفن في المكبات الإسرائيلية، والذي يتجاوز 15%، وأنّ بعض شاحنات نفايات مخلفات البناء الإسرائيلية تمر عبر حاجز قلنديا في طريقها إلى المكبات العشوائية الفلسطينية.

ووفقاً لتقارير سلطة جودة البيئة الفلسطينية، تنتشر مواقع النفايات الصلبة والسائلة المقامة على أراضي محافظات الضفة الغربية المحتلة على النحو التالي: (10) مواقع في محافظة القدس ومحيطها، (11) موقعاً في بيت لحم، (20) موقعاً في أريحا، موقعان في الخليل، (13) موقعاً في محافظة طوباس والأغوار الشمالية، (10) مواقع في قلقيلية، (17) موقعاً في سلفيت من بينها 7 مواقع نفايات صلبة و10 مواقع نفايات سائلة.

وتنص اتفاقية بازل والتي انضمت فلسطين إليها عام 2015، والتي تهدف إلى الحد وتنظيم تحركات النفايات الخطرة بين الدول، وخاصة من البلدان المتقدمة إلى البلدان النامية، على أنّه "يحق للدولة التي تصل أراضيها أي نفايات خطيرة من دول مجاورة إعادتها إليها".

ووفقاً لتقرير صادر عن الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان خلال العام 2018، فإنّ دولة الاحتلال تتخلص من أكثر من 50٪ من نفاياتها في أراضي الضفة الغربية المحتلة، وتقدر حجم تلك النفايات في الضفة الغربية بنحو 200 ألف طن سنوياً، تصنف غالبيتها على أنّها من النوع السام والخطير.

اقرأ أيضاً: غزة: جفت الزيتون حين يغدو مصدر رزق لعائلات أنهكها الحصار

وبحسب مصادر إسرائيلية، يوجد ما لا يقل عن 15 منشأة في الأراضي الفلسطينية المحتلة في الضفة الغربية تعمل في معالجة النفايات التي ينتج معظمها في الداخل المحتل، 6 من تلك المنشآت تقوم بمعالجة النفايات الخطرة التي تستوجب معالجة وترتيبات خاصّة نظراً لخطورتها.

وتمكنت الأجهزة الفنية الرسمية، بالتعاون مع جهاز الضابطة الجمركية، والأجهزة الشرطية، بضبط حوالي 45  حالة تهريب لنفايات ومواد كيماوية خطرة خلال العام 2015 حتى بدايات العام 2018، سواء أكان مصدرها الداخل المحتل، أم من المستوطنات الإسرائيلية المقامة على الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية.

وفي ظلّ غياب أرقام فلسطينية واضحة ومحددة، حول عمليات التهريب التي تجري كونها "عملية مفتوحة" إلا أنّ جهاز الإحصاء المركزي الفلسطيني قدر كميات نفايات المستوطنات المقامة على أراضي الضفة الغربية بحوالي 176 طناً سنوياً، دون توضيح طبيعة هذه النفايات إن كانت منزلية أم صلبة خطرة.

اقرأ أيضاً: الكاتبة السويدية جولبارج باشي تحتفي بـ "الأبجدية الفلسطينية" فتتهم بمعاداة السامية

وينصُّ قانون البيئة الفلسطيني في مادته رقم (13)، على "أنّ كل من يعمل على استيراد النفايات الخطرة إلى الأراضي الفلسطينية يلاقي عقوبة تصل إلى السجن المؤبد مع الأشغال الشاقة".

حرب إسرائيلية غير معلنة

يقول مدير عام التوعية والتعليم البيئي في سلطة جودة البيئة أيمن أبو ظاهر لـ "حفريات" إنّ "ظاهرة دفن النفايات الإسرائيلية السامة برزت مطلع العام 1997، مع بداية إنشاء وتأسيس سلطة جودة البيئة الفلسطينية؛ حيث تم ضبط عدة حالات إحداهما في قطاع غزة بعد إلقاء الاحتلال ما يقارب 150 برميلاً قبالة شواطئ غزة، وهي محملة بمخلفات نفطية، إضافة إلى ضبط 200 برميل من أصل 25 شاحنة محملة بمخلفات صبغية ومبيدات كيماوية في عدد من المناطق بالضفة الغربية، مبيناً أنّ هذه المبيدات تتميز بسُمّيتها العالية، ويعتبر التخلص منها عن طريق معالجتها في داخل اسرائيل مكلفاً اقتصادياً، وبالتالي يتم استغلال بعض المهربين وضعاف النفوس لدفنها في عدد من المناطق الفلسطينية".

اقرأ أيضاً: الأدوات الخشنة على حدود غزة هل تعود للخدمة من جديد؟

ولفت أبو ظاهر إلى أنّ "الاحتلال الإسرائيلي يشن حرباً غير معلنة تحت مسمى الذرائع الاقتصادية باستغلاله الأراضي الفلسطينية بشكل ممنهج لدفن النفايات الخطرة والسامة، واستنزاف الموارد البيئية وتلويثها بالنفايات الخطرة وغير الخطرة، مشيراً إلى أنّ إسرائيل تسعى للإضرار بالبيئة الفلسطينية في سبيل تلبية مصالحها بصرف النظر عن الأضرار والأخطار المحدقة التي قد تهدد الأراضي الفلسطينية".

وتأخذ النفايات السامة والخطرة، التي يتم طمرها داخل المناطق الفلسطينية بالضفة، أنواعاً وأشكالاً متعددة كمخلفات المستحضرات الطبية، والأصباغ، والإنشاءات، والزيوت المعدنية المستخدمة، والإطارات المستهلكة، والمبيدات الكيماوية، والأجهزة المنزلية، وأجهزة التبريد والتكييف، التي تحتوي غازات ضارة، إضافة إلى النفايات الالكترونية، و"جميعها تتسبب بتلوث التربة والمياه بالعناصر الثقيلة كالنحاس والكروم والرصاص والخارصين والكادميوم والزئبق".

75% من النفايات ترتبط بأمراض الأطفال

وعن أكثر المناطق التي تتركز فيها عمليات دفن النفايات في الضفة الغربية، يقول أبو ظاهر "هناك مناطق مختلفة في قرى غرب رام الله في نعلين، في بلدتي إذنا وبيت عوا بمحافظة الخليل، والعيزرية بمدينة القدس، ومحافظتي طولكرم، وقلقيلية، وفي منطقة الأغوار قرب نهر الأردن تم إنشاء مكب إسرائيلي على مشارف بلدة فصايل الفلسطينية، حيث يقوم المكب بسحق المخلفات السامة ومحاولة تسويقها على أنّها سماد عضوي".

النفايات الإسرائيلية تتسبب بـ 75% من الأمراض التي تصيب الأطفال من مرضى التوحد والاضطرابات العصبية واضطرابات فرط الحركة والسلوك

ويرى أبو ظاهر أنّ النفايات الإسرائيلية وما تسببه من أضرار بيئية وصحية كبيرة "ترتبط بأكثر من 75% من الأمراض التي تصيب الأطفال الذين يعانون من مرض التوحد، والاضطرابات العصبية، واضطرابات فرط الحركة والسلوك، لما لهذه النفايات السامة من تأثير مباشر وخطير على البيئة والأراضي الزراعية والغذاء الذي يتناوله السكان وخاصة الأطفال منهم".

ولمواجهة الانتهاكات الإسرائيلية بحق البيئة الفلسطينية يرى أبو ظاهر أنّ "انضمام سلطة جودة البيئة إلي اتفاقية بازل مكّنها من القيام بتقديم عدة شكاوى بحق الاحتلال لردعه ودفعه لإرجاع هذه المواد السامة إلى داخل إسرائيل"، مبيناً أنه بفضل الرقابة والتفتيش والمتابعة التي تقوم بها سلطة جودة البيئة بالتنسيق مع شرطة السياحة والبيئة، فقد تم ضبط أكثر من 90% من محاولات تهريب النفايات الإسرائيلية إلي داخل الضفة الغربية.

مكب ضخم للنفايات الإسرائيلية

من جانبه، يقول مدير وحدة الدراسات البيئية في مركز العمل التنموي "معاً" جورج كرزم إنّ "الاحتلال الإسرائيلي عمد منذ عدة عقود إلى نقل المنشآت الصناعية الإسرائيلية الملوثة إلى الضفة الغربية، مبيناً أن إسرائيل تقوم بدفن ما يقارب 200 ألف طن سنوياً من النفايات الخطرة في أراضي عدة بلدات بالضفة الغربية، كالخليل وطولكرم وقلقيلية والقدس الشرقية وسلفيت وغيرها، لتتحول الضفة الغربية إلى مكب ضخم لنفايات إسرائيل السامة".

اقرأ أيضاً: هل تنجح السلطة الفلسطينية في تحدي إسرائيل بالبناء في مناطق (ج)؟

ويضيف كرزم، الذي يرأس تحرير مجلة آفاق البيئة والتنمية، لـ "حفريات" أنّ "عمليات تهريب النفايات السامة والخطرة تتم بمعرفة من السلطات الإسرائيلية، وتحديداً من قبل وزارة البيئة والتي تسهل مرورها من إسرائيل إلى الضفة الغربية؛ حيث تتمتع المصانع الإسرائيلية، التي تعنى بمعالجة وتدوير النفايات، بدعم حكومي وتسهيلات ضريبية لتشجيعها على الاستمرار والعمل في مناطق الضفة الغربية، مما جعل عملها مجدياً اقتصادياً وأكثر ربحية من إنشاء تلك المنشآت في داخل دولة الاحتلال".

خطر حقيقي

ولفت إلى أنّ أكثر من نصف النفايات الإلكترونية في إسرائيل يتم دفنها في أراضي الضفة الغربية، وتهرب هذه النفايات من المصانع الإسرائيلية في الأراضي المحتلة عام 1948، ومن المستوطنات المنتشرة في مناطق مختلفة من الضفة، مستدركاً أنّ "التهريب الإسرائيلي لنفاياته السامة والخطرة تفاقم بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة، كالمخلفات الكيماوية والطبية والحمأة السامة، حتى أصبحت البيئة الفلسطينية والسكان يتعرضون لخطر حقيقي جراء تلوث التربة والمياه، وكذلك تلوث الهواء بالغازات السامة".

وتابع كرزم أنّ "سلطات الاحتلال قررت خلال العام 2018، إقامة عدة منشآت لمعالجة النفايات الإسرائيلية في داخل إسرائيل والمستوطنات ودفنها في مناطق مختلفة من الضفة الغربية بتكلفة 400 مليون دولار أمريكي، ومن أبرز هذه المشاريع إقامة منشأة لتدوير النفايات الإسرائيلية شرقي مستعمرة "معاليه أدوميم" المقامة على أراضي بلدة العيزرية بالقدس المحتلة بتكلفة مالية تصل 216 مليون دولار".

الأقسام: