كيف حاولت إيران تقويض الأمن القومي العربي؟

كيف حاولت إيران تقويض الأمن القومي العربي؟

مشاهدة

10/09/2020

تأخر مفهوم "الأمة القومية" في الظهور بالمنطقة العربية، لعدة أسباب ربما تعود في أغلبها إلى ملابسات الواقع السياسي، الذي ربط مسارات التطور بتحولات الإمبراطورية العثمانية، قبل أن يحل الاستعمار الأوروبي بدوره كمتغير قطع خط التاريخ.

على هامش الجغرافيا السياسية العربية أمكن تمييز مدخلات المشروع الإيراني في ظل المتغير الإسلاموي

انعكس ذلك بالضرورة على جملة الأفكار التي تنازعها تياران: الأول؛ تيار إسلامي يرى حتمية الارتباط بالدولة العثمانية، ذلك الذي عبر عنه جمال الدين الأفغاني، بمفهوم الجامعة الإسلامية، والثاني؛ عروبي ظهر على استحياء مع بدايات القرن العشرين، حمله المثقفون الشوام، ونظّر له الكواكبي؛ حينما أكّد على حتمية وجود أمّة عربية، ضاربة بجذورها في أعماق البنية الثقافية والاجتماعية لشعوب المنطقة، ثم جاءت تبعات مؤامرة سابيكس بيكو، لتجمد المشروع القومي لعقود، قبل أن تدفعه حركات التحرر الوطني العربية إلى الأمام، ليتخذ هذا المشروع موقعه في ذروة الحرب الباردة، بين الاستقطاب السوفيتي ومشروع أيزنهاور، والذي صاغ بالتبعية محددات مفهوم الأمن القومي العربي، وفق نظرية الدوائر الثلاث.

الأمن العربي بين الواقعية الهجومية والبنيوية الدفاعية

حملت القاهرة على عاتقها في عقدي الخمسينيات والستينيات، مهمة الدفاع عن الأمن القومي العربي، وتكريسه في محيطه الجغرافي، وفق رؤية واقعية هجومية، سعت من خلالها نحو التمدد إلى آخر مجال جغرافي يمكن الذهاب إليه، عبر القوة الناعمة وربما الخشنة، لتشكيل طوق سياسي، تتحدد معه مناطق النفوذ في دوائرها الجغرافية العربية والإفريقية والإسلامية، بل وتخطتها لدوائر أبعد؛ في آسيا وأمريكا الوسطى والجنوبية، ما أخل بموازين القوى الإقليمية في غير صالح الولايات المتحدة وإسرائيل، ما استدعى ضربة الخامس من حزيران (يونيو) العام 1967، والتي وإن حدّت من تأثير القوة الهجومية المباشرة، إلا أنّ مفهوم الأمن القومي العربي احتفظ بوجوده، رغم كافة التدخلات، حتى مع توقيع معاهدة كامب ديفيد العام 1979، وإن تحول إلى أسلوب البنيوية الدفاعية، للاحتفاظ بمعطياته الرئيسية وفق خطوطه الحمراء، في سياق جغرافيته السياسية والتوازنات الدولية والإقليمية.

 باتباع نظرية الواقعية الهجومية اتجهت إيران صوب المحيط العربي باعتباره المجال الحيوي لمشروعها السياسي الجديد

وعلى هامش الجغرافيا السياسية العربية، أمكن تمييز مدخلات المشروع الإيراني في ظل المتغير الإسلاموي، باتباع نظرية الواقعية الهجومية، لمد النفوذ وفرض الهيمنة على المحيط العربي، حيث اتجهت إيران صوب المحيط العربي، باعتباره المجال الحيوي لمشروعها السياسي الجديد.

سقوط العراق يفتح الأبواب الموصدة

يمكن القول إنّ الثورة الإسلامية التي انتزعت إيران من أدوارها الوظيفية، العام 1979، كانت إيذاناً بانتهاج سياسات جديدة، حاولت من خلالها طهران تجاوز دوائرها الجغرافية التقليدية في أواسط آسيا وبلاد القوقاز، وسعياً نحو تطويق مناطق نفوذ محتملة في العالم العربي، انتهجت أيديولوجيا تقوم على مبدأ تصدير الثورة، ونشر التشيع السياسي، مع استدعاء النهج الفارسي، بإعادة إحياء النزعة الكسروية تحت رداء شيعي، حيث قام نظام الملالي بأسلمة المعطيات القومية الفارسية، وإعادة صياغتها قبل محاولة تصديرها إلى دول الجوار العربي.

انتهجت طهران أيديولوجيا تقوم على مبدأ تصدير الثورة ونشر التشيع السياسي

اصطدمت طهران بقوة عسكرية تماثلها من حيث القوة، هي العراق، والتي ربما نجحت في تعطيل مسار المشروع الإيراني، لأكثر من عقد من الزمان، قبل أن تخلو الساحة من أيّ أعداء طبيعيين في بيئة الصراع، عقب فشل المغامرة الكويتية الساذجة، ومن ثم سقوط بغداد كقوة مركزية فاعلة في محيطها، ما مهد الطريق أمام إيران لمد نفوذها نحو المجال العربي، كمنفذ استراتيجي أخير، انفتح أخيراً على مصراعيه.

كما نجحت طهران في وضع موطئ قدم في لبنان، من خلال مَوضعة مليشيات حزب الله الموالية، ضمن المكونات السياسية لاتفاق الطائف، وما إن هبت رياح "الربيع العربي" العاصفة، حتى أنهت طهران سيطرتها الكاملة على العراق، كخطوة حاسمة في سبيل دعم أمنها، فبحسب تقرير لمؤسسة راند؛ "فمن المنظور الإيراني، فإنّه من الأهمية بمكان أن تظل العراق دولة صديقة وسلسة الانقياد، تدعم مصالح الأمن القومي الإيراني، وتود الدولة الشيعية في إيران أن تتأكد من عدم تحول العراق ومؤسساته الدينية إلى خطر، يهدد مفهوم إيران للحكم الديني، أو ولاية الفقيه".

 

استدعاء النهج الفارسي بإعادة إحياء النزعة الكسروية تحت رداء شيعي

ومنح ظهور تنظيم داعش، في الأراضي العراقية، فرصة ذهبية انتهزتها إيران للانخراط العسكري في الشأن العراقي، بالتوازي مع الهيمنة السياسية، والتوغل الاستخباراتي، حيث شنت المقاتلات الإيرانية انطلاقاً من قواعدها في الداخل، عدة غارات جوية على مواقع "داعش" في الموصل، وعلى الأرض أدار قاسم سليماني، قائد فيلق القدس، المعارك من غرفة العمليات المركزية في بغداد، كما نشرت طهران المئات من عناصر الحرس الثوري في عدة مدن عراقية.

دوافع ومحفزات المشروع الإيراني بالمنطقة

بالنظر إلى ما تملكه إيران من مقومات، نجدها قادرة على لعب أدوار متعددة، ذلك بالنظر إلى استنادها إلى قوة ديموغرافية فعالة، وموقع جغرافي مهم، بالإضافة إلى موارد متنوعة، وغطاء نووي منحها القدرة على الردع، لتصبح قوة مركزية جعلها سقوط العراق في العام 2003، قوة إقليمية تطمع في لعب دور البطولة، وفق منطلقات أيديولوجية دينية، مزجت فيها ما بين المعطيات التاريخية والسياسية والجغرافية، والمبادئ الأممية انطلاقاً من نظرية ولاية الفقيه، كما إنّ التوجه الإيراني نحو الخارج، وبالأخص منطقة المتوسط، يأتي استجابة لجملة من الاحتياجات الاقتصادية، بحثاً عن أسواق جديدة، في ظل العقوبات الأمريكية.

 

قام نظام الملالي بأسلمة المعطيات القومية الفارسية وإعادة صياغتها قبل محاولة تصديرها عربياً

يقول الخميني: "الطريق إلى القدس يمر عبر كربلاء"، ما يفسر طبيعة الاستراتيجية التي يتبعها نظام الملالي، والقائمة على نشر التشيع، بغية اختراق البنية المذهبية لشعوب المنطقة، وإعادة تشكيل علاقات القوة في دول الجوار، بفرض المحاصصة الطائفية، مع توظيف القضية الفلسطينية، كقضية مركزية لدى الشعوب العربية، لشرعنة صورة المخلص الشيعي المستمدة من رمزية المقاومة، وهو ما نجح حزب الله في توظيفه، إبان جولات صراعه مع إسرائيل.

كما نجحت طهران في استغلال تحول مسار الثورة السورية، وتمكنت من تكوين تحالف عسكري وطيد مع نظام البعث، منحها قواعد عسكرية، وامتيازات ما كانت لتتحقق لولا الحرب الأهلية.

ومن جهة أخرى هيأت الطبيعة المذهبية في اليمن فرصة لإيران، لتوظيف ذراعها الحوثي لمد قدم إلى مدخل البحر الأحمر، ما يعطي طهران فعالية استراتيجية، تمنحها تفوقاً ملحوظاً على محاور الصراع العسكري المختلفة.

 

نجحت طهران في وضع موطئ قدم في لبنان من خلال مَوضعة مليشيات حزب الله الموالية

وعليه، أحدث التدخل الإيراني الناعم والخشن، اختراقاً عنيفاً لصمامات الأمن القومي العربي، تزامن وسقوط القوى المركزية التقليدية، وفي ظل الخلل الذي أحدثه الوكلاء المحليون، بات أمن المنطقة على المحك، وقد أظهرت التحولات الأخيرة تفاهمات ثلاثية: إيرانية/ تركية/ قطرية، تنذر في حال نجاحها بسقوط ما تبقى من دفاعات ذاتية عربية، ما يتطلب تشكيل محور عربي مدعوم بحزام استراتيجي واسع، يقطع الطوق السياسي التركي/ الإيراني، المدعوم من قطر، في إفريقيا وآسيا، لقطع الشريان الذي يمد المليشيات التابعة في المحيط العربي بدماء الحياة.

الصفحة الرئيسية