كيف حطمت نساء كوباني أوهام الجنس الناعم؟

كيف حطمت نساء كوباني أوهام الجنس الناعم؟

مشاهدة

03/02/2021

على فوهّات بنادق نساء كوباني، تحطّمت أسطورة الجنس الناعم، بعد أن قاتلت النساء إلى جانب رفاقهم الرجال، ودحرن تنظيم داعش الإرهابيّ، عام 2015، ليرسخن بهذا النضال وضعاً جديداً للمرأة في الشرق الأوسط، تجاوز الخطابات الحقوقية والحديث عن المساواة بين الرجال والنساء.

اقرأ أيضاً: شهادات مرعبة.. "كرديات عفرين" سبايا لميليشيات أردوغان

سطرت هذه البطولات الكاتبة الأمريكية، غايل تزيماش ليمون، في كتابها "بنات كوباني: قصّة ثورة وشجاعة وعدالة"، فيما تشرع السياسية الأمريكية، هيلاري كلينتون، إلى تحويل الكتاب إلى مسلسل تلفزيوني من إنتاج شركة "هيدين لايت"، المملوكة لآل كلينتون، وذلك بعد أن اشترت الشركة حقوق تحويل الكتاب إلى مسلسل، تحاول الكاتبة والمنتجة من خلاله نشر هذه البطولات الخفيّة وتعريف العالم بها.

وحدات حماية الشعب

سحبت الحكومة السورية قواتها من مساحة كبيرة من الأراضي على طول الحدود التركية، في منتصف تموز (يوليو) 2012، ما سمح لحزب الاتحاد الديمقراطي (PYD)، المرتبط بحزب العمال الكردستاني (PKK)، بالسيطرة الإدارية والعسكرية على كانتونات عفرين المعلنة من جانب واحد، ولدعم الجهود السياسية والعسكرية لحزب الاتحاد الديمقراطي في سوريا، سافر أكراد من تركيا وإيران والعراق إلى سوريا للانضمام إلى وحدات حماية الشعب (YPG)، ونساء أيضاً للانضمام إلى (YPJ)، حيث ساهم الشعور المتنامي بالقومية الكردية العابرة للحدود في تجدّد أعمال العنف في جنوب شرق تركيا، بعد انهيار محادثات السلام، في منتصف تموز (يوليو) 2015، بين الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني.

الكاتبة الأمريكية، غايل تزيماش ليمون

وفق صحيفة "واشنطن بوست"؛ فإنّ أعداد القتلى من الإرهابيين تعكس مدى فاعلية هجمات وحدات حماية الشعب، بما في ذلك اشتباكات 2014، حول رأس العين مع جبهة النصرة، ومعركة كوباني، في أيلول (سبتمبر) 2014، والهجوم الذي قادته الوحدات، عام 2015، على نهر الفرات وعين عيسى بالقرب من الرقة (عاصمة الخلافة الفعلية)، ووفق البيانات؛ فإنّ معركة كوباني وحدها خلّفت 38.95٪ من إجمالي الضحايا و44.4٪ من الأكراد الأتراك، الذين قتلوا مع وحدات حماية الشعب، بين عامي 2013 و2016.

تتضمن السياسة الجنسانية لحزب العمال الكردستاني؛ الحفاظ على قوة مقاتلة تتكون من 40٪ من الإناث، وتعزيز تحرير المرأة كعنصر أساسي في برنامجه السياسي

خلال معركة كوباني؛ عمل التحالف، بقيادة الولايات المتحدة، ضدّ داعش بشكل وثيق مع وحدات حماية الشعب لتوجيه الضربات الجوية، ومنذ ذلك الحين، احتفظ التحالف بصلاته الوثيقة مع المقاتلين، ونشر ما يصل إلى 50 من قوات العمليات الخاصة داخل الأراضي التي يسيطر عليها حزب الاتحاد الديمقراطي، وبحسب ما ورد؛ فقد قام بتزويد مطار داخل سوريا بنقل الإمدادات إلى الأراضي التي يسيطر عليها الأكراد، وبدعم من الضربات الجوية للتحالف، حققت وحدات حماية الشعب النصر واستطاعت وقف الزحف الداعشي، في زمن قياسي.

مقاتلات الجبال

في الوقت الذي تصنّف فيه الولايات المتحدة الأمريكية وتركيا والاتحاد الأوروبي حزب العمال الكردستاني كجماعة إرهابية، وتعتقل تركيا زعيم الحزب، عبد الله أوجلان، منذ ما يزيد عن عقدين من الزمان، جسّدت بطولات المقاتلين الأكراد ملحمة مكتملة الأركان، في دحر الدواعش، بينما مثّل قرار الرئيس الأمريكي السابق، دونالد ترامب، بعد سماحه للأتراك بالهجوم على الشمال السوري، طعنة في الظهر للقوات الكردية، التي قاتلت ضدّ تنظيم داعش الإرهابي ببسالة لعدّة أشهر، وكانت أقوى حلفاء واشنطن، وأكثرهم فاعلية في الحرب ضدّ التنظيم، لكنّ تركيا التي استهدفت تأمين مناطق حدودية لعودة اللاجئين، كما روّج الرئيس أردوغان، هاجمت المقاتلين الأكراد، وكبدتهم خسائر في الأرواح بالمئات، ما كان بمثابة صبّ الزيت على النار المتأججّة بين الأكراد وتركيا منذ عقود. 

قاتلت النساء الكرديات في الخطوط الأمامية في كلّ هذه المعارك، كما فعلن منذ أن قادت القائدة الكردية، كارا فاطمة، في القرن التاسع عشر، كتيبة عثمانية قوامها 700 رجل و43 امرأة ضدّ الإمبراطورية الروسية، في وقت لم يعتد فيه أحد على هذا المشهد، كانت النساء الكرديات، وما زلن، استثناءات في الشرق الأوسطـ، الذي يغلب عليه الطابع المحافظ.

تتضمن السياسة الجنسانية لحزب العمال الكردستاني، الحفاظ على قوة مقاتلة تتكون من 40٪ من الإناث، وتعزيز تحرير المرأة كعنصر أساسي في برنامجه السياسي، وهو ما يميز التنظيم، ويضعه في موقعٍ آخرَ بعيدٍ عن الجماعات القومية الكردية والحركات اليسارية المسلحة في الشرق الأوسط.

الصحفي الكردي أحمد الزوايتي لـ "حفريات": تجربة ثلاثة عقود أمضاها حزب العمال في معاقله الجبليّة الوعرة، كانت كافية لتخرج مقاتلين من طراز خاص

برز هذا التوجه التحرري للمرأة الكردية نتيجة عوامل أربعة، وصفتهم الباحثة الأمريكية، أورا سيزكلي، في ورقة بحثية أعدّتها لجامعة كلارك، بعنوان "الشمول الاستثنائي: فهم السياسة الجنسانية لحزب العمال الكردستاني"، وفنّدت هذه العوامل استناداً إلى مقابلات مع أعضاء الحركة السياسية المدنية المتحالفة مع الحزب، ومقاتلين سابقين من أبناء التنظيم، وهي الأيديولوجية اليسارية، وتفضيلات قيادات الحزب، والحاجة إلى التجنيد الانتقائي.

لكن، في نهاية المطاف، كانت المشاركة الأكبر للمرأة الكردية، نتيجة عنف الدولة التركية في الجنوب الشرقي الكردي في الثمانينيات، هي ما غيّرت حزب العمال الكردستاني من الداخل بشكل جذري.

النضال وتحرّر المرأة

رفض حزب العمال الكردستاني القيم الأبوية للمجتمع الكردي التقليدي، وكان متقبلاً بشكل خاص لعضوية النساء، فضلًا عن أنّ الرؤى حول طبيعة هذه المشاركة مستمدة من البرنامج السياسي للتنظيم، إضافة إلى البرنامج التثقيفي الذي يتلقاه المقاتلون/ات الجدد، حيثُ أنشأ حزب العمال ثقافة تنظيمية تشجع المساواة الجوهرية بين الجنسين في التجنيد والتدريب والبعثات العسكرية والقيادة والحماية من الإيذاء الجنسي. كما أنّ لقضيّة المساواة بين الجنسين في حزب العمال الكردستاني تأثيراً، وتتجلّى في ردود الفعل على المجتمع الكردي الأوسع، حيث تظلّ القيم الأبوية مهيمنة وسائدة، خاصة بين الفئات الأكثر فقراً.

اقرأ أيضاً: سبي واستعباد جنسي.. واقع مرير تعيشه الكرديات بمناطق سيطرة تركيا في سوريا

 سافر الكاتب الصحفي الكردي، أحمد الزاويتي، إلى الحدود العراقية التركيّة، حيث معاقل حزب العمال الكردستاني، لصناعة فيلمه الوثائقي "دولة الجبل"، الذي أذيع للمرّة الأولى، في آذار (مارس) 2006، وقدّم الزاويتي معايشة للدولة الكردية التي يسعى الحزب لتأسيسها، منطلقاً من أيديولوجيّة التنظيم الذي تجاوز الماركسيّة واللينينيّة، على حدّ زعمه.

الكاتب الصحفي الكردي، أحمد الزاويتي

يبرز أيضاً الحضور النسائي كأحد أهم الملامح المميزة لحزب العمال، فالمرأة داخل التنظيم هي كيان مستقل موازٍ للرجل، مقاتلة داخل أرض المعركة، وهي أيضاً معركة تحررها الخاصة، فهناك لا مجال للحديث عن حقوق المرأة؛ إذ تمارس بالفعل دون شعارات طنانة.

اقرأ أيضاً: بالفيديو.. كرديات في سجون الميليشيات الموالية لتركيا... انتهاكات لا تتوقف

يرى الزاويتي أنّ تجربة ثلاثة عقود أمضاها الحزب في معاقله الجبليّة الوعرة، كانت أكثر من كافية لتخرج مقاتلين من طراز خاص، ما يميّزهم كان الإيمان الكبير بقضيتهم، لا سيما بعد أن ترك معظمهم العيش في المدينة، وجاء لحياة قاسية حقاً، ويتابع في تصريح لـ "حفريات": "تعيش نساء التنظيم، منذ عقود، وفق برنامج صارم من التدريب العسكري والتثقيفي، تختار العضوات الانضمام إليه طوعاً، بحثاً عن حرياتهن، هناك النساء إلى جانب الرجال يحملن السلاح، وأمام مشهد كهذا يسقط أيّ حديث عن مظلومية للمرأة.

برهن على صدق هذا الفكر والعقيدة الثورية، ما قامت به المقاتلات في عمليات دحر تنظيم داعش، فلولا إيمانهنّ بقضية العدالة والحريّة، لما استطعن الصمود أمام تنظيم بمثل هذه الوحشيّة التي رأيناها".

لم يشفع للمقاتلات الكرديات ما بذلنه من أجل تحرير الأرض من شرّ الإرهاب الأسود الذي جاء به تنظيم داعش، وسرعان ما تمّت التضحية بالوحدات من قبل الإدارة الأمريكية، التي منحت الضوء الأخضر للرئيس التركي، بأن يفعل ما يحلو له في الشمال السوري بدعوى محاربة الإرهاب.

الصفحة الرئيسية