كيف خرج الإسلام السياسي على موقف أهل السنّة من الدولة؟

الإسلام السياسي

كيف خرج الإسلام السياسي على موقف أهل السنّة من الدولة؟

مشاهدة

09/04/2020

في معرض نقده لكتاب أبو الأعلى المودودي "الحكومة الإسلامية"، الذي يسوّق فيه لنظريته في "الحاكمية الإلهية"، حاجج محمد عمارة بأنّ الدولة ليست ركناً من أركان الدين وأصوله؛ فهذه الأركان والأصول قد حددها الرسول ﷺ، في حديثه القائل: "بُني الإسلام على خمس: شهادة ألا إله إلا الله وأنّ محمداً رسول الله، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحجّ البيت لمن استطاع إليه سبيلاً"، كما اقتبس عمارة من ابن تيمية قوله: إنّ الحكم ليس من أصول الإيمان الستّ، وهي: الإيمان بالله، والملائكة، والكتب، والرسل واليوم الآخر والقدر؛ وبالتالي لا تتعلق الدولة في نظره بالعقيدة وترتبط ارتباطاً عضوياً بالفقه.

تأرجح البنا بين مربعي الدولة الدينية العقائدية والدولة المدنيّة أما القرضاوي فقد تعمّد خداعنا ومرّت خدعته دون أن ننتبه

كان عمارة ينتقد حسن البنا بطريق غير مباشر؛ عبر نقد من قال بمقالته؛ إذ كان البنا أول سنّي يذهب إلى أنّ الحكم أصل من أصول الإسلام، وذلك في قوله: إنّ "الحكم معدود في كتبنا الفقهية من العقائد والأصول، لا من الفقيهات والفروع"، وكلّ مَن جاء بعده من مفكري الإسلام السياسي السنّي عالة عليه؛ ففوّت عمارة علينا إبراز التناقض الصارخ في مقولة البنا؛ إذ جمع في سطر واحد الشيء وعكسه: "في كتبنا الفقيهة الدولة ليست من الفقهيات"، ونسي أنّ علم الكلام منذ بشائره في القرن الأول الهجري وحتى تجمده في القرن الخامس لم يُشَرْ بين ثناياه وقضاياه موضوعة الدولة، ولو على التعريض.

لم ينتقد محمد عمارة حسن البنا بشكل مباشر بل انتقد من ردّد كلامه أو تأثر به

التمويه بالخلافة
من الشائع أنّ جماعة الإخوان المسلمين، التي تأسست عام 1928، كانت بمثابة ردّ فعل على سقوط الخلافة، وأنّ مشروعها الرئيس هو إعادة الخلافة، ويجد من يتبنى هذا الرأي بعض الوجاهة في مقولة حسن البنا اليتيمة حول الخلافة: "إنّ الإخوان يعتقدون أنّ الخلافة رمز الوحدة الإسلامية، ومظهر الارتباط بين أمم الإسلام، وأنها شعيرة إسلامية يجب على المسلمين التفكير في أمرها والاهتمام بها، والأحاديث التي وردت في وجوب تنصيب الإمام وبيان أحكام الإمامة وتفصيل ما يتعلق بها لا تدع مجالاً للشكّ في أنّ واجب المسلمين أن يهتموا بالتفكير في أمر خلافتهم، والإخوان المسلمون لهذا يجعلون من فكرة الخلافة والعمل لإعادتها في رأس مناهجهم" (مجموعة رسائل البنا، نقلاً عن رفعت سيد أحمد الحركات الإسلامية في مصر وإيران 1989).

أراد عمارة وضع حدود بين النظرة الشيعية ونظيرتها السنّية تجاه السلطة فنفى بشكل قاطع أنّ الدولة من أركان الإسلام

لم يكن بإمكان البنا إلا أن يبرز، على المستوى الدعائي، تمسّكه بالخلافة؛ كيلا يظهر بمظهر من تجاوز الشكل المتوارث للسلطة في الإسلام، إلا أنّ صلب مشروعه السياسي (في النظرية والممارسة) لم يكن يعطي كبير اهتمام بالخلافة، بل كانت نصوصه تتجاهلها بشكل لافت، وحين تتطرق إليها تقاربها كمسألة "مؤجلة"؛ إذ لا سبيل لإسقاط التكليف الشرعي بها وليست إعادتها في ظل التغييرات الضخمة التي شهدها العالم الإسلامي في المتناول ولا بالمستطاع.
تكملة نصّه السابق تشير إلى أنّ الخلافة "تحتاج إلى كثير من التمهيدات التي لا بدّ منها، وأنّ الخطوة المباشرة لإعادتها لا بدّ من أن تسبقها خطوات: لا بدّ من تعاون عام ثقافي واجتماعي واقتصادي بين الشعوب الإسلامية كلها، يلي ذلك تكوين الأحلاف والمعاهدات وعقد المجامع والمؤتمرات بين هذه البلاد، ثم إذا تمّ ذلك نتج عنه الاجتماع على الإمام الذي هو واسطة العقد، وظلّ الله على الأرض".

اقرأ أيضاً: كيف يمكن فهم علاقة الإسلام السياسي بالحداثة؟
في طرحه هذا يستخدم البنا تعبيرات كـ "أمم الإسلام"، وليس "أمة الإسلام"، الذي يفضله أتباعه، و"الشعوب الإسلامية"، وليس "الشعب المسلم"، كنتيجة لوعيه بالتحولات التي مسّت المجتمعات الإسلامية بعمق وخلقت قوميات وشعوباً ودولاً، وهي تحولات لا يمكن القفز عليها بسهولة، وكلّ ما يرجوه أن تُقام معاهدات صداقة وتعاون بين تلك الشعوب بما يُقرب من أمر وحدتها، ولو قليلاً، وأن تقام في المستقبل البعيد أنظمة حكم إسلامية تتفق على إمام.

أطاح البنا بموضوعة الخلافة وبفقهها السياسي

نهاية الخلافة... بداية الدولة
هنا يشبه البنا مناضلاً يسارياً لا يستطيع أن يتخلى عن موضوع "مجتمع بلا طبقات" وإلا أصبح مرتداً عن اليسار، لكنه مضطر أن يعمل ضمن شروط المجتمع الرأسمالي، وفقط يحاول تحسين وضع العمال وظروف معيشتهم عبر فرض الحد الأدنى للأجور والضرائب التصاعدية، أما سؤال المساواة الشاملة فيأتي لاحقاً.
لم يعارض البنا الأسس الدينية للخلافة (كما فعل علي عبد الرازق، وما كان له ذلك وإلا أصبح علمانياً، بل تجاهل واقعياً تلك الأسس، ويتجلى ذلك في مخططه السياسي الطامح لتأسيس "حكومة إسلامية" (هيكل حكومة حديثة بمضمون إسلامي) مع أمل غامض بأن تصبح تلك الحكومة نواة للخلافة المرتجاة والمستحيلة.

اقرأ أيضاً: ما بعد الإسلام السياسي: الطموحات الأيديولوجية الكبيرة إذ تنكمش
أطاح البنا، كما هو ظاهر، موضوعة الخلافة (قضية القضايا عند أستاذه رشيد رضا) وبفقهها السياسي "الأحكام الشرعية" لصالح "الدولة الإسلامية" التي اختلق لها لاهوتاً سياسياً خاصاً؛ وأراد لدولته المزمع إقامتها أن تكون وريثة واقعية وممكنة للخلافة، وخطوة عملية في الطريق الطويل إليها.
والعلاقة بين الدولة الإسلامية، كما نظّر لها، والخلافة (كنظام حكم متوارث) هي علاقة رمزية بالأساس؛ أو تتعلق بالدلالات الرمزية للحكم في مجتمع مسلم، كما أنّ الدولة الجديدة ترث بعض وظائف الخلافة في تطبيق الشريعة وخلافه، إلا أنّ هناك تعارضاً عملياً وسياسياً لا سبيل إلى تجاوزه بينهما؛ بل وقطيعة حادّة على صعيد الجغرافيا السياسية، كما يرى عبد الإله بلقزيز في كتابه (الدولة في الفكر الإسلامي المعاصر 2015)؛ إذ على عكس الخلافة التي تمتدّ ولايتها لتشمل كلّ البقاع المسلمة، وكلّ المسلمين دون تمييز، ترتبط الدولة الإسلامية بجغرافيا سياسية محددة المعالم وشعب متجانس وقومية راسخة وفعّالة، هي بالنسبة إلى البنا: مصر.

ذهب البنا مذهب الشيعة في اعتبار السلطة من أصول الدين

من السياسة إلى العقيدة
في نصّه السابق، الذي أكد فيه وجوب تنصيب الإمام، لم يأت البنا بجديد؛ فكّل مَن كتب في السياسة الشرعية من القدماء والمحدثين ذهب إلى ضرورة تعيين حاكم، إلا أنّ جديده هو أنّه يؤسس على هذا الاقتضاء الشرعي قولاً جديداً في المسألة السياسية يتمحور حول العلاقة الوثيقة بين الإسلام والسياسة؛ إذ استنتج البنا من مسألة "ضرورة تنصيب الحاكم" أنّ الإسلام ليس عقيدة دينية فحسب؛ بل هو نظام اجتماعي وسياسي لا يقبل الوجود إلا بدولة تعبّر عنه وتفرض أحكامه.

اقرأ أيضاً: كيف زيّفت جماعات الإسلام السياسي المعاني الدينية؟
وقد سبق للإمام محمد عبده أن نظّر لضرورة الدولة في الإسلام إلا أنّ ما لم يقله عبده ولا رشيد رضا ولا الأفغاني من قبلهما، ولا أيّ عالم مسلم (سنّي المذهب)؛ هو أنّ إقامة الدولة أصل من أصول الإسلام، بل انفرد بهذا حسن البنا وحده من بين كافة أهل السنّة في زمنه؛ إذ ذهب مذهب الشيعة في الموضوع واعتبر الحكم من أصول الدين؛ ليحدث أكبر وأعنف انعطافة في الفكر السياسي السنّي.
نقل البنا بمقولته هذه المسألة السياسية من ضروب التدبير الفقهي إلى ضروب العقيدة، وفتح الباب لمن جاء بعده من مفكري الإسلام السياسي إلى تأسيس نظرية في الدولة، لم تفعل سوى أنّها، على حدّ قول عبد الإله بلقزيز، جَسَرت الفجوة مع النظرية الشيعية في الإمامة، لتعيد إنتاجها [النظرية الشيعية] بمفردات سياسية جديدة، ستظهر التداعيات المخيفة لذلك في طرح سيد قطب ودولته الإلهية.

ساوى القرضاوي بين الدولة والصلاة

عقدة البنا المحكمة
ميزة نصوص البنا أنّها من شدة بساطتها تخفي تناقضاتها الكارثية، وهو ما سهّل انتشارها وتبنيها من قبل تيار سياسي واسع، ومن قبل بعض الكتّاب والسياسيين؛ كسيد قطب، وتقي الدين النبهاني، ومحمد إبراهيم مبروك، وغيرهم ممن سار على خطى البنا دون كثر حرج؛ إذ كان ذلك الحرج (النسبي) من نصيب تلاميذه الأكثر دربة واجتهاداً، والذين حاولوا حلّ عقدته اللاهوتية (والتي تبدو بلا حلّ فعلياً).
فأبرز تلاميذه، الشيخ يوسف القرضاوي، حاول في كتابه "السياسة الشرعية"، حلّ معضلة البنا بأن أقرّ بالفروق الجوهرية بين نظرة السنّة تجاه الدولة ونظرة الشيعة، وقال إنّ السلطة عند أهل السنّة من الفروع؛ لأنّها تتعلق بالعمل لا بالاعتقاد أساساً.

ترتبط الدولة الإسلامية بجغرافيا سياسية محددة المعالم وشعب متجانس وقومية راسخة وفعّالة هي بالنسبة إلى البنا: مصر

أراد القرضاوي أن ينفي شبهة ذهاب حسن البنا مذهب الشيعة في موضوعة الدولة، إلا أنّه أدرك بسهولة أنّ قول إنّ الدولة من الفروع، وليس من الأصول؛ هو ببساطة بمثابة نسف الأسس النظرية للدولة الإسلامية، فعاد ليقول: إنّ "الإسلام ليس عقائد فحسب؛ بل هو عقيدة وعمل، والإيمان ما وقر في القلب وصدّقه العمل" كتمهيد لإيجاد مخرج فقهي لانعطافة البنا.
تمثّل هذا المخرج في مساواة القرضاوي بين الدولة والصلاة، في قياس فريد من نوعه؛ فالصلاة ليست من الأصول بل من الفروع؛ لأنّها عمل وليست عقيدة، لكنّها مع ذلك ركن من أركان الإسلام، على أنّ وجوبها والإيمان بركنيتها في الدين هو من الأصول لا من الفروع؛ ولهذا عُدَّ من أنكر فرضيتها أو استخف بها كافراً مارقاً من الدين، خارجاً على الملة، وكذلك يقال عن الإمامة والحكم بما أنزل الله؛ فهو من الفروع ولكن اعتقاد وجوبه ولزومه هو من الأصول يقيناً، وبهذا المعنى يدخل الحكم بما أنزل الله دائرة الإيمان ويعد من الأصول بلا نزاع.

اقرأ أيضاً: كيف يكون الإسلام السياسي مشروعاً مضاداً للاجتماع الإنساني؟
وما كان حسن البنا يطمح، ولو في خياله، لأن يجد مثل هذا التسويغ الشرعي لمقولته التي ظلت بلا سند أو أساس؛ فقد استعمل القرضاوي مهاراته كفقيه في تسويغ ما لا يقبل التسويغ بهدف نقل المسألة السياسية من مجال الفقه إلى أفق علم الكلام (ولما كان لفقيهٍ أن يفعل) ليرسخ القول بالطبيعة العقدية والأصولية لمسألة السلطة في الإسلام، ولتكتسب السلطة طابعاً قدسياً في موقف يتقاطع، رغم استنكاف القرضاوي، مع الموقف الشيعي منها.
على عكس القرضاوي، الذي وصل به هوس الدفاع عن مقولة أستاذه إلى درجة "تقديس الدولة"، بقياسها على الصلاة، كان محمد عمارة أكثر حساسية وحذراً تجاه المسألة؛ إذ أراد أن يضع حدوداً فاصلة بين النظرة الشيعية ونظيرتها السنّية تجاه السلطة؛ فنفى بشكل قاطع أنّ الدولة ركن من أركان الإسلام، إلا أنّه وصل إلى النتيجة نفسها التي سبقه إليها القرضاوي، وإن بطرائق أكثر معقولية؛ إذ استند إلى القاعدة الأصول/ فقهية التي تقول: "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب".

اقرأ أيضاً: إلى أي مدى طوعت جماعات الإسلام السياسي اللغة لصالح مشروعها؟
ففي حال غياب الدولة، كما يقول، لا سبيل إلى الوفاء بكل الفرائض القرآنية الاجتماعية وكل الواجبات الإسلامية السياسية والتشريعية التي استقر عليها الفقه الإسلامي؛ وبالتالي تصبح الدولة "ضرورة" إسلامية.
ورغم أنّ ما أعطاه عمارة باليمين أخذه بالشمال، إلا أنّ طرحه يتميز عن طرح القرضاوي بأنّه طرح منزوع التكفير؛ إذ يمكن الجدل في ضرورة الدولة، طالما أنّ هذه الضرورة عقلية، أما طرح القرضاوي فمسكون بطاقة تكفيرية متحفزة للتفجير في وجه كلّ التيارات غير الإسلامية، والتي ترى في الدولة كياناً سياسياً يستمد شرعيته من الحاجة الاجتماعية إليها؛ لذا قرّر عمارة أنّ المنوط بإقامة الدولة هي الجماعة المسلمة ككلّ، وليس الفرد؛ نظراً لخطورة تعيين إقامة الدولة كفرض عين على المسلم؛ إذ يصبح كلّ متقاعس عن الانضمام للعصبة المؤمنة (كما خطّط لها سيد قطب) كافراً بلا نقاش.

حاول القرضاوي تأسيس نظرية سياسية في الدولة توحي بالتجديد

شبح المدنيّة المراوغ
من جملة نتائج القول: إنّ الدولة أصل من أصول الدين تلبس الدولة في الفكر الإسلامي الحديث بشبهة الثيوقراطية، رغم حرص مفكري الإسلام السياسي البالغ على التمييز بين الدولتين: الإسلامية والدينية.
فحسن البنا يختصر الفرق بين الدولتين في حضور/غياب رجال الدين؛ إذ إنّ الدولة الإسلامية لا يمكن أن تكون دينية؛ لأنّه لا رهبنة في الإسلام، وهو ما يقول به القرضاوي الذي ينفي أيضاً وجود رجال الدين في الإسلام.

اقرأ أيضاً: موجة البديل الإسلامي في جماعات الإسلام السياسي
إلا أنّ القرضاوي لم يكتفِ بذلك؛ إذ حاول التصدي لمهمة تأسيس نظرية سياسية في الدولة توحي بالتجديد عبر تعلقها بالمفاهيم الحديثة كالمدنيّة والدستور، فيقول في "السياسة الشرعية": "الدولة الإسلامية كما جاء بها الإسلام، وكما عرّفها تاريخ المسلمين: دولة مدنيّة تقوم السلطة فيها على البيعة والاختيار والشورى، والحاكم فيها وكيل عند الأمة أو أجير لها، ومن حق الأمة، ممثلةً في أهل الحلّ والعقد، أن تحاسبه وتراقبه وتأمره وتنهاه وتقوّمه إن اعوج وإلا عزلته".
يوهم القرضاوي متلقيه بأنّه غادر المنطقة المفاهيمية التي يعسكر فيها منظرو الإسلام السياسي، وأنه بطرحه هذا يشارف الفكر الدستوري الحديث، وكان من ثمار إيهامه هذا أن حصل الإخوان، عقب ثورة 25 يناير في مصر، بترويجهم لطرحه حول مدنية الدولة، على ثقة قطاعات شعبية واسعة ما كانت لتثق في خطابهم لو كان عارياً بلا زينة.

اقرأ أيضاً: الإسلام السياسي في تشكلاته وتحولاته.. هل هو سياق تاريخي أم أزمة؟
تمكّن خطاب المدنيّة ذات المرجعية الإسلامية، الذي دشّنه القرضاوي، من طمأنة التيار الليبرالي العريض تجاه موقف الإخوان من الدولة (على عكس السلفيين الذي هاجموا مفهوم الدولة المدنية) وهو ما أنتج اتفاق "فيرمونت" الذي عقدته القوى السياسية مع الإخوان والقاضي بدعم القوى العلمانية لمرشح الإخوان (محمد مرسي) في انتخابات الرئاسة في حزيران (يونيو) 2012، بشرط تمسُّك الإخوان بـ "مدنية الدولة"! بل واستدرج هذا الخطاب خصوم الإخوان نحو فرضيات الدولة الإسلامية ومنطقها، حتى صار أشد أعداء الإخوان يتبنى خطابهم.
ما كان يخفيه القرضاوي خلف مدنيّته الجذابة، هو أنه يحصر معنى المدنية في غياب "رجال الدين" (بالمعنى المسيحيّ للكلمة فحسب) أما حضور علماء الدين (وهم في عرف القرضاوي غير رجال الدين) في العملية السياسية والتشريعية؛ فهو لا يقدح في مدنية الدولة؛ بل إنّ القرضاوي جعله جزءاً عضوياً من "أهل الحلّ والعقد".

اقرأ أيضاً: الإسلام السياسي كأزمة في تاريخ الأفكار
أما الدستور الذي يلحّ عليه القرضاوي فليس سوى "حكم الشريعة" فـ "الدولة الإسلامية دولة دستورية، ودستورها يتمثل في المبادئ والأحكام الشرعية، والدولة ليست مخيرة في الالتزام بهذا الدستور أو القانون، فهذا مقتضى إسلامها ودليل إيمانها، والتزامها بقانون الشريعة هو الذي يعطيها الشرعية، فإذا حادت عن هذا المنهج؛ فهذا يسلبها حقّ الشرعية، ويُسقط عن الناس واجب الالتزام بطاعتها"، ولعلّ مليونية "الشرعية والشريعة" الشهيرة في ميدان التحرير التي سماها العلمانيون "جمعة قندهار"، تطبيق لفهم القرضاوي لمعنى الشرعية السياسية التي لا تنبع عنده من أيّ اتفاق سياسي ولا عقد اجتماعي بل هي دينية حصراً.
تأرجح حسن البنا بين مربعي الدولة الدينية العقائدية والدولة المدنيّة الحديثة، أما القرضاوي فقد تعمّد خداعنا، ومرّت خدعته دون أن ننتبه في الوقت المناسب.

الصفحة الرئيسية