كيف صنع الغرب التنظيمات المتطرفة والإرهابية؟

كيف صنع الغرب التنظيمات المتطرفة والإرهابية؟
7862
عدد القراءات

2017-12-26

لا يرتبط مسار ومصير الجماعات الدينية السياسية بقدراتها الذاتية، التي تمكنها من تعبئة قطاعات جماهيرية حول خطابها وتصوراتها وممارساتها فحسب؛ إنّما يتفاعل ويتشاكل مع التحولات المتعلقة بالسياق، الاجتماعي والسياسي، الذي تعيش فيه، وكذلك التطورات الإقليمية التي تتوالى بلا هوادة، والتي يمكن ذكرها على النحو الآتي:

1 ـ لم تنبع أفكار هذه الجماعات من بيئتها المحلية فحسب؛ بل جاءتها من خارجها أيضاً، فعلى سبيل المثال لا الحصر، تأثّر سيد قطب، سيّما في كتابه المثير للجدل "معالم في الطريق" بتجربة الصراع بين المسلمين والهندوس في الهند، التي بانت ملامحها بشدة في كتابات أبو الأعلى المودودي وأبو الحسن الندوي، التي تمت ترجمتها إلى اللغة العربية، وأعاد قطب إنتاجها في حديثه عن "الحاكمية"، و"الخلافة"، والصراع مع الآخر، سواء كان من المسلمين الذين لا يتبنون مشروع الجماعات التي تتوسل بالدين في سبيل تحصيل السلطة، أو من أتباع الديانات الأخرى الذين يعيشون في بلاد المسلمين، أو يشاركهم مسلمون في العيش داخل الدولة، وكذلك العالم الخارجي، الذي فرضت هذه الكتابات ضرورة الصراع معه، في ظل إيمانها بأنّ العالم منقسمٌ إلى فسطاطين، أو معسكرين: "دار الإسلام" و"دار الحرب". في المقابل؛ فإنّ الأفكار التي ناهضت هذا التيار، التي أنتجها فقهاء مستنيرون، أو مفكرون مدنيون، يساريون وليبراليون، ساحت في الزمان والمكان، وانتقلت من بلدٍ إلى آخر، واستلهمها مثقفون، وهم يتبنون رؤية مقاومة للجماعات الدينية السياسية بشتى أصنافها.

لم تنبع أفكار الجماعات المتطرفة من بيئتها المحلية فحسب بل جاءتها من خارجها أيضاً

2 ـ لا يمكن أنْ نفصّل منشأ هذه الحركات التي تروم السلطة باستعمال الإسلام، عن تطورات إقليمية ودولية، ارتبطت بسقوط الإمبراطورية العثمانية، والتي كانت تتعامل معها الجماعات الدينية المسيّسة، على أنّها "خلافة" واجب الحفاظ عليها، والدفاع عنها، واستعادتها، فجماعة الإخوان، التي بدأت هذه المسيرة عام 1928، وانحدرت منها، ونشأت على ضفافها، جماعات متطرفة شتى، حددت ضمن أهدافها، صراحةً وبلا مواربةٍ، استعادة "الخلافة" التي سقطت على يد مصطفى كمال أتاتورك، عام 1924، بعد أن بلغ ضعفها مداه، وصارت "رجل أوروبا المريض".

تأثرت الجماعات المتطرفة بحالة الصراع الإقليمي الذي ساد العالم العربي في خمسينيات وستينيات القرن العشرين

3 ـ تأثرت هذه الجماعات بحالة الصراع الإقليمي، الذي ساد العالم العربي في خمسينيات وستينيات القرن العشرين، التي أطلق عليها "الحرب العربية الباردة"، والتي قامت، بالأساس، على التنافس الحاد بين المشروع القومي لجمال عبد الناصر، والمشروع المجابه الذي تزعمته المملكة العربية السعودية.  فقد استفادت جماعة الإخوان من هذا الخلاف؛ حيث وجدت فيه ملاذاً لها في المملكة، وبعض دول الخليج، واستمر هذا الملاذ بعد ما جرى للجماعة على يد نظام حافظ الأسد، عام 1981. وخلال هذه الفترة تمكن الإخوان من بناء شبكاتٍ وفروع لهم في بلدان الخليج، ونشأ تنظيم "السروريون" في السعودية، الذي يقف في منطقةٍ وسطى، فكراً وممارسةً، بين السلفيين والإخوان، عبر مسار تحايلي؛ حيث تمّ استغلال الظرف التاريخي المشار إليه، ليصنع لنفسه شبكة اجتماعية، ويحظى بمشروعية التواجد والعمل والانتشار.

لا يقتصر مشروع  الجماعات المتطرفة على مجتمعاتها المحلية فالإخوان يتحدّثون عن "أستاذية العالم"

4 ـ تمكنت الجماعات والتنظيمات الدينية السياسية من بناء شبكةٍ من العلاقات مع العالم الخارجي، سيما الدول الغربية، بلغت حداً عميقاً وواسعاً، إلى درجة أنّ الغرب، وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية، رأى منذ نحو عشر سنوات، ولا تزال رؤيته تلك سارية، أنّه يمكن الاعتماد على ما يعتبرها "الجماعات الإسلامية المعتدلة" في مواجهة الجماعات التكفيرية والإرهابية في العالم الإسلامي، وتصاعدت هذه الرؤية تدريجياً، بعد ثلاث سنوات تقريباً، من حدث 11 سبتمبر عام 2001. وهناك دراساتٌ، ووثائق، وتصورات، وتصريحات، تبرهن هذا المسلك، الذي لم يقم فقط على قدرة الجماعات الدينية المسيسة على تسويق نفسها لدى الغرب وطمأنته على مصالحه؛ بل أيضاً على تقديراتٍ وترجيحاتٍ لدى الغرب نفسه، بعضها قام على تصورات مفادها أنّ "الإسلاميين" هم البديل الأقرب للوصول إلى السلطة حال سقوط أنظمة الحكم القائمة.

تستخدم الجماعات المتطرفة التقنيات والمعلومات المتطورة وصناعة الصورة لتسويق أفكارها الرافضة للتطور!

5 ـ لا يقتصر مشروع هذه الجماعات على مجتمعاتها المحلية، فالإخوان يتحدّثون عن "أستاذية العالم"، متدرجين ممّا يسمونه تكوين الفرد المسلم، ثم الأسرة المسلمة، وهي عندهم الأسرة التنظيمية الإخوانية، ثم المجتمع المسلم، وصولاً إلى أممية ينعتونها بالأستاذية للبشرية جمعاء، وتمضي بقية الجماعات على المنوال نفسه؛ إذ تنزع إلى أممية باسم "الخلافة"، كما سبق الذّكر، وعلى رأسها "حزب التحرير الإسلامي"، الذي ينشط في مختلف أنحاء الدول الإسلامية، ويجعل من الخلافة مقصده وغايته الأساسية.

6 ـ صارت بعض هذه الجماعات، في أفكارها، وتنظيماتها، وتمويلها، وأهدافها، عابرة للحدود، وتسعى إلى تشبيك العلاقة بين فروعها وجماعاتها الصغيرة في أكثر من دولة.

تتبنّى الجماعات المتطرفة نمطاً من السياسات الخارجية منفصلةً عن السياسة الرسمية للدولة

7 ـ تستخدم هذه الجماعات والتنظيمات آخر ما توصلت إليه البشرية من تقنيات المعلومات، وصناعة الصورة، والتدفق الإخباري، لتسويق أفكارها التي تخاصم هذا التطور أصلاً، وتنبذه، وتكفّر، في كثير من الأحيان، أو تفسّق، من يقفون خلفه، ويحرصون عليه، ويعملون على دفعه قدماً. وقد شهد خبراء إعلاميون دوليون، بعد فحص وتحليل الصور ومقاطع الأفلام التي بثّها داعش لبعض عمليات القتل، غير الرحيم، التي قام بها، أو تدريباته، وهجماته العسكرية، بأنّها قد أعدّت على أعلى مستوى احترافي، ما يشير إلى عدة احتمالات: أولها أن تكون أجهزة استخباراتٍ وراء هذا الرسالة الإعلامية البشعة، أو يكون التنظيم قد نجح في استقطاب خبراء متمكنين في هذا المجال، ليعملوا لديه بأجر، أو يكون بعض هؤلاء قد انضم إلى التنظيم، ويستخدمون خبراتهم في إطار ما يسميه التنظيم بـ "الجهاد في سبيل الله".

8 ـ تتبنّى هذه الجماعات نمطاً من السياسات الخارجية، منفصلةً عن السياسة الرسمية للدولة، التي توجد بها تلك التنظيمات، وتشكل تحدياً لها في أغلب الأحيان، وتكون موجَّهة، إمّا إلى دول متعاطفة مع هذه الجماعات، أو توظفها في خدمة أهدافها، أو إلى جماعات شبيهة أو نظيرة في دول أخرى. وقد يبدو هذا مطروحاً في ظلّ ظهور فاعلين جدد على الساحة الدولية، وهي مسألة التفت إليها علم العلاقات الدولية في العقود الأخيرة، فلم يعد يتعامل مع الدولة بوصفها الطرف الوحيد على الساحة الدولية. لكنّ المشكلة التي تظهر في هذا المقام؛ هي أنّ الجماعات والتنظيمات التي توظّف الدين في تحصيل السلطة السياسية، ليست وحدات طبيعية، يمكن أن تتفاعل دولياً بشكلٍ سلسٍ، سلمي وإيجابي، كما تفعل وحدات أخرى، مثل مختلف الاتحادات، والروابط العمالية والفلاحية، وحركة الهجرة، وغيرها، إنّما تشكل خطراً على الدول كافة، بما فيها تلك التي تعتقد أنّ بوسعها توظيف هذه الجماعات في خدمة أهدافها.

تعرضت أموال التنظيمات المتطرفة للمصادرة في بعض الدول، مثل: مصادرة الولايات المتحدة الأمريكية لأموال حركة حماس

9 ـ باتت لبعض الجماعات والتنظيمات الدينية أموالاً طائلةً، تتدفق عبر الحدود، من خلال شركات توظف فيها استثماراتٍ ملموسةً، سواء من خلال الشراكة مع أفراد أو حكومات، أو إيداعها لدى بنوك أجنبيةٍ، أو وضعها في صناديق خاصة، ويعاد تدوير هذه الأموال من أجل تنميتها، واستعادة أجزاء منها، كلّما دعت الضرورة إلى توظيفها في خدمة المشروع السياسي لهذه الجماعات. وقد تعرضت أموال هذه التنظيمات للمصادرة في بعض الدول، مثل: مصادرة الولايات المتحدة الأمريكية لأموال حركة حماس، ومصادرة بعض الدول لأموال حزب الله اللبناني، وجماعة الإخوان. وبعض هذه التنظيمات جنى الكثير من أمواله من خلال تهريب النفط والآثار، وهي مسألةٌ تحتاج إلى أطرافٍ خارجيةٍ، دولٍ أو أفراد، كي تتم عمليات البيع والشراء. وحصلت حركات دينية في أفغانستان، وقت القتال ضد الاتحاد السوفيتي السابق، على أموال جراء تهريب المخدرات إلى روسيا وأوروبا الغربية.

يمزج تنظيم داعش بين أسلوب حرب المدن ووسائل الجيوش شبه النظامية معتمداً على تشكيلات قتالية متنوعة

10 ـ دخلت بعض الجماعات المتطرفة والإرهابية طرفاً في التجارة الدولية للسلاح، سواء مولت هي هذه الصفقات من أموالها الخاصة، أو مولتها دول وأجهزة أمنية تستعمل هذه الجماعات لخدمة أهدافها. ولم يقتصر الأمر عند هذا الحد؛ بل باتت هذه الجماعات تستعمل أساليب في القتال، استفادت فيها من حركات يسارية، وقوى تحررية سابقة، لكن بغية تحقيق أهداف لا علاقة لها بإقامة العدل الاجتماعي، ولا تحرير الأوطان من الاستعمار. والمثل الصارخ لهذا هو تنظيم داعش الذي يعتمد على قوات لا تديرها، وتسيطر عليها قيادة مركزية، وتستخدم تكتيكاتٍ عسكريةً مبتكرةً هي هجين بين التكتيكات الإرهابية، وحرب العصابات، والحرب النظامية؛ حيث يوجد على رأسه مجلس عسكري مسؤول عن وضع الخطط القتالية والآليات وطرق إنجازها، وتعتمد طريقة القتال على دفع خلايا نائمة للسيطرة الداخلية على المدن المراد مهاجمتها من الخارج، حيث تقوم مجموعات بإحكام القبضة على مبانٍ حكوميةٍ، وثكناتٍ عسكريةٍ، ومراكز أمنيةٍ، ومنشآتٍ حيويةٍ مثل؛ المطارات، والمعابر، وحقول النفط، والسدود، والمناطق الصناعية، ومخازن الغلال، وغيرها. ويمزج تنظيم داعش بين أسلوب حرب المدن ووسائل الجيوش شبه النظامية، معتمداً على تشكيلات قتالية من المشاة والمدفعية، والعمليات الخاصة، والانتحاريين، والمختصين الفنيين، والمهندسين، علاوةً على الاستخبارات، والتدريب، ووضع الخطط الخداعية.

 

اقرأ المزيد...
الوسوم:



الكتابة والمعنى التعددي عند الصوفية

2020-01-16

إذا كان العرفان لا ينتج معرفةً بالمعنى اليقيني والطبيعي للمعرفة، فإنّه ينتج كتابة وجوديّة كأعمق ما يكون. ويبدو أنّ الكتابة بما هي جملة من الاشتباك الحادّ بين الذات والخارج عبر اللغة لا تجد كمالها إلّا في عجزها. إنّ تجربة التصوّف عامة، والكتابة الصوفيّة خاصّة، هي تجربة تمثّل الهشاشة البشريّة في صفائها، وتضيء الاحتجاب الذي نحياه، وتبيّن هذه المسافة الهائلة التي نحياها بيننا وبين أنفسنا وبين وجودنا. 

فكما كان المتصوفة أهل الطريق، كذلك كانوا أهل طريقة في الكتابة. والكتابة عند المتصوفة لاشك أنّها تُوقعنا في كثير من الأفخاخ البلاغية، التي سيُتعامل معها وتُقرأ كزينة بلاغية، ورتوش جمالية للنص المكتوب. هذا على صعيد من يكتب عنهم، فكيف بكتابتهم؛ فلا شك أنّ الكثير يتعامل مع النصوص الصوفية على أنّها نصوص أدبية بمعزل عن النسق الصوفي الذي ينتجها. وسأحاول في هذه السطور بيان كيف أنّ الكتابة الصوفية ليست كذلك، وأنّها تنمّ وتشف عن النسق الصوفي، بمقولاته الأساس، الذي أنتجها على مدار تاريخه العرفاني.

اقرأ أيضاً: ماذا يبقى من الصوفية إذا تورطت في السياسة؟

يُلاحظ أدونيس، في كتابه الهام: "الصوفية والسوريالية"، أنّ الكتابة الصوفية يُعاني قارئوها من تِيه دلالي وغموض في الرؤية، ويعلل ذلك بأنّ المتصوف يذهب إلى الكتابة ولم يكن النص قد تبلور في ذهنه بعد. وأظنّ أنّ هذه المُلاحظة مهمة للغاية، خاصةً في ظلّ تصاعد الشكوى من غموض التصانيف الصوفية على الكثير من القرّاء. فلن يحتمل كلُّ أحدٍ أن يقرأ المواقف للنفري، ولا الفتوحات لابن عربي،... إلى آخر تلك النصوص المركزية في الفضاء الصوفي.

يعاني قارئو الكتابة الصوفية من غموض ويعلل أدونيس ذلك بذهاب المتصوف للكتابة ولم يكن النص تبلور بذهنه بعد

لقد قال النفري في مواقفه كلمة عظيمة سأجعلها محور تفسير أو أداة لاستبصار هذا الغموض الحادث، قال: "قال لي: العلمُ المستقر، هو الجهل المستقر". وهذا هو الحادث على صعيد الكتابة الصوفية تماماً. نُلاحظ ونحن نقرأ النص الصوفي، أنّ صاحبها يُعالج نفسه وأفكاره من خلاله. النص هو حالة من اللامجهول للوصول إلى نُقطة هناك، إن وصلتَ إليها فأنت في بداية الطريق. هو حالة من اللاوعي لإدراك الوعي الحقيقي. كما إنّ النص عندهم هو مرآة أو انعكاس لـ"حال" أو لـ"موقف" ما. فلا عجب أن نجد ضمن النص الصوفي عدة "إغماءات" لغوية متكررة، وكأنّ المتصوف قد غاب حتى أُغمي عليه من فرط اللغة. إنّهم لم يتصوفوا بأرواحهم فقط، تصوفوا بلغتهم كذلك، تصوفوا بما يملكون ليصلوا إلى ما لا يملكون.

اقرأ أيضاً: لماذا يكره داعش الصوفية ويفجر أضرحتهم؟

النص عندهم هو، باختصار، جهلٌ مستقرٌّ بالمعنى. الكتابة ضرب من ضروب العلم به. لكن اللغة لا تفي وتخون دائماً في أن توصلهم، دوماً ما تُخاتلهم فتُخاتل القارئ من بعدُ. إلّا أنّ هناك احترازاً منهجيّاً لا بدّ من التنويه إليه: وهو أنّ (النصّ) الصوفي ليس نصاً ناجزاً، وليس نصّاً منطقياً يبتدئُ من فواتح إلى خواتيم ضمن تسلسل بنائي وهرميّة منطقيّة، بل إنّ نصاً كنصّ النفري هو نصّ تهذيبي وغير نسقي، نصّ غير كِتابي، رؤى مخضرّة، والتماعات وجوديّة عميقة.

على سبيل المثال، تمثل عبارة الشيخ ابن عربي تجربة وجودية قبل أن تكون لغوية. إنّ لغة الشيخ هي لغة داخل اللغة؛ لأنها لغة لا تسعها اللغة، وكيف تسعها وهي تريد أن تصف "اللامتناهي" الذي تعجز عن وصفه كل اللغات. إنّ عبارة ابن عربي رؤيا بدايةً، ثم هي حروف، وهذا الارتباك المشع في لغته ناتج عن تلعثم "أنطولوجي" عجزت عنه اللغة فارتبكت مفاصلها فهامت على وجهها. إنّ لغة الشيخ ابن عربي هائمة على وجهها، تتلمس الأبجديات جميعها، وتطرق أبواب المعاجم، لكنها تعود عارية إلا من تجربتها المليئة بـ "ما لا يقال"؛ إنّها لغة واقفة في موقف "الما لا يقال"؛ لذا هي لغة تصمت أكثر مما تتكلم، ولهذا أيضاً لاحظ باحث كأحمد الصادقي في كتابه عن ابن عربي أنّ هناك سكتات تملأ لغة الشيخ ابن عربي. وبرأيي أنّ هذه السكتات ما هي إلا نافذة التأويل التي تركها الشيخ للذين سيأتون خفافاً مبللين بالمعنى.

النص عند المتصوفة هو باختصار جهلٌ مستقرٌّ بالمعنى. والكتابة ضرب من ضروب العلم به. لكن اللغة لا تفي

ولا يخفى على قارئ الخطاب الصّوفي هذا التأزّم العنيف للغة، إنّ اللغة تكاد أن تخرج من نفسها كي تعبّر عن المعنى المراد، اللغة لا تسعها اللغة في يد الصوفيّ، وهي عاجزة لهوْل المعنى وليس لركاكة العبارة. إنّ هذا الارتباك اللغوي هو ناتج عن هزات وجودية يعانيها المتصوف، وهذا ما جعل البعض منهم يرى اللغة (كحجاب) وليس كإبانة. فإذا كان الشاعر يعاني تلك المعاناة ويتكبّدها، إلّا أنّ المتصوّف على كتفه إرث ميتافيزيقيّ مشعّ: إنّه يريد أن يمرّر المطلق في اللغة. أنّت اللغة، وحقّ لها أن تئن.

ما أودُّ قوله هو أنّ الكتابة الصوفية ليست هرطقة من الهرطقات، وإنما حقيقة وجدانية في البداية يتمثلها المتصوف، ثم هي من بعض نص حائر كحيرة الصوفي. ومَن يصفها بالهرطقة لا يعرف أنّها ليس كتابة طبيعية سائدة، بل هي كتابة إشارية خفيّة. فإذا كان الكاتب الطبيعي يعبّر بالمعاني، فالمتصوف يعبّر بالإشارة. فهم، وإن اشتركوا في الاسم مع الكتابة الطبيعية، يختلفون تماماً في المسمّى. الدوال واحدة، والمدلولات مختلفة. لذا؛ فالدخول إلى النص الصوفي يحتاج إلى إفراغ الذهن من المدلولات المُسبقة، والعلامات الثابتة، فالطريق هناك ليس هو الطريقُ هنا، والمقام هناك ليس هو المقام هنا.

ولذلك كان التأويل هو حديقة المعنى هناك. فالثابت متغير، والمتغير في حالة تغير، والتأويل هو سيد المشهد. فكيف ينثر الصوفيّ نفسه معنىً وهو لا معنى له؟ كيف ينكسرُ على مذبح اللغة، وهو الذي ما فتئ يندد باللغة، واصفاً إياها بالضيق، على قول النفري: "كلما اتسعت الرؤية ضافت العبارة"؟... هذه اللعثمة، أو هذا التلعثم اللغوي هو تلعثم وجودي قبل أن يكون لغوياً، فلم تحتمل عيناه النور فسَكِر سُكراً هو أشبه بصعقة موسى، فكانت لغته سُكراً لا حروف جامدة.

اقرأ أيضاً: من يخطط لاستدراج الصوفية إلى ملعب الإسلام السياسي في تونس

لكن علينا أن نفهم عبارة "استحالة المعنى" في ضوئها الأخضر، وليس في قتامتها السوداء. فاستحالة المعنى هي التي تجعل المعنى يمرّ، وهي التي تجعله يظهر من جديد في تبدّيات مختلفة، هي من تجعله مختلفاً، كي لا نعيش في تكرار أبديّ لا يفتأ يتكرّر.

وفي هذا السياق، يمكن أن نتذكّر بهذه المقولة لعبد الجبار النفري في "المواقف": "وقال لي: عزمك على الصمت في رؤيتي حجبة؛ فكيف على الكلام؟"، فهي توضّح هذا الصمت المتكلّم أو الكلام الصامت عند الصوفية، لكنّه أيضاً كلام مُنتج للمعنى، وتعدديّ، بعيداً عن اللغات التقريريّة التي لا تهتم بالوجوديّ في الإنسان؛ هذا الإنسان الذي لا يملك سوى اللغة للتعبير عن المطلق، لكنها، في تعبيرها، هي قاصرة بحد ذاتها.

للمشاركة:

كيف أصبحت البرجوازية الصغيرة حاضنة لجماعة الإخوان؟

2020-01-16

عندما تمكّنت الطبقة البرجوازية من اكتساب وعيها بنفسها، فإنّها وبحسب هابرماس، شرعت في تبنّي مشروعها الذاتي، وتكوين موقفها الخاص تجاه السلطة، ولأنّها كانت أكثر طبقات المجتمع الأوروبي، في القرنين السابع عشر والثامن عشر، قدرة على الانخراط في قضايا المجتمع، وقرباً من دوائر السلطة، نجحت في تأسيس قواعد عامة تخلّق من خلالها وتشكّل الفضاء العام، الذي اتسم في نظره بالطابع البرجوازي، وهو ما منح بدوره جملة من القضايا التي كانت محل اهتمام الطبقة، أهمية عن غيرها.  

 

 ويبدو أنّ إهمال هابرماس لفضاء الطبقة العاملة، يعود إلى الطبيعة الليبرالية للمجتمع الرأسمالي، وهو ما جعل للفضاء العام ذلك الإطار، الذي تضافرت من خـلاله عدة معطيـات، أدت إلى (بَرْجزة) قضايا المجتمع، ومن ثم منح مجموعة من الأفكار دون غيرها انتشاراً واسعاً، ما أفسح المجال لإشعال الثورة الفرنسية، وتموضع النظريات والطروحات الليبرالية، والانطلاق نحو الحداثة بكل معطياتها الرأسمالية.

إنّها الطبقة التي تجمع بين رأس المال والعمل وتتأرجح بين الطبقتين الرئيسيتين في المجتمع وتتطلع للثورة وتخشى الفقر

البرجوازية الصغيرة وتبادل الأدوار الطبقيّة
على الجانب الآخر، كانت نواة البرجوازية المصرية أضعف من أن تؤسس طبقة مؤثرة، خاصة في مجتمع زراعي لم يستطع التحول إلى نمط الإنتاج الصناعي، وتحالفت فيه شريحة كبار الملاّك مع السلطة-أي سلطة- لخدمة مصالحها، دون أن تبلور موقفاً خاصاً تجاه قضايا المجتمع، ودون أن تكتسب وعياً معرفيّاً بوجودها. وحتى مع قيام المثقفين بتأسيس فضاء خاص عبر الصالونات الثقافية، والمؤسسات الصحافيّة، إلا أنّ تأثير هذا الفضاء كان محدوداً في دوائر مغلقة، بحيث لا يمكن إطلاق صفة الفضاء العمومي عليه، بحسب التوصيف الهابرماسي، بينما كانت طبقة الفلاحين، بوصفها تمثل السواد الأعظم، ترزح تحت أشكال مختلفة من الضغط الاقتصادي، وتمارس وفق وعيها المتردي دوراً محدوداً في أي حراك، ومع التحولات التي شهدها التركيب الطبقي التقليدي، بات واضحاً أنّ البرجوازية الصغيرة وحدها، هي الأكثر قدرة على التأثير، ودفع الأفكار من حيز التنظير، إلى مساحات واسعة من الانتشار، ومن ثم التطبيق.

استغل الإخوان البرجوازية الصغيرة بتوظيف أدواتها الإنتاجية وتدريجيّاً قضى تطور الجماعة الرأسمالي على الإنتاج الصغير

وبحسب المفكر الراحل فؤاد مرسي، فإنّ البرجوازية الصغيرة هي أقدم الطبقات الموجودة، وأكثرها تعقيداً من حيث التركيب، وتتكون من صغار المنتجين أو المنتجين العمال، وصغار الملّاك والحرفيين، وهي أكثر الطبقات عدداً وأوسعها نفوذاً، وأبعدها أثراً في أي مجتمع، من حيث وظيفتها الاجتماعية وقدرتها على إحداث التغيير، إبان حركات التحول الكبرى، نظراً لطبيعتها الثنائية، فهي وإن كانت طبقة برجوازية مالكة لوسائل إنتاج، وقد تستعين بقوة عمل تستأجرها، فإنّها من جانب آخر طبقة عاملة، تعمل بنفسها في أرضها أو متجرها أو ورشتها، "إنّها الطبقة التي تجمع بين رأس المال والعمل، الطبقة التي تتأرجح بين الطبقتين الرئيسيتين في المجتمع، تتطلع للثورة وتخشى الفقر.. تفكر كما تفكر البرجوازية، لكنها تنطوي على أفكار عمالية".

اقرأ أيضاً: كيف فصل حسن البنا جماعته عن عموم المسلمين؟

هذه الطبقة التي وصفها لينين بأنّها "تناقض حي"، لديها إمكانيّة تحويل تناقضها إلى نموذج ومعيار مفارق، يصبح فيما بعد مثلاً أعلى للمجتمع، ومن خلال تبنيّها مواقف أيديولوجية، تتوهم القدرة على الإفلات من واقعها المؤسف، عبر جملة من الأفكار والقيم، تحاول بها صياغة عالمها المغلق، نظراً لطبيعتها المحافظة، فهي كما يقول فؤاد مرسي "من أكثر القوى الاجتماعية التي يلائمها المنطق الصوري، أو الميتافيزيقي الذي لا يتطلب سوى اتساق الفكر مع نفسه، اتساق المقدمات مع النتائج، اتساقاً يقع في الذهن عقلاً، بغض النظر عن وقوعه في الواقع فعلاً".

البرجوازية الصغيرة استقبلت أفكار البنا بتوهم القدرة على فض اشتباك حالة الارتباك الحاد بعلاقتها بالبرجوازية العليا

الإخوان واللعب على التناقض الطبقي
كانت البرجوازية الصغيرة بيئة طبيعية لظهور الأفكار الأيديولوجية المغلقة، المرتكزة على أسس دينية، وكانت جماعة الإخوان المسلمين أبرز تجليّاتها، فهي الطبقة التي ينتمي إليها المؤسس حسن البنا، وغالبية قيادات التنظيم.
يقول البنا في الرسائل: "توجب علينا روح الإسلام تشجيع الصناعات اليدوية المنزلية، وهذا هو باب التحول إلى الروح الصناعي والوضع الصناعي". ومن ثم، كانت البرجوازية الصغيرة هي الطبقة التي استقبلت أفكاره بنوع من توهم القدرة على فض الاشتباك الناتج عن حالة الارتباك الحاد في علاقتها بالبرجوازية العليا، وتوهم إمكانيّة تجاوزها بامتلاك الحقيقية الدينية المطلقة، كحلّ سحري للصراع الطبقي، يدفعها إلى ذلك ضغط البرجوازية العليا، والخوف من الطبقة العاملة.

اقرأ أيضاً: سيد قطب: القفز نحو المواقع الخطرة (3)

مع صعود جماعة الإخوان المسلمين اتبعت الجماعة نمطاً اقتصاديّاً يتسق وبنيتها الطبقيّة، من خلال مجموعة من المشروعات الصغيرة، مع الاهتمام بالصناعات الحرفية، وفي ظل النظام الرأسمالي أصبحت تجارة التجزئة حرفتها الأولى، وكان أبرز عملائها ممن ينتمون إلى البرجوازية العليا، حيث أصبحت البرجوازية الصغيرة مساهماً فعالاً في خلق فائض القيمة، ومع تطلعها للبرجوازية كمثل أعلى، شرعت جماعة الإخوان على المستوى النخبوي في إنجاز تحولها الطبقي، نحو البرجوازية العليا، والانخراط في السباق الرأسمالي بالسعي نحو امتلاك أدوات العمل والإنتاج ووسائل المعيشة، والعمال الذين يبيعون قوة عملهم.

مع صعود الجماعة اتبعت نمطاً اقتصاديّاً يتسق وبنيتها الطبقيّة عبر مجموعة من المشروعات الصغيرة مع الاهتمام بالصناعات الحرفية

ولا يبدي حسن البنا أي انزعاج من تضخم ثروة البرجوازية، فقط يبدي نوعاً من التحفظ على نظام الملكيات الزراعية الكبيرة، يقول حسن البنا في الرسائل: "توجب علينا روح الإسلام الحنيف وقواعده الأساسية في الاقتصاد القومي، أن نعيد النظر في نظام الملكيات، فنختصر الملكيات الكبيرة، ونعوض أصحابها عن حقهم.. ونشجع الملكيات الصغيرة". فهو يرى ضرورة تعويضهم عما يراه حقاً أصيلاً تقتضي طبيعة الاقتصاد القومي تقليمه، مع فتح المجال أمام نمو البرجوازية الصغيرة، كبيئة حاضنة للتنظيم، من خلال تشجيع الملكيات الصغيرة.

اقرأ أيضاً: أردوغان و"العثمانية الجديدة".. كيف أخفق المشروع التركي في الإقليم؟

وعليه، استغل الإخوان المسلمون البرجوازية الصغيرة، باستغلال طبيعتها الطبقيّة، وتوظيف أدواتها الإنتاجية، وتدريجيّاً قضى تطور الجماعة الرأسمالي على الإنتاج الصغير، لتدخل البرجوازية الصغيرة في نظام التبعية لشركات الإخوان الكبرى، وهو ما سقط بها إلى مصاف الطبقة العاملة، في ظل تضخم شركة المعاملات الإسلامية التي قام من خلالها حسن البنا بتأسيس نحو ست عشرة شركة وهيئة تجارية.
ومع امتلاك الجماعة لأدوات الإنتاج، شرعت في استغلال الطبقة العاملة المنضوية تحتها، وحشدها وظيفيّاً خلف مشروعها السياسي، ونفس الأمر تكرّر في الريف، عبر بقايا البرجوازية الصغيرة من صغار الملاك، الذين قاموا بحشد وتجييش الفلاحين، واستغلال حالة الفقر والعوز، لتحقيق أغراض انتخابيّة، سعيّا خلف وهم التمكين.

للمشاركة:

هل يختلف الشيعة على مفهوم ولاية الفقيه؟

صورة جهاد حسين
كاتب وباحث سوداني
2020-01-16

يبدو من خلال الوثوقية التي يتحدث بها شيعة الثورة الإيرانية؛ أنّ ولاية الفقيه أمر ثابت، وأصل ديني متفق عليه عند الشيعة، وهي أسّست لشكل من أشكال الحكم الثيوقراطي الديني في نسختها الأحدث، والأولى تطبيقياً، بعد قيام الثورة مع آية الله الخميني، الذي وجد ضالته السياسية فيها؛ إذ أصبحت إدارة الدولة تتم من خلال أوامر الولي الفقيه، وما يراه حسناً هو عند الله حسن، فهل ثمة اتفاق شيعي عليها؟

لا شك، أنّ ولاية الفقيه أمر اجتهادي جاء إثر فراغ دستوري، حدث مع ما يسمّى بالغيبة الثانية للإمام الأخير؛ إذ تمّ تحريم إقامة الدولة وممارسة السياسة في غيابه، وهذا ما يحمله مصطلح "غيبة" نفسه، فكانت أولى الاجتهادات لتجاوز ذلك مع الشيخ المفيد في أوائل القرن الرابع الهجري، وكان حدود هذا الاجتهاد؛ هو وجود ما ينوب عن الإمام، لكن في الأمور الدينية فقط، واستمرّ الأمر حتى القرن السادس الهجري، حتى جاء الشيخ العاملي بجواز تولي من ينوب عن الإمام الغائب الأمور السياسية، وقد هبّ عليه كثير من الأئمة الشيعة، رافضين هذا الاجتهاد، فعدّوه خروجاً على الأصل الذي يمنع الممارسة السياسية في حال غياب الإمام الغائب.

ولاية الفقيه محاولة لعلاج أشكال خارج منظومة الدولة الحديثة، وهذا ما خلق الشرخ الكبير داخل حزب الله

يقول الكاتب اللبناني فرج كوثراني: "من المهم الإشارة إلى أنّ كثيرين من الفقهاء الشيعة العرب؛ من جبل عامل في لبنان، ومن القطيف، ومن النجف أيضاً، سارعوا إلى شجب الخطوات الفقهية التي قام بها الفقيه الكركي، متهمين إياه بأنّه يشرعن سلطات زمنية لغير السلطة الشرعية، التي هي من حقّ الإمام المعصوم وحده، وأنّه يقوم بتطوير مفاهيم غريبة عن عقيدة الإمامة، من شأنها أن توسع صلاحيات الفقيه بما لا يتناسب مع العقيدة الإمامية، وفي ذلك تعدٍّ على صلاحياته".

إنّ من ضمن الذين تصدّوا لهذه العقيدة، التي تعطي بعداً توسعياً للولي الفقيه؛ كان الشيخ مهدي شمس الدين، الذي كان يرأس المجلس الأعلى للشيعة في لبنان؛ فقد كان يرى أنّ الإمام في وجوده كان معصوماً بالعلم الإلهي، على المستويات؛ الدينية والسياسية، وذلك خوّل له منصب الولاية العامة، وبالتالي؛ لا يجوز للنائب عنه أن يتولّى كافة المناصب، لانتفاء عصمته؛ فالقول بميراث كافة صلاحيات الإمام الغائب يعني عصمته، وهذا -بحسب شمس الدين- ما لا يجوز فقهاً، وعلى هذا؛ فهو يرى أنه لا بدّ من فصل كامل للسلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية؛ فالسلطة التنفيذية لا يمكنها أن تجتمع مع التشريعية، في يد فقيه ليس بمعصوم، وبهذا قد سحب البساط عن الحجج التي يقدمها الخميني وخامنئي وقاسم نعيم؛ فالنسبة إلى مهدي شمس الدين؛ لم يعطِ غياب الإمام الشرعية لإمام من بعده ينوب عنه، إنما أعطى الشرعية للأمة بكاملها، لتقوم بإدارة أمورها العامة.

اقرأ أيضاً: ماذا يستبطن فرح الولي الفقيه بنتائج الانتخابات اللبنانية؟

يمكننا القول: إنّ ولاية الفقيه محاولة لعلاج أشكال خارج منظومة الدولة الحديثة، وهذا ما خلق الشرخ الكبير داخل حزب الله، والتناقض بين الانتماء للوطن من جهة وولاية الفقيه، التي تقع كمنظومة سياسية دينية خارج الوطن، وبالتالي؛ لا تعالج مشكلات الداخل اللبناني، ولا تستجيب لتطلعاته السياسية والثقافية، خصوصاً أنّه بلد فائق التعقيد والتركيب الثقافي، بتنوعه وتعدديته، فولاية الفقيه والتبعية لها ستظلّ هاجساً يهدّد هذه التعددية، التي يطمح حزب الله، بحسب تطلعات مرجعيته، إلى إقامة النموذج الإسلامي المتخيل، الذي يشكّل مرجعية معيارية في إيران؛ ففكرة الدولة الإسلامية، في النموذج الإيراني، أمر فوق الدستور الوطني؛ فهي مبدأ مغاير لكلّ شكل من أشكال التحديث السياسي.

كان شمس الدين واعياً بما سيخلقه التناقض بين الوطني والطائفي فأوصى الشيعة بلّا يفكّروا وفق الحسّ الطائفي

لقد كان مهدي شمس الدين واعياً بما سيخلقه التناقض؛ بين ما هو وطني، وما هو طائفي ديني، فكانت من وصاياه الأخيرة، للشيعة عموماً، وشيعة لبنان خصوصاً، بألّا يفكّروا وفق الحسّ المذهبي والطائفي، وألّا يبنوا علاقاتهم مع أقوامهم وشركائهم في الوطن على التمايز الطائفي، وأن يبتعدوا عن محاولات بناء منظومات سياسية خاصة بهم، إنما عليهم أن ينخرطوا في نظام المصلحة العامة، وأن يكونوا متساوين في ولائهم للقانون والدستور، وهذا بطبيعة الحال عكس ما يقوم به حزب الله اللبناني تماماً؛ فمصلحته هو، كحزب يتبع إيران، ويحتكر التشيّع، تبدو في كلّ مرة أعلى من إيمانه بمصلحة اللبنانيين، وبهذا يمكن اعتبار حزب الله ردّة على الإصلاحات التي كان يقف عليها أحد المرجعيات الشيعية الدينية الإصلاحية، مهدي شمس الدين، فما جاء به أكثر مواكبة لروح العصر، ويسحب البساط عن أيّة محاولة لتوظيف ما هو ديني وحقوقي طائفي، في الصراع السياسي، والتكسب والعيش من خلاله.

اقرأ أيضاً: التشيع في المغرب: وهم يراهن عليه الولي الفقيه كطابور خامس

يبدو أنّ ثمة قصوراً عميقاً داخل النسق البيئي المسيطر على التشيع في العالم العربي، يلفّ عالم أفكاره وتصوراته عن العلاقة بين الفرد والدولة والدين؛ إذ ثمة تداخل مربك بين كلّ هذه الأنساق المختلفة؛ التكوين، والصور، والعوامل التي شكلت كلّاً منها، وظلّ هذا القصور مستمراً، رغم الاجتهاد الفرديّ للكثير من علماء الشيعة؛ إذ كان يتمّ تهميشهم دائماً من قبل الخطاب الرسمي لإيران كدولة، أو الشيعة كطائفة مسلمة، فتمّ التخلص من الأصوات التي تمثّل فارقاً تقدمياً داخل التشيّع، وبعدة صور.

للمشاركة:



قبل أيام من مؤتمر برلين.. هذا ما أعلنه أردوغان!

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-16

أعلن الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، اليوم، إرسال قوات إلى ليبيا لدعم قوات ميليشيات، فايز السراج، ضدّ القوات المسلحة الليبية التي يقودها المشير خليفة حفتر.

ويأتي الإعلان عن إرسال القوات التركية قبل أيام من لقاء برلين المخصص للأزمة الليبية، والذي سيشارك فيه أردوغان، وفق ما أوردت وكالة "رويترز".

وقال أردوغان: "تركيا ستواصل استخدام جميع الوسائل الدبلوماسية والعسكرية لضمان الاستقرار على حدودها الجنوبية البرية أو البحرية".

أردوغان يعلن اليوم أنّه سيرسل قواته إلى ليبيا قبل أيام من لقاء برلين المخصص للأزمة الليبية

 مراقبون ليبيون ربطوا تصريحات أردوغان بأطماعه التي تتعلق بسيطرته على ليبيا، ومحاولته عرقلة التوجه الدولي الساعي لإحلال السلم في ليبيا عن طريق إحياء المفاوضات بين الفرقاء الليبيين.

وكانت صحيفة "الغارديان" البريطانية قد نشرت، أمس، تقريراً قالت فيه إنّ ألفي مقاتل سوري قد وصلوا، أو سيصلون قريباً إلى ليبيا قادمين من تركيا، للقتال إلى جانب حكومة الوفاق غير الشرعية، التي يترأسها فايز السراج.

ونقلت الصحيفة، عن مصادر سورية، تأكيدها أنّ 300 عنصر من الفرقة الثانية فيما يعرف بـ "الجيش الوطني السوري"، وهو مجموعة من المقاتلين تدعمهم أنقرة، دخلوا تركيا عبر معبر حور كلس العسكري، في 24 كانون الأول (ديسمبر) الماضي، كما دخلت مجموعة أخرى قوامها 350 عنصراً، في 29 كانون الأول (ديسمبر)، لتلقي التدريبات الضرورية قبل إدماجهم في ساحات الحرب في تركيا ضدّ الجيش الليبي.

 

 

للمشاركة:

روحاني يقرّ برفع معدلات تخصيب اليورانيوم.. ماذا سيكون ردّ الدول الأوروبية؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-16

أقرّ الرئيس الإيراني، حسن روحاني، اليوم، بتوسيع بلاده معدلات تخصيب اليورانيوم، بما يفوق الاتفاق النووي.

وقال روحاني في كلمة متلفزة: "تخصيب اليورانيوم اليوم في إيران أكثر مما كان عليه قبل توقيع الاتفاق النووي"، مشيراً إلى أنّه "لا توجد اليوم أيّة قيود على البرنامج النووي الإيراني".

وقال روحاني: "طهران لم تنسحب من الاتفاق النووي، وطلبت من البقية التعويض، وإلا ستخفض من التزاماتها".

وأضاف روحاني: "الإدارة الأمريكية خططت للقضاء على النظام الإيراني في غضون 3 أشهر وفشلت".

روحاني: لا يوجد قيود على البرنامج النووي وتخصيب اليورانيوم اليوم أكثر مما كان عليه قبل توقيع الاتفاق

ولفت روحاني إلى أنّ الخطاب الأمريكي تغير تجاه إيران إلى حدّ كبير بعد الضربة الصاروخية، التي وجهتها إيران إلى القواعد الأمريكية في العراق، قائلاً: "الولايات المتحدة الأمريكية تظلم الجميع وتعتدي على الجميع وتسحق مصالح الجميع، لكن لا أحد يجرؤ على قصف معسكراتها بالصواريخ كما فعلت إيران، ربما تطلق بعض الدول التحذيرات والتهديدات، لكن أن تهزّ قاعدتها العسكرية وتجبرها على التراجع عن تهديداتها وتجعل البنتاغون متيقظا طوال الليل فهذا أمر مهم. لقد تغيّرت اللهجة الأمريكية تجاهنا وتراجعت بعد هذه الضربة إلى حدّ كبير".

 جاءت هذه التصريحات تزامناً مع إعلان وكالات الأنباء أنّ" الضربة الإيرانية جاءت بتنسيق مع الولايات المتحدة، وأنّها لم تستهدف إلا أجزاء من القواعد العسكرية، التي لا يوجد بها أيّ جندي أمريكي".

 

للمشاركة:

هل ينهي الغنوشي الضجة السياسية التي رافقت زيارته لتركيا؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-16

قال الغنوشي، خلال جلسة عامة في البرلمان، أمس: إنّ "زيارته إلى تركيا ولقاءه المغلق بأردوغان، السبت الماضي، كانت بصفته رئيساً لحزب حركة النهضة الإسلامية، وليس رئيسا للبرلمان التونسي، محاولاً تدارك الضجة السياسية التي رافقت زيارته المفاجئة".

وكانت الزيارة المفاجئة أثارت جدلاً في تونس كونها جاءت بعد ساعات من تصويت البرلمان ضد منح الثقة للحكومة المقترحة من مرشح حركة النهضة، وفق ما نقلت وكالات انباء تونسية.

الغنوشي: زيارتي إلى تركيا شخصية حزبية ولا علاقة لها بتمثيل (البرلمان) ولم أتحدث باسمه

ويدور النقاش حول ما إذا كان لقاء الغنوشي بالرئيس التركي، بصفته رئيساً لحزبه حركة النهضة أم بصفته رئيساً للبرلمان، وما إذا كان أحاط البرلمان علماً بتلك الزيارة.

وقال الغنوشي، رداً على استفسار برلماني: "حتى نغلق هذا الموضوع، وكي لا تبقى ملابسات؛ فهي زيارة شخصية حزبية، ولا علاقة لها بتمثيل المجلس (البرلمان)، ولم تستخدم إدارة المجلس، ولا أموال المجلس، ولم أتحدث باسم المجلس في أيّ حديث".

وتابع الغنوشي: "لا يوجد مانع في البرلمان لأن يؤدي أحد رؤساء الأحزاب زيارة خارجية، لا أرى في هذا مشكل"، مضيفاً في توضيحه: "الصفة الرسمية للمسؤول لا تلغي حياته الخاصة ولا صفته الحزبية".

الحزب الدستوري الحرّ يدعو لتوقيع عريضة بين النواب تمهيداً لسحب الثقة من الغنوشي

والغنوشي هو الزعيم التاريخي لحركة النهضة الإسلامية وأحد مؤسسيها مع القيادي الآخر، عبد الفتاح مورو، منذ سبعينيات القرن الماضي، لكن منذ صعوده لرئاسة البرلمان بعد الانتخابات التشريعية، التي أجريت في السادس من تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، وفازت بها حركة النهضة، بدأ قياديون في الحزب بالدعوة إلى ترشيح شخصية بديلة لرئاسة الحركة.

وصرّح عبد اللطيف المكّي، أحد القياديين المخضرمين للحزب في وقت سابق؛ بأنّه يجب التعجيل بتنظيم مؤتمر للحركة لأنّ رئيس الحركة لم يعد قادراً على تخصيص وقت لرئاسة الحزب.

وأوضح المكي: "هناك وجهة نظر قانونية؛ لأنّ هناك من يقول داخل الحزب إنّ القانون الداخلي للحركة ينصّ على أن يكون رئيسها متفرغاً لقيادة الحركة".

وعلى صعيد متصل، طالب الحزب الدستوري الحرّ في تونس، بسحب الثقة من رئيس البرلمان، راشد الغنوشي، غداة زيارته المفاجئة له إلى تركيا.

تونسيون يطالبون بسحب الثقة من الغنوشي لأنّ زيارته إلى تركيا في هذا الوقت تعدّ خرقاً للسيادة

وقال الحزب في مؤتمر صحفي؛ إنّ سحب الثقة من رئيس مجلس نواب الشعب (البرلمان)، تعدّ الوسيلة الوحيدة المتاحة، لمساءلة راشد الغنوشي.

 ولم يقتصر الأمر على الأوساط السياسية؛ حيث طالبت شريحة كبيرة من الشعب التونسي بسحب الثقة من الغنوشي، لأنّ زيارته تلك إلى تركيا تعدّ خرقاً للسيادة التونسية، خاصة أنّها جاءت بعد قرار عدم منح الثقة للحكومة، ما يعدّ مؤشراً على علاقة تركيا وتدخّلها في الشأن الداخلي لتونس.

 

للمشاركة:



"الوطن الأزرق": أيديولوجيا التدخل التركي في ليبيا

2020-01-16

ترجمة: محمد الدخاخني


في 2 كانون الثّاني (يناير) الجاري، وافقت الجمعيّة الوطنيّة التّركيّة الكبرى على تفويض نشرٍ عسكريّ فيما يتعلّق بإرسال قوّات إلى ليبيا. ووصف جنكيز شاندر، الصّحافيّ التّركيّ البارز وخبير الشّرق الأوسط، الأمر بأنّه "تفويض بالمغامرة" يدعم الاتّفاق الثّنائي الذي أبرمته تركيا، في 27 تشرين الثّاني (نوفمبر) 2019، مع حكومة الوفاق الوطني الليبية، التي تتفاوت قوّتها ونفوذها من يوم لآخر. كان السّبب الأسمى لتمرير التّفويض على عجل، دون شكّ، رغبة أردوغان في دخول مفاوضات 8 كانون الثّاني (يناير) الجاري، وهو في موقعٍ قويّ أمام فلاديمير بوتين، الّذي يدعم القوّات الّتي تتعزّز تدريجيّاً لخليفة حفتر، قائد الجيش الوطنيّ الّليبيّ، ضدّ حكومة الوفاق الوطنيّ الّليبيّة. ومع ذلك، يبدو أنّ أردوغان لم يستطع الوصول إلى هدفه، كما ينبغي.

بالإضافة إلى ذلك، فإنّ المصادفة بين تاريخ تمرير التّفويض والتّاريخ الّذي وقّعت فيه دول إسرائيل واليونان وجمهوريّة قبرص اتّفاق خطّ أنابيب الغاز الطّبيعيّ "إيست-ميد"، لنقل الغاز الإسرائيليّ والقبرصيّ إلى أوروبا، بعثت برسالة دبلوماسيّة منفصلة تماماً. في هذا السّياق، تقوم تركيا، وفقاً لسرديّتها الخاصّة، بقلب الّلعبة الّتي أُديرت في شرق البحر المتوسّط وتحقّق الاستقرار في المنطقة من خلال استباق "المتمرّدين" الّليبيّين الّذين تدعمهم القوّات الغربيّة. هذا، دون شكّ، ما يراه نظام أردوغان وأنصاره - أو، على وجه التّحديد، ما أملوا في رؤيته - في تركيا.

السّياسة الحالية الّتي تتّبعها تركيا في ليبيا محفوفة بالمخاطر العسكريّة، وإشكاليّة من منظور العلاقات الدّوليّة

لكن الجانب الآخر من هذه "المغامرة" مختلف كثيراً وأكثر قتامة. يعدّ هذا القرار مؤشّراً في الأساس على أنّ تركيا ابتعدت عن فهمها الكلاسيكيّ والمركّز على التّوازن للسّياسة الخارجيّة، والّذي بدأت تنأى عنه منذ أوائل العقد الثّاني من الألفيّة الحاليّة. كما أنّه مؤشّر على أنّ تركيا قد تنوي بسهولة استخدام القوّة العسكريّة والمشاركة في النّزاعات القائمة خارج حدودها.
هذه ليست المرّة الأولى لتركيا أردوغان؛ فقد كان هناك وضع حرج في سوريا، يمكن أن يكتسب شرعنة نسبيّة في السّياسة الدّاخليّة بسبب قرب هذا البلد، وبسبب الورقة الكرديّة. لكن تركيا تسعى الآن إلى المشاركة في الفضاء العسكريّ والاجتماعيّ والسّياسيّ المعقّد لليبيا، وهي المكان الّذي قمعته عسكريّاً آخر مرّة حين كانت ليبيا أرضاً عثمانيّة. تركيا لا تمتلك أيّ حدود برّيّة مع ليبيا، لكن لديها مسافة طيران تقارب 1,400 ميل. علاوة على ذلك، وفقاً لمصادر إخباريّة عديدة، تستعدّ تركيا لدفع الجماعات الإسلامويّة الّتي دعمتها في سوريا قبل الانخراط مباشرة، وقد يؤدّي هذا الوضع إلى تفاقم صورة تركيا الدّوليّة الّتي هي موضع إشكال بالفعل.

اقرأ أيضاً: هل ليبيا جارة تركيا؟!

عندما ننظر في الوقت ذاته إلى كلا جانبي العملة، يمكننا الوصول إلى بعض الاستدلالات. أوّلاً، من الواضح أنّ قضيّة ليبيا لن تجسّد إنجازاً داخل تركيا؛ حيث عادةً ما تستخدم السّياسة الخارجيّة لأغراض سياسيّة محلّيّة. فهذا البلد غير المعروف إلى حدّ كبير، و، لو كان معروفاً، الّذي لا يجد تعاطفاً نحوه في المجتمع التّركيّ، لن يوفّر الكثير من القوّة لنظام أردوغان. ثانياً، لم يكن واقعيّاً أن نتوقّع من حكومة الوفاق الوطنيّ الّليبيّة، الّتي تدعمها تركيا، تولّي زمام الأمور في البلاد. على العكس من ذلك، فإنّ قوّات حفتر، الّتي تدعمها روسيا وبعض الدول العربية، من المرجّح أن تسيطر على البلاد. وفي مثل هذه الحالة، ستكون تركيا قد فشلت والاتّفاقيّات الّتي أبرمتها قد اختفت. أخيراً، ستواجه تركيا مشكلات أكبر بكثير إذا حاولت نشر كتيبة أو سريّة مدرّبة ومسلّحة مؤلّفة من أكثر من 100 إلى 150 فرداً، بناءً على متطلّبات التّفويض. واتّفاقات التّزويد بين المهابط اليونانيّة والمصريّة قد لا تكون طويلة الأجل، وينظر الخبراء بشكّ لما إذا كانت تركيا لديها القدرة العسكريّة الّلازمة للتّغلّب على هذه العقبة.

لماذا تقوم تركيا بهذه المخاطرة الكبيرة؟

باختصار، إنّ السّياسة الحالية الّتي تتّبعها تركيا في ليبيا محفوفة بالمخاطر العسكريّة، وإشكاليّة من منظور العلاقات الدّوليّة، وستحقّق مكاسب قليلة للحكومة التّركيّة الحاليّة في ميزان السّياسة الدّاخليّة. من المؤكّد أنّ تركيا قوّة مهمّة في موازين القوى في شمال إفريقيا والشّرق الأوسط وشرق البحر المتوسط ولا ينبغي استبعادها في عمليّة التّأسيس لأيّ خطّة. وكما هو الحال مع مصر وقبرص وإسرائيل واليونان، يجب أن تردّ تركيا على إقصائها من جانب دول تعتبر حالياً خصومها، لكن هذا الرّدّ يجب ألّا يكون محفوفاً بالمخاطر بشكل صريح. من ناحية، ربّما تسعى تركيا إلى حلّ النّظام في المنطقة، كما فعلت في شمال سوريا، من خلال اتّفاقيّة تنسيق مع روسيا. لكن، من ناحية أخرى، يجب أن نتذكّر أنّ ليبيا ليست مصدر قلق كبير على الحدود بالنّسبة إلى تركيا كما هو حال سوريا، كما أنّ تركيا لا تحدّد الّلاعبين في ليبيا كما هي الحال في سوريا. فلماذا وكيف تتحمّل تركيا أردوغان هذه المخاطر متعدّدة الجوانب؟ للإجابة عن هذا السّؤال، سيكون من الأفضل البحث عن الدّاعمين الرّئيسين لسياسة تركيا الحاليّة تجاه ليبيا في السّياسة الدّاخليّة التّركيّة، وعندما نفعل ذلك يمكننا أن نرى صورة مثيرة للاهتمام تستحقّ شرحاً.

 

 

الأورو-آسيويّة ومفهوم "الوطن الأزرق"

استخدم الّلواء البحريّ المتقاعد جيم غوردينيز، الّذي حوكم وأدين في محاكمات باليوز (المطرقة الثّقيلة) الّتي نشأت عن الشّراكة بين حركة غولن المثيرة للجدل وحزب العدالة والتّنمية الّذي يتزعّمه أردوغان، لأوّل مرّة مفهوم "الوطن الأزرق" في 14 حزيران (يونيو) 2006، في ندوة حول البحر الأسود والأمن البحريّ نظّمتها قيادة القوّات البحريّة. ووفقاً له، فإنّ "الوطن الأزرق" هو اسم الأرض الّتي تشتمل على مساحات من الاختصاص البحريّ في البحر الأسود والبحر الأبيض المتوسّط وبحر إيجة (المياه السّاحليّة والجرف القاريّ والمناطق الاقتصاديّة الخالصة) والّتي تحيط تركيا بموارد حيويّة وغير حيويّة. وقد استُخدم هذا المفهوم أيضاً من جانب أعضاء سابقين في القوّات البحريّة، والآن، فريق السّياسيّ التّركيّ دوغ بيرنجيك يُعرّف على أنّه أورو-آسيويّ ويخلق مساحة حرّيّته من خلال استغلال الصّراع بين حركة غولن وحزب العدالة والتّنمية، خاصة بعد منتصف عام 2015. ويجسّد الأورو-آسيويّون، الّذين يحملون شعار "الوطن الأزرق" باعتباره "الميثاق القوميّ في البحر"، فريقاً تعاون مع أردوغان بعد محاولة الانقلاب العنيفة في 15 تمّوز (يوليو) 2016، ويمتلكون القدرة على التّأثير عليه بعمق في عمليّة إبعاد تركيا عن انتهاج سياسة خارجيّة تركّز على الغرب ودفعها نحو الكتلة الصّينيّة-الرّوسيّة مع التّشكيك في أهميّة حلف شمال الأطلسيّ (النّاتو) بالنّسبة إلى تركيا.

يجسّد الأورو-آسيويّون، الّذين يحملون شعار "الوطن الأزرق" فريقاً تعاون مع أردوغان بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في 2016

يؤكّد هذ الفريق، إلى حدّ ما، على أنّ مكان تركيا ليس في الاتّحاد الأوروبيّ أو في إطار مُهيمنٍ شرق متوسّطيّ يركّز على مصر وإسرائيل، وإنّما في تأسيس هيمنة في شرق البحر الأبيض المتوسّط بمفردها. في هذا الصّدد، يجادلون بأنّ مصالح تركيا تقع خارج العالم الغربيّ وأنّ تركيا يجب أن تنضمّ إلى المعسكر المعادي للإمبرياليّة الّذي تقوده روسيا والصين. ويتطلّب تحقيق هذا الهدف الحفاظ على الحدود الّتي أطلقوا عليها اسم "الوطن الأزرق". ومن أجل حماية هذه الحدود، توقّع الأورو-آسيويّون أن تتّبع تركيا بعد اتّفاق ليبيا مبادرة من شأنها أن تضمن التّأثير نفسه الّذي حصل في سوريا. ومن بين القضايا الّتي من المؤكّد أنّها غير قابلة للنّقاش سؤال مع من ستعقد تركيا هذا الاتفاق في سوريا.

 

 

محبّة الإخوان المسلمين والسّباق من أجل قيادة الأمّة

من المثير للاهتمام، بالرّغم من زعم الأورو-آسيويّين أنّهم يمثّلون الجناح العلمانيّ المتشدّد في تركيا، أنّهم أوصوا باتّخاذ إجراءات ضدّ ليبيا بنفس مستوى الإسلامويّين الّذين يمثّلهم أردوغان في تركيا. ورؤية السّياسة الخارجيّة الّتي بدأت بشكل ملحوظ خلال فترة ولاية رئيس الوزراء السّابق، أحمد داود أوغلو، تحت اسم "العثمانيّة الجديدة"، وسعت إلى السّيطرة على سكان الأقاليم العثمانيّة السّابقة والتّأثير على مسلمي العالم من خلال السّلطويّة والتّوظيف الفعّال للدّين فشلت بقدر طموح أردوغان في قيادة العالم الإسلاميّ.

يمتلك الأورو- آسيويون قدرة على التّأثير بعمليّة إبعاد تركيا عن انتهاج سياسة خارجيّة تركّز على الغرب ودفعها نحو الكتلة الصّينيّة-الرّوسيّة

هنا، وجدوا السّعوديّة الأكثر قوّة اقتصاديّاً ومصر الأكثر نفوذاً من النّاحية الّلاهوتيّة في وجههم في كلّ مكان تقريباً في العالم. وهذا دفعهم بالضّرورة نحو تعاون عالميّ متعدّد الأوجه مع جماعة الإخوان المسلمين. في النّهاية، زواج أردوغان بين القوميّة والإسلام يتماشى إلى حدّ بعيد مع أيديولوجيا الإخوان المسلمين.
ومع سيادة هذه الظّروف، وجد أردوغان نفسه، والجناح الإسلامويّ المحيط به، بطريقة ما، يدعم رئيس حكومة الوفاق الوطنيّ الّليبيّة، فايز السّراج، وهو عضو معروف في جماعة الإخوان المسلمين. وبالتّالي، فتحت تركيا أردوغان جبهة أخرى ضدّ السّعوديّة، الّتي دخلت معها في صراعات متعاقبة منذ النّصف الأخير من العقد الثّاني من الألفيّة الحاليّة، وضدّ مصر، الّتي أعلنت تركيا صراحة عداءها لها.

لقاء الغريمين
بالرّغم من أنّ الفريقين، الأورو-آسيويّ والإسلامويّ، كانا في صراع حول أشياء كثيرة في تركيا، فقد تقاطعا، بالضدّ من كلّ الخلافات التّاريخيّة، حول قضيّة ليبيا. وفيما يناور أحد الفريقين لتطليق تركيا من الغرب عندما تتعلّق الأمور بالسّياسة الخارجيّة، يسعى الآخر لبناء حصن جديد في منافسة لا تليق بتديّن تركيا. سيكون من الصّعب تقدير المدى الّذي ستكون عليه الطّبيعة الجماعيّة لهذين الفريقين في السّياسات المحلّيّة التّركيّة، لكنّهما بالتّأكيد أغرقا تركيا في مهرب من شأنه أن يؤثّر تأثيراً عميقاً وسلبيّاً في المنطقة.


أحمد إردي أوزتورك، أوبن ديموكراسي

مصدر الترجمة عن الإنجليزية:
https://www.opendemocracy.net/en/north-africa-west-asia/who-pushing-turk...

للمشاركة:

هل ليبيا جارة تركيا؟!

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-16

سلمان الدوسري

عندما تكون أدوات الدولة السياسية تصادمية وحادة جداً، فهي لا تستطيع استخدام الدبلوماسية أو بالأحرى لا تجيدها. هذا ما ينطبق على السياسة التركية حرفياً، فالأجندات السياسية المتخبطة تطغى على لغة العقل والمنطق والعلاقات الدولية، وتكتيكات الدولة العثمانية في القرن الثامن عشر تسيطر على ذهنية السلطان في القرن الحادي والعشرين، لذلك تجد نفسها دائماً في صراعات واختلافات وحروب مع الجميع، فما الدولة التي تحظى بصداقة تركيا حالياً؟ إذا استثنينا الدوحة التي تتطابق سياساتها مع أنقرة تماماً، لاعتبارات القاعدة التركية في قطر، فإن بقية دول العالم تضع حواجز ومسافات ومحاذير. فبعد العمليات العسكرية وغزو الشمال السوري، جاءت آخر المغامرات التركية غير المحسوبة بإعلان الرئيس التركي رجب طيب إردوغان عن تدخل بلاده عسكرياً في ليبيا، قبل أن تبدأ أنقرة في إرسال جنود ومرتزقة، وهي من سبق وأرسل أسلحة، في مخالفة صريحة للشرعية الدولية وانتهاك لقرار مجلس الأمن رقم 1970 لعام 2011، الذي ينص على عدم مد ليبيا بالأسلحة.. كل هذا يحدث رغم عدم وجود حدود مباشرة بين ليبيا وتركيا، فجزيرة كريت اليونانية تفصل بينهما، كما أنه لا توجد بينهما أي فواصل بالبحار حتى يتم توقيع اتفاق بحري لم يعترف به أحد، إلا أن وزير الدفاع التركي خلوصي أكار، له تعريف آخر للجغرافيا، عندما صرح أمس بأن «ليبيا جارتنا من البحر»!، ووفق هذا التعريف «العثماني» الخيالي، فإن الهند وباكستان جارتان للسعودية، وسوريا جارة لفرنسا، ولبنان جار لإسبانيا!
تحتل ليبيا المرتبة الخامسة عالمياً في احتياطيات النفط، بمعدل 74 مليار برميل تكفي لتصدير النفط 112 عاماً أخرى، وهو قد يكون سبباً كافياً يدفع أنقرة لمحاولة التدخل، خصوصاً مع معاناتها في موارد الطاقة واستيرادها 90% من احتياجاتها النفطية، ناهيك باستهلاكها 500 ألف برميل يومياً، إلا أن الهدف الاقتصادي ليس وحده ما يدفع تركيا إلى التدخل عسكرياً، فلا يخفى على أحد المكانة المتنامية لليبيا كعامل استراتيجي رئيسي في السياسة الخارجية التركية، تستخدمها سواء لمنافسة خصومها القدامى كاليونان أو الجدد كمصر، وكان ذلك يحدث بواسطة أذرعها من الميليشيات، لكنه أصبح يتم بشكل رسمي وفاضح، بالإضافة إلى أن ليبيا تمثل المركز الرئيسي في طرق الهجرة بين القارتين الأفريقية والأوروبية، وهذا الملف استخدمته تركيا جيداً لابتزاز جيرانها الأوروبيين وتهديدهم بغزو المهاجرين السوريين للحصول على مكاسب مادية لا حصر لها، وهي هنا أيضاً تريد أن يكون لها دور جديد، بحيث لا يمكن لأي سياسات مناهضة للمهاجرين في أوروبا التصدي لها دون أن يكون لتركيا يد فيها تمارس ابتزازها مجدداً.
الغزوة التركية لليبيا فشلت قبل أن تبدأ، فبالإضافة إلى صعوبة تنفيذ ذلك على أرض الواقع، واختلاف الظروف الجغرافية التي دفعت أنقرة إلى التدخل العسكري في سوريا، والتي لم تحقق أهدافها حتى الآن على كل حال، فإن السمعة التركية أصبحت في الحضيض عالمياً، ولا توجد دولة لم تُدِن هذا التدخل التركي الغاشم، باستثناء قطر طبعاً التي أيّدته، وغدت السياسة التركية مرتبطة بالتهور والعنجهية والغرور، لذلك فإن السياسة التركية تستحق جائزة المركز الأول في تحقيق الفشل الذريع سياسياً وعسكرياً واستراتيجياً.
وبعيداً عن واجب «الجيرة» الذي دفع تركيا إلى غزو ليبيا، وقبلها سوريا، أليس الأقربون أولى بالمعروف؟ أليس الجزر التركية التي تقول تركيا إنها «محتلة» من اليونان في بحر إيجه أكثر قرباً من سوريا وليبيا؟ فإذا لم تتحرك من أجل تراب بلدك، فكيف تفعلها من أجل تراب دول أخرى؟!

عن صحيفة "الشرق الأوسط"

للمشاركة:

الصراع في ليبيا: ما حقيقة وجود مقاتلين سوريين؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-16

نددت سفارة الولايات المتحدة في ليبيا بتصاعد العنف وتدهور الوضع الأمني في البلاد، نتيجة الاقتتال بين حكومة فايز السراج وقوات القائد العسكري خليفة حفتر.

وقالت في بيان إن هذا التدهور "يُبرز مخاطر التدخل الأجنبي السام في ليبيا، مثل وصول المقاتلين السوريين الذين تدعمهم تركيا وكذلك نشر المرتزقة الروس".

فهل يوجد بالفعل مقاتلون سوريون في ليبيا؟

نشرت صحيفة "غارديان" البريطانية، اليوم الأربعاء، تقريرا قالت فيه إن ألفي مقاتل سوري قد وصلوا، أو سيصلون قريبا إلى ليبيا قادمين من تركيا، للقتال إلى جانب حكومة الوفاق المعترف بها دوليا برئاسة فايز السراج.

ونقلت الصحيفة عن مصادر سورية في الدول الثلاث، سوريا وليبيا وتركيا، تأكيدها أن 300 عنصر من الفرقة الثانية في ما يعرف بـ "الجيش الوطني السوري"، وهو مجموعة من المقاتلين تدعمهم أنقرة، دخلوا تركيا عبر معبر حور كلس العسكري في 24 ديسمبر/ كانون الأول الماضي، كما دخلت مجموعة أخرى قوامها 350 عنصرا في 29 ديسمبر/ كانون الأول.

وتقول غارديان إنه تم نقل العناصر جوا إلى طرابلس، معقل حكومة الوفاق، حيث تم إرسالهم إلى مواقع المواجهة شرقي العاصمة.

ووفقا للصحيفة، دخل في 5 يناير/ كانون الثاني الجاري نحو 1350 مقاتلا إلى تركيا قادمين من سوريا، وأُرسل بعضهم إلى ليبيا، فيما لا يزال آخرون يتلقون التدريب في معسكرات جنوبي تركيا.

وقد فاقت هذه الأرقام التقديرات السابقة لأعداد المقاتلين السوريين الذين دخلوا إلى ليبيا.

رواتب كبيرة

كما أشارت الصحيفة، نقلا عن مصدر موثوق، إلى أن المقاتلين السوريين سيشكلون فرقة سيطلقون عليها اسم، عمر المختار، زعيم المقاومة الليبية الذي ناضل ضد الاحتلال الإيطالي وأُعدم عام 1931.

وقالت غارديان، إن مصادر في "الجيش الوطني السوري" ذكرت أن المقاتلين أبرموا عقودا لمدة ستة أشهر مع حكومة الوفاق مباشرة وليس مع الجيش التركي، ويحصلون بموجبها على رواتب بقيمة ألفي دولار شهريا للمقاتل الواحد، وهو مبلغ كبير مقارنة بحوالي 90 دولارا شهريا فقط كانوا يتلقونها من تركيا لقتالهم في سوريا.

كما قُطعت وعود لهؤلاء المقاتلين بالحصول على الجنسية التركية.

وأكدت الصحيفة أن أربعة مقاتلين سوريين على الأقل قد قُتلوا في ليبيا، غير أن فصائلهم أعلنت أنهم لقوا مصرعهم في جبهات المواجهة مع المقاتلين الأكراد في شمال شرقي سوريا.

وتداولت وسائل التواصل الاجتماعي الشهر الماضي لقطات مصورة بهاتف محمول لرجال لهجتهم سورية ويدّعون أنهم ينتمون لـ "الجيش السوري الحر" وأنهم موجودون في ليبيا "للدفاع عن الإسلام".

ونفت كل من أنقرة وطرابلس، وكذلك فعل "الجيش الوطني السوري"، مرارا وتكرارا وجود مقاتلين سوريين في ليبيا.

وقال الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، الأسبوع الماضي إن تركيا نفسها أرسلت حتى الآن 35 جنديا فقط إلى طرابلس بصفة استشارية.

ووفقا للصحيفة، لا يلقى التدخل التركي في ليبيا تأييدا في الشارع التركي على عكس التوغل في أكتوبر/ تشرين الثاني في الأراضي السورية لمواجهة المقاتلين الأكراد.

عن "بي بي سي "

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية