كيف قدّمت هوليوود العرب والمسلمين؟

صورة منى يسري
صحافية وكاتبة مصرية
2740
عدد القراءات

2018-12-04

بعد النجاح الذي ظنّت هوليوود أنّها حققته في محاربة عدوّها الأول "الشيوعية" خاصة خلال حقبة الحرب الباردة، كان عليها إيجاد عدوّ جديد، يتصدّر شاشات العرض، ويصبح كبش الفداء الذي تناضل أمريكا لتخليص البشرية من شرّه، كان هذا العدو هو العرب، والعرب المسلمون بشكل خاص، رغم أنّه كان لذلك إرهاصات مبكرة عنوانها تفوق العرق الأبيض، وفي الناحية الأخرى ظهرت مجموعة من الأعمال المغايرة لكنها بدت كمن يغرّد خارج السرب.

همجية شيخ العرب

لطالما حفِلت هوليوود، منذ بداياتها، بتقديم صورة العرب والمسلمين، على نحو ساخر، خالٍ من التناول الموضوعي لتلك الشخصية، وهذا يطرح إشكالية الدور الذي تلعبه السينما في تشكيل وجدان الشعوب والمجتمعات الغربية تجاههم؛ وذلك منذ ظهور الفيلم الأمريكي "العرب"، العام 1915، تبعه فيلم "الشيخ" العام 1921، الذي قدّم العرب على أنّهم مجموعات من همج الصحراء، لا يفعلون شيء سوى اغتصاب النساء، وامتلاك أكبر عدد منهنّ، مما رسّخ تلك الصورة في أذهان الأمريكيّين والأوروبيين، عندما كان الناس يستمِدّون وعيهم أساساً عبر وسائل الإعلام قبل ظهور ثورة المعلومات.

اقرأ أيضاً: 14 فيلماً جسدت صورة الإرهابي في السينما المصرية.. تعرّف عليها

وبالانتقال إلى حقبة تاريخية أُخرى؛ فقد تعدّدت منحنيات الخطّ السينمائي لتناول شخصية العربي، خاصة بعد الحرب العالمية الثانية، وانتهاء الحرب الباردة؛ وبدأت تظهر في الأفق ملامح جديدة للعدو المفترض، تتعلق بشكل أساسي بالإرهاب الإسلامي الذي غذّته موجات الإسلاموفوبيا.

لطالما حفِلت هوليوود منذ بداياتها بتقديم صورة العرب والمسلمين على نحو ساخر خالٍ من التناول الموضوعي

انهالت الأفلام التي انتقلت إلى جانب آخر من الشخصيّة العربية "المتعطشة للدماء"، كما ظهر في كثير من الأفلام التي أعقبت هجمات 11 سبتمبر، مثل "سيريانا"، الذي قامَ ببطولته جورج كلوني، العام 2005، ويتناول العلاقات الخليجية الأمريكية، والدور الرئيس للنفط كلاعب أساسي ومحرّك لتلك العلاقات.

وفي الفيلم الأمريكي الكندي المشترك "واجب وطني" (2006) يجسّد الفنان المصري خالد أبو النجا دور طالب جامعي عربي في الولايات المتحدة يجد نفسه ضحية معاناته مع جاره المسكون بفكرة إرهاب العرب والمسلمين بفعل الضخ الإعلامي الذي يتعرض له، ورغم أنّ معظم أحداث الفيلم تنتقد الهوس الذي أصاب بعض الأمريكيين عقب أحداث 11 سبتمبر، إلا أنّ خيبة الأمل تكون في الخاتمة عندما يلمّح المشهد الأخير إلى الخطأ الذي ارتكبته السلطات عندما لم تأخذ بالجدية الكافية تحذيرات الجار الذي يوضع بمصحة وتبين صحة شكوكه في إرهاب الطالب العربي الذي أرسل رسائل مسمومة تسببت بمقتل عدة أمريكيين.

الملصق الدعائي للفيلم الأمريكي "الشيخ"

البروفيسور الأمريكي، جاك شاهين (توفي العام 2017)، أحد الذين كرّسوا جزءاً كبيراً من حياتهم، مدافعين عن العرب والمسلمين في المخيّلة الأمريكية، كما في آخر كتبه "عرب السينما السيئون: كيف شوّهت هوليوود العرب؟"، من خلال دراسته لـ900 فيلم، استطاع تحليل التناقضات التي حملتها تلك الأفلام، والتوجه السياسي المباشر المحرّك لتلك الصورة، وكيف استطاعت أمريكا تصدير فكرة أنّ العرب هم مركز الإرهاب في العالم، بينما غضّت الطرف عن إرهابها الممارس عبر الحروب المغلّفة بدعاوى حرب الإرهاب، في العراق وأفغانستان وفيتنام وغيرها.

وجه آخر لهوليوود

إلى جانب تلك الأفلام، التي شوّهت صورة العرب في المخيّلة الغربية، فهناك من صنّاع السينما الأمريكية من كسر تلك التوجيهات المباشرة باستثناءات معدودة، وهو ما يمكن ملاحظته بقوة في فيلم "مملكة الجنة"، للمخرج ريدلي سكوت، العام 2005، الذي يتناول ما فعلته الحملات الصليبية في الدول الإسلامية، مركزاً على قيم التعايش الإنساني، كما قدّم صلاح الدين الأيوبي شخصاً نبيلاً حاد الذكاء يمتاز بالتسامح والأخلاق النبيلة حتى مع أعدائه.

بدأت تظهر أفلام بملامح جديدة للعدو المفترض تتعلق بشكل أساسي بالإرهاب الإسلامي عقب هجمات 11 سبتمبر

وقريب من ذلك ما قدّمه العام 1991 فيلم "روبن هود: أمير اللصوص" الذي يتناول نفس الفترة وذلك من خلال الشخصية التي أداها مورغان فريمان وتظهر الرجل المسلم المتعلم الذي يساعد روبن هود في محاربة الظلم ونصرة الفقراء.

ويعد فيلم المحارب الثالث عشر (1999) أحد أهم الأفلام التي أظهر المسلمين بصورة مشرقة عبر شخصية أحمد بن فضلان التي أداها النجم أنطونيو بنداريس بالاستناد إلى قصة حقيقية لرحالة عربي أرسله أحد الخلفاء العباسيين سفيراً إلى الفايكنج، ويظهر الفيلم الفرق الحضاري الكبير لصالح المسلمين، ولكن للأسف لم يحقق الفيلم نجاحاً كبيراً عبر شباك التذاكر!

اقرأ أيضاً: فيلم "بيروت": السرديّة الأمريكيّة عن الحرب الأهليّة اللبنانيّة

وبحسب ما أوضح مدرّس النقد السينمائي بأكاديمية الفنون المصرية، الدكتور نادر الرفاعي لـ "حفريات": "من غير الصحيح أن نظنّ أنّ هناك فنّاً غير موجه، فالسياسة التي تحكم عالمنا لا تستثني الفنّ من سطوتها، فكلّ فيلم يُقدّم على الساحة العالمية، ويشتبك مع قضايا مهما بدت في بساطتها، يحمل مغزى سياسياً، لتوجيه الرأي العام، وترويض الشعوب على ما يمارس من قبل أنظمنتها تجاه قضايا معينة، فرغم الحروب التي تشعلها الولايات المتحدة تجاه العرب والمسلمين، تحاول تخدير شعوبها بتلك الأفلام، التي تقول لعقول الأمريكيين: هؤلاء يستحقون القتل!".

الملصق الدعائي لفيلم "سيريانا"

هل تحرك السياسة المحافل السينمائية؟

وعلى الصعيد العالمي؛ لطالما شغلت القضايا السياسية بال مسؤولي بعض المحافل السينمائية الدولية، التي توزِّع جوائزها وفق قواعد (التريند) أو الميل العام؛ ففي العام 2004، حصل الإسرائيلي عاموس غيتاي، على جائزة مهرجان "فينيسيا" للسلام، وهو أهم مهرجان أوروبي للسينما، عن فيلمه "أرض الميعاد"، الذي يصوّر عملية ترحيل مجموعة من الفتيات الروسيات إلى إسرائيل عبر سيناء المصرية، ومشاركة الفلسطينيين وبدو سيناء المصرية في عمليات التهريب، وممارساتهم الوحشية العنيفة ضدّ الفتيات؛ فإن كان الطابع الظاهري للفيلم يحكي عن جحيم أرض الميعاد، التي صوّرها كملهى للدعارة؛ فإنّ الشقّ الظاهر، والأكثر بروزاً في الفيلم؛ كان وحشية العرب الذين يظهرون كتجار للنساء، لا يقلّون وحشية عن إسرائيل التي تحتل أرضهم.

جاك شاهين

ثمّ أطلّ الهولندي، ثيو فان جوخ، العام 2005، في فيلمه "كوول"، الحائز على أفضل مخرج في مهرجان "روتردام"، والفيلم لا يحمل تشويهاً موضوعياً قابلاً للأخذ والردّ، إنما هو نقد الممارسات والشعائر، وكلّ ما يفعله المسلمون؛ فهو عبارة عن مشاهد متصلة منفصلة بسلسلة من لوحات ساخرة، فهناك فتاة تقف في صلاة الجماعة، ترتدي النقاب والنصف السفلي لجسدها عارٍ، وأخرى عارية مكتوب على ظهرها بضع آيات من القرآن الكريم، لكن ببعض التأمل في حياة المخرج؛ فإنّ تاريخه حافل بالهجوم على الإسلام والمسلمين، بشكل غير موضوعي، إنّما من أجل التشويه والكراهية فحسب.

هجمات مرتدة

في فيلمه "مختبئ"، العام 2005، يقدّم النمساوي "مايكل هانيكاه"، صورة موضوعية للعرب ضحايا الاستعمار، وبالأخص فرنسا، التي استعمرت الجزائر قرابة قرن ونصف القرن، ويقدم الإرهابي الذي يخشاه المجتمع الغربي، كنتيجة طبيعة لما فعله الاستعمار من تمزيق لثروات تلك المجتمعات، ومجازر جماعية لن يمحوها الزمن، وما تزال عالقة في الذاكرة الجمعية للشعوب.

أمير العمري: الأحرى بالسينما العربية أن تدافع عن صورة العرب والمسلمين باللحاق بركب المنافسة العالمية

أما الإيطالي، ماركو توليو؛ فقدم العام 2005 فيلمه "طالما ولدت لا تستطيع الاختباء بمنظور إنساني شجاع"، ويحكي قصة أحد الأطفال المهاجرين عبر البحر المتوسط، إلى أوروبا هرباً من ويلات الحرب، وثنائية هرب العرب إلى أوروبا، واختباء الأوروبيين منهم، كمحتلين جدد قادمين لنهب ثرواتهم.

وهو ما حاول الفيلم نسفه، كمعتقد راسخ في المجتمعات الأوروبيّة، وتذكيرهم بما فعلت بلدانهم بتلك الدول التي مزقتها ويلات الحرب، وأنّ هذا الثراء الذي يتمتع به الأوروبي قادم من استنزاف ثروات تلك الشعوب، وقضايا المهاجرين ليست سوى ضريبة تدفعها أوروبا لجرائمها في حقّ العرب.

مايكل هانيكاه

يعلق الناقد والكاتب المصري، أمير العمري، على الوجه المضيء للسينما الغربية في قضايا العرب قائلاً لـ"حفريات": "ليس من المستغرب أن يقدّم العرب بتلك الصورة في السينما الأمريكية، طالما يتحكّم اللوبي الصهيوني في الساحة الفنية العالمية، لكن ما قدمه هانيكاه وتوليو، وهو ليس بالجديد على فنهم المستقل، يعدّ مقاومة ومعارضة فنية للخطة الممنهجة التي تمارسها هوليوود بحقّ العرب، لكنّ الأحرى بالسينما العربية أن تدافع عن نفسها، مسرعة إلى حلبة المنافسة العالمية، دفاعاً عن قضايا شعوبهم التي دمرها الاستعمار الطويل".

اقرأ المزيد...

الوسوم: