كيف نربّي قنّاصاً بارعاً؟

تحظى مفردة الانضباط في كافة المجتمعات بسمعةٍ جيدة؛ فهي مرادفٌ قويٌّ للإدراك العام للنظام، كما أنّنا نعلي من شأنها ونضعها في زمرة القيم الإيجابية، فنمتدح كلّ ما هو منضبط، وعادةً ما تكون الحصة الأكبر في المديح للقائم على فعل الضبط، إن كان رئيساً أو ضابطاً أو مديراً أو معلماً أو ربّ أسرة، فما العلاقة التي تربط الضابط بالمنضبط؟ وهل هي حقاً علاقة إيجابية لتنتج قيمةً إيجابية؟

الخوف الذي لم يُنتج سوى انضباط خارجي سيقف عائقاً أمام أي إبداع وسيحرس الرتابة والسأم

قد تفيد الدلالة الصرفية للانضباط في فهمه من زاويةٍ أخرى؛ فالوزن الصرفي (انفعال)، مصدر (انفعل)، يدل على المطاوعة، (كسرته فانكسر)، ولكن (ضبطته فانضبط انضباطاً) لا تحيل على المطاوعة بمقدار ما تحيل على الطاعة، وبهذا لا يمكن فهم الانضباط من دون الطاعة التي يتشكّل منها، وربما سنلاحظ أنّ الطاعة المتلخّصة عسكرياً بالقانون الانضباطي "نفّذ ثم اعترض"، تسري في جميع مجالات الحياة، وخاصةً في مجتمعاتنا.
إذا نظرنا إلى سلوكنا مع أطفالنا، سنجد أنّ جلَّ اهتمامنا ينصبّ في البيت أو المدرسة على ضبط حركاتهم وسلوكهم وأفكارهم وطموحاتهم، نحن نعمل طيلة الوقت على برمجة انفعالاتهم، باستخدامنا المنفعِل لسلطة الأمر والنهي، ومن الواضح أنّ قانون "نفّذ ثم اعترض"، الذي يسري مفعوله داخل دوائر التربية، قد تمّ تعديله ليصبح نفّذ ولا تعترض؛ فالمعارضة في أبسط صورها تشكّل تهديداً وجودياً لأيّ سلطة، ولكن بالمقابل الصرخات المكتومة بفعل الخوف، لن تكون سوى انضباط مؤقت، ستتبدى صورها في أشكال العدوان المختلفة؛ لأن الانضباط المحكوم بالرقابة الخارجية سيتلاشى فور غياب هذه الرقابة.

اقرأ أيضاً: لماذا لم نتعلم كيفية العد إلى عشرة؟
فالطفل المنضبط هو طفلٌ مبرمج، صُمّمت إدراكاته بمقتضى الطاعة والخضوع؛ حيث الإيقاع الواحد، سيلغي كمِّ التجارب والاكتشافات والإبداعات والأسئلة، التي كانت ستمنح حياته ألواناً متعددة وفهماً أشمل؛ والمبادئ والقيم التي تُلقَّن للطفل أو بالأحرى تُفرض عليه، لن يتلقاها إلا كجُملٍ تهديدية ستسهم في تغييب الالتزام الأخلاقي والإنساني؛ لأننا لا نربي الحرية داخل أطفالنا، نحن نربي فقط في دواخلهم الخوف من الحرية، فعبر أنظمة العقوبة التعسفية تم صناعة الخوف، وهو الضامن الوحيد للحفاظ على أية سلطة.
الخوف الذي لم يُنتج سوى انضباط خارجي سيقف عائقاً أمام أي إبداع، وسيحرس الرتابة والسأم، وما نمنحه إياه من قيمة إيجابية هو ليس كذلك بالنسبة لأطفالنا؛ لأنّ إيجابيته تكمن في السيطرة، السيطرة التي تضبط قلقنا وتضاعف خوفهم؛ فأن نأمر ونُطاع هو أقصر وأسهل الطرق، لنضبط أطفالنا على إيقاعٍ واحد، ولكنه في النهاية ليس سوى إيقاعنا الأناني الذي لن يسمح لنا أن نتعلم "كيفية بناء البيئة المناسبة لنمو طفلنا، بدلاً من السيطرة عليه"، بتعبير ألبرت باندورا، وقد تنجح أنانيتنا في خلق طفلٍ منضبط، ولكنها بالتأكيد ستفشل في جعله يفهم ويدرك، ما دام الخوف هو من يحدد مساره، وليس رغبته بهذا المسار.

اقرأ أيضاً: "السوار الأرجواني"...هل هو حلّ لتذمّرنا؟
"لا تصرخ.. لا تبكي.. لا تضحك.. لا تفعل"، سلسلة من الأوامر والنواهي تتعارض مع طبيعة الطفل ونموّه، تجعله في سعيٍ دائم للانفلات من دوائرنا الضيقة على خطواته، وما بين محاولتنا لشده إلى دوائرنا، ومحاولته الانفلات منها، سنجعل منه قناصاً بارعاً في اصطياد فرص الانفلات من كل شيء، الجيد والقبيح لا فرق؛ فالعقوبات التي يتعرض لها الطفل، ما هي إلا جرعة مخففة عن العقوبات القانونية والاجتماعية التي يتعرض لها الراشد، والتي كلما اشتدت على الطفل ستزيد مناعته ضد الانضباط نفسه المفتقد للديمقراطية، "الديمقراطية التي تعلّم الطفل المسؤولية إلى جانب الحرية"، بتعبير بيكي بيلي، في مقالته "الانضباط الواعي".

اقرأ أيضاً: حتى لو عفوتُ عنك... أنت لست بريئاً
يقول روبرت دبليوبونج: "إنّ الحرية الحقيقية ليست أن نكون أحراراً من كل شيء، ولكن أن نكون أحراراً لعمل شيءٍ ما". فإذا كان الانفلات هو أن نكون أحراراً من كل شيء؛ فإنّ الانضباط بالمقابل لا يسمح أن نكون أحراراً في عمل شيءٍ ما، وبالتالي الانفلات هو نتيجة لمقدمة خاطئة، المقدمة التي سيّرت كل فرد إلى المكان الذي لا يحبه، ومع غياب الحب سيكون هناك تناسبٌ طرديٌ ما بين الانضباط والانفلات، وسيكون الفرد كرةً تتقاذفها هاتان القوّتان، وسيكون مقهوراً لا يطيق ما يُمارس عليه، وتائهاً لا يعي ما يرغب أن يكونه.

المعارضة في أبسط صورها تشكّل تهديداً وجودياً لأيّ سلطة، وبالمقابل الصرخات المكتومة بفعل الخوف لن تكون سوى انضباط مؤقت

إنّه الخلط المتعمَّد بين الانضباط الذي يتحقق بالإلزام، والالتزام الذي يتحقق بالوعي، فلا يمكن أن نكون ما نرغب، إلّا حين يصبح الانضباط واعياً؛ أي يصبح التزاماً، يستند إلى تفكيرٍ نقدي تأملي "يهذب الذات قبل محاولة تهذيب الآخرين، فمن خلال الإدراك الواعي للآخرين ولأنفسنا نستطيع أن نختار بوعي نتائج أفعالنا الحياتية"، بتعبير بيكي بيلي، وإلا فإنّ الانضباط  لن يكون سوى أداة من أدوات القسر والقمع، يعمل على تغييب الوعي، ويكفل بقاء البنى التراتبية التسلطية واستمرارها؛ فتزايد السجون واتساعها، نتيجة الانفلات الذي تعيشه مجتمعاتنا الآن، وليس وليد الأزمات والحرب، فهاتان لم تكونا أكثر من بوابة لهذا الانفلات الذي أتى كردة فعلٍ على مسيرة قمعٍ طويلة مورست على الفرد تحت مسمى الانضباط، وها نحن الآن أمام انضباطٍ يدعم الحرب بدل أن يوقفها.     
في النهاية لابدّ من القول مع الفيلسوف الفرنسي سارتر: "لا توجد حرية من دون اختيار، ولا يوجد اختيار من دون التزام"، هذا الالتزام بالشرط الإنساني، هو الضفة التي تبتعد رويداً رويداً، طالما مازلنا مأخوذين بأوهام التفوّق، والتي قد يكون الانضباط أحد أهمّ صورها؛ فهل يمكننا أن نتوقف قليلاً، وننظر إلى الجحيم الذي نحن فيه؟ وإذا كان لا مفرّ منه، أليس بمقدورنا أن ننأى بأطفالنا الذين أنجبناهم، والذين لم ننجبهم بعد، عن هذا الجحيم؟

الأقسام: