كيف نصنع نظاماً تربوياً يبني شخصية المتعلّم العربي؟

صورة ذوقان عبيدات
أكاديمي وتربوي أردني
1222
عدد القراءات

2018-12-03

كلّ نظام تعليمي يتكوّن من نتاجات تعليمية؛ وكي نكوّن نظاماً تعليمياً عربياً، فنحن في حاجة إلى تصميم نتاجات عامّة للطالب العربي، وتتكوّن من معارف ومهارات وقيم، تبني شخصية المتعلم العربي، ويجب أن تتوافر لديه عند تخرجه من المدرسة الثانوية، وربما تكون هذه النتاجات أساساً لنظام تعليمي عربي، يجمع ما لم تجمعه السياسة أو الاقتصاد.

المتعلم الناجح من يمتلك مهارات عقلية وجسمية وذكاءً عاطفياً وتواصلاً اجتماعياً

ولا بدّ لهذه النتاجات من معايير تربوية تستند إليها، وإذا كانت الرؤية هي "شخصية عربية حديثة"؛ فإنّ معايير بناء هذه الشخصية هي:

أولاً: معيار الحداثة وما تتضمنه من انفتاح على الفكر العالمي الجديد، والنظريات الحديثة في العلوم المختلفة، حتى يمتلك المتعلم العربي كفاية فهم التغيرات السريعة، والمشاركة فيها أيضاً، فيصبح قادراً على الانطلاق نحو المستقبل.

اقرأ أيضاً: 6 طرق دولية مبتكرة لتطوير التعليم في المدارس

والمستقبل لم يعد عَرضاً قادماً سيأتي بعد فترة من الزمن؛ بل ربما هو زمن أتى منذ فترة، وداهم الناس دون علم منهم، فالمستقبل جاء منذ زمن، ويفترض على الناس اللحاق به، ولا بدّ من التمييز بين أنواع متعدّدة للمستقبل، هي: مستقبل أتى، ومستقبل قد يأتي، ومستقبل سوف يأتي، ومستقبل لن يأتي (نظرة متشائمة)، وكلّ مستقبل منها يخضع لقدرة الإنسان على التخطيط، والإعداد له، فكلّ ما يفعله المرء اليوم يحدّد جزءاً من مستقبله.

إذاً؛ المطلوب هو نظام تربوي ينقل الطالب من الماضي إلى المستقبل والحاضر، ومن الحلول السابقة إلى حلول جديدة، ومن تراث سلبي إلى تراث حيّ وفاعل.

نحتاج إلى فلسفة تربوية تعلي قيمة العقل وقدرته على حلّ المشكلات، وتثق في المتعلم وإمكانيّاته

ثانياً: معيار التفكير الناقد: ويتضمّن قيم التأمّل والشكّ، والتفحّص، والتحليل، والمراجعة، وعدم قبول الحلول الجاهزة، أو عدم قبول نصوص تمنع مناقشتها، وكما قال روسو: "عليك أن تقرأ أيّ نصّ عدة مرات حتى تجردّه من هيبته وتستطيع نقده أو فهمه"، فالتفكير الناقد معياره العقل، والعقل هو من يحكم على صحة المواقف والأخبار والأحداث والشائعات، وبالتفكير الناقد يتمّ تقييم الشكّ والتأمّل، وكشف المغالطات والتناقضات، وتطبيق قواعد المنطق الأساسية، وبذلك يخلو النظام التعليمي المقترح من أصول التلقين ومبرّراته، ويتفرغ المنهاج التعليمي لمناقشة أحداث تسهم في تكوين شخصية الطالب ومن خلال خياراته الحرة.

ويرتبط التفكير الإبداعي بالتفكير الناقد؛ حيث يتطلب الإبداع نفي المسلَّمات أحياناً، أو عكسها، أو تشويهها للوصول إلى أفكار جديدة، حتى إن كان النفي موافقاً لغايات التحرّر من هذه المسلّمات، والبحث عن جديد.

اقرأ أيضاً: هل يهدد التعليم الديني الإسلامي علمانية أوروبا في عقر دارها؟

مثلاً؛ يذهب الطلاب إلى المدرسة؛ هذه مسلَّمة يعني نفيها: لا يذهب الطلاب إلى المدرسة، وبذلك تتولد أسئلة مثل: أين يذهبون إذاً؟ ومَن سيذهب بدلاً منهم؟ وأسئلة أخرى تفتح الإجابات عنها باب الإبداع.

ثالثاً: معيار استدامة التعلّم؛ فالتعلّم ليس محطة نهائية؛ بل هو رحلة متواصلة مستمرة، فالطالب متعلّم، والمعلم متعلّم، والمدرسة متعلّمة، ويفترض أن يعيش الجميع في مجتمع متعلّم، وقد يعرَّف التعلّم بأنّه: "ما يبقى مع الطالب بعد أن ينسى المعلومات والحقائق التي تعلمها في المدرسة"، وعليه أن يستبدل المعلومات السابقة بالمعلومات السابقة التي تعلمها، في عملية دائمة، وبذلك يكون المتعلم العربي، متعلماً نامياً قادراً على فهم التغيير والتعامل معه.

المستقبل لم يعد عَرضاً قادماً سيأتي بعد فترة؛ بل ربما هو زمن أتى منذ فترة وداهم الناس دون علمهم

هذه إذاً معايير أساسية، وتوجد معايير أخرى مثل: معيار المنفعة والفائدة، ومعيار حاجات المتعلم، وحاجات المجتمع.

كي يكون المتعلم العربي ناجحاً، فإنّ المجتمع مطالب بتأمين متطلبات النجاح له، المتمثلة في فلسفة تربوية جديدة تعلي قيمة العقل وقدرته على حلّ المشكلات، وتثق في المتعلم وإمكانيّاته في الوصول إلى التفوق، ويمكن تحديد ملامح هذه الفلسفة التربوية بالآتي:

أولاً: مهمة التربية ليست نقل التراث؛ بل تطوير نماذج جديدة تواكب مختلف التطورات في شتى مجالات الحياة.

اقرأ أيضاً: حركة اجتماعية روحية لليوغا تطوف قرى مصر لتعليم الأطفال الحب

ثانياً: مهمّة التربية ليست الإعداد للحياة؛ بل دمج المتعلم العربي في الحياة نفسها؛ فلا نضحّي بحاضرنا وحاجات المتعلمين ومتطلباتهم الحاضرة من أجل الماضي، أو حتى المستقبل، وكلّ ما يحتاج إليه المتعلم؛ هو اكتساب أدوات الحياة والقدرة على مواجهة تغيراتها.

ثالثاً: مشكلات الحياة ليست مجزّأة وتفصيلية، وكلّ موقف يواجه المتعلّم هو موقف كلّي، ولا يعتمد على معلومة معينة من مادة دراسية معينة، فكتابة رسالة، مثلاً، تتطلب تضافر مهارات كتابية وبروتوكولية ومنطقية واجتماعية، ولياقات وقيم وأخلاقيات، فكيف بالمشكلات الحقيقية؟!

المطلوب نظام تربوي ينقل الطالب من الماضي إلى المستقبل والحاضر

رابعاً: إنّ المتعلم إنسان، ليس مجرَّد طالب أو تلميذ، وعلى النظام التعليمي أن يقدم له حاجاته كإنسان يعيش أربعاً وعشرين ساعة يومياً، ومن حقّه خلال هذه الساعات، أن يمارس مهارات وهوايات، وأن يشارك في نشاطات غير مدرسية، ولا يجوز لأيّ نظام تعليمي ملاحقة الطالب في منزله وساعات راحته.

خامساً: ما يقدَّم للطلبة من معارف في المدرسة ليس هو الهدف؛ إنما مجرّد وسيلة لقيادتهم نحو نموّ متكامل لشخصياتهم، فالمواد الدراسية لا تبقى معهم، وغالباً ما تنسى لعدم ارتباطها بحياتهم العملية، فالتعلّم كما عرّفناه سابقاً؛ هو "ما يبقى مع الطلبة بعد أن ينسوا ما تعلموه من معلومات"، فإذاً؛ لا يجوز للطلبة أن يتعلموا المادة الدراسية، بل عليهم أن يتعلموا "بالمادة الدراسية"، ما يشير إلى أنّ المادة التعليمية هي أداة وليست هدفاً.

اقرأ أيضاً: المدارس الذكية تقلب الإصلاح التعليمي رأساً على عقب

سادساً: يجب أن يتعدّى تقييم الطلبة تقويم معارفهم من خلال الامتحانات؛ فالتعلم هو ما يحدث في الشخصية، ويصير جزءاً منها؛ لذلك فإنّ المتعلّم الناجح ليس من يَجتاز الامتحانات التقليدية، بل من يمتلك مهارات عقلية وجسمية وذكاءً عاطفياً وتواصلاً اجتماعياً، فقاعدة التقييم تقول: ليس كلّ ما يقاس يستحق القياس، وليس كلّ ما لا يمكن قياسه لا يستحق القياس.

هذه إذاً بعض الملامح لفلسفة تربوية حديثة، قد تؤسس لبناء فلسفة تربوية عربية.

اقرأ المزيد...

الوسوم: