كيف نظرت الأديان إلى السماء؟ وما هي أشهر المعتقدات المرتبطة بها؟

السماء.. هي ذلك اللون الناتج عن انعكاس أشعة الشمس عند عبورها في طبقات الغلاف الجوي، هذا ما نعرفه اليوم، لكنّ الحال كان مختلفاً في الأزمنة القديمة؛ حيث كان الاعتقاد بأنّ السماء سقف ملموس محيط بالأرض، فكانت دوماً موضوعاً للتأمل والنظر؛ فانبهر الإنسان بلونها الأزرق الصافي، واتساعها اللامحدود.
مكان تواجد الآلهة
رأى الإنسان كيف تأتي الحياة من السماء؛ فمنها ينزل الماء، وتأتي الحرارة المنبعثة من الشمس، وعند نزول الليل، يظهر فيها القمر والكواكب والنجوم، التي تنير الليالي المظلمة وتهدي المسافرين، كل ذلك جعل الإنسان ينظر بهيبة وإجلال، وجعلها تقترن عنده بهالة من القداسة، وارتبطت بها معتقدات عديدة في مختلف الثقافات والأديان.
كانت السماء عند أكثر الشعوب القديمة هي العالم والمكان الذي تستقر فيه الآلهة، وعند الشعوب الهندوأوروبية وشعوب الشرق الأدنى القديم، تتكرر صفة "إله السماء" أو "أب السماء"، والذي هو كبير الآلهة وإله السماء الرئيسي، فنجد في الهندوسية "إندرا" إله الحرب والطقس وملك الآلهة ورب السماء، وعند الإغريق، نجد "زيوس"، إله السماء والبرق والصواعق، ويقابله عند الرومان "جوبيتر"، ملك الآلهة الرومانية وإله السماء.

اقرأ أيضاً: الزمن من منظور الأديان.. لماذا ليست كلّ الأيام سواء؟

وفي كثير من الثقافات والأديان، كان يُنظر لإله السماء الرئيسي باعتباره آلهة أنثى، كانت تحمل غالباً لقب "ملكة السماء"، كما نجد مع الآلهة "إيزيس" عند الفراعنة، و"عشتروت" عند البابليين، و"إنانا" عند السومريين، و"العزى" عند العرب. وتطوّر هذا المعتقد لاحقاً بأشكال أخرى، كما ظهر في صورة وأوصاف "مريم العذراء" في المسيحية.

الإله الهندوسي "إندرا" يركب على فيل عجائبي ويجوب في السماء

الأجرام الآلهة

بالإضافة للاعتقاد بتواجد آلهة في السماء، ظهرت الاعتقادات بألوهية الأجرام السماوية ذاتها، خاصّة الشمس والقمر. كما نجد في عبادة الشمس المنتشرة قديماً، باعتبارها إلهاً أو أحد آلهة السماء، وجاء جانب من التقديس والإجلال لها بسبب كونها مصدر الطاقة والحياة على الأرض.

كان الإله "سين" أشهر آلهة القمر وانتشرت عبادته في الشرق القديم حتى اشتق اسم شبه الجزيرة "سيناء" من اسمه

وفي مصر القديمة، كان الإله "رع" يمثل إله الشمس الرئيسي، وقد نُسجت الأساطير حول رحلة كفاحه الليلية ضد قوى الظلام والشرّ في العالم السفلي بعد غروبه نهاية كل يوم، حتى يستطيع الظهور في صباح اليوم التالي من جديد، فتقول الأسطورة بأنه: كان يركب مركباً مقدساً ويعبر اثنتي عشرة بوابة، وهي عدد ساعات الليل، مواجهاً الأخطار التي تقابل مركبه حتى يتمكن من عبورها جميعاً. وقد ظهرت صيغ قريبة من هذا المعتقد في أديان لاحقة، كما نجد في الإسلام، حيث نُقل عن النبي - عليه السلام - حديثه لأبي ذر الغفاري، رضي الله عنه، بأن الشمس تذهب كُلّ ليلة "حتى تسجد تحت العرش"، فإذا أُذن لها عادت لتشرق من جديد، وتبقى كذلك حتى يكون يوم القيامة، فحينها لا يؤذن لها فتخرج من المغرب (صحيح البخاري وصحيح مسلم، بروايات مختلفة).
وكان الإله "سين" أشهر آلهة القمر، وهو الإله في بلاد بابل وآشور، وانتشرت عبادته في أرجاء واسعة من الشرق القديم، حتى اشتق اسم شبه الجزيرة "سيناء" من اسمه.

يواجه إله الشمس "رِع" قوى الظلام العالم السفلي حتى يتمكن من الظهور مجدداً في صباح اليوم التالي

من الآلهة إلى الملائكة

مع ظهور الديانة اليهودية، ساد الاعتقاد بوحدانية الإله، ولكن بقي الاعتقاد بوجوده في السماء، ويَذكر سفر التكوين قصة بناء "برج بابل"، حين حاول سكان المدينة بناء برج شاهق للوصول إلى الإله في السماء، قبل أنْ يمنعهم الإله من ذلك عندما بلبَلَ ألسنتهم وفرقها، فاختلفوا ولم يتمكنوا من مواصلة البناء.

اقرأ أيضاً: ما أسباب اهتمام الأديان بشَعر الرأس واللحى؟

وبسبب الاعتقاد بالإله الواحد "إلوهيم"، انتهى الاعتقاد بوجود الآلهة العديدة - كما كان الحال في الأديان الوثنية السابقة - وعوضاً عنها تحدثت التوراة عن وجود ملائكة بديلة عنها، وهي موجودة في السماء أيضاً وتقوم بالأدوار المختلفة التي كانت تقوم بها، فهناك ملاك مسؤول عن نزول المطر، وآخر عن الموت، وهكذا، جاء في سفر الملوك: "رأيت الرب جالساً على كرسيّه، وكل جند السماء وقوف لديه عن يمينه وعن يساره"، وفي سفر التكوين: "ونادى ملاك الله هاجر من السماء"، وفيه أيضاً: "ونادى ملاك الرب إبراهيم ثانية من السماء".

بحسب التوراة حاول سكان بابل بناء برج للوصول إلى الإله في السماء

مملكة السماء
في المسيحية، استمرت المعتقدات اليهودية الواردة في العهد القديم، ولكن عِوضاً عن الاعتقاد بوجود "إلوهيم" صار الاعتقاد بوجود "الإله الأب" في السماء، واستمر الاعتقاد بوجود الملائكة في السماء ونزولها منها في حالات محددة.
كما جاءت المسيحية بمعتقدات جديدة متعلقة بالسماء، ومن ذلك ما قاله المسيح حين سأله الحاكم الروماني بيلاطس: "أنت ملك اليهود؟" فأجابه: "مملكتي ليست من هذا العالم" (يوحنا: 18)، وجاء تفسير المملكة المقصودة في مواضع أخرى بأنها "مملكة السماء" وهي "الجنة".

اقرأ أيضاً: بالصور.. الحج تاريخياً.. كيف كان وكيف أصبح؟

ويعتبر حَدَث "قيامة المسيح" حدثاً رئيسياً في المسيحية، وهو الحدث الختامي في حياة يسوع على الأرض؛ حيث صعد إلى السماء بعد صلبه، وهو موجود فيها حتى يجيء موعد نزوله من جديد في آخر الزمان، بحسب المعتقدات المسيحية، جاء في سفر "أعمال الرسل": "أيها الجليليون، ما بالكم واقفين تنظرون إلى السماء؟ إنّ يسوع هذا الذي ارتفع إلى السماء سيأتي هكذا كما رأيتموه منطلقاً إلى السماء".

يعتقد المسيحيون أن يسوع ارتفع إلى السماء بعد صلبه وهو موجود هناك حتى يحين موعد نزوله

سبع سماوات طباقاً

وفي الإسلام أيضاً، تكرر الاعتقاد بأنّ الله، عز وجل، موجود في السماء، فجاء في الآية الكريمة بالقرآن الكريم: "أأمنتم من في السماء أنْ يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور، أم أأمنتم من في السماء أنْ يرسل عليكم حاصباً" (المُلك)، وفي الآية: "إليه يصعد الكلم الطيب" (فاطر)، وفي حديث الجارية التي سألها النبي عليه السلام: "أين الله؟" قالت: "في السماء"، قال: "اعتقها فإنها مؤمنة" (صحيح مسلم)، والحديث: "إذا كان ثلث الليل الأخير نزل ربكم إلى السماء الدنيا…". وقد اختلفت المدارس الكلامية الإسلامية بين مُثبت للنصوص كما هي، وبين من اختار تأويلها - كالأشاعرة - واعتبارها من المجاز، كما ظهرت اتجاهات صوفية بين المسلمين تجاوزت هذه النصوص وآمنت بأن الله، عز وجل، حالّ في كل مكان من الوجود عُرفت بـ "الحلولية".

جاء النصّ في عدّة مواضع من القرآن بأنّ الله خلق سبع سماوات بعضها فوق بعض

وفي قصة شبيهة بقصة برج بابل، ذكر القرآن الكريم قصة فرعون ومحاولة الوصول إلى الإله الذي دعاه موسى وهارون للإيمان به: "وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحاً لعلّي أبلغ الأسباب".
وتواصل الاعتقاد، في الإسلام،  بالملائكة ووجودها في السماء، جاء في الحديث: "أطّت السماء وحُقّ لها أن تئطّ؛ ليس فيها مكان إلا فيه ملك قائم، أو راكع، أو ساجد".
وجاء النصّ في عدّة مواضع من القرآن الكريم بأنّ الله خلق سبع سماوات بعضها فوق بعض: "الذي خلق سبع سماوات طباقاً" (المُلك)، وهو اعتقاد تعود بداية ظهوره إلى ديانات بلاد الرافدين، فجاء ذكر السماوات السبع والأرضين السبع لأول مرة في التعويذات السومرية، والتي تعود إلى الألف الثالثة قبل الميلاد.

اقرأ أيضاً: ما لا تعرفه عن ديانة الزن

كما جاء الاعتقاد بأنّ عدداً من الأنبياء رفعوا إلى السماء، كإدريس والمسيح، عليهما السلام. وبحسب المعتقدات الإسلامية، فإن النّبي محمد - عليه السلام - عندما عَرَجَ إلى السماء في "ليلة الإسراء والمعراج"، التقى بعدد من الأنبياء في مروره على السماوات السبع. وتحكي القصّة أنّه عرج على ظهر دابة "البُراق" حتى وصل أعلى مراتب السماء، جاء في الآيات الكريمة: "ولقد رآه نزلة أخرى، عند سِدرة المنتهى، عندها جنة المأوى، إذ يغشى السدرة ما يغشى، ما زاغ البصر وما طغى، لقد رأى من آيات ربّه الكبرى" (النجم).
وبحسب معتقدات نهاية العالم في الإسلام، فإنّ الناس يُبعثون من قبورهم ثم يرتقون جميعاً إلى السماء في عملية اسمها "النشور"، وهناك تجري أحداث الحشر والحساب.
كما تشير النصوص الإسلامية إلى أنّ مكان وجود الجنة هو في السماء، وبأنّ أعلى طبقة منها هي "الفردوس" والتي يعلوها مباشرةً العرش الذي يستوي عليه الله، عز وجل، جاء في الآية الكريمة: "إنّ الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تُفّتّح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة"، وجاء في الحديث: "إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس؛ فإنه أوسط الجنة، وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن".

حائط البُراق الذي يعتقد المسلمون بأن النبي ربط دابة البُراق إليه قبل أن يمتطيها في رحلته إلى السماء

هكذا تفاوتت الأديان والمعتقدات في تفصيل المعتقد والأسطورة المرتبطة بالسماء، ولكنّها بقيت متفقةً على اعتبارها فضاء مرتبطاً بكل ما هو مقدس.

 

الأقسام: