كيف نفهم الصّراع في العالم العربيّ؟.. الباحث مجدي عبدالهادي يجيب

7816
عدد القراءات

2018-09-23

أجرى الحوار: كريم محمد


قال المختص في التنمية الاقتصادية والسياسيّة لمصر والشرق الأوسط، مجدي عبد الهادي، إنّ استعصاء مشاكلنا في العالم العربي عائد إلى "علاقات الإنتاج" التي تحكمُ هذا الواقع المهزوم.

ويرى أنّ نمط الإنتاج العربي "شاخ وبلغ سقفه قبل أن يحقق آثاره التقدمية المُفترضة"؛ إذ يتضمّن عدداً من الاحتجازات المتشابكة تعمّق مشكلاته دون أن تبلّور قوىً أو تفتح أبواباً للتغيير.

وفي حوارٍ له مع "حفريات"، يسلط عبدالهادي الضوء على عدد من الإشكالات التي يمكن الاسترشاد بها في فهم الصراع الدائر في العالم العربيّ. كما يتناول أزمة اليسار واليمين، وصعود الشعبويات في الغرب، محاولاً تقديم إجابات مناسبة، بعيداً عن التعليبات الجاهزة لمثل هذه الحالات.

وبخصوص الإسلاميين ودورهم في الواقع العربيّ، يرى عبد الهادي أنّ أغلب التحليلات الشائعة بشأن الإسلاميين هي "ثقافويّة"؛ أي تحليلات تريح نفسها من فهم الواقع، إلى رفعه لسدّة الثقافة والتجاوز والأبديّة لتقول إنّ الفشل صنيعٌ ذاتيّ، ويأتي من الثقافة التي تنتجُ على المستوى السياسيّ والثقافيّ هذا الفشل.

اقرأ أيضاً: شكل الشرق الأوسط عام 2018

يُذكَر، أنّ مجدي عبدالهادي، باحث ومترجم،  ألف عدداً من الكتب، من بينها "منظومة الإفقار الرأسماليّ"، إلى إجانب مساهماته البحثية المهمّة كـ "التنمية بين اليمين واليسار"، كما عمل عبدالهادي على ترجمة عديد الأبحاث والكتب؛ منها كتب علي القادري التي سترى النور قريباً؛ تلك الأعمال التي تعتبرُ الأحدث فيما كتب نظرياً فيما يتعلق بالتنمية والعالم العربيّ.

وهنا نص الحوار:

لعلّه بات من المكرور القول إنّ العالم العربيّ يمرّ بتغيّرات بِنيويّة منذ فترة طويلة، ولكنّ ما حدث في ٢٠١١ باعتباره ثورةً على الأنظمة في عددٍ من البلدان (مصر، تونس، سوريّة، اليمن، ليبيا...) يحتلّ البراديغم التفسيريّ اليوم من المحللين المعنيين بالشأن العربيّ عموماً. برأيك، وأنت معنيّ بالتنميّةِ والتغيرات الهيكليّة ودراسات طبيعة اقتصادات المراحل المختلفة لتاريخٍ كبير كالتاريخ المصريّ، لماذا يواجه العالمُ العربيّ هذا العجز في تطوير نفسه، وإجهاض كلّ إمكان تقدميّ محتمل؟

تتطلب الإجابة على هذا السؤال، أنّ نحدد أولاً ماذا نعني بـ "الإمكان التقدمي" في السياق التاريخي الحديث عموماً (كدليل استرشادي) ولدينا خصوصاً (انطلاقاً من الدراسة الملموسة)، ولاشك أن هذه مهمة كبيرة لسنا في محل حلّها هنا، ولكن كخطوطٍ عامة يمكن القول باعتمادها على محورين؛ الأول هو "الاسترشاد التاريخي النقدي" الذي نبني من خلاله تصوّراً "ماكروتاريخي" يحدد الضرورة التاريخية العامة في إطارٍ من الوعي بالخصوصيات (ما يحتّم أن يكون استرشاداً نقدياً)، أما الثاني فهو "الخيال المنهجي المعياري"، الذي ينطلق من بناء معالجات لجزئيات الواقع الملموس وفقاً لمعايير تقدمية ذات جذر مادي تبلور لنا محاور عمل "ميكرواجتماعية"، والربط بينهما لتحقيق وحدة الإستراتيجي والتكتيكي، وهو ما ينتهي في تصوّري المتواضع، الذي لست في محلّ بسط تفاصيله في هذا السياق، إلى "التصنيع المُستقل" كمهمة تاريخية، و"مطاردة الريع" كممارسة تكتيكية.

وبما أنّ الحديث على مستوى التغييرات البنيوية، فلا بد أن يبدأ حديثنا في سياق السياسة، كما في الاقتصاد والتنمية، من "نمط الإنتاج" باعتباره المقولة الأكثر مركزية، ونقطة البدء المنطقية في سياق مناقشة "اقتصاد سياسي" بطبيعتها كتلك.

اقرأ أيضاً: الصراع على السلطة من دولة الخلافة إلى واقعنا المعاصر

وبتطبيق منهجية "الاسترشاد التاريخي" سالفة الذكر، نجد أنه عادةً ما يجري الوقوع في خطأ القياس التاريخي -بخصوص أنماط الإنتاج وما عداها- دونما استرشاد بالقانونيات الكامنة خلف الوقائع؛ أي بصيغة أخرى دون تحليلٍ نقديّ كافٍ، وهو ما تفعله بدرجات مختلفة على السواء نظريات التغيّر الهيكلي "برجوازية الطابع" -التي يتبنّاها منظّرو المنظمات الدولية الغربيون منهم والعالمثالثيون- أو "ماركسية الطابع" كالترّسيمات الواسعة تاريخياً الشهيرة للأنماط بترتيباتها المختلفة.

لا بد أن يبدأ الحديث في سياق السياسة كما في الاقتصاد والتنمية من نمط الإنتاج باعتباره الأكثر مركزية ونقطة البدء المنطقية

ولعلّ ما يدفعني لمثل هذا القول هو القياسات الاستسهالية على التطوّر الأوروبي كمسارٍ معياري للإمكانات التقدمية "المرغوبة" خصوصاً (لاسيما مع تحوّل الرأسمالية لنظامٍ عالمي سائد كأمرٍ واقع)، الأمر الذي كثيراً ما يتجاهل بعض القانونيات الاقتصادية الأساسية، فضلاً عن الخصوصيات التاريخية. فبالنظر لتاريخ نشأة الرأسمالية الأنجلوساكسونية خصوصاً، كشكلٍ خاص من نمط الإنتاج الرأسمالي، تجد نفسك أمام عدد من المُعطيات يدفعك للقول باستثنائية هذه الرأسمالية، لا قياسيّتها كحالة عامة، ومن أهم هذه المُعطيات:

1. كقانون اقتصادي عام "لا يمكن لقطاع التداول أن يهيمن مُستقلاً على قطاع الإنتاج في الأجل الطويل"، فهو قطاع تابع بطبيعته؛ لأنه منطقياً يتداول ما ينتجه الآخرون، ويعتمد في عرضه وطلبه عليهم؛ ولهذا فهو إما يتداول نتاج رفيقه الإنتاجي المحلي فيكون تابعاً له (الحالة الطبيعية والأصل بالنسبة لاقتصاد طبيعي مُستقل)، أو نتاج قطاع إنتاجي خارجي على حساب قطاعه الإنتاجي المحلي (كما في حالة التبعية خاصتنا)، أو يتداول أصولاً ريعية تشكّل أوراماً ساحبة للدم في الجسد الاقتصادي، أو يتحوّل جزء منه بذاته تدريجياً لقطاع إنتاجي (كما حدث في أوربا مع تحوّل التاجر لمقاول يجمع المواد الخام "لعمال منزليين مستقلين" ليبيع منتجاتهم لحسابه)، ويثبت هذا بالمخالفة من خلال الحالات النقيضة للدولة الإسلامية، والدول التي نتجت عن تفككها لاحقاً، التي لم تتمكّن البرجوازية التجارية فيها أبداً من الحصول على السلطة على حساب طبقة الإقطاعيين/الملتزمين العسكريين المُهيمنة على قطاع الإنتاج الحقيقي والسلطة المرتبطة به في الإمبراطورية الإسلامية.

اقرأ أيضاً: الإسلاميون والدولة: صراع على الحكم وليس لخدمة الدين

2. تعاونت الدولة الأوروبية مع رأس المال التجاري ضد الإقطاعيين الأوربيين، لمصلحة توحدها، وهو ما يختلف عن الدول الشرقية ذات السمات المختلفة، والتي كانت بذاتها-تبسيطًا- راعية "الملتزمين" ودولة نمطهم، وهي دولة من نوعٍ مختلف عن الدولة التي خلّفها لنا الاستعمار، بما لسنا في محل تفصيله هنا.

3. كان فتح العالم الجديد بثرواته الطائلة، ثم اتساع نطاق الاستعمار الكولونيالي، بمثابة "حقنة اقتصادية" استثنائية -فرادةً وحجماً- لهذا التحالف الجديد في أوروبا الغربية ضد الإقطاعيين (بإقطاعهم الأوربي المُفكك والطرفي على قول سمير أمين، وإن كانت هذه قصة أخرى)، فمن جهة؛ وفّر موارد هائلة وأسواقاً واسعة مكّنت "المقاول التجاري" سالف الذكر من التوسّع والتحول لرأسمالي صناعي، كما ساهم أولاً من خلال ما وفّره من كميات هائلة من الذهب في توسيع وتعميق عملية "تنقيد" (monetizing) تلك الاقتصادات؛ ما أعطى قوة إضافية لذلك الحلف في مواجهة أولئك الإقطاعيين، خصوصاً المُعتمدين أساساً على الريع العيني؛ فكان ذلك العامل الخارجي أحد أهم العوامل التي غيّرت توازنات السلطة الاقتصادية لصالح الطبقة التجارية المُتحوّلة صناعياً بما مهّد الطريق للثورة البرجوازية، أو تحوّل السلطة السياسية بالكامل إلى جانبها.

اقرأ أيضاً: الصراع على الإسلام.. من الاستشراق إلى الجهادية الإسلامية

4. يقول واليرشتاين إنّ نموّ رأس المال وهيمنته كعلاقة اجتماعية، تضع التراكم الذاتي لرأس المال، كمُحدد نوعي للرأسمالية، كأولوية النظام الاجتماعي، الأولى على ما عداها من أولويات، يتطلّب دولاً متوسطة الحجم وأسواقاً مفتوحة، فلا تكون دولاً أصغر من اللازم بلا أسواق حقيقية ولا قوة قادرة على دعم رأسمالها خارجياً، ولا تكون دولاً إمبراطورية أقوى من اللازم تكبحه وتضعه هو خلف أولوياتها السياسية، وهو ما توفّر مرةً أخرى لرأسماليات أوروبا الغربية وبعض الاستثناءات الحديثة دون غيرها، فيما لم يتوفّر لا في حالة الإمبراطورية الإسلامية الأضخم من اللازم (في حينه)، رغم تهلهلها النسبي في بعض المراحل، ولا في حالة دول سايكس بيكو الصغيرة والقزمية (نسبياً ومطلقاً)، ولا داعي بالطبع للحديث عن قوة وأسواق مُستعمرات عجزت عن حماية سيادتها وسوقها ابتداءً.

تقودنا فرضية "رأسمالية الاستثناء" الأوروبية لقطع نصف الطريق في الفهم

الرأسمالية العجوز

تقودنا فرضية "رأسمالية الاستثناء" الأوروبية هذه لقطع نصف الطريق في الفهم، ليس فقط باستبعاد القياس والاسترشاد الخاطئ بحالة استثنائية في تصوّراتنا عن الإمكان التقدمي المُحتمل؛ بل والأهم من خلال الوعي بعدم إمكان تكرارها أولاً وبالمقارنات المُتضمّنة فيها ثانياً، والتي تكشف عن بعض أسباب استعصاء التحوّل "الذاتي" للتصنيع المستقل، الذي يمثّل جوهر التحوّل التاريخي الأكثر عمومية الذي يمكن استكناهه كضرورة تاريخية من مُجمل التاريخ ذي الصلة، ومن ضرورات النظام الرأسمالي العالمي الذي أصبحنا جزءاً منه شئنا أم أبينا.

البنية الإنتاجية أضعف وأكثر هشاشة من أن تنتج صراعاً اجتماعياً إنتاجياً من الأساس!

لكن يتطلّب اكتمال الفهم مزيداً من الموضعية في تحليل حالتنا الخاصة، بتحليل تاريخي أكثر ملموسية، وهو ما يقودنا للفرضية الثانية التي أتصوّر من خلالها أن مشكلة استعصاء تقدمنا ابتداءً من نمط الإنتاج ليست في كونه نوعاً من "الرأسمالية المُشوّهة" بالتعبير الشهير، فالتشوّه يفترض حالة عارضة قد تصيب حتى رأسماليات مُكتملة، كما أنه مفهوم قيمي نوعاً يتصوّر -وينطلق من- أنماط مثالية لا يعرفها الاقتصاد السياسي سوى في نماذجه التبسيطية المُجرّدة، لا في التاريخ الواقعي، فضلاً عن أنه مجرد عرض يحتمل العديد من التأويلات؛ ما يفقده في رأيي الدقة التفسيرية والاعتمادية في بناء التوقعّات ورسم الإستراتيجيات، كما أن ذلك النمط لا يمثل بالتأكيد حالة "رأسمالية متأخرة"؛ فهذه حالة رأسماليات عتيدة اعتمدت على دعم دولة صاعدة مُستقلة في مواجهة بقايا إقطاعيين (تجاوزاً) وحصّلت استقلال سوقها المحلي مبكراً إلى حد ما (بنجاتها من الاستعمار أو بتموّضعها ضمن إستراتيجياته) وخدمها محيط خارجي داعم بصعود رأسماليات محيطة تدعمها جغرافياً، دون أن تفوقها قوةً بشكل كاسح يعوق تطوّرها، كحالات رأسماليات ألمانيا واليابان بشكل أقل (الرأسماليات القومية المتأخرة)، وكرأسمالية كوريا الجنوبية (المدعومة استعمارياً)، بل إن لنمطنا حالة خاصة أميل لتسميتها بـ "الرأسمالية العجوز" أو "البروجيريا الرأسمالية"، حيث حالة تشبه ذلك المرض الذي يصيب الأطفال بالشيخوخة المبكرة، فيعطي لطفل لا يتجاوز العامين ملامح شيخ في السبعين، وهي حالة تماثل للمفارقة حالة رأسماليتنا العجيبة!

فبقدر من التعميم يفرضه حديثنا على نطاق واسع ومتنوع كالعالم العربي، نجد أمامنا رأسمالية تجمع بين الضعف الشامل لقوى الإنتاج والتطوّر السابق لأوانه لعلاقات الإنتاج! وهذا الاختلال التوازني بين علاقات وقوى الإنتاج هو المحدد النوعي للتحوّل من مجرد "التأخر التاريخي" كفارق إمكانات كمّي إلى "التخلّف الهيكلي" كعلاقة كيفية تراكمية، والذي نتج عن إدماج قسري في النظام الرأسمالي أنتج ذلك الاختلال، الذي سيصاحبنا بآثاره وتكثّراته وتجليّاته على كافة الأصعدة، بدءاً من مشكلات الاقتصاد العينية والتجارية والمالية والنقدية، ومروراً باختلالات المجتمع وتشظّياته، وليس انتهاءً بتناقضات الثقافة وترقيعاتها!

اقرأ أيضاً: الحكومات والجماعات: نزاع ديني أم صراع على الدين؟

وقد تجلّى هذا في العديد من التناقضات بمختلف جنبات الهيكل الاقتصادي الاجتماعي، فنجد من بين ما نجد، صناعة خفيفة هامشية، لكن بتركيب احتكاري سابق لأوانه، لم يمرّ أبداً بمرحلة تنافسية تحقق دفعةً تكنولوجية أو تحفّز تعميق صناعي وتعددية سياسية، ولن توجد! واستباق هيكل العرض (بضعف البنية الإنتاجية) بهيكل طلب غير متوائم معه (نتاج أنماط استهلاك مُستوردة) بشكل يعوق نمو الأول بدلاً من أن يدعمه، كما يعمّق التبعية الاستيرادية سلعياً وتكنولوجياً، وضعف في العمق الصناعي ومن ثم رأس المال الإنتاجي مع تقدّم في التركيب المالي والمصرفي يعطي سلطةً ضارة وسابقة لأوانها لرأس المال المالي، مع ثلاثة احتجازات متشابكة، ما بين "احتجاز طبقي" بضعف العمق الصناعي الذي يشظّي تكوين الطبقتين العاملة والوسطى (فيكرّس انقساماتها ومن ثم ضعفها البنيوي)، و"احتجاز ديموغرافي" في المرحلة الثانية من التحوّل السكاني، حيث انفجار سكاني متطاول مع اقتصادات ضعيفة التشغيل (فجيش عمل احتياطي مُهمّش متورّم يدمّر أي إمكانية نقابية، فضلاً عن آثاره التنموية والسياسية والثقافية..إلخ)؛ لينتجا معاً بالتفاعل مع الاحتكارية العائلاتية المحاسيبية الغالبة وضع "احتجاز سياسي" يمنع التطوّر الديموقراطي (المكبوح أساساً باعتبارات الموقع الدولي التابع)، وهو الوضع العام الذي تعزّز بروافد الريعية – الأصيلة والثانوية – والبيروقراطية بمرضيها من مركزية وفساد كمتلازمة هيمنة وتراكم يعزّزان ويحميان بعضهما البعض.

وبالانتقال من هذا المستوى السوسيواقتصادي، لمستوى اجتماعي وسياسي أكثر عينية، نجد لدينا حالة مراوحة انهيارية في المكان لغياب القوى الاجتماعية المتبلورة التي تمتلك مشروعاً مُستقلاً لإعادة هيكلة نمط الإنتاج باتجاه إنتاجي تنموي يعبّر عن مصالحها المشتركة، وما كان الربيع العربي في جوهره الاجتماعي، وبغض النظر عن مشروعية مطالبه "الوليمية" من جهة، والمُشوّهة بالخطاب الليبرالي السائد من جهة أخرى، سوى حالة اعتراض "توزيعية"، كان لابد أن تفشل، قادتها الطبقة الوسطى على "تراجع الحصة في الريع" (أي اعتراض توزيعي-تداولي أو ثانوي على مستوى البنية المؤسسية)، مع تراجع الرخاء النسبي للطفرة النفطية وتطبيق سياسات النيوليبرالية، لا جزء من تناقض اجتماعي ضمن بنية إنتاجية؛ لأن البنية الإنتاجية أضعف وأكثر هشاشة وهامشية من أن تنتج صراعاً اجتماعياً "إنتاجياً" (أي اعتراض توزيعي-إنتاجي أو أوّلي على مستوى البنية الإنتاجية) من الأساس!

اقرأ أيضاً: الليبرالية إذ تنتج من نجاحها فشلها الخاص

فبمعرفة أنه وفقاً لتقديرات بعض الدراسات بلغت نسبة الريع "الصريح" وحده في اقتصاد غير نفطي كاقتصاد مصر الأكثر تنوّعًا في المنطقة حوالي 15%؛ ندرك مأساة أنّ الجيوب الإنتاجية المحدودة حتى في أكثر بلدان المنطقة تقدماً من الوجهة النوعية، تعوم في بحر من الريع النفطي (المواردي) والجيوبوليتيكي (السياسي مدفوع الثمن) والدولتي (الإنفاق الحكومي التضخّمي-الاستداني الذي لا يُحتسب ضمن الريع عادةً)، مع غلبة قطاعات التداول المُنتفخة اصطناعياً والمدعومة خارجياً على قطاعات الإنتاج المحلية المحدودة أولاً، والاحتكارية العائلية المحاسيبية محدودة الآفاق الاقتصادية أساسًا ثانيًا!

التنمية هي تكييف تاريخي خاص بالمُستعمرات الرأسمالية لمفهوم التطور الاقتصادي الاجتماعي الأوسع نطاقاً

من جهة أخرى، لا ننتظر بلاشك تقدماً بدفع من المنظومة العالمية صاحبة المصلحة في إدامة الحال الانهياري "المُحال"، ولا من بيروقراطية الدولة الطفيلية المُتجبّرة بريوعها واستقلالها النسبي المُهيمن، وبالتأكيد ولا من نمط الرأسمالية العجوز نفسه (بما فيه من بقايا ورواسب الأنماط الهامشية المُتمفّصلة معه التي لن يضيف تناولها الكثير للتحليل في ضوء سيادة النمط الرأسمالي)؛ كونه على عجزه الأصيل، قد وصل سقفه فعليًا منذ زمن طويل؛ لا عجب من تكراره ذاته على مستويات أحطّ تاريخيًا – مع تعاظم الهيمنة العالمية وتفشّي الريع المحلي والإقليمي - من مستوياته السابقة على تأميمات ما عُرف بالاشتراكية العربية في الستينات، وهكذا فلا جديد تحت الشمس تقريبًا في رأسمالية الشرق العربي، فجديدها الوحيد أتى من ريوع النفط وتعمّق تموّضعها كذيول للهيمنة الدولية.

اقرأ أيضاً: إيران تخوض حرباً بالوكالة في الشرق الأوسط

هذا هو الخط العام، الاختزالي بطبيعة الحال، لفهم أزمة التقدم في المنطقة، نمط إنتاج شاخ وبلغ سقفه قبل أن يحقق آثاره التقدمية المُفترضة، يتضمّن عدداً من الاحتجازات المتشابكة تعمّق مشكلاته دون أن تبلور قوىً أو تفتح أبواباً للتغيير، ويتموضع ضمن أكثر أطراف النظام العالمي هامشية؛ ومن ثم استلاباً لاستقلاله وقدرته الذاتية على تغيير الديناميات أو تعديل البنية..، كذا كنتيجة عامة، وقبل كل شيء، استحالة تكرار المسار الأوروبي "شبه الاستثنائي" لهذا النمط، ليس فقط بسبب الظروف التاريخية المختلفة، بل لكونه تجاوزه فعلياً بالقفز المُعجّل إلى الشيخوخة المبكرة، ومن ثم استحالة كامل الحلم الليبرالي العربي، كإمكان يجب علينا تناوله؛ كونه واسع الشعبية وفائق الوهمية في آن واحد!

علاج التشوه التاريخي

من خلال تركيزك على التنمية، ومع الأطروحات الجديدة حول التنمية التي قدّمها علي قادري وغيره من المنظرين، برأيك ما أزمة التنمية في العالم العربيّ؟

يمثّل هذا السؤال وجهاً أكثر اقتصادية للسؤال السابق؛ لذا فهو يدفعنا لمناقشة أكثر فنية إلى حد ما؛ بحكم طبيعة السؤال ولعدم تكرار ما سبق قوله على مستوى النمط الإنتاجي في السؤال السابق، وإن كانت نقطة البدء دائماً وأبداً هي الضبط المفاهيمي، الذي أعتقده إحدى الإشكالات الأساسية بكافة نقاشاتنا.

أولاً التنمية هي تكييف تاريخي خاص بالمُستعمرات الرأسمالية لمفهوم التطور الاقتصادي الاجتماعي الأوسع نطاقاً، فهو ينطلق من البداية من كونها دولاً "ذات وضع خاص"، ما تعارف الجميع على تسميته بـ "التخلّف"، وإن اختلفوا في توصيفه وتفسيره، ما بين من اعتبروه مجرد تأخّر تاريخي ومن اعتبروه تخلّف هيكلي، بما بينهما من توليفات بمختلف درجات الطيف.

اقرأ أيضاً: جلبير الأشقر: الجماهير العربية تبحث عن بطل ديمقراطي

وانطلاقاً من هذا التوصيف للتخلّف، والتنمية كعمل مُخطط ومُنظم للخروج منه، يتم توصيف الأخيرة؛ ومن ثمّ تحديد أزمتها وطرائق تجاوزها؛ وهكذا تتكوّن توليفات عديدة على صعيد تفسير وتخطيط التنمية، مرةً أخرى، بين من يرونها "أزمة أدوات"، من موارد وتقنية وإدارة ضرورية يمكن استيرادها ببساطة لتجاوز التأخر التاريخي، ومن يرونها "أزمة منظومات"، من بنيات وديناميات ومؤسسات تاريخية، إنتاجية واجتماعية ودولية متشابكة، تتطلّب إعادة هيكلة وصياغة لعلاج التشوّه التاريخي أو تجاوزه.

وانطلاقاً من التصوّر الثاني؛ فالتنمية لا يمكن اختزالها كلياً أو جزئياً في مجرد نمو كمّي على ما يرى التصوّر الأول أغلب الوقت، والذي تصّدره لنا المنظمات الدولية رافعة لواء أيديولوجية رأس المال؛ بل هي أولاً وأساساً "تطور هيكلي يعظّم بالتبعية النمو الكمّي"؛ كون هذا التطوّر الهيكلي يكفل تغيّراً في تركيب الهيكل الاقتصادي الاجتماعي يسمّح له بزيادة الإنتاجية، ومن ثم باشتقاق مجموعة قيم اقتصادية أكبر من نفس الكمّ من الموارد المادية والبشرية، والأهم الاحتفاظ بفائض تلك القيم وإعادة تدويره في الاقتصاد، من خلال السيطرة على عملية التداول؛ لضمان التجديد الاجتماعي الذاتي للمجتمع.

اقرأ أيضاً: حروب الشمس: الصراع على الطاقة في العالم العربي

وبوضع هذا في خلفية أذهاننا، والعودة لعملية التكوّن التاريخي للتخلّف في المناطق الأكثر تقدمًا في العالم العربي، نجد أن الاختلال سالف الذكر بين قوى الإنتاج المتخلفة وعلاقات الإنتاج الأكثر تقدمًا (المفروضة استعماريًا)، بالشكل المخالف للتطور الطبيعي للأمور (حيث يدفع تطوّر قوى الإنتاج لتغيير علاقات الإنتاج بما يلائمها)، قد رتّب عدداً من التطورات المتناقضة في البنية الاقتصادية الاجتماعية؛ فكانت الديناميات الاقتصادية العينية التالية (ولنضع في أذهاننا أننا نتحدث هنا عن الاقتصاد المصري كمثال لحالة أكثر تطوراً):

التنمية لا يمكن اختزالها في مجرد نمو كمّي على ما يرى التصوّر الأول أغلب الوقت والذي تصّدره لنا المنظمات الدولية الرأسمالية

1. رسملة الزراعة لصالح الخارج، أدت من جهة لهجرة للحضر وزيادة في عرض العمل دون تطورٍ موازٍ في حجم الصناعة (أهم وجوه ضعف قوى الإنتاج)؛ ما أدى لتضخّم الخدمات في صورة قطاع غير رسمي وتشغيل فقر ضعيف الإنتاجية والأجور، ثم من جهة أخرى مع حدوث الطفرة النفطية، شجّعت على الهجرة للنفط، التي جلبت بتحويلاتها الريعية حالة "مرض هولندي" (غلبة للقطاعات الريعية على الإنتاجية وللاستيراد على التصدير..إلخ) عمّقت الريعية؛ ليؤدي رافديّ الهجرة بآثارهما لإضعاف الصناعة مرةً أخرى؛ وبالتالي تعقيد المسار الأوّلي نفسه (مزيد من التحضّر الرثّ)، والدفع لعجوزات مُزمنة في التجارة الخارجية (بتجاوز الاستيراد دائماً للتصدير) والمالية العامة (بتجاوز المصروفات دائماً للإيرادات) وسوق النقد (بتفاعل العجزين السابقين معًا ودفعهما الحكومة للتمويل التضخمي والاستدانة الخارجية بانتظام)، تضعف مُجتمعةً رأس المال الاجتماعي (البنية التحتية والمؤسسية) والبشري (نوعية العنصر البشري)؛ بما لهما من آثار سلبية على الفائض الاقتصادي (من خلال تشّويه تخصيصاته وإضعاف عوائد تشغيله).

اقرأ أيضاً: الصراع على مصادر المياه "عقدة" إضافية بين أنقرة ودمشق وبغداد

2. تصنيع هامشي مُختنق بالموقع الدولي الطرفي، حيث السوق المحلي الضيق أساساً مُخترق خارجياً؛ ما يضعف نموه ولا يسمح بتطور صناعة ثقيلة؛ فتستمر الصناعة هامشية وتابعة تكنولوجياً؛ ما يؤدي لعجز مزمن في العرض السلعي وفرص العمل والأجور والضرائب؛ بشكل يعمّق "العجوزات الثلاثة" سالفة الذكر، والتي يؤدي النقدي منها لإدامة وضعية التضخّم واختلال الأسعار النسبية أكثر مما هي عليه؛ بشكل يفسد الحوافز ويدفع لمزيد من الاتجاه نحو القطاعات الخدمية والريعية والابتعاد عن القطاعات السلعية؛ بشكل يعمّق الأزمة الأصلية، فضلاً عن تحفيز الممارسات المضاربية والهروبية والاكتنازية، التي تهدر الفائض الاقتصادي كمّا، وتسييء توظيفه كيفاً.

3. ضعف وتشوّه في نمو وهيكل السوق المحلي، والأسوأ اختراقه من الخارج لصالح المراكز الرأسمالية؛ فتسود الثنائية الاقتصادية الاجتماعية بكافة تجلّياتها، ويضعف التكامل الذاتي للاقتصاد، بضعف ترابط قطاعاته الإنتاجية أولاً، والإنتاجية والتداولية ثانياً، واختلال العلاقة بين العرض والطلب ثالثاً؛ فيزداد إهدار الفائض كمياً وكيفياً، وتتعمّق التبعية واختناق القطاعات الإنتاجية وفي قلبها الصناعة القطاع رائد التنمية في العصر الحديث؛ لتتعمّق مرةً أخرى "العجوزات الثلاثة"، (موضوع كافة السياسات الحكومية العاجزة منذ أربعة عقود)، التي تعيد تجديد الحلقة الخبيثة ذاتها، من (ضعف وتشوّه البنية الإنتاجية؛ فضعف وتشوّه السوق؛ فضعف وتبديد الفائض الاقتصادي؛ فالعجوزات النوعية الثلاثة؛ فإضعاف رأس المال الاجتماعي والبشري) إلخ!

وهكذا يتفاعل الداخلي مع الخارجي، والموروث التاريخي مع الدخيل المُستورَد/"المفروض"؛ لينتج بنية إنتاجية-سوقية ضعيفة وتابعة كماً وكيفاً، تشكّل بدورها ديناميات إهدارية (للفوائض الكمّية) لاتنموية (للبُنى الكيفية)، وتبلوران معاً شبكة مصالح مهيمنة لرأسمال تجاري ريعي مرتبط بالخارج عبر موقعه الطرفي (المُستفيد من اختلالات البنية وعجزها الإنتاجي المحلي)، دونما تشكيل كتلة اجتماعية "حرجة" مرتبطة بقطاعات الإنتاج، تمتلك القوة الكافية لكسر الحلقة الخبيثة بتحطيم بنيتها (عبر المؤسسات، أي بالثورة السياسية)، أو حتى تضعفها بتشّظية دينامياتها (عبر السوق، أي بالتعاونيات وما شابه)، إنها حالة احتجاز ريعي ضمن أطراف النظام العالمي، تستوجب ما ذكرناه في السؤال السابق من استهداف للتصنيع المُستقل كمهمة تاريخية على المستوى الماكروي (للبنية)، ومطاردة الريع كممارسة تكتيكية على المستوى الميكروي (للديناميات).

يواجه العالم العربيّ أزمة حقيقيّة متمثّلة في التعامل مع الإسلامويين الذين يلعبون في الساحة السياسيّة منذ عقود. لكن مع انحدار الإسلام السياسيّ، بل والحديث عن ما بعد الإسلامويّة، تعوز التحليلات المعنيّة بالإسلامويّة الابتعاد عن التنميطات التي أنتجها يسارٌ وليبراليّون عن الإسلامويّة من منظور الثقافة. نحن نعرف أن لمفهوم رأس المال ثقلاً كبيراً في دراسات الحركات، ولكن بالاستناد إلى بورديو، أو لنقل بالتوفيق بين ماركس وبورديو، بالحديث عن الرأسمال الماديّ والرمزيّ، كيف يمكن فهم الإسلام السياسيّ؟

بالنسبة للتوصيفات الرائجة بتنميطاتها المختلفة يمينها ويسارها، فتعود في تصوّري لوعي استشراقي يشبه في جوهره الاسترشاد التاريخي غير النقدي المذكور في إجابتي للسؤال الأول، وهو ما يأتي عبر بوابته الملكية، ألا وهى "الثقافوية"، تلك النزعة المرضية التي أصابتنا بعد النكسة، بدعوى إنهزامية مفادها أن الأزمة في صلب تكويننا؛ فانخرط المثقفون العرب في مناقشات لا نهاية لها حول العقل العربي والثقافة الإسلامية وما شابه كجوهر للتأزم العربي.

فقد عمل أغلب المثقفين العرب هنا، دون نقد للذات والأدوات، كجماعة فرعية Subculture معزولة عن مجمتعها؛ حيث قاموا ببحثه على ضوء معرفتهم الغربية والتجربة التاريخية الأوربية، فلم يكتفوا مثلاً بالاستفادة من المناهج، بل قاموا بالقياسات غير النقدية، على نحو ما وصفوا حركات الإسلام السياسي باستسهال كحركات محض رجعية وفاشية، في خلط غير علمي، ابتداءً من عدم التحليل المنهجي لروافد هذا الإسلام السياسي الاجتماعية والتاريخية، ومروراً بتجاهل تحوّلاته الداخلية والتكوينية بغض النظر عن ثبات المُسميات (حركة الإخوان المسلمين مثالاً)، وليس انتهاءً بعدم موضعة خطاباته في سياقاتها لتأويلها تاريخيًا، اكتفاءً بإدانتها لا غير!

اقرأ أيضاً: الإنسان العربي بين الدين والليبرالية

وجوهر مشكلة المثقفين كان تجاهل حقيقة أن البُنى الفوقية وإن تأثرت بثقافة المركز، فإنها لا تُستورد ولا تُفرض بقرار فوقي (بفرض أن هذه عملية مفيدة أساسًا!)، وهكذا تجاهلوا واقع أنّ الإسلام هو "الفضاء الرمزي" الفعلي لمجتمعاتهم؛ ومن ثم فهو المعين الذي تستلهمه تلك الشعوب في تأويل واقعها ورؤيته بعدساته، فالفلاح الأميّ والحرفي نصف الأميّ سيفهم واقعه بما ورثه من مقولات، كانت بطبيعة حال مجتمعه مقولات الموروث الديني، فكل شر وظلم سيراه "حراماً"، فلا زال لم يسمع بمفاهيم الفساد والاستغلال، وكل حق وعدل سيسمّيه "شرع الله" ... إلخ؛ فالبشر لا يخترعون المفاهيم، بل يسحبونها من رصيدهم الموروث، لا عجب أن اللغة محدد أساس للفكر، وأن المفكرين والعلماء والباحثين والمثقفين هم المسئولون على المدى الطويل عن صياغة المفاهيم وتجديدها، بشرط ألا ينفصلوا مُطلقًا عن فضائهم الرمزي، ويسبقوه بأميال ضوئية، إذا شاءوا التأثير في محيطهم!

ولعلّ إحدى أساطير الليبراليين العرب، التي ينطلقون منها في بناء سرديتهم الخاصة عن الإسلام السياسي المُصطنع والمُستجدّ على المنطقة (رافده الوهابي هو المُستجد بالتأكيد)، هي أسطورة النهضة العربية، التي تزعم سيادة المفاهيم الوطنية والتصوّرات العلمانية عند مصرييّ أوائل القرن العشرين، والتي وصل ابتذالها الدال رمزيًا للاستشهاد بصور الفئات الميسورة في الفترة الملكية كدليل على تحضّر المصريين أو بالأحرى تغرّبهم، مُتجاهلين بغباء مغرض أو مُذر لا فارق، أن ما كان يبدوا من تطوّر في مفاهيم المصريين كان نتاج المركزية الجيواجتماعية والاستقطابية الطبقية الفائقتان بما شملتاه من استبعاد وتهميش لأغلب المصريين من الصورة الاجتماعية؛ فكان التأثير الهائل لبضعة جيوب حضرية بفئاتها الاجتماعية الميسورة نسبيًا، مع استبعاد شبه كامل لبحر الريف الجاهل والفقير، والذي ما كاد يرسل بجحافله للمدن مع توسّع عملية التحضّر الطبيعية ضمن عملية الرسملة التابعة للزراعة، حتى انكشفت الصورة الحقيقية لثقافة المجتمع التقليدية السائدة ذات الخلفية الإسلامية، لا عجب في صعود الإخوان المسلمين أوائل ثلاثينيات القرن مع بدء توسّع الصناعة المصرية بعد الحرب العالمية الأولى وثورة 1919م، والذين كانت روافدهم الأولى للمفارقة الدالة من العمال الريفيين مُحدثي التحضّر، بل إن خليّتهم الأولى كانت في مدينة إقليمية هي الإسماعيلية!

الأدوات الإعلامية والفكرية موجودة وميزانياتها بالمليارات من فتات الفوائض المنهوبة

الإسلام السياسي ومنطق الاقتصاد

ثم كانت الموجة الثانية لاتساع نطاق جماهيرية الإسلام السياسي مع طفرة النفط التي مكّنت بفوائضها، مع التعليم الناصري المجاني، لتلك الجحافل الريفية أن تزيد من تأثيرها العام ووجودها الاجتماعي؛ فتعامل معها المثقفون غير الواعين بكون هذه الجحافل هي الممثل الحقيقي لثقافة المجتمع، باعتبارها مُستجد دخيل يجب التخلّص منه أو قمعه بوسائل اصطناعية، ولعلّ الرافد الوهابي أحد الأسباب المحورية لهذا الالتباس في الرؤية!

فإذا انتقلنا لتحليل جماهيرية ذلك الإسلام السياسي بمنطق الاقتصاد السياسي، بعيداً عن تلك الثقافوية الاستشراقية المُبتذلة، فبخلاف ما ذكرنا آنفًا، فإن جوهر الأزمة، التي تفسّر استشراء تأثيره واستمراره كنمط وعي بالعالم، يظل ذاته ما سبق ذكرته من انفصال بين قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج؛ ومن ثم تعطّل لآليات تطوّر البنى الفكرية والمؤسسية الفوقية مع ركود تطور البنى الإنتاجية التحتية، أي مرةً أخرى الفشل التنموي، الذي تعزّز خصوصاً بالانتفاخ الريعي (بتأثيراته الثقافية المُفجعة)؛ فغدا لدينا تصنيع هامشي محدود النطاق والتشغيل (فتهميش اجتماعي يعزز الانتماءات الهوياتية لا الطبقية)، مع تحضّر رثّ يتغذّى على القطاعات الخدمية غير الرسمية ضعيفة الإنتاجية والمهارات والأجور (فلا تطوير تقريباً لنمط وعي العالم ماديًا ولا لشكل الحياة اجتماعياً)؛ ما أدى في مجموعه إلى تقدّم التناقضات الثقافية على الاقتصادية؛ فامتلك الإسلام السياسي أرضيته الاجتماعية الواسعة، سواءً من الفضاء الرمزي الموروث الذي لم يتطوّر بضعف التطوّر الإنتاجي-الاجتماعي، أو من تعزّز أولوية خطابه الهويّاتي بتقدّم التناقضات الثقافية على الاقتصادية، بالتهميش الاجتماعي المحلي وبالإذلال الغربي والصهيوني للمنطقة، أو بزيادة جاذبيته كقوة معارضة تعبّر عن كافة المُستبعدين والمُهمّشين من دوائر رعاية الأنظمة العربية المأزومة تنمويًا، والمُتلبّرلة تدريجيًا بغطاء رعوي نفطي محدود وغير مُستدام.

اقرأ أيضاً: هل يستهدف الإسلامويون النظام الديمقراطي الغربي؟

وقد عزّز مما سبق -ولعلّه مما يفسّر في رأيي التمويل الهائل للصراع الإسلامي-العلماني في المنطقة عبر كل هذا الزمن- أنه من مصلحة المراكز الرأسمالية، وذيولها العلمانية-الليبرالية والأصولية-المحافظة في المنطقة إدامة هذا الصراع كوسيلة لتكّريس وضعية تحويل الصراع من مجالي السوق والدولة إلى مجال الثقافة؛ فتصبح كل الجدالات حول الهوية والطائفية والمرأة والمثلية ..إلخ، بعيداً عن توزيع الفائض الاقتصادي والإطار اللاتنموي، فهذا لا ييسّر فقط عملية التحوّل النيوليبرالي المأزوم في المنطقة، وتقليل الاحتكاكات السياسية التي قد تحمل تهديداً فعليًا، بل يعمل كذلك على تشّظية المجتمع وإضعاف تنظيمه السياسي والمدني، بإغراقه في عشرات القضايا الفرعية والهامشية التي تعزز انقساماته الحقيقة منها والوهمية..، والأدوات والكوادر الإعلامية والفكرية – خصوصًا المُبتذلة منها - موجودة وميزانياتها بالمليارات من فتات الفوائض المنهوبة.

طالب ديجول بالعودة للذهب وإلغاء دور الدولار كعملة دولية

.في ضوء المدّ الشعبويّ اليمينيّ (مع التحفّظ على كلمة "شعبويّة" التي تُفهَم بمعنى سلبيّ دائماً)، وسياسات معاداة الهجرة في الغرب، ومحاولة جزء من اليسار التنظير ثقافيّاً لرجعيّة يمينيّة بخصوص المهاجرين باعتبارهم "لا يتفقون مع قيم أوروبا" (كسلافوي جيجك)، كيف يمكن فهم اليسار الأوروبيّ في فهمه للعالم العربيّ ومشكلاته؟ حيث، وكما تعلم، الفارق الاستعماريّ لا يمكن تجاوزه؟

أعتقد أنه يمكننا طرح هذا السؤال بصيغة مخالفة تصل بنا لنفس النتيجة، وهي كيف يفهم هذا اليسار نفسه أساساً؟

أولاً يجب ألا نقع في فخّ "المُسمّيات"، ما يفرض أن نراجع دائماً للتاريخ، فهل يسار اليوم هو ذاته يسار الشطر الأول من القرن العشرين وما قبله؟ الواقع أنه قد حدث تحوّل مأساوي على اليسار منذ موجة 1968م، التي كانت على مستواها السياسي المباشر بدعم أمريكي لإسقاط ديجول بعد مطالبته بالعودة للذهب وإلغاء دور الدولار كعملة دولية، ما لا ينفصل في ظنّي عن الخطط الثابتة تاريخياً للمخابرات الأمريكية منذ بدء الحرب الباردة بتطوير "يسار وسط" من داخل اليسار التقليدي وصلبه هو نفسه، ليحلّ محله ويقتطع من تأثيره، بشكل يشبه كثيراً دعوى "كُلّ نفسك بنفسك"، حيث يُؤكل هنا اليسار من داخله بيسار يشاركه الرطانة والممارسات الشكلية، لكن بلا محتوى طبقي حقيقي، ولا أدل على هذا في رأيي من انتكاسات هذا اليسار عن تراث اليسار العلمي، الذي بدأ تطويره منذ ماركس، فنجد يساراً يقول سخافات رومانسية برّاقة من نوع أن "اليسار يناضل لأجل كل المُضطهدين"؛ انتهت به عمليًا ليسار "ليبرالي" مشغول بقضايا برجوازية من نوع المثلية والنسوية وما شابه، وبدون حتى محتوى طبقي نقدي؛ لا غرابة أن تتغيّر الأولويات لصالح هذا المنطق الثقافوي اليميني في جوهره، ويصبح المهاجرون والشرقيون مجرد متخلفين يجب تحضّيرهم أو إنقاذ "المُضطهدين الجدد" (وفقًا للأولويات الجديدة لهذا اليسار الثقافوي منزوع الطبقية والسياسوية) منهم كجناة! وضع هنا ضحكة ساخرة أو رقيعة إن شئت!

أما عن كيف يرى هذا اليسار نفسه، فمن خلال هذه العدسة ذاتها، ولو بدون وعي، فهو يسار ثقافوي، ترك السوق (وعاء الاقتصاد) والدولة (وعاء السياسة) للرأسماليين، مُكتفيًا بمعارك دونكيشوتية مع المجتمعات (وعاء الثقافة)، جعلته كذلك، يظلّ يساراً قومياً، فيما هو المُؤهل، والمطلوب منه، أكثر من غيره أن يكون يساراً أممياً حقيقياً، وهو أمر يظهر في تحليلاته نفسها، فتجده يناقش تراجع التصنيع في الغرب وصعود الصين مثلاً بأفق قومي، كشكل حديث للرأسمالية، أو كمؤامرة بورجوازية، أو كنتاج عرضي للنيوليبرالية، بدلاً من أن يفهمه بأفق عالمي يتسق وطبيعة النظام نفسه كنظام عالمي؛ فيفهمه كنتاج للتناقض بين قوى الإنتاج ذات القدرات الإنتاجية العالمية، وعلاقات الإنتاج المُتخلّفة عنها على مستوى التنظيم السياسي، مُتمثّلةً في صورة الدول القومية، كذا كاتجاه تاريخي طبيعي، كعودة بندول، يعيد الأمور إلى نصابها، بإعادة الغرب إلى حجمه الطبيعي قبل صعود الرأسمالية الغربية وتوسّعها الاستعماري العالمي، الذي أنتج تضخّمًا استثنائيًا تربّى وعي بعض هذا اليسار – هذا البعض اللاتاريخي فيما يبدو! - على كونه من طبائع الأمور!

فالمشكلة في هذا اليسار هي في إطاره القومي-الثقافوي فكراً وممارسة؛ ما يجعله عمليًا جزءاً من "التوافق الإمبريالي"، مهما كانت الدعاوى والشعارات، وحتى النوايا الصادقة؛ فكل هذه لا قيمة لها، مادام الإطار التحليلي لصياغة المواقف مُشوّه بالمثالية الثقافوية، وبانعزاله الاجتماعي عن السياق الجيوتاريخي، ذي الطابع العالمي.

قال آلان باديو مرّة إنّ "الديمقراطيّة هي اسم العدو الجديد... الديمقراطيّة هي تصدير مشاكل الداخل إلى الخارج بالنسبة إلى أوروبا". برأيك إلى أيّ حدّ يمكن الاعتماد على مفهوم هلاميّ بعض الشيء كالديمقراطيّة للنضال في العالم العربيّ؟ ماذا تعني الديمقراطيّة؟ وهل يمكن لها أن تكون حلاً؟ وكيف حوّل الليبراليّون السؤال من سؤال عدالة التوزيع وتوزيع الثروة والانتصار للعمّال إلى إشكالات يمكن لأيّ كان –من الهند إلى أمريكا- أن يرفعها، كالديمقراطيّة؟

نعم، إنه التوهّم الأكبر عن الديموقراطية، وهو طعم ألقاه الليبراليون والتقمه الجميع، فبالنسبة لهم ولما يمثّلون، هم مهيمنون فعلاً على السوق، وهذا ما يهمّ، وستمثّل الديموقراطية بشكلها الليبرالي قواعد اللعب التي سيقبلها الجميع، بعد أن حدد الرأسماليون حدودها وإطارها بالفعل عبر الهيمنة على السوق وصياغة الدولة التي تديره أو تؤثر فيه، ليبقى للشعب – المحظوظ بديموقراطيته! - في أحسن الأحوال مجرد هوامش الإدارة الكفؤة وتوزيع فتات الفائض؛ لا عجب أن يتمحوّر معظم الخطاب الليبرالي والأصولي حول "متلازمة الفساد والاستبداد"، كالقضية الأولى ومشكلة العالم الأزلية، فيما الاثنتان – المُتعلقتان بالبيروقراطية فقط عملياً - مجرد أعراض لأمراض النمط الإنتاجي الذي ليس مطروحًا للنقاش العام!

وهذا التوهّم وقع فيه اليسار بسبب خلطه في مفاهيم الديموقراطية، فالديموقراطية التاريخية هى نتاج لصياغة النمط الإنتاجي ووسيلة للتفاوض حول إدارة وتوزيع الفائض الاقتصادي، لا مجرد ديموقراطية إجرائية مُختزلة في صيغة مؤسسية ولعبة انتخابية لتغيير الشارات الحزبية، دون مساس بما سبق، مما يشكّل المحتوى العميق للديموقراطية!

وعموماً تتحقّق الديموقراطية كجزء من مشروع اجتماعي، فلم يحدث في التاريخ أن كانت الديموقراطية مشروعاً اجتماعياً قائماً بذاته، وبمراجعة تاريخ الديموقراطية الليبرالية الحديثة، نجدها قد نشأت عن التناقضات بين قطاعات رأس المال، أي الصراعات بين أجنحة الطبقة المهيمنة، وهذا ليس جديداً، فالديموقراطية الفعلية للنظام تنتج عن توازنات القوى في سياق علاقاتها المرتبطة بتناقضات النمط الإنتاجي، لكن هذا يُنسى دائمًا على ما يبدو!

وهكذا فالمنافسة وعدم السيادة المطلقة لأي قطاع على غيره من القطاعات، فضلاً عن التبلّور الذاتي وعدم التداخل الكبير بينها، تمثّل شروطاً حاسمة للديموقراطية في السياق الرأسمالي، وهو ما يغيب عندنا مع ضعف التصنيع وغلبة الاحتكار والعائلاتية والمحاسيبية وتشوّه التحضّر وعدم التبلور الطبقي إلخ مما سبق نقاشه، والحق أننا واقعون في مصيدة غريبة، نريد فيها الديموقراطية للحصول على حقوقنا، فيما الديموقراطية، وحقوقنا كمحتوىً لها، مشروطتان هما الاثنتان بالتصنيع المُستقل الغائب، الذي يتعارض مع مصالح هيمنة رأس المال التجاري الريعي التابع، الذي لا يريد لا التصنيع ولا الديموقراطية ولا الحقوق؛ لنصبح كمن يضع العربة أمام الحصان، بتصوّر الديموقراطية ما سيجلب لنا التصنيع والحقوق، بينما ما نحتاجه حقًا تغييراً اجتماعيًا ثوريًا يستبعد الطبقة الطفيلية التابعة ويجلب التصنيع كعمليةٍ واحدةٍ في الحقيقة.

إنّ جوهر معضلة الشرق مع الديموقراطية (حقل السياسة) هي نفسها معضلته مع الرأسمالية (حقل الاقتصاد)، أي الانفصال بين قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج، لكن بشكل معكوس، فهنا سبقت قوى الإنتاج (قوى الدولة الاستعمارية القسرية) علاقات الإنتاج (منطق عملها الاجتماعي وتشابكها مع المجتمع)؛ فامتلكت الدولة قوةً هائلة من أدوات إنتاج القسر، دون علاقات حديثة موازية لإنتاج الإدارة الحديثة في سياق مجتمعها الشرقي، وإذا دمجنا هذا مع نمط الرأسمالية العجوز نفسه، حيث تسارع تطوّرها باتجاه الاحتكار (الذي يمثّل أساسًا مسعىً طبيعيًا للرأسمالي في كل مكان ما أسمّيه بغريزة "الهروب من السوق")، خصوصًا في سياق طرفي؛ ليصبح احتكاراً هيكليًا (ببنية النمط وبتشابكه مع الدولة)، لا مجرد انحراف سوقي عابر (خصوصًا مع الأصول التاريخية للرأسماليات الطرفية التي خرجت من صلب الطبقات المهيمنة السابقة، لا بالضد منها ولا بالصدام معها)؛ فسنجد أن شروط سيادة المنافسة والتناقضات بين قطاعات رأس المال واستقلالها عن الدولة، كلها شروط شبه غائبة، أو موجودة بشكل أضعف من أن تمارس تأثيراً توازنياً مهماً، الأمر الذي يتعزّز بالدور المهيمن للبيروقراطية المدعومة ريعياً وخارجياً.

الديموقراطية على الصعيد العالمي مجرد امتداد لمنطق تدفّق وتوزيع الفوائض

فإذا وسّعنا إطار النظر ووحدة التحليل؛ فسنجد الديموقراطية على الصعيد العالمي مجرد امتداد لمنطق تدفّق وتوزيع الفوائض، لكن في الاتجاه العكسي، فحيث تتحدد مواقع "المركز-الطرف" بمواقعهم من سلاسل القيم العالمية، أي طبيعة الصناعات والمراحل الإنتاجية المتخصصين بها، أو تقسيم العمل الدولي بين القطاعات الأكثر قيادية-الأعلى ربحيةً والأكثر تبعية-الأدنى ربحيةً، ضمن عملية التبادل غير المتكافئ الشاملة؛ ومن ثم تقسيم الفوائض عالميًا، وحيث أن "محتوى الديموقراطية" يحدده التوازن الطبقي، فيما "حدودها" تتحدد بحجم الفائض، باعتباره موضوع إدارتها؛ يكون لدينا اتجاه عكسي ما بين مسار تضخّم الفائض من الأطراف إلى المراكز (فوائض أصغر-مُنتهبة، فأكبر-نهبية)، ومسار اتساع حدود الديموقراطية من المراكز إلى الأطراف (ديموقراطية أوسع-استلابية، فأضيق-مُستلبة)، ما يتسّق ومنطق إدارة الاقتصاد العالمي نفسه، وتصدير الأزمات من المراكز إلى الأطراف، وتوزيع الدخول بين شعوبه، في "وحدة منطق" للديموقراطية محليًا وعالميًا، ولا أدل على صحّة هذه الفرضية، من دول أشباه الأطراف الصاعدة ككوريا والبرازيل والهند وتركيا وفنلندا، التي تحقّق بها، بالتوازي مع تطورها الاقتصادي تحسّن موقعها الدولي، بعض من الهامش الديموقراطي، الأكبر من هوامش الأطراف شبه الصفرية، والأقل من هوامش المراكز الكبيرة نسبيًا؛ ما يعطيها دلالةً أكبر منهما حول العلاقة المعنية، خصوصاً بتوسّطها إياهما، وبكون معظمها خارج الإطار الغربي، بما يسحق التفسيرات الثقافوية المبتذلة في هذا الشأن، كما في غيره!

ودعني أنهي بأن الحديث المُبتذل عن الديمقراطية في السياسة، يشبه نظيره المُمل عن السوق في الاقتصاد، كلها "جهالات" شعاراتية ليبرالية تشبه "شربة الحج محمود اللي بتطهّر البطن وتنزّل الدود"، الشربة السحرية التي تعالج كل شيء تقريباً، فيما هي بالنسبة للواعين بما ورائها، مجرد مقولاتٍ تعبوية تعمل كخطاباتٍ للتعّمية بعيداً عن التحليل السوسيوتاريخي الملموس، الذي يحدد المهمة الحقيقية ومفتاح إنجازها الأكثر فاعلية المُشتق من طبيعتها الملموسة وسياقها الخاص، وهو التحليل الذي يجب أن يكون منهجنا الفعلي في إنتاج الإستراتيجيات التاريخية والمقولات المركزية.

فبالحديث عن بلد كمصر مثلاً، تلك الدولة الرخوة والضارية في ذات الوقت، يترافق ضعف الدولة "التنفيذي" وفشلها "التنموي"، مع تحوّلها لآلية تراكم ثروة خاصة للبيروقراطية ورأسمالية المحاسيب، ما يسمه الليبراليون والأصوليون بوصفهم الأخلاقي منزوع السوسيولوجية، "الفساد"، المهم أنه في هكذا دولة "مُخصخصة" تزداد الأهمية الاقتصادية للمناصب؛ بما يزيد الحوافز للاستئثار بها، ومع ضعف الفائض الإجمالي القابل للإدارة أساساً؛ تصبح مسألة تداول المناصب، كتداول الفائض بالمُجمل، غير مطروحة؛ فتزداد أهمية الوسائل القسرية في الاحتفاظ بها؛ فيزداد الدور الأمني والعسكري؛ لتقع الثمرة في النهاية -بحكم الاتجاه الموضوعي- في أيدي العسكريين، خصوصاً لو اهتزت القبضة المدنية للنظام قليلاً، وهو تقريباً ما حدث بالضبط بعد انتفاضة 25 يناير!

اقرأ أيضاً: الدولة من عصور الغلبة إلى الديمقراطية

ينتج عن هذا أن "حكم العسكر" نتيجة لا سبب، خلافاً لأطروحات الليبراليين والإسلاميين المُسطّحة، وعندها لا تكون الديموقراطية -مرةً أخرى- المقولة الصحيحة، بل تجفيف منابع موارد تلك الدولة؛ لإيصالها لحافة الرخاوة المُطلقة، بحيث يكون نفس سبب صعود العسكر للحكم، هو سبب سقوطهم، بإفقاد تلك الدولة نفسها كمؤسسة وجودها ومعناها، وأهميتها كقوة قسر، ومصدر ثروة، سواء للبيروقراطية العسكرية أو للرأسمالية المحاسيبية، فهذا هو التغيير التقدمي الأكثر احتمالاً في هذا السياق شديد التعقيد وفائق التدهور!

ولعلّ "التعاونيات" هي الحلقة الأكثر أهمية مرحلياً في سلسلة المقاومة التي يجب أن نطوّرها حالياً، بقدرتها -لو طُبقّت بصورة راديكالية مُستقلة- على ربط السياسة بالاقتصاد ضمن الإستراتيجية الشاملة لربط المهمة الماكروتاريخية للتصنيع المُستقل، بالممارسة الميكرواجتماعية لمطاردة الريع؛ كونها تقلّص ريع رأس المال التجاري؛ فتقدم عونًا بالتالي لرأس المال الصناعي، وتضعف تدفقات الضرائب للبيروقراطية الحاكمة.

وفي المقابل مثلاً، فبالحديث عن الأنظمة كاملة الريعية، سيكون التغيّر التقدمي المُحتمل، في الغالب، هو الانقلابات العسكرية على غرار ما شهدت دول التحرر الوطني في الخمسينيات والستينيات (وبنفس المنطق تقريباً)، بمجرد فقدان النفط لأهميته أو حدوث اضطراب في النظام الدولي يضعف الحماية الخارجية، أو يجعلها بلا عائد أو ضرورة.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



أحمد جميل عزم: نتغنى بالأيديولوجيا والهوية على حساب النظرية والعلم

2019-08-19

أجرت الحوار: رشا سلامة


قال الأكاديمي والكاتب الفلسطيني أحمد جميل عزم إنّ الفلسطينيين يعيشون، الآن، تراجع الحالة الثورية، ووقعوا في فخ "السلطة تحت الاحتلال"، مضيفاً في حواره مع (حفريات) "لا نعرف حتى الآن كيف نعالج مشكلة ازدواجية مرحلة التحرر الوطني مع مسألة وجود وتأسيس نظام وسلطة دون زوال الاحتلال، وتحولت الحالة إلى معضلة سياسية ووطنية".

استحضار روح الثورة الفلسطينية أساسي للانتقال لمرحلة ثورية جديدة حتى إن كانت تتطلب أدوات وأطراً تنظيمية مختلفة

وأكد، الأستاذ المساعد في الدراسات الدولية والعلوم السياسية في جامعة بيرزيت، أنّ استحضار روح الثورة الفلسطينية أساسي للانتقال لمرحلة ثورية جديدة، حتى إن كانت تتطلب أدوات وأطراً تنظيمية مختلفة، "مشكلتنا الفلسطينية ليست بالنقد، فهو كثير وكثير جداً، ولكن المشكلة في غياب المؤسسات البرلمانية والتشريعية والرقابية التي تَسمَح بتحويل النقد لإجراءات محاسبة".
وحول تراجع دور المثقف يرى عزم أنه لا يمكن القول إنّ الموثوقية بالمثقف ألغيت، بقدر ما هو شعور بالتّيه بالمرحلة ككل، فضلاً عن الانفصال القائم بين المثقف والواقع السياسي والميداني.
وبوصفه أكاديمياً يرى عزم أنّ هناك معضلة كبرى، في كيفية تفاعلنا، نحن العرب، خصوصاً الذين نتبنّى رفض الاحتلال والهيمنة، مع المدارس الغربية، المتعددة، "فنحن في القضايا السياسية العربية والوطنية، مثقلون بالأيديولوجيا، وبالموقف الدفاعي، وأيضاً بالتركيز على التاريخ، نحن بشكل أو آخر نمارس نوعاً خاصاً من الاستشراق".

اقرأ أيضاً: كيف ساهمت السياسة في صناعة مفهوم المثقف مجتمعياً؟
يذكر أنّ عزم شغل سابقاً منصب رئيس برنامج ماجستير الدراسات الدولية في معهد أبو لغد للدراسات الدولية، ومدير برنامج الدراسات العربية والفلسطينية في الجامعة نفسها، وقد كان سابقاً باحثاً زائراً في كلية الدراسات الآسيوية والشرق أوسطية في جامعة كمبريدج-المملكة المتحدة. كما عمل لنحو عشرة أعوام، في مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية في أبو ظبي، باحثاً ومحاضراً في مناهج البحث العلمي.
وهنا نص الحوار:
الحياة الأكاديمية في فلسطين

باحث ومحاضر في مناهج البحث العلمي
- اختبرت الحياة الأكاديمية في بلاد عدة، وصولاً إلى جامعة بيرزيت. هلاّ قيّمت لنا واقع الحياة الأكاديمية في فلسطين حالياً؟

في الواقع أنّه يَصعب الحديث عن الحياة الأكاديمية في فلسطين، باعتبارها شيئاً واحداً، فهناك فرق بين جامعة وأخرى، وحتى بين منطقة جغرافية وأخرى.
عودتي لبيرزيت كانت حلماً يتعلق بالعودة لفلسطين، ويتعلق بالصورة العامة التي تراكمت لدي منذ كنتُ طفلاً يعيش خارج فلسطين، عن الجامعة ومناخها.

اقرأ أيضاً: خالد الحروب يكتب بـ "حبر الشمس" عن بلاد الغرباء والمثقف اليقيني
في تقييم الحياة الأكاديمية في فلسطين، هناك أمور مشتركة لا تختلف عن تطورات الحياة الأكاديمية عالمياً وعربياً، وهناك أمور خاصة بفلسطين، وهناك ما هو خاص أيضاً بجامعة دون أخرى.
لعبت الجامعات عموماً دوراً وطنياً تنويرياً في فلسطين، ولا زالت، وعندما أُقيّم تجربة بيرزيت مثلاً، مقارنة بما عرفته من تجارب جامعات عربية أخرى، أجد أنّ هناك سقفاً عالياً جداً من الحرية والتعددية، نعيشها في بيرزيت؛ فالعلاقات بين الإدارة من جهة ومجتمع الأكاديميين والإداريين من جهة، وبين الجامعة والطلاب، وبين الطلاب أنفسهم، فيها تقاليد ديمقراطية نادرة الوجود عربياً.

مشكلتنا الفلسطينية ليست بالنقد بل غياب المؤسسات البرلمانية والتشريعية والرقابية التي تَسمَح بتحويله لإجراءات محاسبة

وهنا اسمحي لي أن أروي قصة صغيرة؛ في إحدى المرات التي أقفلت فيها الجامعة بسبب إضراب الطلاب احتجاجاً على رسوم الجامعة (والإضرابات للأسف شيء متكرر في بيرزيت)، وكنتُ ضمن ممثلي إدارة الجامعة للحديث مع الإعلام، وحوار الطلاب في الإعلام، قال أحد أفراد "خلية" الأزمة في اجتماع مصغر أنّ هناك مشكلات بين الطلاب، وقد تفتح الجامعة قريباً، لأنّ فريقاً من الطلاب يريد ذلك. رد رئيس الجامعة (وهو رئيس سابق الآن)، أن هناك خطين أحمرين، يجب عدم الاقتراب منهما؛ الأول السماح للأجهزة الأمنية بالتدخل في شأن جامعي، والثاني اللعب على أوتار خلافات الطلاب، وقال رئيس الجامعة: أعتقد أن الإضراب خطأ لكن هذه الممارسة جزء من تدريبنا وتعليمنا للطلاب، "هكذا يتعلمون ويستعدون للحياة".

اقرأ أيضاً: هل ينطق المثقف بلسان مجتمعه؟
تمتاز بيرزيت بأنّ أطراف مجتمعها يختلفون وينقسمون أيديولوجياً وسياسياً وإدارياً، ولكن مع وجود آلية لتنظيم هذا، ومع اتفاق أنّ القاسم المشترك هو الحفاظ على استقلالية الجامعة عن أي تدخل خارجي، يُساعِد في هذا حقيقة أنّ الجامعة لا تتلقى فعلياً تمويلاً حكومياً، وأنّها ليست ربحية. ومن هنا فاستقلالية الجامعات أمر مهم، ولكنه متفاوت بين جامعة وأخرى.
هناك حياة انتخابية ممتازة في بيرزيت، وبعض الجامعات الأخرى، سواء على صعيد الانتخابات الطلابية، أو النقابية، ولكن هذا مثلاً للأسف توقف في قطاع غزة، منذ سيطرت "حماس" على السلطة هناك، العام 2007. وهو ليس على نفس المستوى في كل الجامعات.

اقرأ أيضاً: المثقف والسلطة.. هل ما يزال الرقيب يتحسس مسدسه؟
من هنا فالجو الجامعي مهم جداً ومتميز، وما لمسته منذ اللحظات الأولى في بير زيت، أنّ كثيراً من الأساتذة والعاملين، يتعاملون مع عملية مستوى الأداء الأكاديمي، باعتباره أمانة شخصية وعلمية ووطنية.
على المستوى الأكاديمي، تحاول الجامعات التميز قدر الإمكان، لكن هناك مشكلات أهمها الاحتلال؛ فمثلاً هذا العام منع الاحتلال تجديد إقامات عدد من الأساتذة أو إقامات عائلاتهم، وبالتالي حَرموا الجامعات، وخصوصاً بيرزيت، من عدد من الكوادر المهمة، منهم أجانب ومنهم فلسطينيون، هذا فضلاً عن منع الكثيرين من الدخول إلى فلسطين والتدريس والدراسة فيها. أضف لذلك الأزمة المالية المزمنة في فلسطين والجامعات، تؤدي لنزيف عقول بخروج أساتذة للعمل في التدريس بالخارج.
لكن عموماً بالقياس للظروف المختلفة: الجامعات الفلسطينية، ولا سيما بيرزيت، تحقق نتائج متميزة أكاديمياً، وتحقق نتائج أهم في إعداد الشخصية والتدريب للمستقبل.  

مرحلة الثورة

المثقف يشعر بالعجز عن فهم وتقبل المرحلة السياسية وبالتالي يعزل نفسه أو يستسلم لعمليات عزله
- تحضر القضية الفلسطينية في معظم كتاباتك، هل ترى في هذا نوعاً من القيد على حرية انطلاق المثقف والأكاديمي؟

في الواقع هذا صحيح فيما يتعلق بالكتابات الصحافية، وصحيح إلى حد كبير في المشاركات في المؤتمرات والندوات، لكنه ليس صحيحاً في الكتابات الأكاديمية، والتدريس، خصوصاً الأبحاث العلمية، حيث أهتم بشكل خاص بنظريات العلاقات الدولية، ودراسات إدارة الصراع، وعلى سبيل المثال أنا لا أدرس القضية الفلسطينة في الجامعة، وأتفرغ وأهتم أكثر للكتابة والتدريس في الاقتصاد السياسي، والعولمة، والصراع والعلاقات الدولية، ومناهج وأساليب البحث.
أتفق مع السؤال أنّ القضية الفلسطينية تشكل عاملاً ضاغطاً، تستهلك جزءاً من وقت وجهد الأكاديمي؛ لأنّه مضطر للتعامل مع تحدٍّ ضاغط يومياً هو الاحتلال واللجوء والشتات، بدل التفرغ لقضايا علمية تنموية وتطويرية، وللأسف هذا الوضع إجباري، في ظل أي عملية صراع. حيث المثقف في موقف الدفاع بدل المبادرة للتطوير والتنمية.

اقرأ أيضاً: موت المثقف العمومي: هل يمثّل المثقف الناس حقاً؟

لكن أحاول، ويحاول غيري، الخروج من هذه المعضلة، بربط التجربة الفلسطينية بتجارب أوسع في الحياة الإنسانية، والمقاومة، وقضايا الهوية، والتاريخ، والسياسة، وسوى هذا. وهنا أتذكر مقولة مُنظّر العلاقات الدولية، المعروف،  كينيث والتز، "الحرب في أحسن حالاتها تُبعد الناس عن العمل الذي يُنتِج ضروريات الحياة وكمالياتها، وفي أسوأ حالتها تدمر ما أنتجوه".
- يظهر أثر مرحلة الثورة الفلسطينية واضحاً في كتاباتك ماذا تعني لك مرحلة الثورة، وأين تقف القضية الفلسطينية من تلك المرحلة حالياً؟
تجربة الثورة الفلسطينية، كما أتذكرها دائماً "هي تجربة فِعل شيء من لا شيء"؛ أي الاعتماد على الهوية والانتماء، رغم الافتقار للمقومات المادية والمؤسسية، لصناعة ثورة وكيان وشخصية، نضالية. لذلك فتجربة الثورة الفلسطينية، بما فيها من تحدٍّ ومن نجاح في تحول من حياة لاجئ مشرد إلى شعب مقاتل ومناضل في مختلف المجالات، وليس فقط المقاومة الصّلبة المُباشرة، أمر يستحق الاستحضار دائماً.

ثمة معضلة كبرى في كيفية تفاعلنا خصوصاً الذين نتبنى رفض الاحتلال والهيمنة مع المدارس الغربية

نعيش، الآن، تراجع الحالة الثورية، ووقعنا في فخ "السلطة تحت الاحتلال"، ولا نعرف حتى الآن كيف نعالج مشكلة ازدواجية مرحلة التحرر الوطني مع مسألة وجود وتأسيس نظام وسلطة دون زوال الاحتلال، وتحولت الحالة لمعضلة سياسية ووطنية.
المطلوب حالياً إعادة البناء الوطني، أولاً بإعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية، وكذلك بالعثور على أشكال تنظيمية جديدة، للفعل الشعبي والدبلوماسي الرسمي، تراعي تطورات عصر العولمة، وتغير أشكال التنظيم السياسي عالمياً، وتراعي فشل تجربة السلطة تحت الاحتلال، وتجربة بناء الدولة قبل زوال الاحتلال، كما تراعي شيخوخة الأطر القديمة (الفصائل). وهذه كلها أمور غير مستحيلة رغم صعوبتها.
في كتابي الأخير "الشباب الفلسطيني من الحركة والحراك"، توسعت في بحث هذه التحديات، لذلك استحضار روح الثورة الفلسطينية أساسي للانتقال لمرحلة ثورية جديدة، حتى إن كانت تتطلب أدوات وأطراً تنظيمية مختلفة.
مسؤولية المثقف 

غلاف كتاب "الشباب الفلسطيني من الحركة والحراك"
- تتجنب انتقاد المؤسسة السياسية الفلسطينية بشكل لافت، أليس من مسؤولية المثقف مراقبة السلطة السياسية ومحاسبتها؟

يدفعني هذا السؤال للابتسام، فعادة أُتهم بالشيء ونقيضه، أُتهم بتجنب انتقاد المؤسسة الرسمية، كما أُتهم بتجنب انتقاد المعارضة، وأُتهم بالعكس أني أنتقد كليهما بشدة، وأتلقى اللوم من كليهما بسبب هذا النقد. وحقيقة أعتقد أني أمارس الكثير من النقد، ولكن طبيعة لغتي ومفرداتي تُحاول دائماً مناقشة القضايا، لا اتهام ومهاجمة الأشخاص والجهات المختلفة، وبعيداً عن التخوين والتكفير، وأنطلق من مجموعة قواعد في الكتابة، منها اللغة المباشرة الصريحة البسيطة، دون استعارات أدبية ولغوية، مع حرص كبير على التزود بالمعلومة الدقيقة، عند مناقشة قضايا سياسية، وهذا يقلل من التوتر في مقالاتي، إلا التَوتُر المعرفي، وذلك بعكس لغة مقالاتي التي تتعلق بالشأن الإنساني الاجتماعي، التي تحتمل الأدب والمجاز والعاطفة والتوتر. أعتقد أني أحرص على تقديم معلومات وبيانات، بلغة مدروسة، تجعل رسالتي النقدية، أو السياساتية، تصل دون حاجة للغة شعبوية.

اقرأ أيضاً: هل يلزم أن يكون المثقف متسقاً مع أفكاره؟
مشكلتنا الفلسطينية ليست بالنقد، فهو كثير وكثير جداً، ولكن المشكلة في غياب المؤسسات البرلمانية والتشريعية والرقابية التي تَسمَح بتحويل النقد لإجراءات محاسبة، ولسياسات بديلة، ولنقد عملي مباشر في مؤسسات رسمية وشعبية للمحاسبة والنقاش. وهذا الغياب لمنابر وأطر الحوار المؤسسية، يؤدي إلى شيوع الشعبوية التي أشرتِ لها، أو لانفصال المثقف عن السياسي، وعن الشارع أحياناً.

- بحكم دراستك في المهجر، كيف أثّرت المدرسة الأكاديمية الغربية في منهجية تناوُلك للقضية الفلسطينية؟
لم أصنف نفسي يوماً بأنّي من مثقفي المهجر؛ لأني لم أكن يوماً كذلك، ولم أرغب، وذلك عن سابق إصرار وتصميم، بأن أكون في المهجر. أنهيت الشهادات الجامعية الأولى في الوطن العربي، قبل مرحلة الدكتوراة وما بعدها، وأنا سعيد بالحياة في العالم العربي،  خصوصاً في بيرزيت، أذهب للمؤسسات الغربية للدراسة، أو لزمالة بحثية، أو لإجراء بحث، أو المشاركة في مؤتمر أو مشروع ما، ولي أصدقاء كُثر في الغَرب، وجزء من جمعيات وجماعات ومشاريع أكاديمية غربية عدة، لكن لم يكن في نيتي يوماً، أو تفكيري، حتى الآن على الأقل، الاستقرار في مؤسسة غربية.

نحن في القضايا السياسية العربية والوطنية مثقلون بالأيديولوجيا وبالموقف الدفاعي وبالتركيز على التاريخ

أعتقد، أنّ هناك معضلة كبرى، في كيفية تفاعلنا، نحن العرب، خصوصاً الذين نتبنى رفض الاحتلال والهيمنة، مع المدارس الغربية، المتعددة، فنحن في القضايا السياسية العربية والوطنية، مثقلون بالأيديولوجيا، وبالموقف الدفاعي، وأيضاً بالتركيز على التاريخ، نحن بشكل أو بآخر نمارس نوعاً خاصاً من "الاستشراق". بمعنى جزء  كبير من باحثينا وأساتذتنا في العلوم الإنسانية، يدرس في دوائر الدراسات الشرق أوسطية، والعربية، والإسلامية، في الغرب. فتجد أستاذ العلوم السياسية، والاجتماع، والأدب، والترجمة، والشريعة، والجغرافيا، والتاريخ، والاقتصاد، والإعلام، درسوا في هذه الدوائر التي نشأت لدراسة الشرق، ولها مناهج خاصة، تركز على اللغة والمعلومات والأرشيفات، أكثر مما تهتم بمناهج ونظريات العلاقات الدولية، والسياسة، والاجتماع.
ومن هنا تجد أحياناً أنّ الفروق بين منهجية أستاذ الأدب الانجليزي أو العربي وعالم السياسة، والشريعة، و..إلخ،  في جامعاتنا العربية، محدودة؛ لأنّهم درسوا في ذات الدائرة أو القسم في الجامعة الغربية، وربما على يد ذات المشرف. فالمدرسة الغربية ترحب بالطالب العربي؛ لأنه يساعدها في تقديم دراسات تؤدي إلى فهم أفضل لوصف الشرق، ولأنه مصدر دخل بسبب الرسوم العالية التي يدفعها، في دوائر الدراسات المناطقية (الشرق الأوسط).

اقرأ أيضاً: لماذا ينسحب المثقفون والناشطون من السجال العام؟
في المقابل يقل عددنا في الدوائر العلمية المتخصصة، (السياسة، الاجتماع، التاريخ، الاقتصاد، الإعلام، ...إلخ)، ويغلب بالتالي علينا مناهج الاستشراق، بما فيها مناهج نقد الاستشراق، وتشيع لدينا مناهج تحليل الخطاب، ونظريات ما بعد الاستعمار، لدرجة أن نحصر أنفسنا في ميشيل فوكو، وجاك دريدا، وإدوارد سعيد، وفرانز فانون، ونعوم تشومسكي، وغيرهم ممن لا يمكن تجاهل أهميتهم، ولكن مناهجهم النقدية والمرتبطة بالنقد المهجوس بالأيديولوجيا، والهوية، يقلل من فرص الذهاب الى مجالات أرحب من النظرية والعلم، ويجعلنا في موقع الدفاع أو في أحسن الأحوال الهجوم المضاد، بدل تقديم بناء علمي متكامل، أو الإسهام في ذلك.

اقرأ أيضاً: أين المثقف العربي؟
أحاول قدر الإمكان أن أتعمق في العلم البحت، مع حصر قلقي، بالقضايا التي أعالجها، وبمدى صحة ونجاعة النظريات العلمية، عموماً لدراسة الشأن الفلسطيني، أو غيره من الشؤون، بمعنى أحاول تجاوز النقد والتفكيك، إلى البناء والسياسات التي تتجاوز الواقع المرفوض، بسبل بناء بديلة، وأن لا أحصر نفسي بمنهجيات الدراسات الشرق أوسطية، أو منهجيات ما بعد الاستعمار، أو أن يكون همي الرد على ما هو قائم.

عزم: تجربة الثورة الفلسطينية، كما أتذكرها دائماً "هي تجربة فِعل شيء من لا شيء"

- أما زال المثقف الفلسطيني يحظى بالموثوقية ذاتها التي أسبغها عليه الشعب الفلسطيني سابقاً؟
بشكل عام تراجعت فكرة المثقف الجماهيري، بالتوازي مع تراجع دور الإعلام الجماهيري، وتراجع العمل السياسي الحزبي والوطني الشعبي، ما أدى لأزمة في مكانة المثقف.
هناك تحول هائل في طبيعة الإعلام والتعليم، لم نعها تماماً، ليس عربياً فقط، ولكن حتى عالمياً. فمع عصر وسائل التواصل الاجتماعي، شاعت نظرية أنّ الإعلام أو المعلومة وبعض أوجه الثقافة انتقلت من كونها إنتاج النُخب، إلى أنها إنتاج جماعي. وأنّ العصر السابق (زمن الإعلام والتعليم التقليديين)، كان عدد المرسلين فيها قليل والمستقبلين كبير، وأننا الآن في عصر الكثير من المرسلين يتجهون إلى كثير من المستقبلين (كما نرى في الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي).

بشكل عام تراجعت فكرة المثقف الجماهيري بالتوازي مع تراجع دور الإعلام الجماهيري

وهذا التشخيص صحيح، ويعني صعوبة مهمة المثقف، لكنه لن يستمر. فمع الوقت اتضح مثلاً أنّ الإعلام الجماهيري لا يتمتع بنفس حصافة وقوة الإعلام الذي تقوم عليه مؤسسات لها قواعد وموارد، وأعتقد أننا اقتربنا من مرحلة عودة المؤسسة الإعلامية التي تفرض نفسها، بدل الإعلام الفردي، باكتشاف جماهير لفقاعة الإعلام الاجتماعي. وبالتالي لبروز دور المثقف، وحتى لإعادة تعريف دور مؤسسات الثقافة.
هذا ينطبق على الجامعات التي أصبحت في متناول الغالبية الكبرى من البشر، لدرجة أنّها لم تعد تجد عدد الطلاب الكافي الذي تستطيع استيعابه، بعد أن كان هناك ندرة في المقاعد الجامعية، قبل ربع قرن مثلاً. أعتقد أننا سنشهد الآن عودة لنخبوية الجامعات.
لتوضيح هذه الفكرة أقول إنّ المشكلة ليست الموثوقية فقط (الوثوق بالمثقف)، بل هناك مشكلة "الوصول" للجمهور، في عصر فيه تنافسية هائلة، وتعددية لا نهائية في المصادر (المُرسلين)، فلجأ البعض من المثقفين للشعبوية، والبحث عن التفاعل السريع، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، كما أن تراجع الأفكار والأيديولوجيا والفكر السياسي عموماً، قلل من أهمية المثقف "المُنظّر". مثلما يشعر الكثيرون بفقدان الأمل من التنظير، ومن الجامعات، والحقيقة، أنّ هناك مشكلة بنوع الفكر والتنظير والتعليم المقدمين، بقدر ما هو بآلية التوصيل.

اقرأ أيضاً: تيسير أبو عودة: سيظل المثقف رسولاً قابضاً على جمر السؤال
فالمشكلة أن المثقف لا يجيب في أغلب الأحيان عن أسئلة الشارع، ومن أسباب هذا تراجع العمل الحزبي، وتراجع المشاركة المباشرة للمثقف بالنضال، أو تراجع الهامش المسموح له بأن يفعل هذا فيه.
يكفي أن ننظر كيف تفاعل الشباب في فلسطين، مع استشهاد الشاب باسل الأعرج، فباسل كان لديه مجموعة أطروحات، قد لا تكون نضجت أو تطورت، لكنّها كانت تلامس أسئلة مهمة في وجدان الشباب، مثل نوع المقاومة المطلوبة في عصر الفردية، ومقولاته حول عصر تراجع الثورية الجمعية، وأفكاره حول مفهوم العمل الميداني المباشر، وكلها أمور مهمة بحاجة للمزيد من النقاش، لكن المهم أنّ شباناً، ومثقفين، بذلوا جهداً بعد استشهاد باسل لجمع ونشر أفكاره، ما يوضح التعطش للفكر والثقافة اللذان يجيبان عن أسئلة عملية.

بشكل عام لا يمكن القول إنّ الموثوقية بالمثقف ألغيت بقدر ما هو شعور بالتيه بالمرحلة ككل

بشكل عام لا يمكن القول إنّ الموثوقية بالمثقف ألغيت، بقدر ما هو شعور بالتيه بالمرحلة ككل، فضلاً عن الانفصال القائم بين المثقف والواقع السياسي والميداني، فالمثقف يشعر بالعجز عن فهم وتقبل المرحلة السياسية، فلا ينخرط بالواقع، وبالتالي يعزل نفسه، أو يستسلم لعمليات عزله، أو يرد على العزل بطريقة خاطئة، فيها قدر من الترفع والنخبوية، أو الشعبوية.
لكن أعتقد أن هذه المرحلة لن تستمر، فمثلاً الجامعات، فقدت دورها الذي ساد في القرن العشرين، باعتبارها مكاناً لتصنيع "الشَهادات" التي تفتح أبواب العمل والحراك الاجتماعي، وسيُصبح لدينا من يؤمن بدور نخبوي للجامعات في تزويد علوم وثقافة ومهارات، لا شهادات، ولكن هذا يعني تراجع جماهيرية الجامعات، وهذا التراجع ليس شيئاً سيئاً بالضرورة.
وأيضاً المؤسسات الإعلامية والثقافية، تستعيد مكانتها، كإطار مُنظّم بدل الفردية الفوضوية، وحتى تراجع الأحزاب لصالح الحِراكات الاجتماعية قصيرة العمر، سيتوقف لكن الشكل الجديد للعمل السياسي والشعبي لا زال لم يتطور بعد، وهنا ألفت النظر مثلاً لورشتي عمل، قام بهما شباب فلسطينيون في الولايات المتحدة الأميركية، وفلسطين، وأعتقد دون تنسيق بينهما، لمناقشة الفرق بين الحركة (السياسية والاجتماعية)؛ أي الشكل القديم، وفكرة "الحِراك" الذي شاع في السنوات الأخيرة.

للمشاركة:

خلدون النبواني: الفلسفة اليوم ليست بخير

2019-08-08

أجرى الحوار: حاتم زكي


قال المفكر السوري خلدون النبواني إنّ الفلسفة اليوم ليست بخير، وربما وصلت إلى طريق مسدود، وهذا ليس بسبب ما بعد الحداثة، وكلّ ما اتهمت به من عدمية وعبثية وفكر تخريبي، بل لأنّ الفلسفة أنهت مرحلة، كما حصل دائماً في تاريخها الطويل، وصارت في حاجة إلى أفق جديد.
ولفت النبواني، في حوار مع "حفريات"، إلى استثمار الفلسفة من قبل السياسة وحاجاتها وبرامجها، وبدل أن تكون السياسة، فرعاً من فروع الفلسفة أو سؤالاً يناط بالفلسفة وضعُ أسسه وفضح انحرافاته، صارت الفلسفة خاضعة لأجندات السياسة.

لم أسمع بفيلسوف أيّد مثلاً الحرب الأمريكية على العراق بل انبرى معظمهم لفضحها وفضح سياسات جورج بوش الابن

والنبواني من مواليد محافظة السويداء 1975 التحق بكلية الفلسفة في جامعة دمشق ليتخرج منها في عام 1999، تابع دراسته العليا في جامعة السوربون، ونال درجة الماجستير في الفلسفة عام 2006 قبل أن ينال درجة الدكتوراة في الفلسفة المعاصرة عام 2013، منذ مطلع 2017 يشغل منصب عضو مُنتخب في معهد العلوم التشريعية والفلسفية في جامعة السوربون، باريس 1.
من مؤلفاته: "نصوص أدبفلسفية"، و "في بعض مفارقات الحداثة وما بعدها، دراسات فلسفية وفكرية".
ومن كتبه المترجمة: "في السعادة: رحلة فلسفية" 2016 و"سرّ الصبر" 2008 و"الفلسفة في زمن الإرهاب: حوارات مع يورغن هابرماس وجاك دريدا".
ويعتقد النبواني بأنّ الغرب يشعر بحالة من القلق العميق على حال الفلسفة الغربية؛ بسبب غياب الأسماء الكبرى في سماء الفلسفة، التي رحل أغلب نجومها، مثل: فوكو، وجاك دريدا، وليوتار، وغيرهم. كما أشار النبواني إلى أنّ ما بعد الحداثة في رأيه؛ هي استمرار للحداثة، وكشف لإفلاس مقولات الحداثة، كما أكّد انحسار دور المثقف المناضل بسبب غياب الفيلسوف الكبير الحقيقي.

"نصوص أدبفلسفية"
هنا نصّ الحوار:

بعد انشغال الأكاديمية العربية بمتابعة مدارس الفلسفة الغربية يبدو أنّ هناك طارئاً منع العرب من استمرار التواصل مع الغرب. هل يمكن أن تطلعنا على أبرز المدارس الفلسفية الموجودة حالياً في الغرب الآن؟
ليس هذا الشعور بالانقطاع خاص بالعالم العربيّ؛ بل إنّ الأوروبيين أنفسهم يسألون بقلق عن حال الفلسفة الغربية اليوم، وعن سبب اختفاء الأسماء الكبرى من ساحة الفلسفة، خاصة في ألمانيا وفرنسا.
هناك إحساس حقيقي بالفراغ؛ فبعد أسماء كبيرة مثل: لاكان، وفوكو، ودريدا، ودولوز، وليوتار، أو ما سمِّي ﺑ "Frensh Theory" يجد الفرنسيّون، اليوم، أنفسهم متلعثمين عند سؤالهم عن فلاسفة فرنسا الكبار حالياً؛ فلم تعد توجد عندهم أسماء كبيرة فعلياً، ولا يقتصر الأمر على فرنسا التي برزت فيها ألمع أسماء الفلسفة المعاصرة منذ النصف الثاني من القرن العشرين؛ إذ تبدو الساحة الفلسفية الألمانية شبه خالية اليوم من الأسماء العملاقة التي جعلت من ألمانيا مع كانط وهيجل ونيتشه وماركس وهوسرل وهايدجر تبدو كما لو أنّها أرض الفلسفة الوحيدة بعد الإغريق، أما وضع الفلسفة الأنجلوساكسونية، فيبدو –اليوم- وكأنّه في وضعية موت سريري حقيقي.

اقرأ أيضاً: اللغة كترياق: هل يمكن تأسيس فلسفة دين استناداً إلى اللغة؟
يمكن لنا، بالطبع، ذكر العديد من الأسماء الفلسفية الغربية الحيّة، التي تشتغل في الفلسفة، مثل: طوني نيجري، وسلافوي جيجيك، وآلان باديو، ولوك فيري، وجوديث بوتلر، وجورجيو أغامبن، وفردريك جيمسون، وغاياتري سبيفاك، ومانفرد فرانك، وبيتر سولتيردايك، وأكسل هونيث، أو حتى هابرماس، وأسماء أخرى كثيرة تشتغل في الفلسفة، أو تقوم بتدريسها، لكن دون فلسفة حقيقة، أو فيلسوف حقيقي واحد كبير.
الفيلسوف هابرماس

عدد قليل جداً من الفلاسفة
في هذا الصدد؛ أتّفق مع ما قاله أحد أكبر الفلاسفة المعاصرين الراحلين، باول ريكور، في إحدى مقابلاته: "هناك الكثير من المشتغلين بالفلسفة، وعدد قليل جداً من الفلاسفة"، بالطبع قد يعترض العديد من أهل الاختصاص على عدم وصفي لهابرماس بالفيلسوف الكبير، وهو من كرّست له مجلة "Esprit" الفرنسية عدداً خاصاً عام 2015 بوصفه "آخر الفلاسفة"، لكنّ اشتغالي على أعماله وتكريس أطروحة الماجستير والدكتوراه حوله، كلّ ذلك يسمح لي بالقول: إنّ هابرماس، وفق التصور الذي أحمله شخصياً للفلسفة ولا ألزم أحداً به، "ليس فيلسوفاً؛ إنما مفكّر سياسيّ"، وهذه كلمات الفيلسوف الألماني الكبير الراحل، هانس جورج غاردامر، في هابرماس، على أيّة حال لا يمكن سلب كلّ هذه الأسماء الكبيرة التي ذكرتها قبل قليل حقها؛ بل علينا الانحناء أمامها وأمام جهودها، فبفضلها تستمرّ الفلسفة، لكنّها مع ذلك تشهد على اختفاء الفيلسوف الكبير لصالح أساتذة الفلسفة ومؤرخي الفلسفة وصغار الفلاسفة.

ما بعد الحداثة هي مرحلة كشف حساب الحداثة وإعلان إفلاس العديد من مقولاتها والكشف عن ضرورة تجديدها أو إصلاحها

لا بدّ من القول هنا: إنّ الفلسفة قد تحيا طويلاً، وتكون معافاة، حتى دون اسم فيلسوف كبير، بفضل مدارس فلسفية هنا وهناك وحضور الفلسفة في منتديات وجمعيات خاصة؛ بل كان لمأسسة الفلسفة في الفترة الحديثة، أي تحصّنها داخل الجامعة، دور في استمرارها وتأثيرها (رغم آثارها السلبية وهو ما سنعود إليه بعد قليل).
لكن لا شكّ كذلك في أنّ تاريخ الفلسفة قد شهد فترات خبت فيها الفلسفة، وتراجع حضورها في المجتمع وبين الناس، ثم عادت وازدرهت من جديد في هذا البلد أو ذاك، على يد هذا الفيلسوف أو ذاك، ويكفي أن نلقي نظرة على فترة ما يسمى بالقرون الوسطى حتى نشهد فترات انقطاع طويلة في الفلسفة الغربية، لكنها كانت تعود كلّ مرة إلى الحياة بشكل جديد وأفكار جديدة؛ هل نعيش اليوم مرحلة سبات مؤقت، أو اختفاء مرحليّ، أو كمون للفلسفة، أم أننا نعيش نهايتها الفعلية اليوم؟ كثيرون من الفلاسفة الكبار تحدثوا عن نهاية الفلسفة: هيجل، ماركس، هايدجر، فتجنشتاين، لكن الفلسفة كذّبت كل تنبؤاتهم وبقيت حية.
الطريف في الأمر؛ أنّ جميع هؤلاء الفلاسفة الكبار كانوا ينتجون نصوصاً فلسفية أصيلة، ستؤسس لغيرها ولغيرهم في المستقبل، هكذا كان هؤلاء الفلاسفة ينفخون الروح في الفلسفة، وهم يظنون أنّهم يبكون على قبرها.
الفيلسوف باول ريكور

لم يكن هيجل آخر الفلاسفة
لم يكن هيجل آخر الفلاسفة، كما يحلو للكثير من الفلاسفة اللاحقين وصفه، كلّ ما في الأمر أنّنا انتقلنا إلى شكل جديد في التفلسف من الأنساق الفلسفية الكبيرة إلى وعي الفلسفة بوهم المطلق، من فلسفة التوحيد (من الوحدة) إلى فلسفات التفكيك، من التشابه إلى الاختلاف، وكلّ هذا لم يقضِ على الفلسفة؛ إنما فتح صفحة جديدة فيها، كما فتحت الفلسفة الحديثة مثلاً صفحة فلسفة الذات على حساب الكلية الإلهية.

اقرأ أيضاً: أصل الفلسفة اليونانية.. ابحث عن حكمة الشـرق
ورغم توفّر ظروف اجتماعية وسياسية واقتصادية ...إلخ، لظهور فلسفة ما، إلا أنّ علينا أن نعترف بأنّ هناك عبقريات فلسفية كانت تفتح للفلسفة باباً جديداً كلّ مرة، ومن وجهة نظري؛ نحن نعاني اليوم من مشكلة فراغ فلسفيّ فعليّ، وغياب أسماء كبيرة لفلاسفة أصلاء منذ رحيل دريدا.
هل سنشهد ظهور فيلسوف حقيقي جديد؟ هل ستكون هناك مدارس فلسفية معاصرة؟ لا بدّ هنا من رفض التنبؤ، خاصة بعد تكذيب الواقع لنبوءات الفلاسفة بموت الفلسفة، كلّ ما يمكن لي الإدلاء به هنا هو تفسير تراجع الفلسفة اليوم حدّ الاحتضار، في أوروبا خاصة، والعالم عموماً.
في التصنيفات شديدة العمومية يتم تقسيم الفلسفة المعاصرة إلى مدرستين تقاسمتا الإنتاج الفلسفي الغربي:
1- فلسفة التحليل اللغوي أو الفلسفة الإنجلوساكسونية.
2- الفينومينولوجيا أو الفلسفة القاريّة (وهو اسم أطلقه الفلاسفة الأنجلوساكسون على الإنتاج الفلسفي في كلّ من فرنسا وألمانيا).
وهنا لا بدّ من التأكيد على أنّه إن كان هناك ما يجمع شتات هذين التيارين، وما يتفرع عنهما من فلسفات معاصرة، على اختلافها، وحروبها وتناقضاتها وتشعباتها؛ هو فلسفة اللغة.
قامت فلسفة التحليل اللغوي في صيغتها المتأخرة على نظرية ألعاب الكلام عند فتجنشتاين الثاني؛ (أي في "مؤلفاته" بعد التراكتاتوس، خاصة في كتابه "بحوث فلسفية") وهوسرل في أبحاثه في فلسفة اللغة اعتماداً على أفكار أوستين في أفعال الكلام.

اقرأ أيضاً: تكفير التفكير.. الصحوة والفلسفة
ومع أنّ وضع جميع الإنتاج الفلسفي الألماني والفرنسي في سلة الفينومينولوجيا الهوسرلية قد يبدو أمراً مبالغاً فيه، إلا أنّه لا يبتعد عن الواقع إلّا في بعض الاستثناءات، ومع أنّ فلسفة اللغة كانت حاضرة بشكلٍ ما في أعمال هوسرل في نظريته في الدلالة، ومع أنّ هايدجر، الذي نحّى الفينومينولوجيا نحو الفلسفة الوجودية، قد أعطى دوراً مهماً للغة في فلسفته، إلا أنّ تفرعات الفينومينولوجيا اللاحقة هي من ستجد ضالته، كي يستمر ويتجدَّد في اللغة وأبحاثها، وما أقصده هنا البنيوية الفرنسية وما بعدها، التي اعتمدت على أبحاث دو سوور، والنظرية النقدية عند هابرماس تحديداً.
الفيلسوف هيجل

الفلسفة المعاصرة هي فلسفة اللغة بامتياز
كلّ هذه المدارس، وهؤلاء الفلاسفة، وجدوا ضالة الفلسفة المعاصرة في اللغة، فصار التفلسف يعني عندهم عودة إلى اللغة، وتأملاً فيها، ونسجاً بكلماتها ورموزها ودلالاتها، ...إلخ.
الفلسفة المعاصرة هي فلسفة اللغة بامتياز، اليوم؛ أجد أنّ الفلسفة قد استنفدت نفسها في اللغة واستنفدت اللغة فلسفياً، فتوقفت وصار لا بدّ من إيجاد أفق جديد، لنتذكر أنّ الفلسفة الماقبل سقراطية كانت قد استنفدت أسئلة أصل الوجود والبحث عن المبدأ الأول فجاء سقراط ليجددها في فتحها على الموجود؛ أي بنقلها من الـ "Sein" إلى الـ "Dasein"، لو استعرت مفردات هايدجر، ولنتذكر أيضاً أنّ الفلسفة الوسيطة كانت قد استنفدت فكرة الواحد والمطلق واليقين والوحي، وكان لا بدّ للفلسفة، كي تستمر، من أن تغير جلدها؛ بل وروحها، فكان الشكّ الديكارتي والذاتية الديكارتية هما ما أعطيا للفلسفة حياةً جديدة.

اقرأ أيضاً: معهد تونس للفلسفة.. اشتباك الفكر الحر مع هموم الناس خارج الأكاديميات
أظن أنّنا نقف اليوم على أعتاب مرحلة انتهت فيها مرحلة فلسفة اللغة، وصار لا بدّ من أفقٍ فلسفيٍّ جديد لتخرج الفلسفة من حالة الكمون أو من حالة الاحتضار، فما هو هذا الأفق؟ المستقبل هو الذي سيقول لنا ذلك، إذا كُتبت للفلسفة حياة جديدة، لكنّني أظنّ أنّ الواقع الافتراضي (لنلاحظ هذه التسمية المتناقضة) يستفز الفلسفة اليوم ويفتح، بنفس الوقت، إمكانية البحث في آفاق جديدة ولغة جديدة.
نعيش اليوم في عالم يشبه الحلم أو الكابوس، سمّه كما شئت، لكنه يشهد -وللمرة الأولى منذ أفلاطون- عودة لتداخل الواقعي بالافتراضي وتبادل للأدوار يبعث على الدوران؛ حيث إنّنا لم نعد نقف على أرض الواقع الصلبة، وإنما نسبح في الفضاء الهلاميّ الافتراضيّ، لا شيء لتمسك أو لتتمسك به فتتبخر يقينيات الفلسفات المادية، ولا يعود الوعي قادراً على التعرُّف إلى مرجعياته السابقة التي تصدعت، وكلّ هذا يخلط من جديدة، ومرة أخرى، أوراق الفلسفة، ويفتحها على التساؤل ومحاولة تنظيم وضبط عالم مبعثر.
الفيلسوف كارل ماركس

مستقبل التكنولوجيا
كان هايدجر متشائماً جداً حيال مستقبل التكنولوجيا والقدرة على ضبطه والسيطرة عليه، وعلى مستقبل الديمقراطية والفلسفة فيه، لكنّ الواقع كذّب مرات ومرات نبوءات هايدجر، ورغم الطّابع الارتجالي والميلانكولي أيضاً لكتابات بودريار حول التكنولوجيا، إلا أنّه قد يكون محاولة أولى للتنطح الفلسفي للإجابة على هذا التحدي المطروح اليوم وبقوة أمام الفلسفة.

اقرأ أيضاً: الفلسفة كوصفة طبية
في انتظار ولادة الجديد فلسفياً، قد تكون هناك محاولات فلسفية جادة، بل وأسماء قد يثبت الزمن لاحقاً جدارتها بحمل لقب فلاسفة العصر، لكنّ إثبات الحضور والحصول على الاعتراف يحتاج إلى وقت طويل، قد لا يتحقق في حياة الفيلسوف حتى في زمن الأضواء وصناعة النجوم الذي نعيشه.

الجامعة الحديثة، في رأيي، هي كنيسة غير مرئية أو كنيسة متخفيّة دون صلوات وجوقات غناء وتعميد

قد نحتاج إذاً، ربما في زمن آخر قادم، لأن تخرج بعض الأسماء والأفكار من العتمة إلى النور، إذاً قد يكشف لنا الزمن بعض الأعمال الفلسفية المهمة، التي قد لا تحظى حين صدورها باهتمام كبير، ولنتذكر مثلاً؛ أنّ كتاب كانط الأهم "نقد العقل المحض" لم يلقَ أيّ اهتمام تقريباً حين صدوره في طبعته الأولى (1781)، وأنّ كتاب "رأس المال" (1867) لماركس لم يجد صدىً في البداية، رغم اجتهاد إنجلز لتقديمه إلى الصحافة والكتابة عنه عدة مرات، مع أنّ هذا الكتاب سيغدو أحد أهم أعمال الفلسفة الحديثة، بل والحركات السياسية التي ارتبطت بالماركسية.

اقرأ أيضاً: فلسفة رايش.. كيف ومتى تخدم الوطنية المفرطة الاستبداد؟

وكما أنّ الحاجة قد صارت ملحّة إلى فلسفة، كما أزعم، لتخرج من ارتهانها لفلسفة اللغة؛ فإنّه لا بدّ لها كي تحيا، من التمرد على المركزية الغربية التي لا تمنح بطاقة فيلسوف إلا لمن انتمى إلى دوائرها الضيقة، أي هويتها البيضاء الأوروبية.
في هذا الصدد؛ فاجأني تمركز الفيلسوف الفرنسي، باول ريكور، على مركزيته الأوروبية، فالفلسفة عنده لا تكون كذلك إلا إذا انتسبت إلى الفلسفة الإغريقية وامتداتها الغربية، أو إلى التراث اليهودي المسيحي الغربي (وليس الشرقيّ)، مؤكداً أنّ "ما أُنتج في الصين والهند، ليس من الفلسفة وإنما طريقة أخرى في التفكير".

اقرأ أيضاً: السعودية الجديدة: "إيوان الفلسفة".. فضاء للتفكير الحرّ في نادي جدة الأدبي
إنّ فكّ ارتهان الفلسفة بالإنتاج الغربي الأوروبي، هو أيضاً مرهون بولادة الفلسفة من جديد وتحريرها من قفص الهوية الأوروبية وتحقيق استقلالها.
الحداثة في الفكر الغربي

 "في بعض مفارقات الحداثة وما بعدها، دراسات فلسفية وفكرية"
ما هو موقع ما بعد الحداثة في الفكر الغربي المعاصر حالياً؟ هل هناك نكوص عنها أم أننا نعيش أعلى مراحلها؟ وهل ما يزال الجدل بينها وبين الحداثة دائراً؟

مع أنّ لفظ "ما بعد الحداثة" قد تمّ استهلاكه؛ حيث صار يعني أيّ شيء وكلّ شيء، وأشياء متناقضة في الوقت نفسه، إلا أنّ المعنى الذي أتبناه لما بعد الحداثة هو استمرار فعلي وحقيقي لفلسفة الحداثة، بهذا المعنى ليس الما بعد "post" هنا تجاوزاً، وإنما (in) ، (within)، أو (inside)، ولكنّه ذهاب إلى التخوم والخواتيم.

اقرأ أيضاً: لماذا يهاب العرب والمسلمون الفلسفة؟
ما بعد الحداثة بهذا المعنى جزء لا يتجزأ من الحداثة، وحلقة أخيرة ربما من حلقاتها لكن ليس شيئاً خارجها، هي مرحلة كشف حساب الحداثة وإعلان إفلاس العديد من مقولاتها والكشف عن ضرورة تجديدها أو إصلاحها أو حتى التخلي عنها وتجاوزها.
في محاولتي للإجابة عن السؤال الأول أوضحت، والواقع يقول ذلك بأنّ الفلسفة اليوم ليست بخير وربما وصلت إلى طريق مسدود، وهذا ليس بسبب ما بعد الحداثة، وكلّ ما اتهمت به من عدمية وعبثية وفكر تخريبي ...إلخ، كلّ ما في الأمر أنّ الفلسفة أنهت مرحلة، كما حصل دائماً في تاريخها الطويل، وصارت في حاجة إلى أفق جديد.

اقرأ أيضاً: الفلسفة الإسلامية: مشروع النسيان والنبذ
ما بعد الحداثة عبَّر بهذا المعنى عن هذا المأزق؛ كتاب هوركهايمر وأدورنو "جدل التنوير"؛ الذي وصفه هابرماس بانحراف نيتشويّ عند أستاذيه، ليس إلا كشفاً مهماً لانحرافات العقل ولانتهاء التنوير إلى الأسطورة التي ظنت الأنوار أنها تخلصت منها، وبعد اطلاعي على الكثير من الكتابات التي وُصِفَت سريعاً، ودون تفكّر وقراءة، بأنّها أعمال ما بعد حداثية خطيرة ومدمرة وهدّامة، أجد أنّ الفلسفات لا تخلو من صراع من قِبَلِ البعض، قائم على التشويه والشيطنة، ومحمول على أيديولوجيات وسوء فهم غالباً.
لن تجد عند دريدا مثلاً، الموصوف بعراب ما بعد الحداثة، أيّ تصريح بالانتماء إليها، ولا حتى تفكيك للعقل للخلاص منه، كما يشاع، وإنما نقد للعقل والتنوير لتبينان حدودهما وقصورهما ولفتحهما على ما أقصياه، ...إلخ.
لا شكّ في أنّ جدل الحداثة وما بعدها هو أمر لم تعد له أصداء اليوم تقريباً في أوروبا، وهي حملة شنها بعض الفلاسفة الألمان في الثمانينيات من القرن الماضي، من جانب واحد تقريباً، على الفكر الفرنسي الذي تأثر بفلسفَتَي نيتشه وهايدجر.
"نقد السُّلطة"
هكذا تتالت الكتابات والنصوص المنتقدة للفلاسفة الفرنسيين، فكتب مانفريد فرانك كتابه "ما هي البنيوية الجديدة؟" (1983)، وكتب أكسل هونيث "نقد السُّلطة" (1985)، وكتب ألبرت فالمر "جدل الحديث وما بعد الحديث" (1985)، وكتب هابرماس "الخطاب الفلسفي للحداثة" (1985). طبعاً لا بدّ هنا من التمييز بين هذه الأعمال؛ فكتاب فرانك (وهو مجموعة دروس جمعها في كتاب وترجم منها 20 درساً إلى الفرنسية)؛ هو كتاب موضوعيّ جداً، ولعله أفضل أحد أهم النصوص التي قرأتها حول ما بعد البنيوية، ولا يخفي هونيث إعجابه بفوكو، رغم نقده له في كتابه "نقد السلطة"، كما لم يخفِ فرانك إعجابه بأعمال دريدا الأولى.

اقرأ أيضاً: كيف يمكن فهم الدين وتطبيقه في نظام سياسي قائم على فلسفة الحرية؟
ولا يبتعد كتاب فالمر عن روح الفلسفة الفرنسية من خلال التأكيد على دور الفنّ والأدب، لكن وحده كتاب "الخطاب الفلسفي للحداثة" لهابرماس كان سجالياً وحادّ اللهجة تجاه الفلاسفة الفرنسيين، خاصة وفوكو ودريدا، هذا الكتاب السجاليّ لهابرماس هو ما وصلت أصداؤه إلينا بشكل أساسيّ، نحن العرب، فرحنا نتحدث عن معركة كبرى بين هابرماس المدافع عن الحداثة ضدّ مدمري الفلسفة من الفلاسفة الفرنسيين.
طبعاً لم يكن هناك ردّ مباشر من قبل الفلاسفة الفرنسيين على انتقادات هابرماس؛ ففوكو مات قبل صدور هذا الكتاب، ولعلّ محاضرته "ما التنوير؟" كانت رداً بشكل غير مباشر على انتقادات كان هابرماس قد وجهها له في محاضرة "الحداثة مشروع لم يكتمل"، بينما ردّ دريدا بعد عدة أعوام، في أربع مناسبات، وبشكل هامشي (في المرات الأربع جاءت ردوده السريعة على هابرماس في الهوامش والتعليقات لا في المتن) متهماً هابرماس بعدم قراءته، خاصة أنّه كرّس فصلين كاملين عنه في كتابه ذاك، دون الاستشهاد بنصوصه ولو لمرة واحدة في الفصل الثاني، وهو أمر سيقر به هابرماس لاحقاً، اليوم يبدو أنّ الغرب قد طوى هذا الملف الذي لم يعد له لا وهجٌ ولا صدى يذكر.

في رأيك؛ أين ذهب الفيلسوف المناضل والمتمرد، على شاكلة برتراند راسل وسارتر وغيرهما، رغم التحديات والأزمات الخطيرة التي نواجهها في عالمنا اليوم؟
يتعلق الأمر، في رأيي، بغياب الفيلسوف الكبير الذي يمكن أن يملأ الفراغ الناتج عن غياب الفيلسوف الكبير بقامة راسل أو سارتر، فالكثير من فلاسفة اليوم يهتمون بالشأن الإنساني ويدافعون عنه، وقد ذكرت العديد من أسماء فلاسفة اليسار الذين ينتصرون لقضايا الناس المهمشين والفقراء ويدافعون عن المساواة والعدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان، لكنّ قاماتهم الفلسفية قصيرة درجة أننا لا نراهم.
الفيلسوف والجامعة

الفيلسوف كانط
ولماذا انحسر دور الفيلسوف داخل أسوار الجامعة في رأيك؟

لنتذكر أنّ الفيلسوف/الأستاذ الجامعي هو تقليد وجد في القرن الثامن عشر، ومع كانط تحديداً، أما قبل ذلك، لم تكن هناك علاقة وديّة دائماً بين الفلسفة ومؤسسات التعليم.
لا شكّ في أنّ فيثاغورس وأفلاطون قد افتتحا أكاديميتين حملتا اسميهما، لكنّ سقراط كان يرفض تقييد الفلسفة ضمن أسوار، أو أن يكون لتعليمها مقابل أو أجر؛ فقد كان يراها رسالة سماوية، على خلاف السفسطائيين الذين احترفوا التفلسف (وليس السفسطة) كمهنة.

اقرأ أيضاً: ما سر عداء رجال الدين للفلسفة والمنطق؟
ربط الفلسفة بالمؤسسة التعليمية كان حاضراً بقوة عند أرسطو، الذي خاب أمله بأفلاطون حين عزف هذا الأخير عن تسليمه إدارة أكاديميته، تاركاً إياها لابن أخته "سبيوسيبوس" (Speusippus)، فنجح بعد محاولتَيْن سابقتَيْن في تأسيس مدرسته "Lúkeion"، بعد ذلك لن تحضر الفلسفة في مدارس وبين أسوار، إلا نادراً، ولنتذكر مثلاً؛ أنّه حتى القرن السابع عشر، كانت الفلسفة متحررة من عبء المؤسسة التدريسية، فلم يكن ديكارت ولا ليبنتز ولا سبينوزا أساتذة فلسفة، وإنما فلاسفة أحرار.
أما بالنسبة إلى شخص مثل كانط التأمليّ، شديد الانضباط والانتظام، الامتثالي (conformiste)، صاحب البنية الجسدية الهزيلة؛ فقد وجد -على ما يبدو- أنّ التدريس هو المهنة التي يمكن أن توفر له كسب عيشه، وتوفر له أقل الإكراهات لهذا النمط من الحياة الهادئة الدقيقة الوحدانية، منذ كانط إذاً؛ صار الفيلسوف/ الأستاذ الجامعي تقليداً مكّن الفلاسفة من العمل في اختصاصهم، لكنّه سجنهم في إطار المؤسسات.
ومع ذلك؛ فالحصول على وظيفة تدريس جامعية لم يكن سهلاً دائماً على الفلاسفة، فعلى سبيل المثال، وعلى خلاف شيلينغ الذي تمّ تعيينه في الجامعة بعد تخرجه مباشرةً تقريباً؛ بقي هيجل يحاول جاهداً الحصول على منصب جامعي يطعمه خبزاً، وظل يدرّس دون راتب تقريباً، إلى أن نجح وهو في السادسة والأربعين من الحصول على منصب جامعي حقيقيّ.

اقرأ أيضاً: ماذا يعني تدريس الفلسفة بالسعودية؟
وقد دخل نيتشه حقل التدريس الجامعي من باب الفيلولوجيا، لا الفلسفة، وكذلك كان حال بودريار الذي دخل الجامعة كعالم اجتماع مختص بالجرمانيات، وتظل حالة بودريار أفضل من غيرها من حالات عانى منها فلاسفة فرنسا الكبار، الذين طالما اصطدموا بمدرّسي الفلسفة الموظفين في الجامعات، والذين، بحكم الغيرة غالباً، يضعون كلّ العراقيل أمام دخول الفلاسفة إلى الجامعة؛ لم يكن بيرغسون أستاذاً جامعياً، وإنما أستاذاً في الثانويات، ولم يتمكن كلّ من ألتوسير ودريدا وبورديو وليفيناس من الحصول على منصب أستاذ جامعيّ، وإنما مساعدين في دار المعلمين العليا، أو مدرسين في بعض المؤسسات التعليمية الفرنسية الثانوية.

اقرأ أيضاً: هل كان العرب عالة على الفلسفة اليونانية؟
لم ترث الجامعات الحديثة في أوروبا عن الكنيسة احتكار سلطة الحقيقة فقط، وإنّما كلّ إكراهات الانضباط وطقوس الولاء والالتزام بالتعاليم؛ فرغم كلّ ما يمكن أن يقال عن انفتاح مؤسسات التعليم الحديث إلا أنّ الجامعة الحديثة، برأيي، هي كنيسة غير مرئية أو كنيسة متخفيّة، من دون صلوات وجوقات غناء وتعميد، محتفظة مع ذلك بالإله مصلوباً على جدرانها كتلميذ أبديّ محكوم عليه أن يتعلم الحقيقة ممن أستأثروا بها.  
طبعاً، مثل هذه المأسسة قد عقلنت التعليم والعلوم والمعارف، بما في ذلك الفلسفة، لكنّها حبستها في قوالب ومعايير حدّت من قدرتها، لحاجتها للمؤسسة، في التمرد على نظام المؤسسة نفسه.
كتاب "جدل التنوير"؛  لكل من هوركهايمر وأدورنو

جدل التنوير
في كتابهما "جدل التنوير"؛ يشير كل مو هوركهايمر وأدورنو، وبرؤية حاذقة، إلى أنّه توجب على أوليس أن يقيد نفسه حينما كان عليه أن يمر من أمام جزيرة السيرينيات، كي لا يستجيب لندائهن، الذي لا يمكن مقاومته، نجا أوليس بنفسه، لكنه اضطر إلى تقييد نفسه ليمرّ.

اقرأ أيضاً: أشهر 6 نساء مؤثرات في تاريخ الفلسفة
المؤسسات التعليمية هنا هي الطريق الذي لا يمكن اجتيازه دون قيود؛ لهذا لم يستطع العديد من الفلاسفة النزقين الصبر طويلاً على معايير التدريس الجامعيّ، فوجه شوبنهور ونيتشه نقداً كبيراً لعملية اغتيال الفلسفة في الجامعات، بينما سينتفض باول فايرباند على مناهج تدريس الفلسفة والعلوم والدوغمائية الأكاديمية المسيطرة، وسيطالب دريدا بجامعة بلا شروط.
لا شك في أنّ العصر الذي عاشته الجامعات الحديثة التي ورثت سلطة الحقيقة عن الكنيسة؛ هو عصر العقلانية العلمية بعلومها الدقيقة التي أثبتت فاعليتها في الاستثمار والتوظيف العمليّ، مما جعل الفلسفة، إضافة إلى إكراهات العمل المؤسساتي، تشعر بالنقص أمام دقة هذه العلوم ونجاحها وتحالفها مع رأس المال، ومع أنّ كلاً من دول أوروبا تحتفظ بالفلسفة في نظامها الجامعي، إلا أنّ نفعية العصر راحت تضغط على الفلسفة بأن تكون نافعة ومفيدة وعملية وبراغماتية، هكذا راح الحديث يدور عن ربط الجامعات بسوق العمل، ولا شكّ في أنّ الفلسفة هي الحلقة الأضعف في هذا المضمار، فما هي مردودية الفلسفة على عالم السوق والبيع والشراء؟ في العالم الأنجلو ساكسوني، يتم العمل على فرض الجوانب العملية البراغماتية ذات النتائج القريبة على الفلسفة، فرحنا نشهد طغياناً لكلمة تطبيق على فروع مثل الأخلاق التطبيقية والمنطق التطبيقي، ...إلخ؛ هكذا تمّ مسخ الفلسفة نهائياً، والقضاء على جانب السلب فيها، وتحديد نظرها بمناظير المناهج العلمية/العملية التي يضيق حقل رؤيتها كثيراً.

اقرأ أيضاً: السؤال الأخلاقي في فلسفة طه عبد الرحمن: من النظر إلى العمل
تمّ كذلك استثمار الفلسفة من قبل السياسة وحاجاتها وبرامجها، وبدل أن تكون السياسة، فرعاً من فروع الفلسفة أو سؤالاً يناط بالفلسفة وضع أسسه وفضح انحرافاته، صارت الفلسفة خاضعة لأجندات السياسة التي لا تدخل فقط عبر ما يسمى بسياسات وأنظمة التعليم، جعلت مدرّسي الفلسفة مجرد موظفين، لا قدرة لهم، رغم كلّ الحريات المتاحة، على مواجهة المؤسسة التي تحولت إلى بنية كاسحة لا يمكن اختراقها فردياً، هكذا تمّ تقليم أظافر الفلسفة وترويضها وجعلها في خدمة النسق والنظام والسلطة.
تدريس الفلسفة هو الحلقة الأضعف
من ناحية أخرى، وبوصفها مؤسسات حكومية على الأغلب؛ فإنّ الجامعات ومؤسسات التعليم، تُوضع لها ميزانيات مالية متواضعة؛ حيث يتم تقليصها كلّما تأزّم الوضع الاقتصادي، وبما أنّ هذا الأخير راح يشهد أزمات متكررة؛ فقد راح التضييق يطال الفروع غير المنتجة مادياً أو بشكل مباشر، ولا شكّ في أنّ تدريس الفلسفة هو الحلقة الأضعف هنا.

اقرأ أيضاً: هل ما زلنا في حاجة إلى الفلسفة؟
حتى في بلد يجعل من تدريس الفلسفة العنوان الأبرز لنظامه التعليمي، مثل فرنسا؛ التي عمّمت منذ القرن التاسع عشر تدريس الفلسفة في المدارس الثانوية وفي الجامعات، ويتصدر امتحان الفلسفة بقية المواد في الفروع الثانويات الأدبية، ورغم احتفاظ السوربون بسمعة الماضي التعليميّ العريق (رغم تراجعها المضطر في سلم تقييم الجامعات)، إلا أنّ الفلسفة اليوم في فرنسا تجد نفسها ضعيفة ومغتربة عما عرفته في زمن ديكارت والأنوار وما بعد البنيوية.
تجد الفلسفة الفرنسية نفسها اليوم، مع غياب فلاسفتها الكبار، دون هوية وعلى مفترق عدة علوم إنسانية، مضطرة لأن تلحق بهم، مجازفةً بذلك بمزيد من التشتت والضياع.
هكذا، لو ألقينا نظرة على محاور تدريس الفلسفة الجامعية اليوم في فرنسا لوجدناها تتركز في أربعة "تخصصات":

1- تاريخ الفلسفة.
2- الفينومينولوجيا.
3- الفلسفة التحليلية.
4- الفلسفة متعددة الاختصاصات، أو (pluridisciplinarité).
هكذا، في غياب فيلسوف عملاق كدولوز أو دريدا يتجمع أساتذة الفلسفة في حلقات وتخصصات محاولين تكوين جسم فلسفيّ، لكنه مجزء ومقسم، وعلى حساب قوة الفلسفة وسلطتها.
دراسة الفلسفة، للأسف، هي باب مفتوح على البطالة، وهذا الأمر راح يطال اليوم، دون استثناء تقريباً، نتيجة تأزم المجتمع وعدم قدرة الجامعة على تلبية متطلبات السوق بتكلفة رخيصة، كلّ الفروع العلمية تقريباً، بما في ذلك العلوم الدقيقة والمهن التي كانت مطلوبة قبل فترة.

اقرأ أيضاً: لماذا علينا تدريس الفلسفة؟
لكلّ ذلك؛ يُصبح ملحاً اليوم، ليس فقط إصلاح نظام التدريس الجامعي، فهو مع قدوم التكنولوجيا وعزوف السوق عن الكفاءات الجامعية، راح يترنح، وإنما بشكل أساسيّ فصل الفلسفة عن الجامعة، لإعادة الحياة إليها، وعتقها من أنظمة تدريس كبّلتها بدل أن تطوّرها.
لا بدّ بمعنى ما من العودة إلى الخيار السبينوزي، فسبينوزا مثلاً استطاع الفصل بين التفلسف والمهنة، رافضاً كرسي الفلسفة الذي عُرض عليه في جامعة هايدلبيرغ، مفضلاً على التديس المؤسساتي المقيد لحرية التفكير مهنة أخرى؛ هي صقل العدسات لتحسين الرؤية، هكذا أضع تصوري الثالث لإخراج الفلسفة من أزمتها من خلال:
1- ضرورة تجاوزها لفلسفة اللغة.
2- تحريرها من المركزية الأوروبية.
3-  فكّ ارتباطها بالجامعة وارتهانها لها.
مشكلات الإرهاب واللاجئين

تشهد أوروبا اليوم صعوداً للشعبوية السياسية ولليمين المتطرف
كيف تعاطت
الفلسفة الغربية مع ما تشهده القارة الأوروبية من مشكلات، مثل: الإرهاب، مشكلة اللاجئين، صعود تيارات يمينية متطرفة؟

تشهد أوروبا اليوم صعوداً للشعبوية السياسية ولليمين المتطرف وعودة للفاشيات القديمة بثياب جديدة؛ هناك تصاعد شعبي في معاداة الأجنبي، وكراهية الآخر، والعنصرية، والتمييز، ...إلخ، بما يذكرنا بأوروبا في بدايات القرن العشرين.
لا شكّ في أنّ مثل هذه السياسات تولِّد العنف الاجتماعي والإرهاب والتفكّك الاجتماعي، واستفحال التمييز ضدّ الأجانب، القائم على قدم وساق الآن، وهنا في أوروبا اليوم، يدرك معظم الفلاسفة الغربيين خطورة هذا الانحدار وهذه الردة، وعودة أشباح الفاشيات، ويحذرون منها؛ فعندما وقعت أحداث 11 سبتمبر، على سبيل المثال، لم يتوانِ الفلاسفة عن تحميل جزء من المسؤولية للسياسات الغربية في تعاملها مع العالم العربي والإسلامي، القائم على الرفض والإنكار والاحتقار والتهميش والاستغلال الاقتصادي، ...إلخ.

اقرأ أيضاً: الفلسفة طريق جامعة القاهرة لتحصين طلابها فكريا
هابرماس، دريدا، تشومسكي، ليوتار، رورتي، وأسماء كثيرة أخرى، رفعوا أصواتهم وطالبوا بتغيير السياسات الغربية في تعاملها مع الآخر.
لم أسمع بفيلسوف أيّد مثلاً الحرب الأمريكية على العراق، بل انبرى معظمهم لفضحها وفضح سياسات جورج بوش الابن، دافع هابرماس بشدة عن حقّ اللجوء واللاجئين، وصادق على سياسات الحكومة الألمانية في فتح باب اللجوء على مصراعيه، وحثّ الحكومة على المضي بهذا الطريق، وكان دريدا قد ناصر حقّ أصحاب المهاجرين غير الشرعيين في الحصول على إقامات نظامية، وطالب الدولة بالاعتراف بهم، ومساعدتهم، وتتركز جهود أكسل هونيث في الدعوة إلى الحقّ بالاعتراف ومقاومة سياسات التمييز والتهميش والتمايز والإقصاء الاجتماعي، في حين تدافع جوديث بوتلر عن حقوق المرأة، وعن حقّ اللجوء، ولا تألو جهداً لمساعدة الباحثين القادمين من بلاد الصراع والعنف، والأمثلة على مواقف الفلاسفة النبيلة، اليوم، تكاد لا تُحصى، الفلاسفة بهذا المعنى هم صوت الحقيقة المقموعة، وخطّ الدفاع الأخير عمّا يمكن أن يدافع عنه من قيم إنسانية.

للمشاركة:

صونيا خضر: لا أتنصل من أنوثتي لكنني أتجنب استهلاكها

2019-07-31

أجرت الحوار: رشا سلامة


في وقت تمكّنت فيه الشاعرة والروائية الفلسطينية صونيا خضر تجاوُز ما يمكن أن يصطلح عليه قيد فلسطين في النص الأدبي، فكتبت عن الحرية بمعناها الأوسع وعن الانعتاق بأشكاله كافة، فإنها لم تتجاوز القيد حين وصل الأمر لنزعة الأمومة والارتباط بالعائلة، وكل ما يتعلّق بها من شغف بتفاصيل الطعام والموسيقى والأناقة والمُدن.

اقرأ أيضاً: رواية "الإصبع السادسة".. الهروب إلى التاريخ لفهم الحاضر

قدّمت صونيا خضر روايتها الثانية "كلب الحراسة الحزين"، الصادرة مؤخراً عن دار الفارابي، بعد رواية سابقة حملت عنوان "باب الأبد"، بالإضافة لمجموعة دواوين شعرية منها "لا تحب القهوة إذاً" و"لشموس خبّأتها" و"معطّرة أمضي إليه"، فكان معها هذا الحوار حول الرواية الجديدة وأمور أخرى في أعمالها السابقة، مثل البُعد النسوي وأثر النص الديني وانحيازها الظاهر لبطلات العمل المنكسرات، أكثر من أولئك القويات الجسورات:

 رواية "باب الأبد" صدرت عن دار الفارابي

هذه الرواية الثانية لصونيا خضر. ثمة حكاية إنسانية ماثلة في "كلب الحراسة الحزين"، إلى أي مدى استطاعت هذه الحكاية الإنسانية استفزاز صونيا، لتعبر عنها من خلال الرواية لا الشعر كما هو دأبها؟

كنت أريد أن أخوض في التفاصيل، أن أعود إلى الأصل في الحكاية، إلى بئرها الأولى، والطفيليات اللزجة العالقة في حيطانها الرطبة، وهذا يتطلب بعض الإطالة التي لا تجوز ولا أستطيع اختزالها في قصيدة طويلة، أو ديوان من الشعر.
كل شيء يحدث لسبب أو لمجموعة أسباب، وهذه الرواية هي رواية الأسباب، والنتيجة الواحدة، التي تحتاج الدال والمدلول معاً، للقفز داخل الأحداث والخروج منها بحكاية واحدة على الأقل.

البُعد النسوي لا بد أن يظهر في أعمال صونيا الشعرية والآن الروائية، وحتى منشوراتها التي تكتبها بين حين وآخر عبر منصات التواصل الاجتماعي. حدّثيني عن مدى تأثير هذا البُعد في حياتكِ.

ربما تقصدين البعد الإنساني، والوجودي، بضمير المؤنث وحاله، ولغة الأنثى التي لا تختلف عن لغة الذكر إلا بالأمومة المضافة لها، أو لنقل العاطفة الزائدة. لا أتنصل أبداً من أنوثتي، لكنني أتجنب استهلاكها استعطافاً، أو بكاء، أو حتى استرضاء. أكتب من عقل الأنثى التي في داخلي والذي لا يختلف عن عقل الذكر(أيضاً) إلا بالقلب الصغير الذي فيه، والذي يضيف للمعنى لمعة العاطفة، وهذه إضافة وليست نقصاناً كما يقال. نحن في زمن الانفتاح والانكشاف، لم يعد هنالك مصادر معرفية أو أدبية أو علمية مخصصة للذكور فقط، والأنثى أصبحت تخوض الحياة بجانب الذكر وليس خلفه، لذلك وإن كان هناك لمسة خاصة في النص الذي تكتبه النساء، فهي تعود للمسة الأنثوية الخاصة والتي تحسب لها لا عليها.

اقرأ أيضاً: رواية الطباخ: فن طهي أزمات السياسة وتناقضات الاقتصاد

غلاف رواية "كلب الحراسة الحزين"

بقدر ما تأتي لغة صونيا خضر بعيدة عن التعقيد، فإنها مكثفة مختزلة. مَن المتلقي الذي تضعه صونيا خضر نُصب عينيها حين تكتب؟

المتلقي بالنسبة لي وبعد تجربتي الأولى في الرواية، هو ليس واحداً من أصدقائي أو المقربين الذين سيقرأون مجاملة، أو لا يقرأون على الإطلاق، لأسباب لا أريد الخوض فيها. المتلقي في هذه المرحلة هو القارئ الذي يقرأ لأجل القراءة والاكتشاف والفائدة والاستمتاع، والذي لا يحكم على الرواية قبل قراءتها، والذي يتوقع عملاً مختلفاً وأدوات سرد جديدة. ولأني أحترم قارئي، فإني أحرص على أن تكون لغتي قدر توقعاته، هو الذي يعرفني شاعرة. لكن وصدقاً، هذه هي لغتي، التي لا أستطيع التلاعب بمستواهاً، نزولاً أو صعوداً، وقارئي بحق، هو الإنسان الذي تحكمه إنسانيته أكثر من أي شيء آخر.

صونيا الأم لا تنفكّ تظهر في النص الروائي. تظهر لغة وسلوكاً ونزعة إنسانية. إلى أي مدى كبّلت هذه النزعة صونيا خضر أو حرّرتها، في الحياة والنص؟

أنا من النساء اللواتي ولدن أمهات، وبقين كذلك، منذ كانت أمي إلى أن صرت أمها. لا تخلو حكاية على مر التاريخ كله من أم، ولا يخلو معنى من وجودها، مأخوذة بهذا المعنى ولست مكبلة فيه، بعيدة كل البعد عن الفكرة المنقوصة عنه. سيذوب الفرق بين الأنثى الأم والأم الأنثى، إن جرّدنا عن المعنى أعباء التضحية والتقديس، وأيقنّا أن الأم هي أنثى والأنثى هي جنس بشري، لديه نوازعه الإنسانية وأخطاؤه وأحلامه وتشظيه. أنا مأسورة بالحياة بكل ما فيها من معنى، وهذا ما يجعلني محرّرة من الفكرة الظالمة للأمومة ومأسورة بمعناها الجميل.. الحب، داخل النص وخارجه.

اقرأ أيضاً: هكذا قاربت رواية "طرق الرب" طُرق البيروقراطية المقدسة

خضر: إن لم تحضر فلسطين مباشرة في نصي فهي حاضرة في اسمي وعنواني والشهداء من عائلتي

يظهر أثر النص الديني والرواية الدينية لدى صونيا خضر في "كلب الحراسة الحزين". وهو الأثر الذي يحضر من دون تبنٍّ أو تبرّؤ، لكنه يحمل طابع التنوّع. حدّثيني عن ذلك.

أستشهد بآيات وقصص من الكتب السماوية؛ لبلاغتها وعمق تأثيرها، وأجد فيها أمثلة يحتذى بها، ومراجع يحال إليها، وربما تأكيداً واستدراراً للنزعة الاستقصائية لدى القارئ، الذي قد يطمئنّ لورود الآية في النص، أو تضمين الحدث لمرجع موثوق.

تنحاز صونيا خضر في نصوصها، ويظهر هذا جلياً في رواية "كلب الحراسة الحزين"، للنساء الوحيدات الحزينات المترعات بالشجن. لماذا لا تحضر النساء القويات والجسورات؟ هل البنية النفسية للبطلات الضعيفات أثرى أدبياً؟

لكي أكتب المرأة السعيدة القوية، عليّ أن أبدأ بالمرأة المنكسرة الحزينة، ما يظهر على أنّه انحياز، هو مجرد عرض يخدم الفكرة، واستخدام للصورة لعرض نقيضها. ما من امرأة حزينة على الدوام، وما من وحدة تدوم. أطرح هؤلاء النساء ولا أنحاز لهن، هي محطات في حيوات النساء، أكتب عنها منذ الحزن إلى الفرح، منذ الفشل إلى النجاح، منذ الوحدة إلى النجاة، أو العكس. في "كلب الحراسة الحزين" أرافق رفيف بطلة الرواية في رحلتها الطويلة وأدفعها بقوة من العتمة نحو الضوء، فأنا أؤمن أنّ للحزن منتهاه، وأحاول أن تكون النهايات سعيدة، أقله لأجل إيماني بالحق في الحياة.

يستشفّ قارئ رواية صونيا خضر أن هنالك قلقاً ما أو عدم ارتياح حيال التكنولوجيا. حدّثيني عن ذلك.

نعم، وهذا ما أكشف عنه بوضوح في "كلب الحراسة الحزين". نحن نتحوّل إلى كائنات رقمية، دون أن ندري. التكنولوجيا سلبتنا أصالتنا، والمعاني الحقيقية للأشياء كالحزن والفرح والغربة والحنين والولادة والموت. كلها أصبحت كلمات مقتضبة وعابرة في النص الوجودي، كلها، ذابت في التسارع والزخم والازدحام، وأصبحنا مجرد صور، وفي أفضل حالاتنا، رقائق ذاكرة، لا يتفقدها أحد. أنا لست قلقة فحسب، بل أتألم لما آل إليه الحال، ينهشني الحنين لأيام مضت، كنا فيها لحماً ودماً ورائحة.

اقرأ أيضاً: شعرية الأعماق في رواية "بأي ذنب رحلت؟" للكاتب محمد المعزوز

مأسورة باللغة والمجاز والموسيقى

تفاصيل صونيا خضر حاضرة بقوة في "كلب الحراسة الحزين". الطعام على سبيل المثال. لمسة صونيا الإنسانية وأناقتها وكل ما يرافق حضورها كان بادياً في الرواية. بالنسبة لكِ، إلى أي مدى حضرت صونيا خضر في النص الذي كتبته؟

سيرة الكاتب ومكانه وذاكرته ومحيطه ووطنه هي مجموعة أعماله، بزيادة صنع مخيلته، ونقصان ما يريد أن يتكتم عنه. لا أملك مخيلة هائلة، لأكتب ما لا يتوفر في حدود عالمي الصغير، أو قراءاتي ومشاهداتي وتجاربي، لكنني أنسج بالشغف وبالألوان، وأتقمص وأحس أبطال الرواية، أذوب في شخصياتهم وأمنحهم إحساسي وذاكرتي وحلمي وطموحاتي ويمنحونني واقعهم لنصبح شخصية واحدة في نهاية الأمر، هكذا فقط تكون الكتابة بصدق. حضور الكاتب مهم في روايته، وهو الشخصية المركزية التي تصنع الأحداث، مشابهة له أو مناقضة له، لكن ليست غريبة عنه على الإطلاق.

يبدو هاجس الفقد قوياً لدى صونيا وظاهراً. ولربما ليس هذا النص الأول الذي يظهر فيه هذا الهاجس. ما الذي يجعل صونيا خضر تخشى الفقد إلى حد يتسلّل فيه ذلك لنصّها بشكل ملموس؟

الفقد والفراق والغربة والموت، هواجس تجعلني في حالة قلق دائم ومستمر، وتدفعني للكتابة، ربما هي عاطفتي الزائدة، أو تحليلي وتشكيكي في كل شيء، ربما هو التعلّق الشديد بعائلتي وبمن أحب. ثمة أمور كثيرة في داخلي تدفعني لهذا القلق، وقد كتبت عنها في "باب الأبد"، روايتي الأولى، لكن المسيطر فيها هو القلق الوجوديّ أساساً، وجدوى هذه الحياة.

لم تحضر فلسطين في نص صونيا خضر، بل كان هنالك معانٍ أوسع للحرية والانعتاق. هل استطاعت صونيا خضر تجاوز قيد فلسطين في النص الذي تكتب، على خلاف كثير من الكاتبات الفلسطينيات؟

نهاية الأمر ورغماً عن كل الكليشيهات المطروحة، عنا كفلسطينيين، وفي ذروة وخفوت الأحداث على مدى أجيال، عاصرت النكبة أو تداعياتها، لا نستطيع أن نتنصل من كوننا بشراً، نعيش الحياة بارتباكاتها وفوضاها وجمالها، نحن شعب لديه فنونه وأحلامه وطموحاته وإنسانيته، وكلها أمور حياتية طبيعية تسترعي الكتابة عنها وتقديمها للعالم، على نحو يؤكد أننا بشر طبيعيون. نعم أنا أتجاوز قيد فلسطين إلى فضائه الأوسع وإلى البعد الإنسانيّ الشموليّ، الذي لا يعتمد على الهوية أو الاستغلال والاتكاء الاستهلاكي على قضية لغايات تسويقية لا تخدم النص.

اقرأ أيضاً: هل انتهى زمن الرواية؟

وإن لم تحضر فلسطين مباشرة في نصي، فهي حاضرة في اسمي وعنواني، والشهداء من عائلتي، وفي رواية "باب الأبد"، التي صدرت عن دار الفارابي أيضاً، حيث تطرقت لقضية اللاجئين الفلسطينيين والتي أجدها الأهم من وجهة نظري طبعاً، وكانت جديدة، غير مستهلكة أو مكررة، أدرجتها بهدوء دون رفع شعارات تحيلها إلى أدب مقاومة.

حضر النصّان الروائي والشعري معاً في "كلب الحراسة الحزين". أيّهما وجدته صونيا أكثر قدرة على التعبير عنها؟ وأيّهما تكون صونيا أكثر سلاسة وانسيابية حين تكتبه؟

مأسورة باللغة والمجاز والموسيقى. أنا أكثر انسياباً بالسرد، أكثر شغفاً بالتفاصيل، وأكثر خفة، لكن الشاعرة التي في داخلي لا تهدأ إن لم تثبت حضورها في النص، لذلك، ولمصلحة النص، أحاول الهروب منها كثيراً، مع تأكيد وجودها، ووعد دائم بعدم إهمالها.

للمشاركة:



دمشق تفتح ممراً إنسانياً.. تطورات معارك إدلب

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-22

أعلنت وزارة الخارجية السورية، اليوم، عن فتح "معبر إنساني" لإتاحة المجال أمام المدنيين الراغبين في الخروج من مناطق سيطرة المسلحين، في محافظة إدلب، في وقت أحكم جيش النظام السوري قبضته على مدينة خان شيخون الإستراتيجية.

وقال مصدر رسمي في الخارجية السورية لوكالة "سانا": إنّ المعبر سيكون في منطقة "صوران" في ريف حماه الشمالي؛ "لتمكين المواطنين الراغبين في الخروج من مناطق سيطرة الإرهابيين في ريفي حماه الشمالي وريف إدلب الجنوبي".

الخارجية السورية تعلن فتح "معبر إنساني" لخروج المدنيين من مناطق سيطرة المسلحين في محافظة إدلب

وأضاف المصدر؛ "هذه الخطوة تأتي في إطار الاهتمام بأوضاع المواطنين والتخفيف من معاناتهم جراء ممارسات المجموعات الإرهابية".

وكانت القوات السورية، ضمن معركة إدلب المندلعة منذ أواخر نيسان (أبريل) الماضي، ضد الفصائل المسلحة، قد أعلنت سيطرتها بالكامل، أمس، على مدينة خان شيخون الإستراتيجية في إدلب.

واستعادت هذه القوات أيضاً مناطق في محيط المدينة، مما يعني إغلاق كافة المنافذ أمام إحدى نقاط المراقبة التابعة للقوات التركية.

وكانت هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقاً) انسحبت من المدينة قبل يومين، وقالت إنّ الأمر "إعادة انتشار" بسبب "القصف العنيف" الذي يشنّه الجيش السوري وحليفته روسيا.

وتسيطر هيئة تحرير الشام على غالبية محافظة إدلب والمناطق المحاذية لها؛ حيث تنتشر أيضاً فصائل معارضة أقل نفوذاً.

وأعلنت أنقرة، الإثنين، تعرّض رتل عسكري تابع لها لضربة جوية، بعد وصوله إلى ريف إدلب الجنوبي، وحذرت دمشق لاحقا من "اللعب بالنار"، مستبعدة نقل نقطة المراقبة في مورك.

القوات السورية تسيطر بالكامل على خان شيخون الإستراتيجية في إدلب وهيئة تحرير الشام تعيد الانتشار

وما يزال الرتل التركي، الذي يضم حوالي 50 آلية عسكرية، متوقفاً قرب الطريق الدولي شمال خان شيخون.

وإدلب مشمولة باتفاق روسي تركي، تمّ توقيعه في سوتشي، في أيلول (سبتمبر) الماضي، نصّ على إنشاء منطقة منزوعة السلاح تفصل بين قوات الحكومة والفصائل على أن ينسحب مقاتلو الفصائل منها.

وأرسى الاتفاق بعد توقيعه هدوءاً نسبياً، قبل أن يصعد الجيش السوري قصفه، في نهاية نيسان (أبريل) الماضي، وانضمّت إليه الطائرات الروسية لاحقاً، وفي الثامن من الشهر الجاري، بدأ يتقدم ميدانياً في ريف إدلب الجنوبي.

 

للمشاركة:

تركيا: احتجاجات على بيع مصنع الدبابات

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-22

تظاهر عدد كبير من الأتراك، أول من أمس، في مدينة سكاريا، غرب تركيا، بدعوى من قيادات حزب الشعب الجمهوري المعارض وبرلمانيين عن الحزب، احتجاجاً على خصخصة مصنع صفائح الدبابات التابعة لوزارة الدفاع.

وصرّح رئيس كتلة النواب التابعين لحزب الشعب الجمهوري المعارض بالبرلمان ونائب الحزب عن سكاريا، أنغين أوزكوتش، في تصريحات صحفية على هامش الاعتصام: إنّ "القضية ليست قضية خصخصة مصنع، وإنما قضية وطن بأكمله"، وفق ما نقلت صحيفة "زمان".

عدد كبير من الأتراك يحتجون على خصخصة مصنع صفائح الدبابات التابعة لوزارة الدفاع لصالح قطر

وتابع قائلاً: "مصنع صفائح الدبابات كان قد أسند لشركة تشغيل المصانع العسكرية والترسانات التركية (أسفات) بالقرار الجمهوري رقم 1105، لكن في حقيقة الأمر كان هذا الإسناد بمثابة حيلة تم اللجوء إليها لنقل المصنع العسكري إلى قطر".

وأضاف المعارض التركي: "نظراً لأنّه لم يتبقَّ في تركيا شيء للبيع، لجأ النظام إلى بيع المصانع العسكرية، وهذا المصنع ملك للدولة والشعب وليس للبيع بأي حال من الأحوال".

وكانت شبكة "نورديك مونيتور" السويدية، المختصة في الشؤون العسكرية والأمنية، قد كشفت في تقرير حديث مدعوم بالوثائق، في كانون الثاني (يناير) الماضي، عن وجود اتفاقية مالية بين الحكومة التركية وقطر، يقضي بتسليم مصنع دبابات تركي إلى قطر مقابل 20 مليار دولار أمريكي.

كما أوضح التقرير؛ أنّ شركة "بي إم سي" التي ستدير مصنع الدبابات التركي، يديرها رجل الأعمال، أدهم صانجاك، وهو عضو في الهيئة التنفيذية لحزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا، فضلاً عن أنه أحد أقارب أمينة، زوجة أردوغان.

شركة "بي إم سي" التي ستدير مصنع الدبابات التركي يديرها قيادي في حزب العدالة والتنمية أدهم صانجاك

ويمنح هذا الاتفاق حقوق تشغيل مصنع الدبابات الوطني التركي لمدة 25 عاماً، للشركة الجديدة، دون أيّة عطاءات تنافسية أو عملية شفافة، وتملك القوات المسلحة القطرية 49.9% من أسهم الشركة المشغلة.

وفي الشهر نفسه الذي صدر فيه التقرير، تظاهر المئات من العاملين في المؤسسات الحربية، اعتراضاً على وجود مستثمرين قطريين ضمن إدارة مصنع "صفائح الدبابات" الموجود في مدينة سقاريا لمدة 25 عاماً.

وكانت الجريدة الرسمية التركية قد نشرت، بعددها الصادر بتاريخ 20 كانون الأول (ديسمبر) 2018، قراراً لرئيس الجمهورية، أردوغان، ينصّ على ضمّ مديرية مصانع الصيانة الرئيسة الأولى، التابعة للمديرية العامة للمصانع العسكرية، التابعة لوزارة الدفاع، إلى برنامج الخصخصة.

للمشاركة:

ميليشيات الحوثي تواصل إرهابها داخلياً وخارجياً

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-22

اعترض تحالف دعم الشرعية في اليمن، اليوم، طائرتين بدون طيار أطلقتهما ميليشيا الحوثي الإرهابية من محافظة عمران باتجاه السعودية.

تحالف دعم الشرعية في اليمن يعترض طائرتين بدون طيار أطلقتهما ميليشيا الحوثي الإرهابية باتجاه السعودية

وصرّح المتحدث الرسمي باسم التحالف، العقيد الركن تركي المالكي؛ بأنّ قوات التحالف تمكّنت، صباح اليوم الخميس، من اعتراض وإسقاط طائرتين بدون طيار (مسيّرتين)، أطلقتهما الميليشيا الحوثية الإرهابية المدعومة من إيران، من محافظة عمران باتجاه خميس مشيط، بحسب ما جاء في وكالة الأنباء السعودية "واس".

وأوضح العقيد المالكي؛ أنّ "جميع محاولات الميليشيا الحوثية الإرهابية المدعومة من إيران بإطلاق الطائرات بدون طيار مصيرها الفشل".

وشدّد على أنّ التحالف يتخذ "كافة الإجراءات العملياتية وأفضل ممارسات قواعد الاشتباك للتعامل مع هذه الطائرات لحماية المدنيين".

وبيّن أنّ "المحاولات الإرهابية المتكررة تعبّر عن حالة اليأس لدى هذه الميليشيا الإرهابية، وتؤكّد إجرام وكلاء إيران بالمنطقة، ومن يقف وراءَها، كما أنّها تؤكد حجم الخسائر بعناصرها الإرهابية الذين تزجّ بهم كلّ يوم في معركة خاسرة، مما سبب لها حالة من السخط الاجتماعي والشعبي".

وأكّد استمرار قيادة القوات المشتركة للتحالف بتنفيذ الإجراءات الرادعة ضدّ هذه الميليشيا الإرهابية، لتحييد وتدمير هذه القدرات، وبكلّ صرامة، وبما يتوافق مع القانون الدولي الإنساني وقواعده العرفية.

 وفي سياق متصل بجرائم الحوثيين؛ نفّذت الميليشيات الإرهابية المدعومة من إيران، أمس، حملة مسلحة على قرية "خربة الصباري" في منطقة العود بمديرية النادرة (محافظة إب، وسط اليمن).

ميليشيات الحوثي تشنّ حملة في منطقة العود وتنهب تحت تهديد السلاح ممتلكات خاصة بالمواطنين

وأفادت مصادر محلية؛ بأنّ ميليشيات الحوثي أطبقت حصاراً على القرية، وتقوم تحت تهديد السلاح بنهب ممتلكات خاصة بالمواطنين، خصوصاً في المناطق المجاورة لمنطقة العود، في محافظتي إب والضالع.

يذكر أنّ العود تُعدّ من مناطق التماس، وهي على مقربة من المواجهات الدائرة بين القوات الحكومية الشرعية وميليشيا الحوثي في محافظتي إب والضالع.

وذكرت المصادر؛ أنّ الحملة المسلحة يقف وراءها مشرف الحوثيين في "عزلة حدة" في مديرية النادرة، عبد الله محمد حمود ضوس.

وطبقاً للشهادات والإفادات المحلية؛ يعمد ضوس في الآونة الأخيرة إلى انتهاك حرمات سكان المنطقة وابتزازهم مادياً.

وحمّل أهالي وسكان في القرية ضوس وميليشياته مسؤولية ما حدث، ويحدث، وما تتعرض له المنطقة والسكان من "جرائم وانتهاكات وحشية لا إنسانية".

 

للمشاركة:



ابن سينا.. ظاهرة فكرية في رجل

2019-08-22

في الثاني والعشرين من آب (أغسطس) يحتفي العالم بذكرى ميلاد الفيلسوف والطبيب والعالم الإسلامي الموسوعي ابن سينا، الذي يعد واحداً من أبرز أعلام الحضارة العربية الإسلامية، ومن أكثرها إثارة للجدل خاصة في ميدان الفلسفة الإسلامية التي كان له فيها إسهامات لا يمكن تجاوزها، وإن جرّت عليه اتهامات التكفير التي ما تزال تلاحقه حتى اليوم.
نبوغ مبكر
وُلد  أبو علي الحسين بن عبد الله بن الحسن بن علي الشهير بابن سينا عام 980م في قرية أفنشة قرب مدينة بخارى التي تقع حالياً في أوزباكستان، والده أحد دعاة الطائفة الإسماعيلية من أصول فارسيّة من مدينة بلخ بأفغانستان.
ظهرت علامات النبوغ عليه منذ صغره؛ إذ حفظ القرآن الكريم كاملاً وهو لم يجاوز العاشرة من عمره، وتمكّن  من التفوُّق على أقرانه وحتى مُعلّميه وهو لم يجاوز الرابعة عشرة، فخلال سنوات قليلة تمكّن من استيعاب الفقه الإسلامي والفلسفة والعلوم الطبيعية والمنطق، وعلوم إقليدس، وكتاب المجسطي لبطليموس.

اقرأ أيضاً: ابن سينا.. أفكار كبيرة رغم التكفير والإقصاء!
لم يطل مقامه في مسقط رأسه طويلاً، فما لبث أن ارتحل إلى مدينة بخارى؛ حيث تلقى العلم في مدرستها، فدرس أشهر العلوم في زمانه، أما علاقته بالفلسفة فبدأت على يد العالم البخاري أبو عبد الله الناتلي الذي تفرّغ لتدريسه كتاب (المدخل إلى علم المنطق)، المعروف باسم إيساغوجي الذي وضعه فرفوريوس الصوري ليكون مدخلاً للمقولات أو المنطق، وكان التحق ببلاط السلطان نوح بن منصور أحد أمراء سلالة بني سامان ،التي كانت تحكم ما وراء النهر، وأسند إليه متابعة أعماله المالية، وبعدها بدأ برحلته العلمية.

وصفه ابن القيم في كتابه الصواعق المرسلة بأنّه "الملحد  بل رأس ملاحدة الملّة"
ركّز في مراهقته جلّ جهوده على تعلُّم الطب، حتى أتقنه، فبعدما أنهى جميع العلوم التي درسها على يد شيخه الناتلي طلب من أبيه أنْ يُرسله لِدراسةِ الطب عند بعض الأطباءِ المعروفين مثل؛ الحسين بن نوح القمريْ وأبي سهل المسيب طبيبي السلطان نوح بن منصور، فأرسله إليهما وأمضى 3 أعوام بصحبتهما، ليضع كُلَّ معرفته لمعالجة الفقراء دونَ أن يأخذ أجراً منهم، وعندما أصبح في السادسة عشرة توصل إلى كثير من العلاجات الجديدة لأمراض كانت مستعصية قبله؛ إذ تمكن هذا الطبيب الشاب من علاج سُلطان بخارى، من مرض فقد فيه الأمل جميع الأطباء المشهورين آنذاك، ولم يطلب ابن سينا مكافأة إلا موافقة السلطان على السماح له باستخدام مكتبته، فكان له ذلك.
مع الفلسفة والطب
عُرف ابن سينا بولعه بأعمال أرسطو خاصة في مجال الميتافيزيقيا، التي عانى في البداية من فهمها حتى اطلع على شرح الفارابي لكتاب ما بعد الطبيعة لأرسطو، الذي تأثر به بنظرية الفيض وصدور الموجودات عن الخالق؛ حيث قسّم الموجودات إلى ممكن وواجب؛ فالإله واجب بذاته أما الموجودات ممكنة بذاتها وواجبة بالإله، ومن مبادئه قوله إنّه لا يصدر عن الواحد إلا الواحد وهو القائل في كتابه النجاة "إن الواحد من حيث هو واحد، إنما يوجد عنه واحد" وقال أيضاً في كتاب الإشارات "الأول ليس فيه حيثيات الواحد لواحدانيته، فيلزم كما علمت أن لا يكون مبدأ إلا لواحد بسيط".‏‏‏ والمبدأ الثالث الذي أخذ به ابن سينا هو مبدأ الإبداع أو التعقل، وقال إن تعقل الإله هو "علة للوجود على ما يعقله"..‏‏‏

يعد ابن سينا واحداً من أبرز أعلام الحضارة العربية الإسلامية ومن أكثرها إثارة للجدل خاصة في الفلسفة

غادر ابن سينا بخارى عندما بلغ 22 عاماً إثر وفاة والده، وانتقل إلى مدينة جرجان بالقرب من بحر قزوين، وأخذ يلقي مُحاضرات في المنطق وعلم الفلك، وهناك التقى أبا ريحان البيروني الذي ربطته به علاقة علمية مميزة، وكان بينهما مساجلات علمية لطيفة يمكن الاطلاع عليها في كتاب "رسائل ابن سينا".
وبعد ذلك سافر إلى مدينة الري ثم إلى همدان، التي ألفّ فيها كتابه الأشهر القانون في الطب، وهناك اشتهر صيته أيضاً بعدما قام بعلاج شمس الدولة، ملك همدان، من المغص الشديد الذي أصابه.
تُرجم كتابه القانون في الطب إلى اللاتينية في منتصف القرن الثاني عشر تحت اسم Canon medicinae ثم إلى العبرية العام 1279، وظل هذا الكتاب المرجع الرئيسي في العلوم الطبية في أوروبا حتى أواخر القرن السابع عشر؛ حيث كان مقرّراً تدريسياً في كثير من جامعاتها، ويكفي لمعرفة، أهمية هذا المرجع العلمي الذي يحتوي أكثر من مليون كلمة، أنّ يوهان جوتنبرج مخترع الطباعة طبع ثلاث أجزاء منه العام 1472 بواسطة مطبعته التي اخترعها قبل سنوات قليلة من هذا التاريخ، ليعود ويطبع الترجمة اللاتينية كاملة في العام 1473.
ظل كتابه "القانون" المرجع الرئيسي في العلوم الطبية في أوروبا حتى أواخر القرن السابع عشر

إسهامات جديدة
بعد همدان، انتقل إلى مدينة أصفهان؛ حيث أتم العديد من كتاباته في شتى المجالات، فكانت له مساهماته في الرياضيات والموسيقى والجيولوجيا وحتى علم الأصوات والفلك إذ قدَّم العديد من الملاحظات الفلكية؛ حيث ابتكر وسيلة لتحسين دقة القراءات الفلكية، وفي الفيزياء درس الأشكال المختلفة للطاقة والحرارة والضوء والميكانيكا، ومفاهيم القوة، والفراغ، واللانهاية. ويعد كتابه "الشفاء" موسوعة كبرى في العلوم الطبيعية وما بعد الطبيعة،  ولا يقل أهمية عن نظيره القانون، وتطرّق فيه إلى نظريات الفلسفة وعلوم المنطق والطبيعة ونقد فيه كثيراً من مقالات للفلسفة اليونانية.

اقرأ أيضاً: 10 محطات في حياة ابن سينا الذي كفّره الغزالي
كان ابن سينا يرى أنّه حسبنا ما كُتِب من شروح لمذاهب القدماء، وأنه آن لنا أن نضع فلسفة خاصة بنا؛ لكن هذا لا يعني أنّه ابتكر مذهبا فلسفياً جديداً بقدر ما أضفى على الفلسفة القديمة حلة جديدة، لا سيما في مؤلفاته "الاشارات والتنبيهات" و"الحكمة المشرقية"، وكان يقول "إن العلوم كثيرة و الشهوات لها مختلفة، ولكنها تنقسم – أول ما تنقسم – إلى قسمين: علوم لا يصلح أن تجري أحكامها الدهر كله، بل في طائفة من الزمان ثم تسقط بعدها، وعلوم متساوية النسب الى جميع أجزاء الدهر، وهذه العلوم أولى العلوم بأن تسمى حكمة".
تابع سفره في آخر حياته برفقة أبي جعفر الخازن كطبيب ومستشار أدبي وعلمي، إلى أن توفي في شهر حزيران (يونيو) من عام 1037 ميلادياً ودُفن في همدان بإيران، وقيل إن أحد مساعديه هو من سمّمه.

رحل ابن سينا بعد أن ترك نحو 450 كتاباً وصلنا منها نحو 240 فقط
وكحال كثيرين ممن اشتغلوا بالفلسفة اتهمه كثيرون بأنّه من القرامطة الباطنية، فوصفه ابن القيم في كتابه "الصواعق المرسلة" بأنّه: "الملحد، بل رأس ملاحدة الملة"، وممن كفّره أبو حامد الغزالي في كتابه "المنقذ من الضلال"، ونسب إليه مقولاته الثلاث بقدم العالم، ونفي المعاد الجسماني، وأنّ الله لا يعلم الجزئيات بعلم جزئي، بل بعلم كلّي، وكان رد عليه في " تهافت الفلاسفة " في عشرين مسألة، وكفّره في هذه المسائل.

ركّز في مراهقته جلّ جهوده على تعلُّم الطب حتى أتقنه قبل أن ينتقل إلى مختلف العلوم

أما ابن خلكان في كتابه وفيات الأعيان فذكر أنّه في آخر أيامه أعلن توبته من هذه الأقوال، حيث قال: "وقد ضعف جداً وأشرفت قوته على السقوط، فأهمل المداواة وقال: المدبر الذي في بدني قد عجز عن تدبيره فلا تنفعني المعالجة، ثم اغتسل وتاب وتصدّق بما معه على الفقراء، وردّ المظالم على من عرفه، وأعتق مماليكه، وجعل يختم في كل ثلاثة أيام ختمة، ثم مات".
كان يقول "الوهم نصف الداء، والاطمئنان نصف الدواء، والصبر أول خطوات الشفاء"، فلم يكن يقتصر العلاج عنده على عقاقير صماء، بل كان يؤمن أن بداية الشفاء أمر نفسي بالدرجة الأولى، وفي هذا السياق تروى عنه قصص عجيبة عن استخدامه قوة العقل الباطن، كما فعل في علاج شاب مريض بالعِشق وآخر كان يتوهم أنه بقرة!
رحل ابن سينا بعد أن ترك نحو 450 كتاباً، وصلنا منها نحو 240 فقط، ولُقب بالمعلم الثالث بعد أرسطو والفارابي، كما عُرف بأمير الأطباء وأرسطو الإسلام، فلم يكن مستغرباً أن يثير حسد بعض معاصريه وغيرتهم منه، وهو القائل "بُلينا بقوم يظنون أن الله لم يهد سواهم".
يقول عنه المستشرق الألماني ت. ج. دي بور: "كان تأثير ابن سينا في الفلسفة المسيحية في العصور الوسطى عظيم الشأن، واعتبر في المقام كأرسطو"، أما مؤرخ العلم الشهير جورج ساتون فيصفه بأنّه "ظاهرة فكرية عظيمة ربما لا نجد من يساويه في ذكائه أو نشاطه الإنتاجي.. إن فكر ابن سينا يمثل المثل الأعلى للفلسفة في القرون الوسطى"، فليس مستغرباً أن تزيّن صورة ابن سينا كبرى قاعات كلية الطب بجامعة "باريس" حتى الآن.

للمشاركة:

خَصم الصحوة الأول!

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-22

تركي الدخيل

لم يتركِ الأديب السعودي، والوزير، والشاعر، والكاتب، والمثقف، الدكتور غازي القصيبي، الحروب التي واجهتها بلاده، من دون أن يسل سيفه في كل الاتجاهات، مشاركاً في كل الجبهات، دون أن يكون قسم من هذه الحروب، الهدف فيه القصيبي، لذاته، بل كان الهدف رأس الحكومة، القدح في اختيارات الحاكم، قدح فيه، وكثيراً ما يلجأ الخصوم لهذه الطريقة، فهي تجنبهم المواجهة المباشرة، مع الرجل القوي، ولا تحرمهم متعة نقده، بشكل غير مباشر.
في أول فبراير (شباط) 1979. عاد الخميني (ت: 1989)، على متن طائرة فرنسية، من باريس إلى إيران، ثائراً، مرشداً للثورة، التي انقلبت على الشاه، حينها علم القصيبي، بوعيه وقراءته للأحداث وحدسه، أن ما بعد الخميني، لن يكون كما قبله، فالحدث آذن بفتح أبواب التطرف الإسلامي الشيعي، ثم تبعه التطرف السني.
بعد الثورة الإيرانية، اقتحم جهيمان العتيبي (ت: يناير «كانون الثاني» 1980) وأتباعه، الحرم المكي الشريف، بمكة المكرمة، في 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1979، في عمل إرهابي، هزَّ العالم.
كان القصيبي، شاهداً على تفاصيل الحرب العراقية الإيرانية، في الثمانينات، وله شهادات متلفزة حول الوقائع، وكتاب أيضاً وكان يعلم أن الحالة الخمينية، ستجر ويلاتها إلى بقية المجتمعات الإسلامية.
ومع غزو الرئيس العراقي، صدام حسين للكويت، (أغسطس 1990)، صعد صوت متطرف، ظاهره معاداة دخول القوات الأجنبية، وباطنه العداء للأنظمة السياسية الخليجية، التي تحاول التصدي لطغيان صدام، وجنون عظمته.
ظاهرة رفض الاستعانة بالقوات الأجنبية، والأميركية تحديداً حينها، كانت طور التشكل بالمعنى الآيديولوجي، ووصفها الدكتور رضوان السيد، بـ«الإحيائية»، نسبة لنظيراتها من الفورات المسيحية.
وكان القصيبي، من أوائل من وصف، تلك الظاهرة بـ«الصحوة»، وهذا وارد جداً، فله تسجيل تلفزيوني يعود للثمانينات، يستخدم المصطلح، وإن لم يكن في سياق النقد، بطبيعة الحال.
المدرسة الدينية التقليدية، الممثلة بهيئة كبار العلماء في السعودية، وقيادتي الشيخ عبد العزيز بن باز، (ت: 1999)، وكان المفتي العام للسعودية، ويقيم بالرياض، والشيخ محمد بن عثيمين، (ت: 2011)، وكان يقيم في عنيزة بالقصيم، رحمهما الله، شكَلت موقفاً شرعياً يجيز دفع المعتدي، عبر الاستعانة بالقوات الأجنبية.
في مقابل، مجموعة من الدعاة الشباب، الذين كانوا يقودون المنابر في تلك الفترة، وبدا لهم امتلاك وعي سياسي، يجعلهم يتفوقون على كبار العلماء، ويوجب عليهم التصدي لهذا الأمر. كان بعضهم يعرض تارة ويصرح تارة، بأن مما يعيب كبار العلماء، تبعيتهم للسياسي، ولا يتورع بعضهم في القول بأنهم لا يرفضون له طلباً.
يمكن اعتبار هذه الحادثة هي أول تباين ومفاصلة للتيارات الإسلامية، مع الدولة، أمام عامة الناس، بشكل جلي وواضح.
تيار الدعاة الشباب، كان أبرزه: سلمان العودة، المقيم في القصيم، وسفر الحوالي، المقيم بين مكة وجدة، وناصر العمر، المقيم في الرياض، وعايض القرني، المقيم في جنوب السعودية؛ ويرون أن الاستعانة بالقوات الأجنبية، محرم، وأنه باب الشرور، والممهد لغزو بلاد التوحيد، وإقامة القوات الأجنبية، مسنوداً برأي جماعة الإخوان المسلمين، التي صدمت القيادة السعودية، بموقفها، إذ لم تعارض غزو صدام حسين، بل أيدته، بعد أن فتحت المملكة أبوابها للجماعة منذ عقود، ومنحتهم البيوت، والجنسيات، والوظائف، واستوعبتهم، سياسياً واجتماعياً وثقافياً، بعد خلافهم المصيري، مع الرئيس المصري الأسبق، جمال عبد الناصر.
في الوقت ذاته، أصدر فريق المشايخ الكبار، بياناً من هيئة كبار العلماء، يجيز لولي الأمر الاستعانة بغير المسلم، لدفع ضرر الغزو.
المشايخ الشباب، يملكون سطوة المنبر، والتنقل محاضرين، في مساجد كبرى في السعودية كلها، في جوامع تستوعب آلاف الحضور، ثم تنسخ الأشرطة، فيما سمي بمعركة الكاسيت، مئات آلاف النسخ، توزع في السعودية، والخليج، والعالم العربي كله، في تأثير ربما يفوق تأثير الإعلام التقليدي.
هذه الأشرطة تحمل سحر الحديث الديني من جهة، ومعارضة الدولة من جهة ثانية، بالإضافة إلى كونها تستبطن موقفاً سلبياً من قطب العالم الأوحد، الولايات المتحدة، والمهزوم حضارياً، عادة ما يكون ميالاً لتبني المواقف ضد الأقوياء، ولو لم يشكلوا له ضرراً حقيقياً!
خطاب الدعاة الشباب، لم يكن يقتصر في رفضه لموقف الحكومة السعودية من الاستعانة بالقوات الأجنبية، بل كان استمراراً لمواقف رافضة، لما اعتبره هذا التيار، تياراً للمنكرات، تشمل في تصنيفهم آنذاك: الاختلاط، مشاركة المرأة في الحياة العامة، وأي مظهر من مظاهر عدم ارتداء المرأة عباءة سوداء، تغطي وجهها وجسدها من الرأس للقدم، وهو ما يطلق عليه تبرجاً، وأي مظاهر للموسيقى والفنون... وغيرها الكثير الكثير.
أحس غازي القصيبي، بأن الحالة ليست طبيعية، وأن نوع الخطاب المستخدم في حرب الكاسيت، يحمل في طياته نقضاً للدولة، أكثر من كونه مجرد تحفظ على ارتكاب معاصٍ دينية، بالمعنى الفقهي، أو تجاوزات شرعية عامة.
انبرى القصيبي، بقلمه يدافع عن مصالح بلاده، بوجه فتوى أيَّدها كبار علماء البلاد، فقام التيار الآخر بالتشغيب عليه وكيل التهم له ولكل تيار لا يتوافق معهم.
ألف حينها غازي، كتابه الشهير: «حتى لا تكون فتنة»، وتضمن خمسة فصول، جعلها رسائل موجهة لرموز التيار الذي أشرنا إليه.
ردَّ القصيبي في الكتاب، على التهم الموجهة له بالعلمنة، والتكفير، وإغلاق باب الاجتهاد، ومسؤولية علماء المسلمين في ترسيخ التعددية، فالاجتهاد هو التجديد.
لم يدّعِ القصيبي يوماً أنه من الفقهاء، وإنما لظرف قلة المحاججين، لذلك التيار ذي الصوت العالي، وجد القصيبي أن البحث الفقهي بات ضرورة لمواجهة خطاب الجمود، واهتم بذلك في عدد من كتبه، ومقالاته، وسجالاته، فصنف: «ثورة في السنة النبوية»، و«الإلمام بغزل الفقهاء الأعلام».
في حوارٍ له مع الأستاذ محمد رضا نصر الله، بعيد هجمات الحادي عشر من سبتمبر (أيلول)، وقبيل غزو إسقاط صدام 2003. كان القصيبي يعتصر ألماً من مستوى انفلات الخطاب المعادي والمتطرف، وركز في الحوار على ضرورة محاربة التطرف من المنابع، مما دفعه، ضمن فهمه العميق للموضوع، ليترجم كتاب: «المؤمن الصادق»، لإريك هوفر، وهو يبحث في الدوافع السيكولوجية للإنسان المتطرف. يقول غازي في حوار نصر الله: «إن ثمة فهماً مغلوطاً نحو الغرب، إذ ننسب أي جريمة تحدث لهم، من دون الفصل بين الآيديولوجيات العنصرية التي لديهم وبين الغرب، بمعناه الحضاري العام المفيد، الذي يجب أن نفهمه ونحاوره ونعاصر منجزه».
رحم الله غازي القصيبي، إذ كان سبَّاقاً في نقد ظاهرة، كانت جماهيريتها، واستخدامها سلاح التكفير، والتفسيق، والتبديع، ضد مخالفيها، يجعل الخصومة معها باهظة الثمن، اجتماعياً، وعملياً، وإدارياً.
عندما يستعديك ذلك التيار، ستجد فجأة جموعاً من الناس، جمهوراً لا يفكر فيما يُقال له، يناصبك العداوة والخصومة، ويتقرب إلى الله بالدعاء عليك، وكيل الضرر لك.
أي عدل في الخصومة هذا؟!
أخذت، هذه التيارات، على عاتقها وعد الانتقام من القصيبي، فصارعته طوال حياته، ولما أصر القصيبي، وكان وزير العمل حينها، على تأنيث بائعات محلات الملابس النسائية الخاصة، غضب الخصوم، دون مبرر منطقي، من قرار يحافظ على خصوصية المرأة، حتى اجتمع معه مجموعة ممن يسمون المحتسبين، ودعا عليه أحدهم الله، أن يصيبه بالأمراض الخبيثة، علناً أمام العشرات، في تسجيل منتشر!
لم تهدأ المعركة ضد غازي، مذ شبابه حتى شاخ، لكنه، رحمه الله، استطاع أن يسير بثباتٍ على رأيه، لم يجامل أبداً، حين يتعلق الأمر بمصير المجتمع، ومصلحة البلد.
بدأ القصيبي حياته، بكتيب صغير بعنوان: «معركة بلا راية»، ومضى كل حياته بمعركة، راياتها: حب الوطن، ونشر التنوير، ومحاربة التخلف.
كان الشاعر غازي، يصف خصومات الإنسان غازي، حين قال:
أما تعبتَ من الأعداء ما برحوا
يحاورونَك بالكبريت والنارِ؟!

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:

اغتيال محمود درويش

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-22

يوسف أبو لوز

مرّت الذكرى الحادية عشرة على رحيل محمود درويش الأسبوع الماضي في أقل من الاستعادة العادية، لا بل، إن بعض الصحف العربية لم تأت على ذكر المناسبة برمّتها، وسيكون القارئ حسن النّية إذا اعتبر أن من تقاليد بعض الصحف توقفّها عن الصدور في إجازات الأعياد، وصادف 9/8/2019 اليوم الذي رحل فيه درويش قبل العيد بيومين، لكن كل هذا الكلام هو نوع من تغطية الشمس بغربال، ولنعترف أن صاحب «أوراق الزيتون» و«مديح الظل العالي» و«لماذا تركت الحصان وحيداً» يجري اغتياله حتى وهو غائب، وكلمة «اغتياله» هذه ثقيلة، ولكن كان لا بدّ منها على رغم ثقلها ونحن نرى واحداً من كبار الشعراء العرب على مرّ كل تاريخ الشعر يتم تجاهله على هذا النحو غير البريء.
في قصيدة لمحمود درويش بعنوان «يحبونني ميّتاً» يقول:- «.. يحبونني ميّتاً ليقولوا: لقد كان منّا، وكان لنا»، وفي القصيدة ذاتها يقول: «.. متى تطلقون الرصاص عليَّ؟ سألتُ. أجابوا تمّهل وصفّوا الكؤوس وراحوا يغنّون للشعب، قلت: متى تبدأون اغتيالي؟، فقالوا ابتدأنا».. إلى أن يقول أخيراً في هذه القصيدة الصغيرة ولكن النبوئية.. «.. سأسألكم أن تكونوا بطيئين، أن تقتلوني رويداً رويداً لأكتب شعراً أخيراً لزوجة قلبي..».
ليس لدي تاريخ نشر أو تاريخ كتابة لهذه القصيدة، ولكن، لماذا هي قصيدة نبوئية أو توقعية؟؟.. لنبحث عن الإجابة في القصيدة نفسها..
يقول درويش «يحبونني ميّتاً».. وبالفعل، كان الكثير من الشعراء الفلسطينيين والعرب يعتبرون درويش الشجرة التي تخفي الغابة، وأن نجومّيته أطفأت تلك الأنوار البعيدة المبثوثة من بعض الشعراء، وأن قصيدة واحدة من درويش تعادل مجموعات ومجموعات لمثل هؤلاء الشعراء النكرات، أما عندما كان درويش يقرأ شعره في عمان وتونس والقاهرة وبيروت والرباط والجزائر، فيقيم في الأمسية ما يشبه دولة درويش أو شعب درويش بسبب الآلاف من الجمهور الذي يصغي من رأسه إلى قدميه أمام الكاريزما المذهلة لهذا الشاعر وهو يلقي بأناقة وكبرياء.. أقول عندما كان يجري كل ذلك على مرأى ممّن يحبّونه ميّتاً كان هؤلاء يصابون بالإحباط، ويعودون إلى بيوتهم وزوجاتهم مكسوري الخاطر «بإحرام».
يقول درويش: ..«متى تطلقون الرصاص عليّ؟»، وفي حقيقة الرصاص المادّي لا أحد أطلق الرصاص على درويش، وهو أيضاً لم يطلق الرصاص على أحد، وعندما أعطاه ياسر عرفات مسدساً في أثناء حصار بيروت ليدافع عن نفسه ألقى بالمسدس ولم يستعمله.
.. ثم أخيراً يقول درويش.. «..متى تبدأون اغتيالي»،.. وكما جاء في رأس هذه المقالة، فالاغتيال لدرويش جرى في حياته، ويجري في موته، وعندما صدرت مجموعته «لا أريد لهذه القصيدة أن تنتهي» بعد موته.. ظهر طابور طويل ممّن اغتالوا درويش.. وكان هو يسألهم أن يكونوا بطيئين في القتل.. رويداً، رويداً.

عن "الخليج" الإماراتية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية