كيف وجهت الإسلاموية السياسة الخارجية لتركيا؟

5320
عدد القراءات

2019-06-20

ترجمة: محمد الدخاخني


في شباط، فبراير(2011)، قام رجب طيّب أردوغان بدعوة الرّئيس المصريّ حسني مبارك إلى الاستجابة "لنداءات الشّعب ومطالِبه الأكثر إنسانيّة"، وبهذا ألزمَ رجل تركيا القويّ بلاده أساساً باحتضان "الرّبيع العربيّ" النّاشئ. كان البيان مصيريّاً. فقد عرّض أردوغان المكاسب السّياسيّة والاقتصاديّة الّتي حقّقتها تركيا في العالم العربيّ حتّى تلك المرحلة للخطر. وفي الواقع، بعد ثلاثة أعوام، وجدت تركيا نفسها معزولة تماماً في المنطقة ومتورِّطة بعمق في الحرب الأهليّة الدّائرة في جارتها سوريا.

الإسلامويّة في تركيا طوَّرت تعاطفاً مع مختلف الجماعات والإثنيّات المسلمة التّركيّة وغير التّركيّة

لماذا اتّخذت تركيا هذا المسار المحفوف بالمخاطر واحتضنت "الرّبيع العربيّ"؟ إنّ فهم ما ثبت أنّه اختيار كارثيّ لا يمكن إلّا إذا أخذنا في الاعتبار الأيديولوجيا الإسلامويّة لصانعي السّياسة الخارجيّة في أنقرة. بشكل أكثر تحديداً، يحتاج المحلّلون إلى النّظر في مفهوم "اتّحاد الإسلام"، الّذي كان دائماً مكوِّناً حاسماً للإسلامويّة في تركيا، والّذي من خلاله قامت القيادة الإسلامويّة لحزب العدالة والتّنمية الحاكم بتفسير التّطورات الإقليميّة والعالميّة. في نظر إسلامويّي تركيا السُّنّة، الّذين يشكّلون قيادة حزب العدالة والتّنمية، مثّل "الرّبيع العربيّ" بادِرة تحوّل إسلامويّ شعبيّ في الشّرق الأوسط وشمال أفريقيا.

اقرأ أيضاً: رسالة أوجلان... هل تصنع السلام بين أكراد سوريا وتركيا؟
والسّؤال الواضح هنا هو، لو كان ذلك كذلك، علامَ تنصّ السّياسة الخارجيّة الإسلامويّة في السّياق التّركيّ قبل عام 2011، وفي منطقة الشّرق الأوسط وشمال أفريقيا الّتي تغيّرت بشكل راديكاليّ بعد عام 2011؟

"اتّحاد الإسلام" في الدّولة العثمانيّة
من المؤكّد أنّ الإسلام ينطوي على تعاليم يمكن تفسيرها بسهولة على أنّها أوامر مباشرة للمسلمين تحضّ على المساعدة والتّعاون مع بعضهم البعض والعمل في وحدة في مجال السّياسة الخارجيّة. ومن بين الآيات القرآنيّة الّتي يجري الاستشهاد بها كثيراً، على سبيل المثال: "واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرّفوا. واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألّف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً" (3: 103). وبالمثل، الحديث الّذي أخرجه مسلم: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى".

اقرأ أيضاً: هذا ما ينتظر تركيا بعد صفقة "إس 400"
وقد ألهمت هذه النّصوص وما شابهها عدداً من العلماء والمثقّفين الدّينيّين في القرن التّاسع عشر للدّعوة إلى تطوير تعاون أوثق وعلاقات أقوى بين المسلمين من كافّة الأعراق والطّوائف. وكان ما سُمّي بـ"اتّحاد الإسلام" في تركيا العثمانيّة، أو "وحدة الإسلام" بالعربيّة، دعوةً وجدت صدى لها بين رجال الدّولة والبيروقراطيّين في الإمبراطوريّة العثمانيّة، الدّولة الّتي لجأ إليها العديد من المسلمين بحثاً عن المساعدات الماليّة والعسكريّة والدّبلوماسيّة طوال هذا القرن الطّويل. بل إنّ الإمبراطوريّة العثمانيّة سعت إلى "عموميّة إسلامويّة pan-Islamism" - وهي عبارة صاغها الأوروبيّون للإشارة إلى السّياسة الخارجيّة القائمة على الوحدة الإسلاميّة في عهد السّلطان عبد الحميد الثّاني، الّذي حكم من 1878 إلى 1909.

كانت الإسلامويّة في السّنوات الأولى من عمر الجمهوريّة حقيقة سرّيّة تقريباً، ونادراً ما اعترفت بها النّخبة القويّة في المدن الكبرى

في القرن التّاسع عشر، أدرك الكثيرون في العالم ذي الأغلبيّة المسلمة أنّ هناك تبايناً قويّاً ومتزايداً في القوّة بين أوروبا والعالم الإسلاميّ. وربّما كان بالإمكان تجاهل هذا التّباين في القوّة بسهولة إذا لم يخلق بيئة دوليّة معادية: القوى الأوروبيّة، خاصّة بريطانيا وفرنسا وروسيا، كانت تستعمر العالم الإسلاميّ شيئاً فشيئاً، وفشل العديد من الحكّام المسلمين في إحباط هذه القوى الاستعماريّة. وردّاً على ما بدا أنّه اعتداء أوروبيّ موحّد على أراضي المسلمين، ولدت فكرة "اتّحاد الإسلام" واكتسبت شعبيّة من كراتشي إلى الرّباط.
كانت الفكرة منطقيّة. فمن خلال التّعاون مع بعضهم البعض، يمكن للمسلمين الوقوف ضدّ أوروبا وحماية مصالحهم. ومع ذلك، بالرّغم من اعتناق السّلطان العثمانيّ عبد الحميد الثّاني لهذا المفهوم، فشلت الفكرة في مساعدة الإمبراطوريّة العثمانيّة وغيرها على منع الهيمنة الأوروبيّة الكاملة الّتي أقرّها كونغرس برلين في 1878 ومؤتمر برلين في 1884-1885. ولم تتكثّف عمليّة الهيمنة الغربيّة على العالم ذي الأغلبيّة المسلمة إلّا في القرن العشرين عقب نهاية الحرب العالميّة الأولى وانحلال الدّولة العثمانيّة.

اقرأ أيضاً: تركيا والنظام و"قسد".. مَن الأقرب إلى كسب العشائر السورية؟
بحلول الرّبع الثّاني من القرن العشرين، كان عدد قليل فقط من الدّول الإسلاميّة قد احتفظ باستقلاله عن أوروبا. وتركيا كانت واحدة من هذه الدّول، بعد أن أسّست جمهوريّة على أنقاض الإمبراطوريّة العثمانيّة في 1923 ثمّ ألغت الخلافة في 1924. على كلّ حال، تبنّت تركيا الجمهوريّة أجندة قوميّة بحتة في السّياسة الخارجيّة لم تطمح إلى تحسين مصالح المسلمين خارج تركيا أو حمايتها. إلّا أنّ فكرة "اتّحاد الإسلام" واصلت حضورها في تركيا، وأصبحت أساساً راسخاً لما سيصبح الإسلامويّة التّركيّة في النّصف الثّاني من القرن العشرين.
كان سعيد النّورسيّ (1878-1960) شخصيّة حاسمة في هذا التّحوّل، وقد عاش فترة انهيار الإمبراطوريّة العثمانيّة والتّأسيس الّلاحق للجمهوريّة. اعتنق النّورسيّ "العموميّة الإسلامويّة" قبل فترة طويلة من انهيار الإمبراطوريّة. وفي مقال كتبه عام 1909، على سبيل المثال، أعلن أنّ وحدة الإسلام تُعدّ أعظم ما فُرِضَ على المسلمين. وخلال العصر الجمهوريّ، واصل النّورسي اعتزازه بفكرة "اتّحاد الإسلام" باعتبارها مثالاً أعلى سيتحقّق، وعمل على إقامة صِلات مع شخصيّات وقادة دينيّين في أماكن أخرى من العالم الإسلاميّ.

الصّراع الإسلامويّ-الكماليّ في تركيا
بالرّغم من أنّ الإسلامويّة التّركيّة أو الأناضوليّة قد نشأت في القرن التّاسع عشر، فإنّها تطوَّرت وأخذت معالمها الرّئيسة في صراع جدليّ - في المقام الأوّل - مع أيديولوجيا الدّولة السّائدة: الكماليّة، الّتي سمّيت على اسم مؤسّس الجمهوريّة التّركيّة، مصطفى كمال أتاتورك.
في ربع القرن الأوّل من عمر الجمهوريّة التّركيّة، نفّذ الزّعماء الكماليّون سلسلة من الإصلاحات العلمانيّة الّتي قيّدت بشكل كبير أدوار الدّين واتّخذت تدابير قاسية ضدّ النّاشطين الدّينيّين والجماعات الدّينيّة. وكان حكم الإسلامويّة على الكماليّة، الّذي جاء كردّ الفعل، قاسياً للغاية. وفقاً للإسلامويّين، فإنّ الكمالية كانت في الأساس أيديولوجيا معادية للدّين، وفي نظر شخصيّات دينيّة مثل النّورسيّ، لم يجسّد أتاتورك نفسه سوى شخصيّة معادية للإسلام، شأنه شأن المسيح الدّجّال.

كان أربكان رمز تركيا الإسلامويّ منذ السّتينيّات وحتّى ظهور أردوغان وتأسيس حزب العدالة والتّنميّة في عام 2001

بالنّسبة إلى الإسلامويّين، كانت الكماليّة غريبة على الأناضول - وهي المنطقة الرّيفيّة النّائية في تركيا الّتي يسكنها القرويّون الأتراك والأكراد. وقد أصبح هذا الاتّهام أكثر وضوحاً كلّما أصبحت الإسلامويّة في تركيا أكثر شعبيّة في اعتقادها بالتّقوى الفطريّة للمسلمين العاديين. وبعد عام 1924 - بعد تجريدها من المثل الأعلى للخلافة - أصبحت الإسلامويّة مركّزة ليس في القصور والمساجد العثمانيّة في إسطنبول الكوزموبوليتانيّة، ولكن بدلاً من ذلك بين عامّة النّاس في الأناضول. كانت الإسلامويّة في السّنوات الأولى من عمر الجمهوريّة حقيقة سرّيّة تقريباً، ونادراً ما اعترفت بها النّخبة القويّة في المدن الكبرى. وقد حاججت الإسلامويّة بأنّ المسلمين في تركيا لا يزالون مرتبطين شعوريّاً ولا شعوريّاً بالإسلام، بغض النّظر عن أيّ ادّعاء مغاير تروّج له الجمهوريّة الكماليّة.

اقرأ أيضاً: تركيا تسجل تصنيفاً جديداً في جرائم العمل
في السّياق الخاصّ بتركيا، حيث بقيت الأشكال التّقليديّة للإسلام قويّة وسمح النّظام السّياسيّ بالسّياسة الانتخابيّة، اختفت الرّاديكاليّة المحدودة للإسلامويّة تماماً بمرور الوقت واكتسبت شعبيّتها المزيد من القوّة. كان الإيمان بتعلّق المسلمين الفطريّ بالإسلام أمراً بالغ الأهميّة لأنّه خدم الإسلامويّين في تصوير أيديولوجيّتهم على أنّها الأيديولوجيا الأصليّة الوحيدة في البلاد، وفي تصوير أتباع الإسلامويّة على أنّهم أكثر ممثّلي الجماهير أصالة. والأيديولوجيّات الشّعبيّة الأخرى في أوائل العهد الجمهوريّ - الكماليّة والشّيوعيّة - عُدّت، في رأي الزّعماء الإسلامويّين، غريبة على البلاد، حيث سعت تلك الأيديولوجيّات الأخرى إلى تغيير النّاس العاديّين على أسس مستوحاة من الغرب.

عبدالله المنياوي أو كيف يرى الإسلامويّون الأتراك العالم؟

أصبحت الإسلامويّة في تركيا ترى أنّ جميع أنظمة ما بعد الاستعمار في الشّرق الأوسط (بما في ذلك الدّولة الكماليّة في أنقرة) تتّبع سياسات معادية للدّين وتتبنّى أيديولوجيّات أجنبيّة ضدّ المسلمين. ومن هنا، كما قال العديد من الإسلامويّين الأتراك، فإنّ كلّ هذه الدّول لم تكن ممثّلة حقيقيّة لشعوبها. والأهم من ذلك هو أنّ الإسلامويّة أصبحت متمسّكة بأنّ الأنظمة العلمانيّة القمعيّة في القرن العشرين قد قسمت الشّرق الأوسط بشكل مصطنع، وعزلت شعوب المنطقة عن بعضها البعض، وأثارت العداوة بينهم، وألحقت الأذى بالصّداقة الدّينيّة والثّقافيّة.

بعد 2010، بدأ المؤيّدون الإسلامويّون المتشدّدون للجناح الإعلاميّ لحزب العدالة والتّنمية في تصوير أردوغان ضمن دور دينيّ أكبر

بعبارة أخرى، أكّدت الإسلامويّة التّركيّة بشكل أساسيّ أنّ الإسلامويّين، أو المسلمين الأتقياء، عاشوا طوال القرن العشرين في ظلّ أنظمة معادية للدّين في كافّة أنحاء المنطقة. وقد أُطِّر هذا التّصوّر بوضوح في رواية أصبحت من أكثر الكتب مبيعاً وألهمت فيلماً في تركيا.
تسرد الرّواية الصّعوبات المختلفة الّتي يواجهها رجل يدعى عبد الله من محافظة المنيا في مصر (ومن هنا، عنوانها، عبد الله المنياويّ). في القصّة، على عبد الله أن يُكابِد الظّلم في مصر لمجرّد أنّه مسلم تقيّ. ويصف ناشر هذه الرّواية، تيماش، الكتاب بكلمات معبّرة: "تسرد 'عبد الله المنياويّ' قصّة مسلم في القرن العشرين. إنّها قصّة عِباد الله الّذين يعيشون في مصر وكذلك في سوريا والعراق والجزائر وباكستان ونيجيريا وتركيا أو في أيّ مكان آخر في العالم، الّذين بحثوا ووجدوا الطّريق الحقيقيّة إلى النّور في ظلام هذا القرن الّذي يتّسم بالكفر والضّلالة".

اقرأ أيضاً: تركيا أكبر داعم للإخوان المسلمين في العالم
بالرّغم من هذا التّصريح، كان عبد الله المنياويّ بالتّأكيد عملاً يقوم على المجاز: إنّه يدور حول تركيا أكثر ممّا يتعلّق بمصر. ومع ذلك، لا ينبغي أن يُخفي هذا حقيقة أنّ الإسلامويّة في تركيا طوَّرت تعاطفاً مع مختلف الجماعات والإثنيّات المسلمة التّركيّة وغير التّركيّة. وقد حقّقت الإسلامويّة التّركيّة هذا من خلال دمجها، داخل سرديّتها التّضحويّة، قصص اضطّهاد شخصيّات مثل حسن البنا وسيّد قطب (وتشير الأدبيّات الإسلامويّة التّركيّة إليهما باعتبارهما من الشّهداء)، والإخوان المسلمين في مصر، وجبهة الإنقاذ الإسلاميّة في الجزائر، ومختلف الجماعات الإسلاميّة الثّوريّة التي مثّلت شعوباً مضطهدَة ذات أغلبيّة مسلمة مثل الفلسطينيّين والكشميريّين والشّيشانيّين والبوسنيّين والإيغور.

الإسلامويّة السّياسيّة من أربكان إلى أردوغان
جاء حزب العدالة والتّنمية الحاكم الّذي يتزعّمه أردوغان إلى السّلطة في تركيا عام 2002، ووصف نفسه بأنّه محافظ وديمقراطيّ. ومع ذلك، فإنّ كوادر قيادة الحزب تكوّنت أساساً من الجيل الجديد من الإسلامويّين الأتراك، ممّن كانوا أتباعاً ومساعدين سابقين لنجم الدّين أربكان (1926-2011).
كان أربكان رمز تركيا الإسلامويّ منذ السّتينيّات وحتّى ظهور أردوغان وتأسيس حزب العدالة والتّنميّة في عام 2001. وطوال حياته السّياسيّة، دعا أربكان إلى ضرورة تطوير تركيا لعلاقات أقوى مع العالم الإسلاميّ، وليس مع الغرب. على سبيل المثال، نعت الاتّحاد الأوروبيّ - الّذي تقدّمت تركيا بطلب الانضمام إليه - بأنّه "ناد مسيحيّ"، وتزعّم عمليّة تأسيس منظّمة إسلاميّة دوليّة عرفت باسم "دي 8"، والّتي تشكّلت من ثماني دول إسلاميّة كبرى. على كلّ حال، لم يتمكّن أربكان من تحقيق الكثير. فلم يصل إلى السّلطة البتّة على رأس حزب يتمتّع بالأغلبيّة السّياسيّة، وبالتّالي كان عليه أن يبرم صفقات مع أحزاب سياسيّة أخرى عندما يكون في الحكومة ويواجه مؤسّسة كماليّة هائلة أصبحت أقوى مع سيطرة الكماليّين على القوّات المسلّحة والقضاء والجامعات ووسائل الإعلام.

اقرأ أيضاً: كلهم ضد الحرب مع إيران إلا... تركيا!
بعد تلقّيها درساً مؤلماً من فشل أربكان في تحدّي المؤسّسة الكماليّة، خفّفت قيادة حزب العدالة والتّنمية - بمجرّد وصولها إلى السّلطة في 2002 - من خطابها الأيديولوجيّ، واحتضنت الدّيمقراطيّة وحتّى العلمانيّة، وتمكّنت من بناء تحالف اجتماعيّ واسع النطاق. وعند تولّيهم السّلطة في أوّل انتخابات لهم بعد الانفصال عن أربكان، بدأ قادة حزب العدالة والتّنمية عمليّة طويلة لتفكيك المؤسّسة الكماليّة، استغرقت ما يقرب من عقد من الزّمان.
خلال العقد الأوليّ (2002-2011)، ظلّ زعماء حزب العدالة والتّنمية موالين إلى حدّ ما لخصائص السّياسة الخارجيّة التّقليديّة لتركيا. حتّى أنّ حزب العدالة والتّنمية اتّبع برنامج إصلاح سياسيّ للانضمام إلى الاتّحاد الأوروبيّ، وهو إجراء أكثر طموحاً من أيّ شيء آخر اتّخذته أيّ حكومة تركيّة سابقة. حافظ أردوغان وحزب العدالة والتّنمية أيضاً على التزامات تركيا تجاه حلف الناتو وعملوا على تحسين علاقات تركيا مع الولايات المتّحدة. وفي بداية الغزو الأمريكيّ للعراق، على سبيل المثال، وبصفته رئيس وزراء تركيا، نشر أردوغان مقال رأي في صحيفة وول ستريت جورنال تحت عنوان معبّر: "بلدي… حليفك وصديقك الوفيّ". وممّا ذكره أردوغان في هذا المقال: "إنّنا مصمّمون على الحفاظ على تعاوننا الوثيق مع الولايات المتّحدة. كذلك، نأمل ونصلّي من أجل أن يعود الشّبان والشّابات الشّجعان إلى ديارهم بأقلّ خسائر ممكنة، وأن تنتهي المعاناة في العراق في أقرب وقت ممكن".

اقرأ أيضاً: الاتحاد الأوروبي: تراجع للحريات وقيود على القضاء بتركيا
مع ذلك، وعلى مستوى آخر، اتّبع حزب العدالة والتّنمية سياسة خارجيّة إسلامويّة خفيّة إلى حدّ ما. انطلاقاً من الفكر الإسلامويّ التّركيّ، يعتقد قادة حزب العدالة والتّنمية أنّ المسلمين أمّة واحدة، لكنهم منقسمون بشكل ظاهريّ إلى هويّات قوميّة وإثنيّة وطائفيّة. وعلى كلّ حال، يشعر العديد من قادة حزب العدالة والتّنمية بأنّ على المسلمين أن يتطلّعوا إلى تجاوز كلّ ما يفرّقهم من أجل العمل على تطوير دولة إسلاميّة واحدة. لذلك، في ظلّ حكومات حزب العدالة والتّنمية المتعاقبة من 2002 حتّى 2011، كانت تركيا تهدف إلى تحقيق هذا المثل السّياسيّ، بغض النّظر عن مدى مثاليّته أو لامثاليّته (حسب موقفك السّياسيّ).

 حافظ أردوغان وحزب العدالة والتّنمية أيضاً على التزامات تركيا تجاه حلف الناتو

صعود السّياسات الخارجيّة الإسلامويّة
لم يكن الأمر واضحاً في العقد الأوّل من القرن العشرين، ولكن بحلول 2010-2011، بعد أن نفى حزب العدالة والتّنمية كلّ النّفوذ الكماليّ تقريباً داخل الدّولة وخارجها، شرع الإسلامويّون في تركيا يتحدّثون بصوت أعلى عن الأهداف الإسلامويّة للسّياسة الخارجيّة لحزب العدالة والتّنمية. وبعد 2010، بدأ المؤيّدون الإسلامويّون المتشدّدون للجناح الإعلاميّ لحزب العدالة والتّنمية في تصوير أردوغان ضمن دور دينيّ أكبر، وغالباً ما كرّروا الشّعار الشّهير الآن، "أنت [في إشارة إلى أردوغان] حلم هذه الأمّة وقد تحقّق".

لا يبدو أنّه ثمّة سبب اقتصاديّ أو سياسيّ واضح أو جذّاب قد أدّى إلى احتضان تركيا لـ"الرّبيع العربيّ"

إلى جانب الشّعارات والتّصويرات الإعلاميّة، اتّخذت تركيا في عهد أردوغان خطوات ملموسة لتطوير العلاقات مع المسلمين غير الأتراك. على سبيل المثال، زادت تركيا تجارتها الإجماليّة مع العالم الإسلاميّ ثمانية أضعاف. وبفضل الجهود الّتي بذلها قادة حزب العدالة والتّنمية في مختلف القدرات، زادت تجارة تركيا مع الدّول ذات الأغلبيّة المسلمة من 8.4 مليار دولار في 2002 إلى 69 مليار دولار في 2018. وفي محاولة لتحسين العلاقات مع الدّول ذات الأغلبيّة المسلمة، فإنّ الدّولة الّتي يقودها أردوغان عملت على إلغاء متطلّبات التّأشيرة بشكل متبادل، وإنشاء آليات تشاور رفيعة المستوى، والمشاركة في جهود الوساطة في بعض النّزاعات الدّائمة بين الدّول وداخلها، والمشاركة في منظّمات إقليميّة مثل مجلس التّعاون الخليجيّ وجامعة الدّول العربيّة.
كذلك، عزّزت تركيا تعاونها الوثيق مع المنظّمات غير الحكوميّة في العالم الإسلاميّ، وعملت على تنشيط منظّمة التّعاون الإسلاميّ، واستضافت عشرات المؤتمرات الدّوليّة الّتي حضرتها شخصيّات دينيّة بارزة وكذلك مثقّفون/أكاديميّون علمانيّون من الشّرق الأوسط وجنوب شرق آسيا، وباشرت العديد من مشاريع التّرميم فيما يخصّ التّراث العثمانيّ، وقدّمت مختلف أشكال المساعدات الإنسانيّة الدّوليّة - في المقام الأول للمسلمين المحتاجين. ومن خلال جهود حزب العدالة والتّنمية وأردوغان لتعزيز علاقاتهما التّاريخيّة مع جماعة الإخوان المسلمين والحركات الدّينيّة الإسلاميّة الأخرى، أصبحت تركيا مركزاً يمكن فيه لصانعي الرّأي الإسلاميّ عبر العالم الّلقاء والنّقاش حول المشكلات المشتركة.

اقرأ أيضاً: هكذا استغلت تركيا الإخوان المسلمين في إريتريا..ما أهدافها؟
عبر احتضان الرّبيع العربيّ بوصفه أداة لـ"اتّحاد الإسلام" - شأن إخوانهم الإسلامويّين في أماكن أخرى من الشّرق الأوسط -، أصبح الإسلامويّون في تركيا مبتهجين بالرّبيع العربيّ. وربّما تُعدّ وجهة نظر وزير الخارجيّة التّركيّ آنذاك، أحمد داود أوغلو، بشأن الرّبيع العربيّ أفضل مثال على ما رآه حزب العدالة والتّنمية في الأيّام الأولى من عام 2011. خلال حديث له في منتدى الجزيرة في مدينة الدّوحة في قطر، في آذار (مارس) 2011، ادّعى داود أوغلو أنّه منذ انهيار الإمبراطوريّة العثمانيّة، مرّ الشّرق الأوسط بتجربتين مأساويتين، كلّ واحدة منها عملت على تعميق العزلة بين شعوب المنطقة. أوّل تجربة كانت الاستعمار والأخرى كانت الحرب الباردة. وعلى كلّ حال، كانت هذه الفترة بأكملها، كما ادّعى داوود أوغلو، انحرافاً غير طبيعيّ، وشذوذاً في تاريخ المنطقة.

اقرأ أيضاً: هل ينجح العراق في وضع حدٍّ لتجاوزات تركيا؟
ومع نهاية الحرب الباردة، كما أوضح داود أوغلو، كان ينبغي لهذه الغرابة أن تنتهي. ومع ذلك، لم يحدث ذلك لأنّ المنطقة لم تمرّ بعمليّة دمقرطة. وقد حاجج داود أوغلو بشكل طنّان في خطابه بأنّ "الرّبيع العربيّ" في الواقع يعيد تاريخ الشّرق الأوسط إلى طبيعته. يقول: "الأحداث الّتي تجري حولنا اليوم تمثّل تطوّرات طبيعيّة. إنّها تتطوّر، بالطّبع، بشكل تلقائيّ، لكن علينا أن نراها بوصفها انعكاسات طبيعيّة للتّدفّق الطّبيعيّ للتّاريخ".
في رأيه، يبدو أنّ "الرّبيع العربيّ" يعيد تاريخ الشّرق الأوسط إلى سويّته، أو وفق استعاراته، يغلق "قوساً عمره 100 عام" في المنطقة، أو يكسر "القالب الّذي رسمته معاهدة سايكس-بيكو" من خلال جلب الأحزاب السّياسيّة الّتي تمثّل بحقّ شعوب الشّرق الأوسط والإسلامويّين في المنطقة إلى السّلطة.

اقرأ أيضاً: تركيا ـ أردوغان قلقة... لماذا؟
لقد احتضنت تركيا تماماً "الرّبيع العربيّ" أكثر من أيّ دولة أخرى، بالرّغم من أنّها كانت تتمتّع بعلاقات اقتصاديّة وسياسيّة ممتازة مع كافّة دول وأنظمة ما قبل "الرّبيع" بما في ذلك سوريا. لم يكن هناك سبب اقتصاديّ أو جيوسياسيّ مُقنِع وراء مثل هذا الاحتضان الصّادق، إلّا أنّ قيادة حزب العدالة والتنمية اعتقدت أنّ "الرّبيع العربيّ" يمهّد الطّريق أمام "اتّحاد الإسلام". وكما رأينا، كان هذا دائماً الهدف والمثل الأعلى للإسلامويّين في تركيا.
بعد مرور عامين على خطابه الّذي ألقاه في منتدى الجزيرة، كان داود أوغلو أكثر ثقة في المستقبل الّذي ينتظر "اتّحاد الإسلام" في الشّرق الأوسط. في خطاب ألقاه في جامعة دجلة، في مدينة ديار بكر في تركيا، في آذار (مارس) 2013، أعلن داود أوغلو قائلاً: "سنجعل الحدود بلا معنى في رياح التّغيير هذه [الّتي تهبّ] في الشّرق الأوسط، [وسنعمل] مع الإدارات الّتي أتت إلى السّلطة والّتي ستأتي إليها".

اقرأ أيضاً: الديمقراطية تخسر المعركة في تركيا
وبعد أربعة أشهر فقط من إلقاء هذا الخطاب، تحطّمت أحلام تركيا بشأن مستقبل الشّرق الأوسط بسبب الأحداث الّتي وقعت في مصر والإطاحة بالرّئيس القادم من جماعة الإخوان المسلمين، محمّد مرسي. وعلاوة على ذلك، فإنّ النّزاع الأهليّ المستمرّ والمتعمّق في سوريا وليبيا واليمن كان يشير بالفعل إلى أنّ مياه التّاريخ لن تتدفّق حسب رغبة داوود أوغلو وغيره من الإسلامويّين الأتراك. في أواخر صيف 2013، وجدت تركيا نفسها معزولة في المنطقة وانتقلت إلى الدّولة الأخرى الوحيدة في الشّرق الأوسط الّتي تواجه نكسة مماثلة، قطر.

احتجاجات غيزي بارك، في أواخر أيّار (مايو) 2013

أحداث ما بعد 2013 وعزلة أردوغان المستمرّة
كان عام 2013 دراماتيكيّاً من بعض النّواحي الأخرى. اندلعت احتجاجات ضخمة في شوارع إسطنبول، عرفت باسم احتجاجات غيزي بارك، في أواخر أيّار (مايو) 2013 وانتشرت إلى المدن التّركيّة الكبرى الأخرى، وأظهر تحقيق في الفساد - كان قد بدأ في كانون الثّاني (ديسمبر) 2013 - تورُّط عشرات المسؤولين رفيعي المستوى في حزب العدالة والتّنمية. من جانبهم، فسّر الأنصار الإسلامويّون لحزب العدالة والتّنمية كلّ هذه التّطورات دون أيّ عين نقديّة. من خلال رفض هذه الاتّهامات، رجعت قاعدة حزب العدالة والتّنمية، والإسلاميّون الأتراك، إلى الخيال التّاريخيّ بشأن "اتّحاد الإسلام" في الشّرق الأوسط. وكما أوضح العديد من الإسلامويّين للقرّاء الأتراك في أعمدة الصّحف ومقالات الرّأي، فإنّ "الجهات الدّوليّة الفاعلة" القوية كانت تعمل بشكل خفيّ ضدّ أردوغان وإدارته. فسيطرة الجيش على الأمور في مصر، واحتجاجات غيزي بارك، والتّحقيق الخاصّ بالفساد، كلّها أحداث تهدف - من وجهة نظر النّقاد الإسلامويّين الأتراك في عامي 2013 و2014 - إلى الحفاظ على الوضع الرّاهن في الشّرق الأوسط، بحيث يمكن للنّظام العالميّ الاستغلاليّ، الّذي لا يستفيد من أحد سوى الولايات المتّحدة وأوروبا، أن يستمرّ.

اقرأ أيضاً: هل تبخرت أحلام تركيا بإنشاء قاعدة عسكرية في سواكن السودانية؟
ومنذ 2013-2014، شهدت تركيا تغييراً كبيراً في الدّاخل والخارج. بالإجمال، وعلى كلّ حال، سبح أردوغان خلال موجات من المدّ والجزر خلال عام 2013 واستطاع تعزيز قوّته. وفي غضون ذلك، تغيّر توجّه تركيا في السّياسة الخارجيّة أيضاً. إنّ طموح تركيا في لعب دور نَشِط وقياديّ في الشّرق الأوسط لم يتضاءل. ومع ذلك، فقد نقّحت أيضاً وبشكل جديّ أولويّاتها في الشّرق الأوسط، في الوقت الّذي تحالف فيه أردوغان نفسه مع القوميّين الأتراك من أجل الحفاظ على سلطته في الدّاخل. وعلى غرار القوميّين الأتراك الجيّدين، يرى أردوغان وبقيّة قادة حزب العدالة والتّنمية الآن أنّ الهدف الرّئيس لتركيا في الشّرق الأوسط يتمثّل في القضاء تماماً على وحدات حماية الشّعب في شمال سوريا، والّتي تعتبرها الدّولة التّركيّة الفرع السّوريّ لحزب العمّال الكردستانيّ، وبالتّالي تهديداً أمنيّاً. ولتحقيق هذه الغاية، قامت تركيا بتوغّلين عسكريّين كبيرين وتستعدّ الآن لعمليّة ثالثة. ومع ذلك، في نهاية المطاف، وبغض النّظر عن مدى تحرّك أردوغان نحو القوميّين الأتراك للبقاء في السّلطة، فإنّ حزب العدالة والتّنمية وقاعدة دعم الرّئيس يستندان إلى الإسلامويّين الأتراك.

اقرأ أيضاً: محور تركيا قطر: هل يفقد نفوذه في السودان وليبيا؟‎
الإسلامويّة هي أمر يرجع تعريفه إلى الإسلامويّين. وما إذا كان التّوجّه الجديد للسّياسة الخارجيّة لتركيا متوافِقاً مع الفهم العالميّ للإسلامويّة أم لا لَهو قضيّة لا يمكن لشخص من الخارج أن يحسمها. يكفي أن نقول إنّ العديد من الإسلامويّين في تركيا وفي الخارج قد اضطّروا - على الأقلّ علناً - إلى تبنّي استخدام نظام أردوغان لسياسة خارجيّة تركّز على الإسلامويّة. وما زال العديد من الإسلامويّين الأتراك ينظرون إلى أردوغان على أنّه تجسيد لشخصيّات تاريخيّة مثل أرطغرل غازي وعبد الحميد الثّاني، كما جرى تصويرهما بوضوح في مسلسلين تركيّين شهيرين: قيامة أرطغرل وعاصمة عبد الحميد. كان أرطغرل غازي والد عثمان غازي، مؤسّس الإمبراطوريّة العثمانيّة، ويدّعي الإسلامويّون الأتراك أنّ أرطغرل نجا وتمكّن من الصّمود في وجه العديد من المؤامرات المحلّيّة والدّوليّة. وعبد الحميد الثّاني كان سلطاناً عثمانيّاً حكم خلال القرن التّاسع عشر وجرى الحديث عنه سابقاً في هذا النّصّ. ويعتقد عدد كبير من الإسلامويّين أنّ عبد الحميد الثّاني قد دعم المسلمين في كافّة أنحاء العالم واستخدم مؤسّسة الخلافة في مواجهة الإمبرياليّة الغربيّة.

استخدام الإسلامويّين للسّياسة الخارجيّة
غالبًا ما يزعم محلّلو السّياسة الخارجيّة أنّ الدّول تستخدم الدّين أو تعبّئ الجهات الدّينيّة الفاعلة لخدمة مصالح خالية من أيّ معنى أو هويّة دينيّة حقيقيّة. وينظر هؤلاء المحلّلون إلى السّياسة الخارجيّة لأمّة ما باعتبارها انعكاساً للمخاوف السّياسيّة والاقتصاديّة داخل البلاد. ومع ذلك، فإنّ هذا النّهج لا يمنحنا الصّورة الكاملة، خاصّة عندما يقوم السّياسيّون "الّذين ينطلقون من دوافع دينيّة" بصياغة وتنفيذ هذه السّياسات الخارجيّة. وتتّضح حدود هذا النّهج عند النّظر إلى سبب احتضان تركيا للرّبيع العربيّ.

اقرأ أيضاً: تركيا: هل تُلغى الانتخابات الرئاسية والبرلمانية؟
لا يبدو أنّه ثمّة سبب اقتصاديّ أو سياسيّ واضح أو جذّاب قد أدّى إلى احتضان تركيا لـ"الرّبيع العربيّ". بعد "الرّبيع العربيّ"، جرى ربط القوّة الرّئيسة وراء السّياسة الخارجيّة التّركيّة، عوضاً عن ذلك، بالعامل الأيديولوجيّ. وانطلاقاً من خلفيّتها الإسلامويّة، رأت قيادة حزب العدالة والتّنمية الحاكم في تركيا في "الرّبيع العربيّ" فرصة تاريخيّة يمكن أن تزيل النّخبة الحاكمة المنعزلة ثقافيّاً في العالم العربيّ وتصل بـ"الصّوت الحقيقيّ" للشّعب إلى السّلطة. وفي أذهان قادة حزب العدالة والتّنمية، كانت الجماهير في العالم العربيّ، كأغلبيّة، تميل بشكل طبيعيّ نحو الإسلامويّين، وأيّ انفتاح ديمقراطيّ سيؤدّي إلى صعود جماعات معارضة مثل جماعة الإخوان المسلمين، الّتي تعكس في نظرهم تقوى الشّارع العربيّ، إلى السّلطة. ووفقاً لفهم الإسلامويّين الأتراك، كان الرّبيع العربيّ يُطلِق عمليّة تحوّل يمكن أن تساعد الإسلامويّين في تركيا على تحقيق حلمهم الرّاسخ المتمثّل في "اتّحاد الإسلام" في كافّة
أنحاء العالم الإسلاميّ.


المصدر: بيرول باسكان، ذي كايرو ريفيو

اقرأ المزيد...
الوسوم:



السياحة الحلال: موضوع جدل ساخن في إندونيسيا

2019-11-17

ترجمة: محمد الدخاخني


يبدو أنّ إندونيسيا، الدّولة ذات العدد الأكبر من السّكان المسلمين في العالم، ليست بالمكان المُرجّح لحفلٍ يتعاطى مع أيّ شيء له علاقة بالخنازير.
لكن خلال الشّهر الماضي، على شواطئ بحيرة توبا في سومطرة، تجمّع أكثر من 1,000 شخص لمتابعة سباقات الخنازير وأخذ صور "سيلفي" معها والاشتراك في منافسات مخصّصة لاستدعاء الخنازير ورسمها. كما جاؤوا لتناول لحم الخنزير المشويّ بطريقة محلّيّة شهيّة.

اقرأ أيضاً: منتجات "الحلال" في كندا.. تجارة تغري الجميع
والمهرجان أكثر من مجرّد احتفال بالخنازير. فهو أيضاً وسيلة المجتمع المسيحيّ الكبير في المنطقة للرّدّ على الجهود الّتي أقرّتها الحكومة لترويج نسخة مُحافظة من الإسلام في كافّة أنحاء البلاد، بما في ذلك منطقتهم.
وفي الأشهر الأخيرة، اشتمل هذا الاتّجاه نحو المُحافظة الدّينيّة على قانون وطنيّ مُقترَح يحظر ممارسة أية علاقة قبل الزّواج وانتخاب نائبٍ للرّئيس كان أصدر فتوى فيما سبق ضدّ ارتداء قبّعات سانتا كلوز. وأيضاً، دفع الحكومة إلى تشجيع "السّياحة الحلال"، وهو ما يُقصد به قضاء عطلات قوامها أنشطة وأطعمة مسموح بها بموجب الشّريعة الإسلاميّة.

المهرجان أكثر من مجرّد احتفال بالخنازير
يقول توغو سيمورانكير، وهو عالم أحياء ومُزارِع وصاحب فكرة مهرجان الخنزير: "السّياحة تدور حول السّعادة. السّياحة تتعلّق بالمرح. السّياحة لا علاقة لها بالدّين".
هذا الشّعور يضع السّيّد سيمورانكير في خلافٍ مع المسؤولين الحكوميّين وبعض جيرانه المسلمين في وقتٍ تحاول فيه بحيرة توبا جذب المزيد من الاهتمام.
وتُعدّ بحيرة توبا، وهي أكبر بحيرة بركانيّة في العالم، المركز التّاريخيّ لسكان باتاك الأصليّين في إندونيسيا، ومعظمهم من المسيحيّين، وهم يشكّلون واحدةً من أكبر مجموعات الأقلّيّات في البلاد. لكن الحكومة عيّنت المنطقة باعتبارها واحدةً من المناطق السياحيّة السّاخنة في المستقبل.

تُعدّ بحيرة توبا، وهي أكبر بحيرة بركانيّة في العالم، المركز التّاريخيّ لسكان باتاك الأصليّين في إندونيسيا ومعظمهم من المسيحيّين

ومن جانبها، تخطّط الحكومة لتعزيز السّياحة في كافّة أنحاء البلاد من خلال إنشاء "10 جزر على نمط بالي" على أمل تكرار نجاح جزيرة بالي بوصفها وجهةً للعطلات.
وتُعدّ بحيرة توبا إحدى الأولويات العُليا لهذا البرنامج، لكن مع وجود 231,000 زائر أجنبيّ فقط في عام 2018، فإنّ المنطقة أمامها طريق طويل. ويُذكر أنّ الحكومة شيّدت مطاراً إقليميّاً جديداً في عام 2017، لكن انقلاب عبّارة محمّلة بأكثر من طاقتها، وهو الحادث الّذي أسفر عن مقتل 188 شخصاً العام الماضي، لم يساعد في جذب الزّوار.
واجتذبت إندونيسيا عدداً قياسيّاً من السّيّاح الأجانب في عام 2018. ومن بين 15.8 مليون زائر، كانت أكبر مجموعة من ماليزيا، وهي أيضاً دولة ذات غالبيّة مسلمة. وكانت ثاني أكبر مجموعة من الصّين المُحبّة للحوم الخنزير، حيث يشكّل المسلمون أقلّيّة.

تخطّط الحكومة لتعزيز السّياحة في كافّة أنحاء البلاد
ويقول السّيّد سيمورانكير وغيره من مسيحيّي باتاك إنّهم يشعرون بالاستياء من خطّة الحكومة للحدّ من ممارستهم تقاليدهم، بما في ذلك أكل لحم الخنزير، من أجل إرضاء السّيّاح المسلمين.
ويقول سكّان مسيحيّون إنّ الزّعماء المسلمين في البحيرة يستخدمون عباءة السّياحة الحلال للدّفع بسياساتٍ تمييزيّة.
وكان أحد الزّعماء المسلمين دعا إلى حظر تناول لحم الخنزير في الأماكن العامّة وارتداء ملابس السّباحة الغربيّة - خاصّة بدلات السّباحة النّسائيّة -، باستثناء المناطق المخصّصة لذلك.
ويقول هالاسان سيمانغونسونغ، إمام مسجد الهدهوناه في بلدة باليغي المطلّة على البحيرة: "بالنّسبة إلى الأشخاص الّذين يرغبون في تناول لحم الخنزير، سيتمّ منحهم مكاناً خاصّاً. ولكي يفعل السّيّاح الأجانب ما يحلو لهم، امنحهم منطقة خاصّة أيضاً".

اجتذبت إندونيسيا عدداً من السّيّاح عام 2018 أكبر مجموعة كانت من ماليزيا ذات الغالبيّة المسلمة ومن الصين حيث يشكّل المسلمون أقلّيّة

وربّما من قبيل الصّدفة، يدير هذا الإمام مطعماً للأكل الحلال على شاطئ "بول بول".
مثل هذه القيود المفروضة على الطّعام والملابس، كما يخشى بعض سكّان باتاك، لا تنطبق فقط على الزّوار الأجانب ولكن على السّكّان المسيحيّين المحلّيّين أيضاً.
والخنزير مشحون برمزيّة ما عند كلٍّ من المسلمين والمسيحيّين، وقد استخدمت كلّ مجموعة هذا الحيوان للدّفاع عن تقاليدها.
بالنّسبة إلى المسلمين، الّذين يشكّلون حوالي 90 في المائة من سكّان إندونيسيا، فإنّ تناول الخنازير أو لمسها يُعتبر محرّماً. لكن بالنّسبة إلى مسيحيّي باتاك، تُعدّ الخنازير جزءاً من الحياة اليوميّة، ويُعدّ تقديم لحم الخنزير جزءاً أساسيّاً من كلّ احتفال مهمّ، من الولادة وحتّى الوفاة.

اقرأ أيضاً: هل يحتكر الإخوان المسلمون اقتصاد "الحلال" في أوروبا؟
يقول أوندي سيريغار، وهو مرشد سياحّي في مُتحف باتاك في باليغي ويربّي أيضاً 20 خنزيراً حول بيته: "يُعدّ الخنزير رمزاً للفخر عند أهل باتاك. وفي كلّ حفل، يجب أن يكون لحم الخنزير ضمن قائمة الطّعام".
وحتّى اليوم، يعيش العديد من القرويّين في منازل خشبيّة مرتفعة تضمّ مساحة سفلى لتربية الخنازير.
ويقول مارتونغو سيتينجاك، أحد زعماء كنيسة باتاك البروتستانتيّة، إحدى أكبر المنظّمات الدّينيّة في إندونيسيا: "إنّ حياتنا كلّها مرتبطة بالخنزير. وهذا الأمر لا يأتي من الدّين أو التّعاليم المسيحيّة. بل من الثّقافة".
وظهرت خطّة جذب المزيد من الزّوار المسلمين، خاصّة من ماليزيا المجاورة وبروناي، في آب (أغسطس)، عندما اقترح حاكم مقاطعة سومطرة الشّمالية، إدي رحمايادي، وهو مسلم، بناء المزيد من المساجد بالقرب من البحيرة وإنهاء ذبح الخنازير في الأماكن العامّة.

اجتذبت إندونيسيا عدداً قياسيّاً من السّيّاح الأجانب في عام 2018
وقال الحاكم في ذلك الوقت: "إذا لم نقم ببناء مساجد هناك، فلن يحضر السّيّاح. وإذا جرى ذبح الخنازير في الهواء الطّلق، فقد يأتي السّياح غداً، لكنّهم لن يأتوا مجدّداً".
وعندما انتشرت إدانة واسعة النّطاق لملاحظات الحاكم على الإنترنت بين ناخبيه المسيحيّين، أصرّ السّيّد إدي على أنّه لم يروّج مطلقاً للسّياحة الحلال.
كان أبرز ما في مهرجان الخنزير الّذي استمرّ يومين مسابقة صيد الخنازير. وفي ستّ جولات من المنافسة، تجمّعت فِرق الرّجال والصّبية معصوبي الأعين في مرجانٍ صغير وحاولوا الإمساك بخنزير صغير. كانت الّلعبة مُشابهة لمسابقات الخنازير المشحّمة المتعارف عليها بين رعاة البقر في أمريكا ومعارض المقاطعات، لكن العصابات الموضوعة على الأعين أضافت بعداً جديداً للكوميديا الهزليّة.

اقرأ أيضاً: "الفنادق الحلال" في تونس: تجارة للربح أم مخطط لأسلمة المجتمع؟
وقد تجمهر مئات الأشخاص حول الحظيرة، وأخذوا يضحكون بصوت عالٍ مع كلّ محاولة لعرقلة الخنازير الثّلاثة الصّغيرة، الّتي لم تتوقّف عن الهروب من المتسابقين وقد غطّاهم الوحل. وأكثر من مرّة، أمسك أحد الرّجال بخنزير وانتهى به المطاف على الأرض مع منافس له، ممّا دفع الجمهور نحو المزيد من الضّحك.
وفي وقت مبكّر، انزلق خنزير أسود صغير خارج الحظيرة المصنوعة من أنصاف أعواد الخيزران، وركض مسرعاً نحو خنزير مشويّ مُعلّق في سيخ، ثمّ قفز في بحيرة توبا وسبح بعيداً.
يقول السّيد سيمورانكير، منظّم مهرجان الخنازير، إنّ ما يُثني السّيّاح عن القدوم ليس لحم الخنزير، ولكن تدمير البيئة.
ويضيف أنّه بعد الحصول على إذن الحكومة المركزيّة، شرعت شركات من خارج المنطقة في تقطيع أشجار الغابات المحيطة بالبحيرة وأقامت عمليّات استزراع سمكيّة واسعة أدّت إلى تلويث البحيرة، الّتي كانت ذات يوم تشتهر بمياهها الصّافية.
ويتابع السّيد سيمورانكير: "إذا كانوا يريدون زيادة السّياحة في بحيرة توبا، فإنّ عليهم عدم المراهنة على السّياحة الحلال. وإنّما إغلاق الشّركات الّتي تدمّر بيئة بحيرة توبا فحسب".


ريتشارد بادوك، النّيويورك تايمز

مصدر الترجمة عن الإنجليزية:
https://www.nytimes.com/2019/11/08/world/asia/indonesia-lake-toba-pig-fe...

للمشاركة:

أردوغان يوظف الإنتربول لملاحقة معارضيه .. هذا ما يفعله

2019-11-14

ترجمة: محمد الدخاخني


الحكومة التّركيّة تستخدم الإنتربول بشكل موسّع لإصدار مذكّرات اعتقال بحقّ مواطنين أتراك في ألمانيا وجمع معلومات عنهم. ومنذ محاولة الانقلاب في تمّوز (يوليو) 2016، تواصلت أنقرة مع الإنتربول 1,252 مرّة، من أجل تسلُّم أو تقديم معلومات عن مواطنين أتراك يعيشون في ألمانيا.
وكُشِف عن هذه المعلومات في أعقاب تحقيقٍ برلمانيّ قام به حزب اليسار الاشتراكيّ.

اقرأ أيضاً: أردوغان وإنتاج التطرف
وينقسم هذا الرّقم، وفق تحليلات "دويتشه فيله"، إلى 1,168 إشعار أحمر - طلبات إلقاء القبض على مواطن تركيّ وتسليمه إلى تركيا - و84 إشعاراً أزرق، أو طلبات جمع معلومات حول هويّة الشّخص أو موقعه أو أنشطته.
ويعدّ هذا الرّقم المرتفع بشكل غير مألوف مصدر قلق عميق للنّائب عن حزب اليسار أندريه هونكو، الّذي يعتقد أنّ "الإنتربول يُوظَّف" لملاحقة المعارضين الأتراك وإسكاتهم. ويقول إنّ الهدف الوحيد للإنتربول يتمثّل في مكافحة الجريمة، وإطاره القانونيّ يحظر التّحقيقات الّتي تُجرى على أُسس سياسيّة.

 "الإنتربول يُوظَّف" لملاحقة المعارضين الأتراك وإسكاتهم

انتهاك دستور الإنتربول

تنصّ المادّة (3) من دستور الإنتربول على أنّه "ممنوع منعاً باتًّا على المنظّمة القيام بأيّ تدخّل أو أنشطة ذات طابع سياسيّ أو عسكريّ أو دينيّ أو عرقيّ".
ومع ذلك، فإنّ الإنتربول يُدرك تماماً خطر إمكانيّة إساءة استخدام الإشعارات الحمراء لأسباب سياسيّة من قِبل الدّول الأعضاء. ولهذا السّبب، في عام 2018، أنشأت المنظّمة "فرقة العمل المعنيّة بالإشعارات والانتشار"، والّتي تتألّف من سبعة خبراء قانونيّين من سلوفاكيا وكرواتيا وأوكرانيا والسّويد وألمانيا.

الحكومة التّركيّة تستخدم الإنتربول بشكل موسّع لإصدار مذكّرات اعتقال بحقّ مواطنين أتراك في ألمانيا وجمع معلومات عنهم

وتتمثّل مهمّتهم في التّدقيق في مذكّرات التّوقيف الفرديّة الّتي يبلغ عددها 80,000 والّتي قُدّمت إلى الإنتربول وتحديد ما إذا كان أيّ منها ينتهك المادّة (3). وفي العام الماضي، أعلنت الحكومة الألمانيّة أنّ الإنتربول وجد بالفعل 130 حالة تنتهك هذه المادّة وتعود إلى كانون الثّاني (يناير) 2014.
لكن هونكو يريد من الإنتربول أن يفعل أكثر من مجرّد مراجعة كافّة الإشعارات الحمراء؛ إنّه يدعو المنظّمة إلى فحص الإشعارات الزّرقاء أيضاً، والّتي تطلب السّلطات عبرها جمع معلومات حول مكان وجود الشّخص وأنشطته. ويقول إنّ أنقرة قد أساءت استخدام هذا الخيار الثّاني من أجل تعقّب واختطاف المعارضين الأتراك في الخارج.

أنقرة تتعقّب معارضيها

لقد أُلقي القبض بشكل متكّرر على ألمان من أصل تركيّ في الخارج بناء على أوامر اعتقال دوليّة نيابةً عن تركيا. والعديد من هذه الحالات تصدّرت عناوين الصّحف في الأعوام الأخيرة.

نائب وزير الداخلية التركي: الإنتربول رفض حتّى الآن 646 مذكّرة اعتقال تركيّة منها 462 استهدفت مؤيّدي فتح الله غولن

ومن بين هؤلاء كان عصمت كيليج (54 عاماً)، الّذي حصل على حقّ الّلجوء السّياسيّ في ألمانيا منذ أكثر من 20 عاماً ويعيش الآن في دويسبورغ. وجرى اعتقاله في سلوفينيا في تمّوز (يوليو) بناءً على طلب تركيّ، لكن الإنتربول قرّر أنّ اعتقاله غير قانونيّ في أيلول (سبتمبر). وفي هذه الأثناء، احتُجِز كيليج حتّى منتصف تشرين الأوّل (أكتوبر).
وكان "مكتب الشّرطة الجنائيّة الفيدراليّة" في ألمانيا قد تلقّى مذكّرة التّوقيف الدّوليّة الخاصّة بكيليج في صيف عام 2013، لكنّه فشل في إبلاغه أو تحذيره بخطر الاعتقال في الخارج.
وقضيّة الرّوائيّ الّذي يتّخذ من كولونيا مقرّاً له، دوغان أخانلي، مُشابِهة. ففي عام 2017، أُلقي القبض عليه في إسبانيا بناءً على طلب تركيّ. وبالرّغم من أنّ أخانلي يحمل الجنسيّة الألمانيّة، فإنّه قد مُنع من مغادرة إسبانيا لمدّة شهرين.

أنقرة تتّهم الإنتربول باستخدام معايير مزدوجة

يوم الإثنين، قال نائب وزير الدّاخليّة التّركيّ، إسماعيل كاتاكلي، إنّ الإنتربول رفض حتّى الآن 646 مذكّرة اعتقال تركيّة، منها 462 استهدفت مؤيّدي رجل الدّين فتح الله غولن، الّذي يتّخذ من الولايات المتّحدة مقرّاً له، والّذي ترى أنقرة أنّه العقل المدبّر للانقلاب الفاشل في عام 2016. وهناك 115 مذكّرة اعتقال جرى رفضها وكانت تستهدف أعضاء في حزب العمّال الكردستانيّ، الّذي يشنّ حرب عصابات داخل تركيا منذ الثّمانينيات.

اقرأ أيضاً: تقرير: طموحات تركيا في سوريا خير دليل على اتباع أردوغان النهج العثماني للتغيير العرقي
ووفقاً لكاتاكلي، لم يعترض الإنتربول، على كلّ حال، على 66 مذكّرة اعتقال تستهدف مقاتلي داعش. وقال أيضاً إنّه لا تزال هناك 784 مذكّرة اعتقال دوليّة عالقة تخصّ أعضاء في حزب العمّال الكردستانيّ.
وتعتبر الحكومة التّركيّة داعش وحركة غولن وحزب العمّال الكردستانيّ منظّمات إرهابيّة. ومن جانبه، اتّهم كاتاكلي الإنتربول باستخدام معايير مزدوجة عن طريق معاملة هذه الجماعات بشكل مختلف، ممّا يسهّل محاكمة البعض وليس الآخرين.


إلماس توبغو، دويتشه فيله
مصدر الترجمة عن الإنجليزية:

https://www.dw.com/en/turkey-using-interpol-to-track-down-dissidents/a-5...

للمشاركة:

لهذه الأسباب يعتبر 1979 عاماً محورياً في تاريخ الشرق الأوسط

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
2019-11-13

ترجمة: مدني قصري


يعدّ عام 1979 عاماً محورياً في تاريخ الشرق الأوسط؛ حيث مهّدت الثورة الإيرانية واحتلال أفغانستان لحرب استمرت أربعين عاماً، هذا ما يشرحه المحلل حميد بوزارسلان.

مع الثورة الإيرانية والحرب في أفغانستان دخلنا في فترة أصبح فيها النزاع بالشرق الأوسط يُحسَب أساساً حساباً إسلاموياً

وحول هذا الموضوع؛ كان هذا الحوار، الذي أجرته "lesclesdumoyenorient"، مع المحلل بمعهد الدراسات العليا في العلوم الاجتماعية، حميد بوزارسلان.
وحميد بوزارسلان؛ حاصل على درجة الدكتوراه في التاريخ والعلوم السياسية، ومدير الدراسات في معهد الدراسات العليا للعلوم الاجتماعية "EHESS"، وفي هذا التحليل الثري للغاية، يرسم هذا المحلل صورة بانورامية واسعة للمنطقة، الواقعة في قبضة المشاكل الطائفية، من خلال طرح مسألة المسؤولية السياسية؛ إنّه يشير أولاً، وقبل كلّ شيء، إلى عام 1979، وهو العام المحوري في المنطقة، فضلاً عن إشكالية السلطة في الشرق الأوسط، ويركز بعد ذلك على العديد من القضايا، فيما يتعلق بالأحداث الحالية: مسألة الأكراد في ضوء قرار دونالد ترامب سحب القوات الأمريكية من روجافا، وموقع تركيا وروسيا في هذا السياق، وأحداث المملكة العربية السعودية وإيران، والوضع الحالي في لبنان، كما يعود إلى قضية المرأة والبيئة.

حميد بوزارسلان

هنا نص الحوار:

أنت تقدّم عام 1979 كعامٍ محوريّ في تاريخ الشرق الأوسط مع الثورة الإيرانية واحتلال أفغانستان اللذين كانا بداية لحرب استمرت أربعين عاماً؛ أين نحن الآن من هذه الحلقة الزمانية؟
حتى عام 1979، كانت أنظمة الاحتجاج في الشرق الأوسط يُحدّدها اليسار، إلى حدّ كبير، وكان هذا الفضاء جزءاً من حركة ثلاثية قارية، مع آسيا وأمريكا الوسطى؛ فهو كيانٌ وهميٌّ حقيقي، لكنّه كان يحدّد البناء السياسي لهذه الفترة، ثم، بين 1979-1980، حدثت قطيعة.

بوزارسلان: التدخّل الخارجي ليس العنصر الرئيس للمأساة بالشرق الأوسط فالجهات الفاعلة المحلية تساهم في زعزعة الاستقرار الإقليمي

مع الثورة الإيرانية والحرب في أفغانستان، دخلنا في فترة أصبح فيها النزاع في الشرق الأوسط، يُحسَب أساساً حساباً إسلاموياً، مما أدّى إلى انكماش البعد العالمي، وهكذا، لم تعد حركات الاحتجاج تقاتل ضدّ الإمبريالية، لكنّها تنطلق من الصراع بين "الإسلاموية" و"الغرب"، رمزياً؛ أصبحت القطيعة تمثل نهاية التحدي اليساري في الشرق الأوسط.
علاوة على ذلك، بعد عام 1979؛ دخلنا في حلقة احتجاج ذات عنف شديد: كانت الثورة الإيرانية، ثم الحرب الإيرانية العراقية، حرباً وحشية جداً، تماماً مثل الحرب في أفغانستان، وظهرت في ذلك الوقت المنظومة الاحتجاجية الشيعية التي أدّت إلى تشكيل حزب الله اللبناني والمنظومة السنّية التي تولدت عنها حركة القاعدة، لا يمكن للمرء أن يفهم الوضع الحالي للنزاعات الإسلامية في الشرق الأوسط، دون مراعاة هذه السنة (1979) المحورية، ويجب أن نذكر أيضاً الحرب الأهلية اللبنانية، التي بدأت عام 1975؛ إنّها مكان لجوء وتأسيس سياسي، كما هو الحال بالنسبة إلى حزب العمال الكردستاني الكردي، ولا ينبغي أن ننسى أنّ حرب حزب العمال الكردستاني الأولى وقعت عام 1982 ضدّ إسرائيل، وهكذا فإنّ عام 1979 يمثل تغييراً جذرياً في خطوط القوة السياسية، ويشكل عاماً للقطيعة عندما نعود إلى تاريخ نشوء الحركات الإسلامية.

تقول إنّ قادة الشرق الأوسط "يُرجِعون مصدر نكباتهم ومصائبهم إلى مؤامرات "الإمبرياليين الصهاينة" التي لا تنتهي، وأنت ترفض، إلى حدٍّ ما، الحجج ما بعد الاستعمارية، في تحليلك، لكن ألا تعتقد أنّ العمل الإمبريالي ما يزال من خلال أعوانه المحليين في المنطقة يُجرِّد سكانَ الشرق الأوسط من مصائرهم؟
أنا لا أنكر أهمية القضية الفلسطينية، خاصة من حيث رمزيتها المركزية، ولا التدخّل الأمريكي في العراق، ولا تدخّل أوباما، الذي كان باهظ الثمن في بداية الحرب الأهلية السورية، بالمثل؛ فإنّ التدخل الروسي في سوريا، منذ عام 2015، كان لعبة دموية، ساخرة ومحسوبة حساباً بارداً؛ إذ يلعب بوتين دور الحَكم في سوريا، لكنّني لا أعرف كيف سيتمكن من السيطرة على الموقف.
ومع ذلك، لا أعتقد أنّ التدخل الخارجي هو العنصر الرئيس للمأساة في الشرق الأوسط، الجهات الفاعلة المحلية، تساهم مساهمة كبيرة في زعزعة الاستقرار الإقليمي مع بعض الدعم للميليشيات الطائفية أو الأنظمة الدكتاتورية.
هل يمكنك التوسّع في مفهوم مسؤولية قادة الشرق الأوسط؟
إذا أدّت التدخلات الخارجية إلى تفاقم المواقف، فقد عززت سلطات الشرق الأوسط نفسها الطائفية وتدمير مجتمعاتها، ولا ينبغي أن ننسى أنّ سجل صدام حسين، خارج الحرب، هو ثلاثمئة ألف حالة وفاة، وأنّ الطائفية الدينية تعود إلى ما قبل التدخل، عام 2003، وكذلك الحال بالنسبة إلى الطائفية وتفتيت الأراضي في سوريا قبل عام 2011، المجتمعات نفسها مفككة ومهزومة، كما يتضح من آلاف الهجمات الانتحارية التي زعزعت العراق بين عامي 2003 و2010.

اقرأ أيضاً: "حفريات" توثّق عمليات مصادرة ممتلكات الأكراد في سوريا وسرقة أعضائهم في أنقرة
إلقاء المسؤولية على الغرب يعني فشل القادة السياسيين والمفكرين ومواطني الشرق الأوسط في التفكير في مسؤوليتهم الخاصة وقراءة تاريخهم قراءة نقدية، مسألة المسؤولية أمر أساسي في الفلسفة، وتصدير المسؤولية إلى الغرب حلّ سهل، من الضروري من الآن فصاعداً أن يَطرح الشرق الأوسط ككل مسألةَ المسؤولية، يمكن أن يفكر في الأمثلة المضادة لتايوان أو كوريا، اللتين، رغم ماضيهما الاستعماري، تبليان بلاءً حسناً اليوم.
ما رأيك بالسجل العسكري والسياسي لاستثمار الجنود الأكراد لمقاومة داعش، وسحب دونالد ترامب لجنوده؟ لقد كتبت أنّ تركيا، مثل روسيا، هي جزء من الأنظمة الوطنية الفاسدة، وتهتم بمشاريع الهيمنة في الشرق الأوسط وغزو كردستان يؤكد هذه الأطروحة؟
اندلع الصراع الكردي ضدّ داعش بمجرد تهديد مدينة كوباني، عام 2014، بالتالي فهي حركة عفوية غير مهيأة، وهي مقاومة بالتعبئة؛ لذلك جاء التفكير الإستراتيجي والعسكري بعد الأحداث؛ لأنّ الأمر كان يتعلق بالسيطرة على منطقة كبيرة تحتاج إلى مؤسسات، لقد تطلبت الحرب ضدّ داعش بالفعل تعبئة قوية وكلّفت من عشرة إلى 11 ألف قتيل بين الأكراد.

تكمن قوة داعش الكبيرة في الضعف الحالي للديمقراطيات كما كان حال الديمقراطيات الضعيفة في الثلاثينيات من القرن الماضي

انسحاب دونالد ترامب الحالي هو، بالنسبة إليّ، ميونيخ العصر الحديث، وتراجع واستسلام الديمقراطيات؛ لأنّها تفتقر إلى الشجاعة والتصميم، تكمن قوة داعش الكبيرة، بالنسبة إلي، في الضعف الحالي للديمقراطيات، كما كان حال الديمقراطيات الضعيفة في الثلاثينيات من القرن الماضي، من خلال التحايل على البنتاغون وإهانة الكونغرس، يدمر ترامب الديمقراطية الأمريكية، رغم أنّ الكونغرس كان قادراً على التوصية بعقوبات ضدّ تركيا، في 29 تشرين الأول (أكتوبر)، إلا أنّ أردوغان وبوتين قد أدركا أنّ أمريكا ترامب لم تعد تتمتع بالمصداقية أو المكانة والامتياز، لقد فهمت روسيا هذا منذ عام 2013، وفي أثناء غزو أوكرانيا، قال بوتين: "لم يعد للغربيين شرف"، إنّ انسحاب الجنود الأمريكيين من سوريا هو أيضاً عمل خيانة ضدّ الأكراد الذين اضطروا إلى الاستسلام لروسيا، بالتالي للنظام السوري.
كان هدف تركيا، أولاً وقبل كلّ شيء، تدمير المقاومة الكردية ككل، مثلما دمّر نظام سريلانكا معارضة التاميل قبل عشرة أعوام، والهدف الثاني لتركيا هو تحويل هذه المنطقة إلى جهادستان؛ لأنّ حلفاء تركيا جهاديون، وأخيراً تغيير الديموغرافيا من أجل توطين اللاجئين العرب في المنطقة الكردية، يتم تحقيق هذه الأهداف الثلاثة جزئياً، لكن يجب على الأكراد قبول الحكم الروسي لتجنب وقوع كارثة.
اندلع الصراع الكردي ضدّ داعش بمجرد تهديد مدينة كوباني عام 2014

هل هناك اليوم هوية، شعور بالانتماء إلى لبنان رغم الطائفية الراسخة في المجال الاجتماعي؟
يريد كثيرون من اللبنانيين الخروج من صراعات الشرق الأوسط والطائفية، ومن هذا التمثيل السياسي الذي يعوق اللعبة السياسية، اللبنانيون يريدون الخروج من هذه الهيمنة الخانقة، الإقليمية بالتأكيد، لكنّها هيمنة داخلية أيضاً، من قبل طبقة سياسية صغيرة فاسدة جداً، هذه الطبقة نصف سياسية ونصف عسكرية، وما تزال متمسكة بالسلطة وبقوة على حساب البلاد.
لقد بنى حزب الله شرعيته من خلال الردّ على الفراغ الذي خلفته الدولة اللبنانية، خاصة في مجال الخدمات الاجتماعية؛ هل يمكنه الحفاظ على هذه الشرعية الشعبية مع البقاء في السلطة في مثل هذا السياق؟
لحزب الله هوية مزدوجة، في المقام الأول، بفعل هويته كحزب اجتماعي، لكنّه حزب اجتماعي شيعي، ثم هويته كميليشيا تقدم نفسها على أنّها قومية، لكنّها ميليشيا ما تزال طائفية.
إذاً؛ إذا أصبح حزب الله حزباً لبنانياً، لكلّ اللبنانيين، هل يعني أنّه يجب أن يتوقف عن أن يكون حزباً شيعياً وطائفياً؟ في هذه الحالة، لا يمكن أن يُسمَّى حزب الله، وميليشياته يجب أن تندمج في الجيش اللبناني، تجدر الإشارة إلى أنّه، رغم أنّ الشيعة كانوا بالتأكيد مهمشين، وبلا اعتبار في التاريخ اللبناني، فقد خرجوا منتصرين من الحرب الأهلية، لأنّهم الطائفة التي أضحت الأكثر قوة خلال هذه الفترة من خلال حزب الله.
لاحظنا مظاهرات مضادة عنيفة من جانب حركة أمل الشيعية، رغم تعليمات حزب الله بعدم التدخل؛ هل يمكن للحزب السيطرة على قاعدته السياسية والاجتماعية؟
الأمر مرهون بآليات إعادة التوزيع والقيود التي سيستخدمها حزب الله، يجب ألا ننسى أنّ حزب الله جيشٌ وحزب، ونظام إعادة توزيع، ونظام اندماج المجتمع الشيعي ونظام خضوع جزء من المجتمع المسيحي، خاصة مخيم عون، حزب الله لديه، إذاً، كثير من الأوراق الفاعلة في يده.
مسألة مكانة المرأة في مجتمعات الشرق الأوسط: هل تطورها هو العنصر الأساسي لتغيير المجتمع المدني الذي يمكن أن يتوافق مع فكرة المسؤولية التي كنا نتحدث عنها قبل قليل؟
هذا أمرٌ تصعب جداً معرفته، على أيّ حال، فالرغبة في المشاركة النسوية قوية للغاية، وهذا واضح للغاية، منذ عام 2011، لقد رأينا هذا في النزاعات في مصر وتونس واليمن ولبنان والجزائر والسودان؛ حيث الوجود النسائي قوي جداً، باستثناء العراق، لكنّها مجتمعات تظل فيها سيطرة الذكور حاضرة للغاية.

اقرأ أيضاً: تركيا... تاريخ حافل بالقمع ضد الأرمن والأكراد
دمجُ المرأة في السياسة في الشرق الأوسط شرطٌ ضروري لكلّ شيء، بادئ ذي بدء، القدرة على الفكر الديني وتدبره، والتفكير في السيطرة على مساحة الرؤية، قبل كلّ شيء، إنّه إعادة النظر في اعتبار المرأة: من وجهة النظر هذه، يعد دمج المرأة في السياسة أمراً مهماً للغاية في بناء السلطة، وبناء الفضاء والمسؤولية، فمن دون تحرر المرأة، من الصعب للغاية التفكير في التحول الاجتماعي أو التحول الديمقراطي.
أخيراً؛ يطرح السؤال الإيكولوجي بشكل متزايد على الشرق الأوسط ويحدث إدراك بطيء (في إيران، على سبيل المثال)؛ ما هو الدور الذي تعتقد أنّه سيلعبه في العقود القادمة في الشرق الأوسط؟
عندما يتم الحديث عن البيئة في الشرق الأوسط؛ فهو حديث على السطح حقاً، بالنسبة إلى دولة قطر، على سبيل المثال؛ فإنّ البيئة بالنسبة إلى القطريين هي إنشاء ملعبٍ فائق البرودة (مكيف)، أو إنشاء خطوط مترو، من ناحية أخرى؛ يمكننا أن نرى كيف تمّ ذبح الطبيعة في تركيا، بما في ذلك في إسطنبول، والتي تتعرض لخطر زلزال كبير في الأعوام المقبلة، في السابق كان هناك 450 مكاناً للتجمع في العاصمة، للتعامل مع هذا الاحتمال، واليوم لا يوجد سوى 70 مكاناً؛ لأنّ الخرسانة احتلت بقية الأماكن الأخرى، وبالمثل؛ فإنّ سياسة التخطيط الحضري في مصر سياسة انتحارية للغاية من حيث البيئة، بالطبع، هذا لا يمنع الجميع من التحدث عن البيئة والإلحاح عليها، لكنّ الوعي الحقيقي ضعيف.


مصدر الترجمة عن الفرنسية: lesclesdumoyenorient

للمشاركة:



علاقة الإخوان بفيلق القدس في وثائق مسرّبة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-18

كشفت وثائق مسربة علاقة جماعة الإخوان المسلمين وفيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني.

فبعد شهور من عزل الرئيس المصري الراحل، محمد مرسي، التقى مسؤولون في فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، بأعضاء من جماعة الإخوان المسلمين، في أحد فنادق تركيا، أما الهدف فقد كان السعودية.

مسؤولون في فيلق القدس يلتقون بأعضاء من جماعة الإخوان المسلمين في أحد فنادق تركيا

تفاصيل الاجتماع كشفتها وثائق سرية مسربة، وهي جزء من أرشيف الاستخبارات الإيرانية السرية، حصل عليها موقع "The Intercept" الذي تشارك في نشرها مع صحيفة "نيويورك تايمز" في وقت واحد.

"القمة السرية"، كما وصفها موقع "ذا إنترسبت" جمعت أقوى منظمتين في الشرق الأوسط من حيث النفوذ.

بحسب الوثائق؛ فإنّ القمة السرية جاءت في لحظة حرجة لكلّ من فيلق القدس وجماعة الإخوان، وبالتحديد، في نيسان (أبريل) 2014، حيث كان الجيش العراقي يواجه داعش الذي كان يهدد استقرار الدولة المجاورة لإيران.

بينما كانت جماعة الإخوان المسلمين تعاني، بعد إزاحة الجيش حكومة الإخوان والرئيس المحسوب على التنظيم محمد مرسي، في الثالث من تموز (يوليو) 2013.

ما لم يكن يعرفه الطرفان؛ أنّ جاسوساً كان يحضر القمة، ويسجل كلّ ما يدور في الاجتماع، وهو ممثل وزارة الداخلية الإيرانية التي يزعجها دور الحرس الثوري ومكانته في جهاز الأمن القومي الإيراني.

كانت تركيا تعدّ مكاناً آمناً للقمة؛ حيث كانت واحدة من الدول القليلة التي تربطها علاقات جيدة مع كل من إيران والإخوان المسلمين في ذات الوقت، رغم أنّها رفضت منح تأشيرة دخول لقائد فيلق القدس، قاسم سليماني، بحسب الوثيقة المسربة من وزارة الداخلية الإيرانية.

وحضر الاجتماع وفد رفيع المستوى من فيلق القدس، بقيادة أحد نواب سليماني، عرف في الوثيقة باسم أبو حسين، فيما حضره من جانب الإخوان ثلاثة من أبرز قياداتها المصرية في المنفى، وهم: نائب المرشد العام لجماعة الإخوان، والأمين العام للتنظيم الدولي، إبراهيم منير، ومحمود الإبياري، ويوسف ندا.

غير أنّ يوسف ندا أنكر، في مقابلة مع "ذا انترسبت"، حضوره هذا الاجتماع، قائلاً: "لم أحضر مثل هذا الاجتماع في أيّ مكان، ولم أسمع به أبداً".

ويقول الموقع؛ إنّه لم يتمكن من الوصول إلى منير والإبياري للتعليق.

جماعة الإخوان وفيلق القدس يؤكّدون أنّ العدو المشترك لكلّ منهما هو المملكة للسعودية

افتتح وفد الإخوان الاجتماع بالتفاخر بأنّ "الجماعة لديها حضور في 85 دولة على مستوى العالم"، ربما كانت محاولة منهم لمواجهة دعم الحكومة الإيرانية لفيلق القدس، حيث لم تكن لجماعة الإخوان المسلمين في ذلك الوقت قوة وطنية تقف خلفها.

وأكّد وفد الإخوان أنّ هناك بالفعل خلافات بين إيران كرمز، وممثل عن الشيعة والإخوان المسلمين، كممثل للعالم السنّي، لكنّه أكّد أنّه "ينبغي التركيز على أرضية مشتركة للتعاون، وأن العدو "المشترك لكل منهما هو كراهيتهما للملكة العربية السعودية".

بحسب الوثيقة؛ فقد بحث الطرفان إمكانية التعاون بين الحوثيين وجماعة الإخوان المسلمين في اليمن، لتقليل الصراع بينهما وإدارته ناحية السعودية.

في الوقت ذاته، أرادت جماعة المسلمين إحلال السلام في العراق، ووقف الحرب بين الفصائل السنية والشيعية هناك، وإعطاء الفرصة للسنّة للمشاركة في الحكومة.

وحول سوريا؛ أشارت الجماعة إلى أنّ الوضع المعقد "خارج عن سيطرة كلّ من إيران وجماعة الإخوان حالياً، لذلك فإنّه ليس ثمة شيء يمكن فعله حيال ذلك".

ورفضت الجماعة في الاجتماع أيّة مساعدة من إيران بشأن الأحداث في مصر "بالنسبة لقضية مصر، فإننا كجماعة الإخوان غير مستعدين لقبول أيّة مساعدة من إيران للتأثير في الحكومة في مصر"، رغم أنّ الجماعة كانت قد أُزيحت حينها من الحكم واعتُقلت قياداتها في مصر قبل أقل من عام.

ورأت برقية وزارة الداخلية الإيرانية؛ أنّه "رغم السعي الواضح لجماعة الإخوان لتشكيل تحالف، فإنّ الوفد ربما أراد إهانة فيلق القدس بهذا الحديث من خلال التلميح بأن إيران تستخدم القوة في سوريا واليمن والعراق"، وقالوا: إنّ "أعضاء جماعة الإخوان المسلمين دربوا أنفسهم على التحلي بالصبر أكثر من الإيرانيين".

وتأتي هذه المعلومات ضمن وثائق مسربة من أرشيف الاستخبارات الإيرانية، مكونة من 700 صفحة، كتبها ضباط أمن واستخبارات إيرانيون، في الفترة 2014-2015.

وكشفت تلك الوثائق حقائق عن الدور الخفي لإيران في العراق وتعزيز نفوذها والسيطرة على مفاصل الحكم في الدولة الجارة.

 

للمشاركة:

الإمارات تمدّ يد العون لأهالي حضرموت

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-18

سيّرت دولة الإمارات، عبر ذراعها الإنساني "هيئة الهلال الأحمر"، قافلة مساعدات غذائية جديدة إلى أهالي مديرية بروم ميفع، بمحافظة حضرموت اليمنية، استفاد منها 4500 فرد من ذوي الدخل المحدود والأسر المحتاجة، وذلك في إطار جهودها الرامية لرفع المعاناة وتطبيع حياة الأسر التي تعاني أوضاعاً صعبة؛ بسبب الظروف الاقتصادية التي يمرّ بها اليمن.

الإمارات تسيّر قافلة مساعدات غذائية لأهالي حضرموت يستفيد منها 4500 فرد من ذوي الدخل المحدود والأسر المحتاجة

وقامت هيئة الهلال الأحمر الإماراتي بتوزيع 900 سلة غذائية، تزن 72 طناً و720 كيلو غراماً على مناطق: حصاحصة، وانتيشة، والمسيني، وحرو، وظلومة، بالمديرية، ضمن سلسلة من الحملات نفذتها في عموم مناطق حضرموت، ووصلت إلى عدة مناطق نائية، وفق ما أوردت وكالة "وام".

وأعرب المستفيدون عقب تسلمهم المواد الإغاثية، عن شكرهم وتقديرهم لدولة الإمارات، قيادة وحكومة وشعباً، على وقفتها الأخوية معهم في محنتهم، وجهود الإغاثة المتواصلة لأبناء محافظة حضرموت.

يذكر أنّ عدد السلال الغذائية التي تمّ توزيعها منذ بداية عام التسامح، بلغت 33 ألفاً و644 سلة غذائية، بمعدّل "2718 طناً و435.2 كيلو غراماً، استهدفت 168 ألفاً و220 فرداً من الأسر المحتاجة في محافظة حضرموت.

 

 

 

للمشاركة:

غارات روسية في سوريا تخلّف قتلى وجرحى

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-18

شنّت طائرات روسية، أمس، ضربات على مناطق في محافظة إدلب، شمال غرب سوريا، أسفرت عن مقتل 9 مدنيين، على الأقل.

وأفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان؛ بأنّ خمسة مدنيين، بينهم ثلاث مواطنات، قتلوا جراء غارات روسية استهدفت قرية الملاجة في ريف إدلب الجنوبي، بينما قتل 4 آخرون جراء غارات روسية على مخيم عشوائي للنازحين شمال مدينة سراقب.

ضربات شنّتها طائرات روسية في محافظة إدلب في شمال غرب سوريا تقتل 9 مدنيين

ورجّح المرصد ارتفاع حصيلة القتلى نظراً لوجود جرحى "في حالات خطرة".

وتسيطر هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقاً) على الجزء الأكبر من محافظة إدلب، حيث تنشط فصائل أخرى معارضة وإسلامية أقل نفوذاً، ويعيش في إدلب، مع أجزاء من محافظات مجاورة، نحو 3 ملايين نسمة، نصفهم نازحون من مناطق أخرى.

وفي نهاية نيسان (أبريل) الماضي؛ بدأت قوات النظام السوري، بدعم روسي، عملية عسكرية سيطرت بموجبها على مناطق عدة في ريف إدلب الجنوبي، وريف حماه الشمالي المجاور، قبل أن يتم التوصل إلى وقف لإطلاق النار برعاية روسية – تركية، في نهاية آب (أغسطس) الماضي.

ورغم وقف إطلاق النار، تتعرض المنطقة بين الحين والآخر لغارات سورية وأخرى روسية، تكثفت وتيرتها مؤخراً، وقد تسببت بمقتل 110 مدنيين، منذ الاتفاق الروسي – التركي.

 

 

للمشاركة:



خلافات "التحالف" أكبر من تسلّم "الدواعش"

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-18

عبد الوهاب بدرخان

أخيراً وبعد خلافات عكسها الإعلام اجتمع وزراء خارجية دول «التحالف الدولي ضد الإرهاب» قبل أيام في واشنطن، وعلى غير العادة ظهرت الخلافات ولم يعتّم عليها ولم تكن مسألة استرداد مقاتلي «داعش» الأجانب وأفراد عائلاتهم، سوى الجانب الظاهر منها. أما الجوانب الأخرى للخلاف فبقيت بعيدة عن الأضواء، لكنها استحقّت إشارة من الأمين العام لحلف شمال الأطلسي «ينس ستولتنبرغ»، كذلك من منسّق مكافحة الإرهاب في الخارجية الأميركية «ناثان سيلز»، فكلاهما وصف الوضع في سوريا بأنه لا يزال «هشّاً وصعباً» ويمكن «أن يتغير بلمح البصر». فعلامَ الخلاف إذاً؟ إنه على تقلّبات المواقف الأميركية وعدم وجود تقويم مشترك لمستوى الخطورة التي يواصل تنظيم «داعش» تشكيلها رغم هزيمته وزوال «دولته». لذلك بدت الكلمة الافتتاحية للوزير «مايك بومبيو» عليمةً بمآخذ الحلفاء ومحاولةً الردّ عليها، وإذ تجاهل الجدل حول «الانسحاب الأميركي»، فإنه حرص على تأكيد أن الولايات المتحدة مستمرّة في «قيادة المعركة»، وأن الهدف هو منع التنظيم من استعادة قوّته.
والواقع أن هذا الخطر قائم إذا أوقف «التحالف» حربه أو قلّص من قدراتها، تحديداً بسبب تأخّر الحلّ النهائي للأزمة السورية، ذاك أن آلاف «الدواعش» الذين لم يؤسروا يتوزّعون في مناطق شمال سوريا، خصوصاً في إدلب، ويمكن أن يشكّلوا نواةً لظهور «داعش» التالي. ويبدو أن أجنحة الإدارة في واشنطن استطاعت التوصل إلى صيغة في شأن إعادة الانتشار في شمال سوريا، وبالتالي إقناع الرئيس دونالد ترامب الذي تولّى تسويقها على النحو الذي يريده. فهو حدّد لبقاء نحو ستمئة عسكري هناك مهمة «حماية حقول النفط» وتمكين الأكراد من التموّل باستخدام مواردها، لكنهم يتمركزون في منطقة مفصلية متواصلة مع العراق لمتابعة الضغط على فلول «داعش» ومراقبة تحركات الإيرانيين وميليشياتهم بالقرب من الحدود مع سوريا. لم يشر هذا الترتيب إلى مصير مشاركة دول غربية كفرنسا وبريطانيا في «التحالف» وعناصرها القليلة المنتشرة في تلك المنطقة ولم يُعلن عن انسحابها.
كان أعضاء كثيرون في «التحالف» يريدون مناقشة العملية التركية في شمال سوريا والمخاطر التي تسبّبت بها لـ «الحرب على داعش». والأكيد أن لدى أعضاء «الناتو» الأوروبيين وشركاء عرب في «التحالف» علامات استفهام كثيرة عن مغزى الاتفاقين المنفصلين بين أنقرة وكلٍّ من واشنطن وموسكو، إذ أن نصوصهما المعروفة لم تتبنَّ تزكية مكتوبة لـ «محاربة الإرهاب» كما تقدمها تركيا كهدفٍ معلنٍ ضد الأكراد. لم يتّضح ما إذا كان اجتماع واشنطن استطاع تبديد غموض السياق الذي وُضع التدخّل التركي فيه، أهو مراعاة لضرورات الأمن القومي التركي، أم توسيع مدروس للنفوذ التركي ولتوظيفه لاحقاً في سوريا، أم أن تركيا تستغلّ التنافس الأميركي - الروسي على موقعها؟ في أي حال، يرى الحلفاء والشركاء أن واشنطن لا تبدو مهتمّة بالجوانب المقلقة في السلوك التركي.
ليست مفهومة تماماً أسباب رفض الدول تسلّم «الدواعش» الذين يحملون جنسيتها أو سحبت منهم. فثمة مصيرٌ يجب أن يُرسم لهؤلاء ولنسائهم وأطفالهم، ولعل دولهم حسبت أنهم لن يعودوا أبداً وأن الحرب ستتكفّل بهم، فما العمل الآن وقد نجوا من الموت. الضغط لإبقائهم في العراق أو عند أكراد سوريا ليس خياراً، وقد عرض بعض الدول كفرنسا دفع مساهمة مالية في تكاليف محاكماتهم واحتجازهم «الدائم»، لكن الأعباء والإشكاليات أكبر من أن تُعالج بهذه الطريقة، خصوصاً بالنسبة إلى الأكراد. كانت واشنطن الأكثر إلحاحاً على حلّ هذه المعضلة، ومع أن عدد رعاياها الراغبين في العودة قليل إلا أنها لم تقدّم نموذجاً في سرعة استردادهم. بدهي أن التعقيدات القانونية للمشكلة كثيرة، وكان يفترض أن تستبقها الدول بالتشاور لوضع الحلول المناسبة.
عندما قاربت المعارك ضد «داعش» نهايتها سارعت الدول إلى التنسيق في ما بينها لإجلاء عملائها الذين أرسلوا لاختراق التنظيم استخبارياً، وها هي تتلكأ الآن في تسلّم المقاتلين وتجازف بجعلهم «قنبلة موقوتة» تستولد الجيل التالي من «داعش». لم ينسَ أحد أن هذا التنظيم ولد عملياً في سجون العراق. قد يكون هذا الهاجس دفع أنقرة إلى حسم الجدل والبدء بترحيل الأجانب المعتقلين لديها إلى دولهم غير الراغبة بعودتهم لكن المضطرّة للتعامل مع الأمر الواقع. روسيا وحدها مهتمّة ومتعجّلة لتسلّم الذين هم من تابعيتها أو من الدول التابعة لها ولا تتعذّر بـ «صعوبات» في محاكمتهم والحكم عليهم.

عن "الاتحاد" الإماراتية

للمشاركة:

وثائق إيرانية سرية تكشف هيمنة طهران على بغداد بهذه الطريقة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-18

أحمد هاشم

قالت صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية إن مئات الوثائق الاستخباراتية الإيرانية المسربة كشفت عن سعي طهران الحثيث للاستحواذ على السلطة في بغداد عبر تجنيد مسؤولين عراقيين.

وذكرت الصحيفة أن تحقيقا استقصائيا أجرته الصحيفة بالتعاون مع موقع "إنترسبت" الأمريكي، أظهر أن طهران جندت مسؤولين عراقيين، وأن رئيس الوزراء العراقي عادل عبدالمهدي يرتبط بالسلطات الإيرانية.

وأشارت الصحيفة إلى أنه في منتصف أكتوبر/تشرين الأول الماضي ومع تصاعد الاضطرابات في بغداد، تسلل "زائر مألوف" خلسة إلى العاصمة العراقية المحاصرة منذ أسابيع، حيث خرج المتظاهرون إلى الشوارع، مطالبين بوضع حد للفساد والدعوة إلى الإطاحة بعبدالمهدي، كما نددوا بالنفوذ الهائل لجارتهم إيران في السياسة العراقية، وحرقوا الأعلام الإيرانية وهاجموا قنصليتها.

وأوضحت أن هذا الزائر هو اللواء قاسم سليماني، قائد "فيلق القدس" الإيراني الذي جاء لاستعادة النظام، لكن وجوده سلط الضوء على أكبر مظالم للمتظاهرين، وقد جاء لإقناع حلفاء إيران في البرلمان العراقي بمساعدة رئيس الوزراء على الاحتفاظ بمنصبه.

ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي يُرسل فيها الجنرال سليماني إلى بغداد لمحاولة السيطرة على الوضع، وفقا للصحيفة، التي لفتت إلى أن جهود طهران لدعم عبدالمهدي تعد جزءا من حملتها الطويلة للحفاظ على العراق كدولة خاضعة طيعة.

وأوضحت أن الوثائق الإيرانية المسربة تقدم صورة مفصلة حول محاولات طهران المستميتة لترسيخ نفسها في الشؤون العراقية، والدور الفريد الذي يضطلع به الجنرال سليماني.

ونوهت بأن الوثائق كانت ضمن أرشيف برقيات استخباراتية إيرانية سرية حصل عليها "ذا إنترسبت"، وشاركها مع صحيفة "نيويورك تايمز"، لإعداد هذا التقرير الذي نشرته كلتا المؤسستين الإخباريتين في وقت واحد.

وتكشف التسريبات غير المسبوقة عن نفوذ طهران الهائل في العراق، وتوضح بالتفصيل سنوات من العمل الشاق الذي قام به الجواسيس الإيرانيون لتجنيد قادة البلاد، ودفع رواتب وكلاء عراقيين يعملون لصالح الأمريكيين لتغيير مواقفهم والتسلل إلى كل جانب من جوانب الحياة السياسية والاقتصادية والدينية في العراق.

وأوضحت التسريبات أن مصادر المعلومات كانوا يختبئون في مطار بغداد يلتقطون صورا للجنود الأمريكيين ويراقبون الرحلات الجوية العسكرية للتحالف، وكان العملاء يمشون في طرق متعرجة لحضور الاجتماعات للتهرب من المراقبة، بينما تغدق عليهم هدايا من الفستق والكولونيا والزعفران، وتقدم رشاوى للمسؤولين العراقيين، إذا لزم الأمر.

كما يحتوي الأرشيف على تقارير نفقات من ضباط وزارة الاستخبارات في العراق، بما في ذلك تقرير بلغ إجماليه 87.5 يورو تم إنفاقه على هدايا لقائد كردي.

كما تظهر إحدى البرقيات الاستخباراتية الإيرانية أن رئيس الوزراء عبدالمهدي، الذي عمل في المنفى عن كثب مع إيران في عهد الرئيس الراحل صدام حسين، كانت له "علاقة خاصة مع إيران"، عندما كان وزير النفط بالعراق في عام 2014.

وتعطي البرقيات المسربة نظرة استثنائية داخل النظام الإيراني السري؛ حيث توضح بالتفصيل إلى أي مدى سقط العراق تحت النفوذ الإيراني منذ الغزو الأمريكي عام 2003، الذي حول العراق إلى مدخل للنفوذ الإيرانية.

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:

هل يسعى أردوغان لتأسيس حزب جديد يعمل من تحت عباءته؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-18

جتين غورر

لم يعد من الأهمية بمكان الاجتهاد لشرح التطورات، التي تجري في تركيا في الوقت الراهن، أو فهمها أو التعليق عليها باستخدام قواعد الاستنباط العقلي المعتادة. والسبب في هذا أن تلك القواعد لم تعد صالحة منذ فترة طويلة للحكم على تلك الأحداث.
والواقع أن التحليلات، التي ظللنا، لفترة طويلة، نقوم بها حول التطورات التي تحدث داخل حزب العدالة والتنمية، هي أيضاً من هذا النوع الذي بات من الصعب تفسيره بتحليلاتنا المعتادة.
تحدثنا، فيما سبق، عن النواب الذين انفصلوا عن حزب العدالة والتنمية، والأعضاء الذين استقالوا أو فقدوا أماكنهم داخل الحزب، بعد أن تبوأوا مكانة عالية داخل الحزب؛ بسبب انتقادهم سياسة الحزب، وليس حال عبد الرحمن ديليباك، وخروجه غير المتوقع من الحزب عنا ببعيد.
تناولنا كذلك الصراع المحتدم داخل الحزب، بين وزير الداخلية التركي سليمان صويلو ووزير المالية وصهر أردوغان بيرات البيرق. وأخيراً كان موضوع الحزب الجديد، الذين يسعى كلّ من داود أوغلو وباباجان لتأسيسه. نظرنا، نحن جبهة المعارضة، إلى هذه التطورات بشكل مُجمل، باعتبارها مؤشرات على بداية تصدع فاشية حكم أردوغان، إيذاناً بانهياره.
ولكن ماذا إذا كانت كل هذه التطورات، التي نشهدها في الفترة الراهنة، تدور في إطار خطة محكمة، وضعها أردوغان وحزبه بشكل يذكرنا برواية "1984"، وهي رواية ديستوبية (أدب المدينة الفاسدة أو عالم الواقع المرير) للروائي الإنجليزي جورج أورويل، التي تحكي عن "الأخ الكبير"، الذي يحكم سيطرته ورقابته على كل شيء، وبالتالي يمكننا القول، استناداً إلى هذه الفرضية، إن مساعي باباجان وداود أوغلو لتشكيل حزب جديد لا تتم، هي الأخرى، بعيداً عن أردوغان، بل لا نبالغ إذا قلنا إنها تجري بموافقته، وتحت إشرافه شخصيًا.  والواقع أنه، وإن كان أمر كهذا غير وارد من الناحية المنطقية، فإننا لا نستبعد وقوعه في إطار أحداث رواية ديستوبية كالتي تحدثتُ عنها قبل قليل.
يزخر التاريخ السياسي لتركيا، منذ قيام الجمهورية وإلى الآن، بالكثير من النماذج على "إنشاء حزب جديد"، سواء أكان ذلك استناداً لخطة جرى الإعداد لها سلفاً أم نتيجة لانفصال عن حزب آخر بسبب وجود صراعات وصدامات داخل هذا الحزب. وهناك العديد من الأمثلة الدالة على ذلك؛ أذكر منها تأسيس الحزب الجمهوري الحر، والصدام بين مسعود يلماز وأركان مومجو داخل حزب الوطن الأم، وتفكك حزب اليسار الديموقراطي عام 2000، والانقسام الذي أصاب حزب الحركة القومية بعد ألب أرسلان تُركَش، وظهور الحزب الصالح مؤخراً، ومولد حزب العدالة والتنمية نفسه بعد انفصال أردوغان عن  حركة الرأي الوطني...
وباستثناء الأحزاب، التي تمّ التخطيط لإنشائها، لم تكن الانقسامات والصدامات والصراعات، التي أدت إلى ظهور أحزاب جديدة، تجري في الخفاء أو بدون إثارة ضجة داخل الحزب أو في الساحة السياسية في تركيا؛ الأمر الذي جعل "الصراعات السياسية" داخل الأحزاب التركية سمة أساسية للثقافة السياسية في تركيا. ومن ناحية أخرى، يمكننا القول إن تركيا لم تشهد، في أي وقت من الأوقات، قيام حزب جديد بعد "انفصال مدني" عن حزب آخر، وإنما، دائماً، ما ارتبط تأسيس الأحزاب الجديدة بصراعات وصدامات داخل الحزب الأم.
لقد قرأ المواطنون ظهور داود أوغلو أثناء عبوره من فوق أحد الكباري في إسطنبول، ورؤيته بالمصادفة أحد المواطنين، وهو يحاول الانتحار من فوق هذا الكوبري، ونجاحه، بعد ذلك، في إقناع هذا المواطن بالعدول عن هذا الأمر، بأن هناك حزباً جديداً في سبيله للظهور على الساحة السياسية، وأن هذا الحزب هو الذي سينقذ تركيا بكاملها من الانتحار، وأن داود أوغلو سيصبح الزعيم لهذا الحزب الجديد. ولكن ما حدث أنه مرّ الآن وقت طويل على هذه الواقعة تخلله الكثير من الأحداث، ولم نرَ تركيا، وهي تتراجع بعيداً عن حافة الانتحار، ولم نشهد كذلك ظهور الحزب الذي كثر الحديث عنه.
كذلك مرّ وقت طويل على الزيارة المفاجئة، التي قام بها كل من رئيس الأركان التركي ورئيس جهاز الاستخبارات، بإحدى الطائرات العمودية، إلى عبد الله غول، وناقشا خلالها مع الأخير ما يتردد عن تحالفه مع علي باباجان، وسعيهما لتأسيس حزب سياسي جديد. ولكن ماذا حدث بعد هذا أيضاً ؟ لم يقم أي من عبدالله غول أو باباجان بتشكيل حزبهما الجديد حتى الآن.
سؤالي أيضاً: هل سيفضل أردوغان وأي شخص أو هيكل يحكم تركيا لسنوات طويلة من خلال حزب تعسفي "ديستوبي" مثل حزب العدالة والتنمية أن يلتزم الهدوء، وينظر بود إلى تحركات كوادر وشخصيات من حزبه ظلت تشغل لسنوات مناصب وزارية، أو حتى شغلت منصب رئيس الوزراء قبل ذلك، وهي تنفصل عن الحزب، بل وتحاول استمالة الكتلة التصويتية الخاصة به إلى جانبها؟ هل يستقيم في ذهن أحد أن أردوغان، الذي تدخل من أجل استصدار قرار من المحكمة في إحدى مدن ولاية سيواس لمنع حدوث انقسامات حزب الحركة القومية، ومنع عقد الاجتماع الطارئ لحزب الحركة القومية سيكتفي بدور المتفرج، وهو يتابع الكوادر، التي تنفصل عن حزبه الواحد تلو الآخر، وسعيها لإنشاء حزب سياسي جديد؟
في رأيي، إن أردوغان، الذي صعد إلى السلطة من قبل بعد الانفصال عن حزب سياسي آخر، وليس عن طريق الاتحاد بين ذلك الحزب وحزب آخر، لن يرضى بدور المتفرج، ولن يبقى مكتوف الأيدي، وهو يرى حالة الانقسام والصراعات التي تجتاح حزبه في الوقت الراهن.
أي انفصال هذا الذي يتحدثون عنه وداود أوغلو وعلي باباجان، اللذان استقالا من حزب العدالة والتنمية، ومن المفترض أنهما يستعدان لتأسيس حزبهما الجديد، لم يتوقفا عن لقاء أردوغان في السر والعلن ويطلبان منه المشورة.
قرأتُ بالأمس أيضاً خبراً يتحدث عن أن أردوغان طلب مقابلة باباجان والاجتماع معه. والواقع أن هذه المقابلة لم تتم، ليس لسبب آخر سوى أن أردوغان نفسه لم يرد الالتقاء بباباجان قبل رحلته إلى أميركا، والاستماع إلى آرائه ومقترحاته بشأن هذه الزيارة، وأن كل ما في الأمر أنه ربما أراد أن يبعث إليه برسالة تحذير مفادها "لا أريد أية مفاجآت في أثناء غيابي عن تركيا".
من ناحية أخرى، لم نسمع عن أي صراع أو صدام مباشر بين أردوغان من ناحية، وداود أوغلو وعلي باباجان من ناحية أخرى، على الرغم من أننا نشهد فترة لا يستطيع المجتمع أو الساحة السياسية التركية التقاط أنفاسهما من حدّة التوترات بها، بل وعلى العكس من ذلك تماماً جرت عملية الانفصال بشكل متحضر للغاية، ودون أي تحدٍ من جانب أي من الطرفين. والوقع أن هذا الاحترام المتبادل قد يكون أمراً محموداً يحسدون عليه في ظل الظروف العادية، وليس في فترة كالتي نعيشها الآن؛ حيث ازدادت أعمال العنف، وسقطت البلاد في مستنقع الحرب والموت والفقر والجوع؛ مما أدى لارتفاع نسبة الانتحار بين المواطنين بشكل غير مسبوق.
لقد بثت القناة التليفزيونية الألمانية-الفرنسية ARTE ، الأسبوع الماضي، فيلمًا وثائقيًا رائعًا نال اهتماماً كبيراً من جانب المُشاهِد الأجنبي. تناول الفيلم وجه الشبه بين أردوغان ومؤسس الجمهورية التركية مصطفى كمال أتاتورك، وكيف أن أردوغان يعتبر المؤسس الثاني لتركيا، وهو موضوع ألِف المشاهد التركي الحديث عنه.
ولكن عند النظر إلى حقيقة أن أتاتورك هو الذي أسس الحزب الجمهوري الحر بيده، عندئذ تصبح فرضية أن أردوغان، الذي يسعى اليوم كي يصبح أتاتورك الثاني في تركيا، يخطط الأن لإنشاء حزب بأيدي داود أوغلو وباباجان يصبح أكثر "ليبرالية" مما كان عليه حزب العدالة والتنمية عند تأسيسه، فرضيةً أكثر منطقيةً وتوافقاً مع الدور الذي يؤديه الآن.
السؤال الآن: لماذا يحتاج أردوغان إلى حزب جديد يعمل من تحت عباءته، وكيف سيلبي ذلك الحزب تطلعات أردوغان خلال الفترة المقبلة؟
لا شك أن وجود هذا الحزب الجديد سيضعف، بشكل كبير، الجبهة المعارضة لأردوغان وحزب العدالة والتنمية، وللنظام الرئاسي ككل. ومع هذا، تبقى فرضية أن هذا الحزب قد لا ينضم إلى جبهة المعارضة من الأساس، ويفضل الدخول في شراكة مع السلطة إذا اقتضى الأمر. وبالتالي من الممكن أن يؤدي دوراً مهماً في اتجاه تعزيز سلطة أردوغان والنظام الرئاسي بصفة عامة وترسيخها؛ مما يعني أن أعضاء هذا الحزب قد يرتدون نفس القميص الذي يرتديه المنتمون لحزب العدالة والتنمية. وبالتالي ينجح أردوغان في تحقيق ما لم يقدر عليه بالصراع مع الأحزاب الأخرى أو عن طريق الانتخابات.
في رأيي، إن أردوغان يفضل، في سعيه لترسيخ سلطته في تركيا، تكليف أي حزب أو قوة أخرى بمهمة تفكيك الأحزاب الائتلافية مثل حزب الشعب الجمهوري عن طريق اجتذاب "الديمقراطيين"، الذين لم يجدوا أمامهم خيارات مناسبة في الماضي سوى التصويت لحزب الشعب الجمهوري أو لغيره من الأحزاب الديمقراطية اليسارية الصغيرة الأخرى، وتوجيهها، إلى التصويت لداود أوغلو وباباجان، بدلاً من محاولته، عن طريق حزب العدالة والتنمية، استرداد أصوات الليبراليين والمحافظين والأكراد، الذين كانوا يدعمونه ويدعمون حزبه في السابق، أو السعي لاستمالة بعض الأصوات من حزب  الشعب الجمهوري أو حزب السعادة.
ويرى أردوغان كذلك أن ظهور الحزب الجديد، الذي سيعمل بتوجيهاته بطبيعة الحال، سيعمل على تهميش مطلب أحزاب مثل حزب الشعب الجمهوري والحزب الصالح وحزب السعادة، بإعادة العمل بـِ "النظام البرلماني" من جديد، وإضعاف أصواتهم، والقضاء على أية محاولة لانتقاد النظام الرئاسي، ووصف أردوغان بأنه "ديكتاتور" أو "مجرم حرب"؛ مما يسهم في تقوية نفوذه بالداخل.
وكان من الطبيعي أن يلتزم أردوغان الصمت، وألا يعلق على إنشاء الحزب الجديد، الذي سيؤدي هذا الدور الحيوي بتوجيه منه، بل سيمنحه بعض النواب داخل البرلمان. وفي رأيي، إن أمراً كهذا لا يدعو إلى الطمأنينة، ولا يبعث على الأمل بأي حالٍ من الأحوال، وآمل أن أكون مخطئًا، وأن تكون الأغلبية محقة في تصورها للوضع، بعيداً عن هذه الفرضية ...

عن "أحوال" التركية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية