كيف وظّف الخطاب السياسي العربي الدين والبلاغة؟

1749
عدد القراءات

2018-08-07

حرص الإنسان، منذ أول الخليقة، على تسجيل مآثره ومفاخره، وأفراحه وأتراحه، كي يطّلع عليها من يأتي بعده، فقد يجد فيها ما يفيده، وكانت اللغة أداة أساسية من أدوات الإنسان في تحقيق هذه الغاية، ومع تكرار هذا الفعل، صارت اللغة مؤثرة في الممارسة السياسية بدرجة لا تقل أهمية عمّا يجلبه لها المال والعصبية والموارد الطبيعية.

ربما لهذا، لم تنتصر، عبر التاريخ، رؤية الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حين نادي بالتخلص من أهل البلاغة، وإحلال الفلاسفة محلهم، في محاولة منه للتصدي للسفسطائيين، الذين استعملوا اللغة بإفراط في تضليل الناس وخداعهم، وإقناعهم بأمور غير أخلاقية ونسبية، بغية الاستحواذ على السلطة؛ فأفلاطون لم يراعِ تلك الفروق الجوهرية بين البلاغة التي تحلّ بالخطاب السياسي العام، وتلك التي يلجأ إليها الخطباء، دون نزوع إلى التضليل، وبين خطاب السفسطائيين القائم على تكريس المغالطات ونشرها على نطاق واسع. لكن رؤية أفلاطون تمت هزيمتها؛ إذ صارت "الصناعة اللغوية أسّاً من أسس المعمار تتشيد عليه إستراتيجية الخطاب السياسي، ويعلو به صرح الفعل الإجرائي؛ لأنّها الجسر الذي تتهيأ عليه آليات التخييل، وبهذا سيكون من الغباء أن نعزل سلطة السياسة عن سلطة اللغة" حسبما يقول الدكتور عبد السلام المسدي.

الخطابة السياسية لا تستقيم  دون توظيف اللغة بغضّ النظر عن درجة البلاغة وتكون غايتها إقناع الجمهور والتأثير فيه

فلا يمكن أن تستقيم الخطابة السياسية دون توظيف اللغة، بغضّ النظر عن درجة البلاغة المتوخاة، وتكون غايتها إقناع الجمهور والتأثير فيه، ولذا لا مناص من الانشغال بطرائق تحقيق هذه الغاية وأساليبها، لا سيما في خطب السياسيين، ليصبح من الضروري أن نعرف من الذي يكتب خطب الحاكم؟ وما طقوس كتابتها؟ وما أشكال الجدل الذي كان يوجد بين أفكار هؤلاء الكتّاب ومعتقداتهم ومصالحهم وأفكار الحاكم ومعتقداته ومصالحه؟ وما الدور الذي مارسته هذه الخطب في الحياة السياسية؟ وهل اعتمدت على المجازات أم الحقائق؟ وكيف وظفت المجاز، خاصة الاستعارة، في الدعاية والإقناع وخدمة الحقيقة إن وجدت؟ وما مدى تجاوب الجمهور معها؟

اقرأ أيضاً: تأثير الشعر العربي القديم في خطاب "الجماعات الدينية" المتطرفة

وهناك دراسات عدة ذهبت في طريق الإجابة عن هذه التساؤلات؛ منها في حياتنا العربية تلك التي أعدها د. عماد عبد اللطيف عن "إستراتيجيات الإقناع والتأثير في الخطاب السياسي"، وحلل فيها نماذج من خطب الرئيس المصري الراحل أنور السادات، لاسيما استعاراته المفهومية عن "العائلة المصرية" التي أعلن من نفسه كبيراً لها، واستعاراته التي ضاهى فيها بين زمن الجاهلية قبل الإسلام، وعهد ما قبل تموز (يوليو) 1952 في مصر، والتي ظهرت فيها أحزاب ما قبل يوليو، على أنّها كانت وحوشاً مفترسة، وأشباحاً كريهة، علاوة على توظيفه المفاهيم والتصورات الدينية في خطابه السياسي، بغية خدمة التحولات الأيديولوجية التي كانت تنزع مصر تدريجياً عن الاشتراكية التي طبقها سلفه جمال عبد الناصر. وقد تكررت مثل هذه الاستعارة التي تسحب الرؤى الدينية بتاريخيتها الحاضرة في الواقع إلى عالم السياسة، في خطابات كثيرة من الساسة العرب.

اقرأ أيضاً: الإقناع في الخطاب السياسي البليغ للمتطرفين والمستبدين

وهناك دراسة للدكتور وليد عبد الحي، وزّع فيها الخطاب السياسي على عدة ألوان، هي: الأكاديمي التعليمي، وهو إن كان يعرض نفسه بوصفه خطاباً محايداً نزيهاً، فإنه لا يخلو من استعارات وصور مغرضة، فحين يقول باحث: "كارل ماركس يهودي"، فإنّه قد يرمي إلى صناعة صورة أبعد من مجرد التعريف بماركس إلى جعل ذهن المتلقي ينصرف إلى كل ما تحمله الصورة الذهنية لليهود، سيما عند المختلفين معهم، وتسحبها على ماركس وفكره. والإصرار على تثبيت اصطلاح "الشرق" لا يعني وصفاً جغرافياً محايداً، إنما هو محمَّل بإستراتيجيات وأيديولوجيات، أقلّها التعمية على اختيار العرب لتسمية بلادهم إجمالاً بـ "الوطن العربي" أو "الأمة العربية"، وعلى الأقل "العالم العربي"، وهناك الخطاب السياسي الجماهيري، الذي ينطوي على نصّ تحريضي دعائي، وقد يكون خطبة أو خبراً أو شعاراً أو أغنية أو طرفة، يسعى إلى أداء وظيفة ما بحسب قصد منتجه، وفي هذا اللون من الخطاب تنتعش المجازات وتؤدي وظائفها في الجذب والإغراء والإقناع.

يلعب المجاز دوراً بارزاً في الخطاب السياسي وتحضر كل أشكاله لتؤدي وظائف مهمة في صناعة المعنى والإقناع

ويوجد الخطاب التنظيري الأيديولوجي؛ الذي ينتجه مفكرون وفلاسفة، وتروّجه هيئات ومنظمات سياسية؛ كالأحزاب وجماعات المصالح، وجماعات الضغط، والحركات الاجتماعية، وهو يوظف المجاز أيضاً.

وقد انطلقت هذه الدراسة من ثلاثة أمور:

الأول؛ هو الإقرار بوجود علاقة بين إنتاج الخطاب السياسي في مجتمع، ودرجة تطوره، ومكوناته الثقافية في لحظة ما. والثاني؛ ميل الجزء الأغلب من الخطاب السياسي نحو الذرائعية. والثالث؛ يرتبط بوقوع الخطاب السياسي ضمن نظام أيديولوجي أكبر، ليمثل الجزء الظاهر منه، فيما تمثل الممارسة الجزء المستتر. وقد أنهى الباحث دراسته قائلاً: "أتمسّك بداية بفرضيتي بأنّ الخطاب السياسي العربي خطاب "ميتافيزيقي" بالمعنى الكانتي للمفهوم، أي خطاب يقارب موضوعه بالتصور المجرد، إنّ الخطاب السياسي العربي المعاصر يكبت الفعل لصالح القول، وتخالجني رغبة في الاتكاء على التحدي القرآني: {فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ}(الطور-34)، {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ}(يونس -38)، {فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ}(هود-13)، فلِمَ لم يذهب التأويل لفهم السورة على أنها" الفعل لا القول"؟

اقرأ أيضاً: ساري حنفي: معظم الأحزاب العربية تعاني الانفصام بين الخطاب والممارسة

إنّ انحياز الخطاب للقول على حساب اللفظ، جعله معنياً بتحقيق سلاسل مترابطة من المصالحات الذهنية، لكنه غير معني بالإجراء، مما جعل الخطاب كمن حفظ بكل دقة خطوات السباحة دون أن تلمس قدماه الماء".

وتوجد دراسة كرستينا شتوك، الباحثة في مجال الدراسات الإسلامية في جامعة لايبزيج، التي عنونتها بـ "اللغة كوسيلة للسلطة: إستراتيجيات البلاغة العربية السياسية في القرن العشرين"، وحللت فيها، عبر مقارنة عملية عميقة، خطابات عبد الناصر وصدام حسين، راصدة آليات توظيف الرطانة اللغوية في فرض توجهات السلطة وسياستها، وانتهت إلى أنّ اللغة العربية تملك تأثيراً عاطفياً خاصاً، وأنها بالنسبة إلى العرب، في بلاغتها، تعدّ الفنّ الذي يحظى بأكبر قدر من الإعجاب والتقدير، نظراً إلى أنّه لم يظهر لديهم فنّ رسم رفيع بسبب محظورات دينية, ولا فنّ نحت راقٍ متميز للمحظورات نفسها؛ لذا اتكأ الإبداع الفني على رسم ونحت جماليات لغوية بديعة ذات تأثير فعّال، مستفيدة من الوضع المقدس للعربية، بوصفها لغة القرآن الكريم، لتصنع سلطانها الخاص، لاسيما في ظلّ استعانتها بالحجج اللغوية والقيمية والتاريخية دوماً؛ لجذب انتباه الجماهير، وكسب تعاطفهم، وإخلاصها لتقسيم البلاغة، الذي قدمه السكاكي في كتابه: "مفتاح العلوم"، إلى ثلاثة فروع: علم المعاني وعلم البيان وعلم البديع، ولهذا صار الخطاب السياسي العربي الحديث مشبعاً بألوان من الإيجاز والإطناب والخبر والإنشاء والمجاز والتشبيه والطباق والميل إلى التكرار والتعقيد، وتفضيل الرموز وضرب الأمثلة، وتوظيف الحكم، وعقد المقارنات بين ما يجري الآن وما وقع في التاريخ الإسلامي، بينما يندر استعمال التلميح والجناس، رغم تأثيرهما الكبير في المستمعين.

هناك فارق بين خطاب سياسي فصيح يوظف الأساليب البلاغية بوعي وآخر غارق في الرطانة والصوت الزاعق

في خاتمة المطاف؛ يلعب المجاز دوراً بارزاً في فصاحة الخطاب السياسي، حيث تحضر كل ألوانه وأشكاله فيه، لتؤدي وظائف مهمة في صناعة المعنى، وجلب الإقناع، فالجمهور ينتظر من الساسة -إلى جانب الحقائق التي قد تعبّر عنها الوقائع والأرقام- أن يمتلكوا فصاحة في الإلقاء، أفرط "فنّ الخطابة" في تبيان جوانبها، لكنهم ينفرون منهم إن لم يكن لديهم سوى الكلام المرصع، والرطانة الجوفاء.

فهناك فارق بين خطاب سياسي فصيح يوظف بوعي الأساليب البلاغية من استعارات وكنايات وتوريات، ويعرف بدقة وقت الإظهار والإضمار، وخطاب آخر غارق في الرطانة، التي تبني تلاً من الكلمات ذات الإيقاع الصاخب، يظن معه صاحبه أنه قد ملك الآذان والأفهام، ثم لا تلبث أن تتهاوى صريعة؛ لأنها تبدو لدى السامعين مجرد مبالغة، تزعم ما يخالف الحقيقة بغية المخاتلة والخداع أو مداراة عيب لدى منتج الخطاب، الذي يظنّ، أو يتوهّم، أنّ الصوت الزاعق بوسعه أن يداري أوجه القصور.

اقرأ أيضاً: خطابات أردوغان النارية للاستهلاك المحلي فقط!

اقرأ المزيد...

الوسوم: