كيف يستغل داعش الإسلام ليضع قدمه في أمريكا اللاتينية؟

كيف يستغل داعش الإسلام ليضع قدمه في أمريكا اللاتينية؟

مشاهدة

12/07/2021

ترجمة: علي نوار

لا يعرف الإرهاب العالمي أيّ حدود، ويبحث دوماً عن اقتصادات أو مجتمعات نامية كي يكثّف فيها عملية اجتذاب المقاتلين الجُدد، بالتوازي مع التّنقيب عن مقاتلين في الدول الأكثر تقدّماً، ما يجعل هذه الظاهرة ذات خطر مُتعّدد الجوانب، إلّا أنّ هناك منطقة على سطح هذا الكوكب تثير الدهشة، ألا وهي أمريكا الجنوبية والوسطى، التي تتوافر فيها العديد من العوامل المواتية والكافية لجعلها تربة خصبة للفكر الجهادي، لكنّها تقاوم ذلك.

تظهر دراسات أجراها "مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية" إلى ارتفاع أعداد المتحوّلين إلى الإسلام، إثر هجمات 11 سبتمبر، سواء في الولايات المتحدة أو أمريكا اللاتينية

ويطرح وصول الإسلام إلى هذه المنطقة تساؤلات عدّة حول منشأه، وتوجد بالفعل أكثر من فرضية في هذا الصدد، على أنّ السؤال لم يعد يركّز على مصدره؛ بل حول سبب أنّ هذا الإقليم هو الوحيد الذي لم يستفحل ويستوطن فيه الفكر الإسلاموي الأصولي.

لقد حظيت ظاهرة الجهاد العالمي، منذ هجمات 11 سبتمبر، عام 2001، في نيويورك، ثم اعتداءات مدريد ولندن، باهتمام وحضور كبيرين في جميع أرجاء العالم، عدا وسط وجنوب القارة اللاتينية. المنطقة التي تصل فيها الجريمة إلى أعلى طبقات السُلطة، بينما لا يجد عنف الإرهاب الجهادي موطئ قدم له ولا زخماً كافياً لتغلغله.

الإسلام في أمريكا اللاتينية

تُعدّ الأديان أحد المكوّنات الرئيسة في الحياة الاجتماعية والثقافية بالنسبة إلى شعوب أمريكا اللاتينية، ونتيجة لتأثير الاستعمار، أصبح المذهب الكاثوليكي من المسيحية هو المعتقد المهيمن؛ حيث يدين به 95.1% من سكان المنطقة، وثلثي إجمالي المسيحيين على مستوى العالم.

وعلى مدار التاريخ، احتضنت أمريكا اللاتينية تيارات دينية مختلفة، نجحت تيارات كثيرة منها في الانتشار والاستقرار وأنتجت مجتمعات دينية، أمّا في حالة الإسلام، ورُغم أنّه أحد الأديان الأكثر انتشاراً على مستوى العالم، لكنّه يكاد يكون غائباً تماماً في القارة اللاتينية، وتشير الاستطلاعات إلى أنّ 1% فقط من مسلمي العالم ينحدرون من أصول لاتينية، أغلبهم في الأرجنتين وفنزويلا والبرازيل.

كيف وصل الإسلام؟

توجد شكوك حول التوقيت الدقيق الذي وصل فيه الإسلام إلى أمريكا اللاتينية، ويعتقد بعض المؤرّخين أنّه بدأ قبل اكتشاف الأمريكتين، بينما يرى البعض الآخر أنّه حدث في مرحلة تالية.

وهناك بقايا أثرية إسلامية أو كتابات صينية تعود للقرنين الثاني عشر والثالث عشر تؤكّد وصول التجّار العرب إلى المنطقة، كما توحي رسومات عُثر عليها في المكسيك بأنّ أول اتصال بين المسلمين والأمريكتين حدث في القرن الحادي عشر، لكن ورُغم عدم وجود تاريخ مُحدّد، إلّا أنّ المعارف البحرية المتقدّمة للحضارات الآسيوية والشرق أوسطية تضفي مصداقية على هذه الفرضية.

اقرأ أيضاً: هل انتهى خطر داعش والقاعدة؟.. الاستخبارات الألمانية تجيب

على الناحية الأخرى؛ تظهر فرضية وصول الإسلام للأمريكتين مع استكشاف كريستوفر كولومبس لها، عن طريق العبيد أو الأشخاص الذين كانوا يعملون لصالح الإسبان.

تبع ذلك موجات من الهجرة بدأت بالموجة التي صاحبت الاستعمار في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، وكانت في أغلبها من العبيد والعُمّال الوافدين من شمال وغرب أفريقيا، ومع وصول البريطانيين إلى المنطقة، جلبوا برفقتهم عبيداً مسلمين قادمين من الهند وباكستان؛ كانت هذه هي الموجة الثانية.

أما حركة الهجرة الثالثة؛ فقد كان مصدرها فلسطين وسوريا ولبنان منتصف القرن التاسع عشر واستقرّ هؤلاء المهاجرين في الأرجنتين والبرازيل وفنزويلا وكولومبيا، الدول التي أوتهم واندمجوا فيها.

جدير بالذكر؛ أنّه كما حدثت هجرة من جانب المسلمين، كانت هناك هجرة من جانب اليهود أيضاً، بسبب المحرقة على وجه الخصوص.

تقسيم جغرافي طبقاً للمذهب

كما هو معلوم جيّداً، يوجد أكثر من مذهب داخل الإسلام، أكثرها شهرة السُنّي والشيعي، لكن توجد فِرق أُخرى أقلّ انتشاراً، وليست أقلّ أهمّية، وفي حالة أمريكا اللاتينية يُمكن القول إنّ هناك تقسيم جُغرافي واضح حيث ينتشر الإسلام الهندي-الآسيوي من باكستان وإندونيسيا والهند في سورينام وجويانا وترينيداد وتوباجو، بينما يتوزّع الإسلام العربي، ذو الأغلبية السُنّية، في جميع أرجاء القارة اللاتينية، أمّا المذهب الشيعي فيُعتبر أقلّية ويتركّز تحديداً في الأرجنتين.

وقد جاء الإسلام الهندي-الآسيوي إلى أمريكا اللاتينية، خاصة منطقة البحر الكاريبي، خلال القرن التاسع عشر، حين أٌلغيت العبودية.

وينتشر هذا المذهب في جويانا وسورينام وترينيداد وتوباجو، ويشكّل اليوم بين 10% إلى 15% من تعداد السكّان، وحصلت كلّ من جويانا وسورينام على عضوية منظّمة المؤتمر الإسلامي، لتصبح العلاقات مع العالم العربي أكثر سهولة، لا سيما ليبيا ومصر والعراق والسعودية.

وفي أعقاب الانقلاب العسكري، عام 1990، ونتيجة لوجود حركة "جماعة الإسلام" في ترينيداد وتوباجو، شهدت هذه الدولة صعوداً للإسلاموية. وكانت هذه الجماعة تسعى وراء تحرير المسلمين من أصول أفريقية.

يتميّز الإسلام بكونه الدين الأسرع انتشاراً، وقد يفوق عدد أتباعه خلال أعوام قليلة المسيحيين، على أنّ أمريكا اللاتينية تظلّ استثناء من هذه القاعدة

وفيما يخصّ الإسلام العربي السُنّي، فيتبعه ستة مليون شخص ينتشرون في ربوع أمريكا اللاتينية، وتأتي البرازيل في المُقدّمة بوصفها "عاصمة الإسلام في أمريكا اللاتينية"، نتيجة لوصول المهاجرين الفلسطينيين واللبنانيين والسوريين، فضلاً عن البرازيليين المتحوّلين إلى الإسلام.

وبشكل عام، يُعدّ الإسلام رابطة روحية وجيوسياسية مع الدول العربية في الشرق الأوسط، ولعلّ الحالة الفنزويلية نموذج لذلك، وتجمعها علاقات خاصة بالمملكة العربية السعودية وإيران، ونتيجة للمصالح المشتركة، سواء في الطاقة أو النواحي الإستراتيجية أو الدينية، تكتسب الصلات بين فنزويلا وإيران بُعداً إضافياً يتمثّل في مناهضة البلدين لوجود الولايات المتحدة في إقليم الشرق الأوسط.

بالمثل، تستحقّ الحالة الأرجنتينية وقفة، نظراً لأنها ثاني دولة من حيث عدد المسلمين، من الشيعة غالباً، في أمريكا اللاتينية، كما يوجد بها ما يُعرف باسم "المُثلّث الحدودي" بين الأرجنتين وباراجواي والبرازيل، وهي منطقة رمادية تشهد نشاطاً غير عادي لعصابات تهريب المخدّرات والحضور الإرهابي.

البذور الأولى للإرهاب

لتحليل وجود الإرهاب في المنطقة، من الضروري تسليط الضوء على ثلاثة أحداث أسهمت في تأكيد نموّ بذور الإرهاب بأمريكا اللاتينية.

وتتزامن الفترة الأولى مع الهجوم الذي استهدف سفارة إسرائيل عام 1992 في بوينوس أيرس، أعقبه الاعتداء على مقر الجمعية اليهودية الأرجنتينية، عام 1994، ليتأكّد ضلوع حزب الله اللبناني.

فيما مثّلت هجمات 11 سبتمبر، التي نفّذها تنظيم القاعدة الإرهابي، ذو التأثير على منطقة المُثلّث الحدودي، بداية المرحلة الثانية، وقد ادّعت تقارير لاحقة وجود شبهات بحصول جماعات إرهابية، مثل الجماعة الإسلامية في مصر وحركة حماس وتنظيمي حزب الله والقاعدة، على تمويل من الأنشطة غير المشروعة، مثل غسيل الأموال وتجارة السلاح والمخدرات.

وأخيراً جاءت هجمات 11 آذار (مارس) 2004 في مدريد، لتشير إلى المرحلة الثالثة، وقد حذّرت أجهزة الاستخبارات الإسبانية والإيطالية من وجود مُحتمل لـ "جماعة التبليغ" في الأرجنتين، بهدف تجنيد وإرسال مقاتلين أجانب إلى مناطق تشهد نزاعات، وتشير دراسات أُجريت لاحقاً بأصابع الاتهام إلى القاعدة بالانخراط في هذه المُمارسات.

آفاق الانتشار

يتميّز الإسلام بكونه الدين الأسرع انتشاراً، وقد يفوق عدد أتباعه خلال أعوام قليلة المسيحيين، على أنّ أمريكا اللاتينية تظلّ استثناء من هذه القاعدة.

اقرأ أيضاً: المتحور الداعشي

 

ومن المثير للفضول هنا هو أنّه رغم سهولة انتشار الإسلام بين المجتمعات الأكثر تهميشاً، لكنّه يُقابل بمقاومة في البلدان اللاتينية حتى لو كانت تعاني الفقر أيضاً، بيد أنّ السبب وراء ذلك يكمن في خصائص الإسلام ذاته التي لا تتوافق مع العادات والتقاليد الاجتماعية والثقافية المتأصّلة في أمريكا اللاتينية، ونتيجة للتصادم بين ثقافة الدين ذي الجذور العربية وبين التقاليد اللاتينية، يصبح التحوّل للإسلام مرادفًا للانسلاخ الثقافي بالنسبة إلى اللاتينيين.

وتظهر دراسات أجراها "مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية" إلى ارتفاع أعداد المتحوّلين إلى الإسلام، إثر هجمات 11 سبتمبر، سواء في الولايات المتحدة أو أمريكا اللاتينية.

وخلافاً لنزوع المجتمعات الإسلامية نحو مدّ الحضور الديني إلى جميع مجالات الحياة، بما فيها السياسة، وصولاً إلى جعل الدين مصدر التشريع وإضفاءه على الاقتصاد والجوانب الاجتماعية، تسعى دول أمريكا اللاتينية بصورة متسارعة نحو العلمانية، ما يعرقل انتشار الإسلام.

وتلعب حركة العلمنة هذه، إضافة إلى هيمنة الكاثوليكية وفقر المنطقة، دوراً كبيراً في إثناء كثيرين عن فكرة الهجرة إليها، بالتالي، وصول مهاجرين مسلمين ونشر هذا الدين.

هناك نقطة أخرى لا تقلّ أهمّية عن كل ما سبق، ألا وهي العلاقات مع الغرب والولايات المتحدة، وهي أواصر تاريخية، ويُضاف إليها القرب الجغرافي في حالة الولايات المتحدة.

ومن الضروري التفريق بين تعريف الجريمة المُنظّمة والإرهاب، وما يُميّز بينهما هو الهدف من وراء كلّ منهما، الذي يتمثّل في الأرباح بالنسبة للأولى، وإحداث تغيير سياسي أو اجتماعي، عن طريق الإرهاب، في الحالة الثانية، لكنّ ما يجذب الاهتمام هو الاندماج بينهما مؤخّراً.

اقرأ أيضاً: التحالف الدولي لهزيمة داعش ينبه لمشكلة الإرهابيين الأجانب

ويكمن السبب وراء حدوث هذا الاندماج بين الجريمة المُنظّمة والإرهاب في منطقة "المُثلّث الحدودي" بين البرازيل والأرجنتين وباراجواي في غياب الدولة، كما أنّ بلداناً فاشلة، مثل هايتي ومناطق من كولومبيا وتشيلي وفنزويلا، أصبحت مصادر تمويل للإرهاب عن طريق التهريب وغسيل الأموال وتجارة الأسلحة والمُخدّرات، بل وحتى استصدار وثائق زائفة لتسهيل عملية تنقّل المقاتلين الأجانب.

وإذا ما أخذنا مستوى الفساد المرتفع للغاية في أجهزة الأمن الحكومية ومعدّل الجرائم في دول أمريكا اللاتينية بعين الاعتبار نصبح بصدد ساحة مثالية لتمويل المُنظّمات الإرهابية وتكامل بين العصابات الإجرامية والجماعات الإرهابية.

ورغم الحاجة للسيطرة على هذه المناطق والمسارات عبر تفعيل الإجراءات المناسبة، لكن أجهزة الاستخبارات في دول أمريكا اللاتينية لا تهتمّ كثيراً بدراسة خطر الإرهاب الجهادي.

حالة ترينيداد وتوباجو

تتكوّن ترينيداد وتوباجو من جزيرتين، وتقع في جنوب البحر الكاريبي والمحيط الأطلسي وإلى الشمال الغربي من الحدود مع فنزويلا، وتشهد وجود ثلاث مجموعات عرقية-دينية هي: الهنود (35.4%)، والأفارقة (34.2%)، والمخلّطين (22.8%)، ومن بين الأديان الثلاثة الأساسية، يمًثّل الإسلام السُنّي 10% أغلبهم من الهنود.

وتُعدّ جماعة "السنة والجماعة"، المُعترف بها والمدعومة من قبل الحكومة، أكبر تنظيم إسلاموي في البلاد، إلّا أنّها تلاقي انتقادات حادّة من قبل ذوي الأصول الأفريقية، نظراً لأنها تدافع فقط عن مصالح الهنود.

ولفهم صعود الفكر السلفي في ترينيداد وتوباجو، من الضروري الإشارة إلى أبرز مصادر دخل البلاد؛ صناعة البتروكيماويات وصادرات النفط والغاز، والتي تمثّل 80% من صادرات البلاد و40% من عائداتها.

ورغم أنّ حقبة السبعينيات شهدت بدء توافد رجال دين وهابيين على البلاد، إلّا أنّ نقطة التحوّل كانت في 1990 حين سيطرت حركة "جماعة المسلمين" الأصولية على البرلمان، عبر محاولة انقلاب، بذريعة التمييز الذي يتعرّض له أبناء البلاد من الأصول الأفريقية، ومعدّل البطالة المرتفع وانتشار الجريمة والتضخّم الاقتصادي، ورُغم فشل هذا الانقلاب إلّا أنّه تسبّب في تحويل ترينيداد وتوباجو إلى الدولة الوحيدة في نصف الكرة الغربي التي تعاني التطرّف الإسلاموي.

وقد أظهرت تحقيقات أُجريت فيما بعد حصول هذه المُنظّمة على دعم من حكومة القذافي الليبية عبر مؤسّسة "جمعية الدعوة الإسلامية العالمية"، وليس فقط بالمال، بل وبتدريب المقاتلين داخل معسكرات.

"جماعة المسلمين" و"داعش" ما الرابط؟

تأسّست هذه المُنظّمة في بداياتها لمكافحة تهريب المخدرات والجريمة والفقر، ونجحت، بفضل الدعم الليبي، في النمو سريعاً، ما سمح لها بإرساء تحالفات مع 85 من إجمالي 175 مسجداً في البلد الكاريبي.

وكما هو الحال في حالات مُتكرّرة، يؤّدي دخول السجن إلى اضّطراد تفشّي الفكر الجهادي، فضلاً عن الاعتقال العشوائي الذي يفضي إلى انعدام الثقة تجاه أجهزة الأمن والاستخبارات والنظام القضائي.

على أنّ أكثر ما يثير القلق هو الدعم الذي أعلنته الجماعة دون مواراة عبر الشبكات الاجتماعية لتنظيم "داعش" الإرهابي، وإمداد الأخير بمقاتلين أغلبهم من الشباب ذوي الأصول الأفريقية، الذين تقلّ أعمارهم عن 35 عاماً، ويعانون التفكّك الأسري والصدمات من محطّات معقّدة في طفولتهم ومراهقتهم، خاصة ظروفهم الاجتماعية-الاقتصادية، وجهلهم بالقرآن، وتورّطهم في الجريمة المنظّمة، ويستغلّ التنظيم هؤلاء الشباب وأوضاعهم المادّية؛ فيغريهم بالرواتب الشهرية، ويعدهم بالمغامرات والبحث عن الهوية والنعيم.

مصدر الترجمة عن الإسبانية:

https://bit.ly/3dHzLuZ

الصفحة الرئيسية