كيف يكون الإسلام السياسي مشروعاً مضاداً للاجتماع الإنساني؟

أنشأ الاجتماع الإنساني، على مدى التاريخ والجغرافيا، في جدله وتفاعله مع الأسواق والسلطات، منظومة اجتماعية وثقافية كانت في محصلة تاريخ الإنسانية، مؤسسة أو مشاركة للتقدم الإنساني؛ ففي تطور التجارة والمقايضة نشأت الطرق والبريد والمدن والمهن والحِرَف، ورغم أنّها في أساسها قائمة على المصالح والتجارة والمقايضة والبيع والشراء؛ فقد أنشأت منظومات رائعة للتواصل الاجتماعي، فكما كانت الطرق للتجارة والجيوش كانت أيضاً للعلم والدعوة والحبّ والتعارف والتعاون والتضامن، وكما كان البريد لأجل تنظيم تداول المعلومات ونشرها، كان أيضاً تواصلاً اجتماعياً وإنسانياً ومعرفياً واسعاً وجميلاً، وكما كان الإعلام للإعلان التجاري والتسويق فقد كان أيضاً للمعرفة والتأثير في السياسة والنخب والمجتمعات، هكذا؛ فإنّ الاجتماع الإنساني ينشئ في تفاعله مع الموارد والأسواق والمؤسسات السياسية منظومة من الثقافة والقيم والأفكار، التي تحمي التقدم الإنساني وتهذّبه، وتجعل للموارد معنى جميلاً يرقى بحياة الإنسان.

اقرأ أيضاً: التايمز: قطر متهمة باستخدام مصرف بريطاني لدعم جماعات الإسلام السياسي
إنّ هذا المعنى يتشكل بأفعال واتجاهات ثقافية مستمدة من تفاعل الإنسان مع الموارد والقضايا والحياة اليومية، وفي هذا التفاعل أنشأ الإنسان قيم الجمال والمحبة والتعاون والثقة والتضامن، ومواجهة الشرور التي تصاحب التقدم المادي؛ كالكراهية، والاستحواذ، والبخل، والظلم، والاستغلال، والأنانية، ..إلخ.

الفعل الثقافي والاجتماعي حلقة مهمة وأساسية في التقدم الإنساني وتعطيل هذه الحلقة يعد تعطيلاً للتقدم الإنساني نفسه

وفي ذلك؛ فإنّ الفعل الثقافي والاجتماعي يكون حلقة مهمة وأساسية في التقدم الإنساني، ويكون تعطيل هذه الحلقة تعطيلاً للتقدم الإنساني نفسه؛ لأنّ مهارات وقيم الإبداع والاستيعاب والتراكم والتجديد والمراجعة تنشأ أساساً بدوافع اجتماعية، وإدراك جمالي وإنساني، لتلطيف الهمجية، كما يقول هيغل، ولتحويل الأفكار السامية إلى منظومة رمزية وجمالية، فقد وضعت الأمم في الفنون أسمى أفكارها!

اقرأ أيضاً: إلى أي مدى طوعت جماعات الإسلام السياسي اللغة لصالح مشروعها؟
هكذا كانت الثقافة والفنون والآداب فعلاً ضرورياً للاجتماع الإنساني، لكن رغم سموّها إلا أنّها ليست مقدسة، وليست أيضاً منزَّهة عن الشهوات والأهواء والانحطاط، وفي ذلك فإنّ الفعل المطلوب هو التفاعل، وليس التعطيل والتحريم، كما هو أيضاً ليس البديل أو المواجهة والصراع بين نموذجين، فقد نشأت في الكنيسة، على سبيل المثال، حركة فنية وموسيقية وتعليمية واسعة ومتقدمة، أسست للتقدم العلمي والفني والثقافي، ولم تكن الكنيسة، بطبيعة الحال، موافقة على الاتجاهات الفنية المفرطة في الحسية، وفي مخاطبة الشهوات والآثام، كما لم تكن الكنيسة منزَّهة عن الظلم والخطأ، فقد حدثت خلافات عميقة واتهامات بالهرطقة والردّة، لكن المحصلة الإنسانية لهذا الجدل كانت تقترب غالباً، إن لم يكن دائماً، من التقدم والجمال والسلام الإنساني.

اقرأ أيضاً: كيف عكس حزب التحرير أزمة الإسلام السياسي؟
ولكن ما حدث في عالم الإسلام المعاصر هو تعطيل المنظومة الثقافية والاجتماعية والفنية، بالتحريم والمواجهة، أو بالبدائل الضحلة والمختلفة، هذا التحول من الإصلاح والتأثير والتفاعل إلى البدائل والمواجهة عطّل الاجتماع الإنساني في فضائه الثقافي والفني، أو أضعفه، كما أنّ النموذج أو البديل الإسلامي كان ضعيفاً وضحلاً، والسبب بتقديري؛ هو اللبس بين الفعل الثقافي بما هو رمز، وبين الأصل المفترض أن يرمز إليه الرمز؛ إذ يجب النظر ومواصلة النظر إلى الأفعال الثقافية والفنية والاجتماعية باعتبارها رموزاً، وليست هي الفكرة المقدسة الأصلية.

اقرأ أيضاً: أسباب التخبّط الفرنسي في مواجهة الإسلام السياسي
فالرموز أفعال ثقافية، وأحداث اجتماعية تمتاز، كما يصفها عالم الأنثروبولوجيا، كليفود غيرتز، بالعمومية والعلنية، لكنّها ليست الشيء ذاته، مثل الفرق بين المنزل ومخطط المنزل، كما أنّ هناك فارقاً بين قراءة قصيدة تتناول إنجاب الأطفال بالزواج، وإنجاب الأطفال بالزواج فعلياً، مع أنّ بناء المنزل قد يمضي وفق الخريطة الموضوعة له، أو -وهذا أقل حدوثاً– أنّ إنجاب الأطفال قد تحفّزه قراءة تلك القصيدة، فما يزال هناك ما يُقال لدعم الحجة والأشياء، فهذه الأخيرة ليست رموزاً في حدّ ذاتها، رغم أنّها تستعمل رموزاً في كثير من الأحيان.

اقرأ أيضاً: موجة البديل الإسلامي في جماعات الإسلام السياسي
يساعدنا غيرتز في التأسيس لملاحظة الخطل في اللبس والمزج بين التراث والمقدس، وبين ما هو تراثي واجتماعي، وما هو نفسي في مجريات الحياة اليومية، ويظلّ من المفيد التمييز بينها في التحليل؛ فالرموز تخبر الإنسان بما يمكن أن يعمله، وقد تكون الرموز أصلية لأجل المرموز إليه كما تفعل الجينات، أو تكون مكتسبة متراكمة، تعبّر عما ترمز إليه، وعلى سبيل المثال؛ فإنّ القندس تسعفه جيناته في بناء بيته وسدود الماء، لكنّ الإنسان يحتاج إلى أن ينشئ منظومة من المخططات والأفكار المشابهة للسدود والبيوت.

ما حدث في عالم الإسلام المعاصر هو تعطيل المنظومة الثقافية والاجتماعية والفنية بالتحريم والمواجهة أو بالبدائل الضحلة والمختلفة

الأنماط الثقافية هي نماذج؛ أي مجموعات من الرموز، تكون العلاقة فيما بينها نموذجاً للعلاقات بين كائنات أو عمليات أو ما شابه، في الأنظمة الفيزيائية أو العضوية أو الاجتماعية أو النفسية، عن طريق "المقارنة" أو "التفكير" أو "المحاكاة"، ومصطلح "النموذج" له معنيان؛ بمعنى "من" أو "عن" (of)، وبمعنى لـ لأجل (for)، مع أنّ المعنيين هما وجهان للمفهوم الأساسي ذاته.
لا تختلف النماذج الثقافية التي لا نسميها عادة "نظريات"؛ بل أسماء مثل "العقائد" أو "الطقوس"، عن النماذج الفيزيائية، وبعكس الجينات ومصادر المعلومات الأخرى "اللا رمزية"، التي هي نماذج "لـ"، وليست نماذج "عن"، الأنماط التراثية؛ فإنّ هذه الأنماط لها جانب داخلي مزدوج: إنّها تؤمن المعنى؛ أي الشكل المفهومي الموضوعي للواقع الاجتماعي النفسي، بتشكلهما بحسبه وبتشكّله بحسبهما، الجينات على سبيل المثال؛ نموذج "لـ"، أو "لأجل"، ومن أمثلة نموذج "عن"؛ العمليات اللغوية والبيانية.

الأقسام: