كيف يمكن فهم الدين وتطبيقه في نظام سياسي قائم على فلسفة الحرية؟

732
عدد القراءات

2018-12-30

هل يمكن بناء خطاب قائم على الحرية، وفي الوقت نفسه، ينسجم مع الدين ويلبي التطلعات الدينية والروحية؟

الحرية والمساواة؛ تعنيان أنّ أية قناعة روحية، يجب ألا تتمتع بميزات مادية أو رمزية، يسبّب وجودها تمييزاً واضحاً، والمجتمع الحرّ هو المجتمع السياسي الذي يستطيع الجميع فيه أن يعترفوا ببعضهم، والذي يبقى الخيار الروحي فيه شأناً خاصاً، ويمكن أن يأخذ هذا الشأن الخاص بُعدين: فرديّ شخصي، وجماعيّ، وفي هذه الحالة فإنّ الجماعة التي تشكلت بحريتها لا تستطيع الادعاء بأنّها تتحدث باسم المجتمع كلّه، ولا تحتل المحيط العام.

اقرأ أيضاً: من الإكراه إلى الحرية.. نحو عقل منفتح وقلب لا تحده حدود

إنّ الحرية في تطبيقها السياسي والعام تعني الفصل بين ما هو مشترك للجميع، وما يتعلق بالحرية الفردية والمحيط الخاص، ويستهدف مثل هذا التقاسم الإجراء العادل في حقّ التشريع، ويستثني من ذلك النشاط الفكري الذي لا تطاله أيّة رقابة، والقناعات الفردية المكتسبة من حرية المعتقد، وكذلك أخلاقية الحياة المستقلة في حدود الحقّ العام الذي يضمن تعايش الحريات كلها.

هكذا؛ فإنّ فلسفة الحياة والمنظومة السياسية تقوم على سيادة الإرادة، التي هي أساس قواعد الحياة المشتركة، وقواعد الضمير والعقل الذي ينيره على حد سواء، يقول جون لوك: الحرية الكاملة هي التحرك ضمن القوانين الطبيعية، وإمكانية اتخاذ القرارات الشخصية، والقرارات بشأن الملكية الخاصة، دون قيود، كما يريد الإنسان، ودون أن يطلب هذا الإنسان الحقّ من أحد، ودون التبعية لإرادات الغير أيضاً.

إنّ الحرية في تطبيقها السياسي والعام تعني الفصل بين ما هو مشترك للجميع، وما يتعلق بالحرية الفردية والمحيط الخاص

والحرية تعني أنّ الإنسان قادر وحده على معرفة ما يصلح وما لا يصلح في تنظيم حياته وشؤونه؛ ما يعني بالضرورة أنّ الناس متساوون ومؤهلون للحكم، وأنّه لا وجود لحقّ  طبقي لأحد لفهم العالم المشهود كما هو، وبما أنّ الإنسان لا يعرف الحقيقة المطلقة أو الصواب على نحو يقيني، أو أنّ ما يراه صواباً قد يخضع للتغيير والمراجعة؛ فإنّ الأفكار والتطبيقات والتشريعات المنظمة يجب أن تظلّ خاضعة للمراجعة، كما يجب أن تظلّ الأفكار المتعددة تملك الحرية في التعبير عن نفسها، وأن تقدم نفسها بحرية حتى تظل اختيارات الناس حرة، وأقرب إلى الصواب الممكن، وفي ذلك يجب أن يظلّ الدين محايداً في إدارة وتنظيم الدولة والمؤسسات التعليمية؛ لأجل الحفاظ على الحريات والتعددية الدينية، والتعليم الحرّ والعقلاني والفكر النقدي، ولضمان حياد الدولة تجاه الاتجاهات والمذاهب الدينية، تقتضي المساواة بين المواطنين عدم التمييز الإيجابي، أو السلبي، تجاه أحد من المواطنين بسبب معتقده الديني.

كيف يمكن فهم الدين وتطبيقه في نظام سياسي قائم على فلسفة الحرية؟ الدين هو منظومة من الأفكار والمعتقدات مستمدة من نصوص يعتقد أتباعها أنها نزلت من السماء على نبيّ أو أكثر، لتفسير وفهم الكون والحياة والموت، وما بعد الموت، وتنشئ قواعد للسلوك والعلاقة مع الخالق وبين الناس، وفي ذلك تنشأ تطبيقات عامة وفي الحياة مستمدة من الدين.

لا مجال لديمقراطية أساساً، إلا إذا قامت على العقل، ومن ثم فليس هناك نظام إسلامي ديمقراطي حتى لو كان القائمون عليه مقتنعون بالديمقراطية، ويريدون تطبيقها بالفعل، ومقولات الديمقراطية الإسلامية أو الدينية بشكل عام، لا يمكن القبول بها ليبرالياً، حتى لو أبدت مرونة واسعة وقبولاً بالديمقراطية والعلمانية؛ إذ لا أهمية لوجود أو عدم وجود اعتبارات غير عقلية مؤيدة لهذه الأطروحات، فلا يمكن لنظام سياسي ديمقراطي أن يجد تربة صالحة له في الدولة الدينية اللاعلمانية؛ لأنّ الدولة الدينية تميل بطبيعتها، لأن تكون كليانية (توتاليتارية)، وهي تماماً عكس الديمقراطية، وبما أنّ الغرض الأساسي للإسلام السياسي هو إقامة دولة إسلامية؛ أي دولة دينية، إذاً، فلا أمل في أن تكون ديمقراطية.

اقرأ أيضاً: كيف نحارب الإرهاب والتطرف بالتعليم؟

الإسلام السياسي "الديمقراطي" مهتم فقط بمعنى الديمقراطية الكامن في كونها وسيلة لجعل الإرادة الشعبية حرة ونافذة على المستوى السياسي، وليس معناها بوصفها قيماً تمخضت عنها تجارب الغربيين؛ أي إنّ قبولها مشروط بتجريدها من كلّ ما لا ينسجم مع أحكام الإسلام ومع قيمه ومبادئه ومقاصده.

يمثّل نصر حامد أبو زيد، ومن قبله علي عبد الرازق، نموذجاً تنظيرياً، يجد أنّ الحرية مكوّن أساسي في الدين، وأن فكرة الدولة الدينية أو الإسلامية أضيفت إلى الإسلام، بشرياً وسياسياً، وليست جزءاً أصيلاً منه، أو مكوناً أساسياً في الدين، يقول أبو زيد: "العلمانية هي التأويلُ الحقيقيُّ والفهمُ العلميُّ للدين".

المجتمع الحرّ هو المجتمع السياسي الذي يستطيع الجميع فيه أن يعترفوا ببعضهم، والذي يبقى الخيار الروحي فيه شأناً خاصاً

وفي امتداد هذا الاتجاه وتطوره وتبلوره، فيما يمكن وصفه "العقلانية الإسلامية"، يمكن إدراج عدد غير قليل من المفكرين والمثقفين، مثل: نصر حامد أبو زيد، وطه حسين، وعبد الله النعيم، ومحمد محمود طه، ومحمد أركون، ووائل حلاق، وجورج طرابيشي، ومحمد عابد الجابري، وعبد الوهاب المسيري، وعبد المجيد الشرفي، وعبد المجيد الصغير، وهشام جعيط، ومحمد عابد الجابري، وأحمد صدقي الدجاني، ومحمد الطالبي، ووحيد الدين خان، ...إلخ.

لقد أظهر الاشتباك مع التشدد الديني؛ أنّ المواجهة هي عمليات اجتماعية واقتصادية معقدة؛ ففي المواجهة مع العنف والكراهية تبين أنها مواجهة مع الحالة الاجتماعية والثقافية الناشئة عن التوظيف السياسي للدين، وفي ذلك اتسعت المواجهة لتشمل المنظومة السائدة في الخطاب الديني، والممتدة في المدارس والمساجد والجامعات والمؤسسات والأسواق، كما الجمعيات والمجتمعات، لنجد أنفسنا في مواجهة شبكة معقدة من المصالح والطبقات والمؤسسات التي يهددها زوال العنف والتطرف، هكذا صارت المواجهة تفكيكاً لحالة اقتصادية واجتماعية راسخة ونافذة.

اقرأ أيضاً: لماذا لا ننجح في مواجهة الكراهية والتطرف؟

والحال؛ أنّ وضعية الإغراق الديني التي أنتجتها السياسات الدينية المحافظة، أنشأت حضوراً واسعاً وعميقاً للمفاهيم والأفكار والتطبيقات الدينية؛ في الحياة، والتشريعات، والمؤسسات، والأسواق، لكن ضعف هذه الحالة في قوتها وهيمنتها، فالمفاهيم والحالات تتسع حتى تتطابق مع الاختفاء، وتسود وتنتصر لدرجة التطابق مع الانحسار؛ ذلك أنه عندما يتسع مفهوم، يصير حاضراً في الفهم والتطبيق والتشريع والحياة، لا يعود مميزاً أو واضحاً بسبب حضوره الطاغي والشامل فيتحول إلى غير مرئي.

جون لوك: الحرية الكاملة هي التحرك ضمن القوانين الطبيعية، وإمكانية اتخاذ القرارات الشخصية والقرارات بشأن الملكية الخاصة دون قيود

وفي مثال نظري آخر؛ إذا اتسعت مفاهيم الحقوق والواجبات، فإنها تتحول إلى بديهية تمارس من دون أن يتذكرها أحد، وفي ذلك تنحسر المؤسسات الأمنية والقضائية إلى درجة أنّه لا يعود لها حاجة، أو تنحسر إلى حالات قليلة لا يشعر بها أغلب الناس، وعلى مستوى سياسي وتطبيقي؛ فإنّ الوطنية والديمقراطية والإسلامية والمدنية، في تحولها إلى حالات شاملة، لا يعود ثمة حاجة إلى أن تختصّ بها مؤسسة أو جماعة أو فئة من المواطنين، وفي الحالة التي ترى فيها مجموعة من الناس حاجة أو ضرورة لتختص أو تقدم نفسها بالوطنية أو الإسلامية أو الديموقراطية، فإنّها يحب أن تدرك أنها سوف تختفي بالضرورة، أو لا تعود حاجة إليها في اللحظة التي تتحقق فيها أهدافها.

هكذا، فإنّ الليبرالية الدينية بما هي فردانية التدين، أو تحويله إلى شأن فردي لا علاقة له بالسلطة والمجتمعات، يصبح مآلاً حتمياً أو بديهياً؛ ففي المعرفة الدينية المتسعة والحالة التلقائية لفهم الدين وممارسته تنتفي الحاجة دور ديني للدولة.

يتوقف الإرهاب في اللحظة التي لا يعود فيها مصلحة أوليغاركية، ولا يعود الإرهاب مصلحة أوليغاركية في اللحظة التي تتوقف فيها السلطات السياسية عن ممارسة دور ديني، وفي ذلك؛ فإنّ الليبرالية الدينية هي الخطاب المرشح للنجاح في مواجهة التشدد الديني.

اقرأ المزيد...

الوسوم: