كيف يمكن للدين أن يؤثر بقوة في المجال العام؟

كيف يمكن للدين أن يؤثر بقوة في المجال العام؟
5176
عدد القراءات

2018-10-30

يقدم كتاب "قوة الدين في المجال العام" أفكاراً ونقاشات بين مجموعة مفكرين مهمين في الفلسفة والاجتماع، وهم: يورغن هابرماس، وجوديت بتلر، وكورنيل ويست، وتشارلز تيلور، وأدوارد منديتا، وجوناثان فانتويرين، وكريغ كالون.

ويمكن الحصول على مقارباتٍ مناسبة ومختلفة في تصور تأثير الدين في الفضاء العام وعلى النحو الذي يقبل فيه المتدينون وغير المتدينين ويفيد ويطور الجدل العام، بما يجب أن يكون عمليات مستمرة وحيوية؛ إذ بغير هذا الجدل لن ننشئ النموذج المناسب في تنظيم الدول والمجتمعات والأسواق والعلاقات والتصورات السياسية والاجتماعية والاقتصادية.

هناك طيف واسع من الأفكار والتصورات حول الدين في المجال العام لا تنتمي إلى "التديين" بمعنى الولاية الدينية على الحياة العامة أو المرجعية الدينية في الشأن الجماعي بما هو ينظم الجماعات والمؤسسات، ولا تنتمي أيضاً إلى الفصل القطعي بين الدين والدولة كما في النموذج الفرنسي، وربما تكون هذه التجارب هي ما نحتاج إليه في عالم العرب والمسلمين أكثر من الانشغال بالنموذجين الأكثر شهرة وتداولاً في عالمنا؛ أقصد النموذج الديني أو "اللائكي".

اقرأ أيضاً: فضاء بلا سلطة.. هل يمكنه مواجهة التطرف؟

غلاف كتاب "قوة الدين في المجال العام"

وفي سلسلة "تحديث الفكر الديني" التي يشرف عليها عبدالجبار الرفاعي ترجمت ونشرت مجموعة من الدراسات والمعالجات الفكرية الرائدة في الإنتاج الفكري العربي، وأظن أنه حان الأوان للاهتمام العميق بمثل هذه الدراسات لعلها تساعدنا على بناء تصوّر فكري عربي في الشأن العام، أو على الأقل تخرج الجدل من الثنائية المملة وغير المفيدة في شيء!

إن الدين يمثل واحداً من أكثر مصادر الاهتمام والقلق في التفكير والتخطيط في الفضاء والجدل العام

إن الدين يمثل واحداً من أكثر مصادر الاهتمام والقلق في التفكير والتخطيط في الفضاء والجدل العام؛ إذ كان على مدى التاريخ والجغرافيا وفي كل الأديان يشغل الطبقات الاجتماعية والمحافل العامة والمفكرين والمثقفين كما محدودي التعليم والثقافة، وهو موضوع يزداد أهمية مع التطور الكبير في وسائل الإعلام والتواصل.

وقد شمل الجدل حول الدين في الفضاء العام السياسة والمؤسسات والنظام الاجتماعي والأخلاقي والعلوم الطبيعية والبحتة، وعلاقة الدين بالسياسة، وهي جدالات طويلة وقديمة، يؤسس لها في العصر الحديث بالثورة الإنجليزية في القرن السابع عشر.

ورغم الأمثلة الإيجابية الكثيرة عن دور الدين في الفضاء العام في العدالة وحقوق الإنسان والتعليم والحريات، ظل السؤال عن الدين في المجال العام مهماً وملحاً، ويدعو الكثيرون إلى أن يبقى الدين داخل المجال الخاص، رغم الإقرار بأثره الفعال والمحفز والأخلاقي في تشكيل الضمائر الفردية. لكن هناك دعوات، في المقابل، للاعتراف بدور الدين في المجال العام حتى في أوروبا التي تدهورت فيها الممارسة الدينية، ظلت قضية الدين الشعبي فيها حاضرة بقوة.

اقرأ أيضاً: ثغرات المتطرفين في جدار المعتدلين

يقول ولتر روشنبوش (كتاب المسيحية والأزمة الاجتماعية، نشر عام 1907) "كل من يفك الارتباط بين الحياة الدينية والاجتماعية لم يفهم المسيح. وكل من يقيد تأثير القوة التعميرية للحياة الدينية على العلاقات الاجتماعية ومؤسسات الإنسان، فإنه بقدر تعلق الأمر بهذا الجانب ينكر عقيدة السيد المسيح".

هابرماس: إنّ العقل فاعل في التقاليد الدينية كما هو في أي مشروع ثقافي آخر

ويعتقد هابرماس أنّ المجال العام في المجتمع الديمقراطي يجب أن يكون مفتوحاً أمام الجميع، ويجب احتواء المواطنين المتدينين كمسألة تقع في صلب العدالة وكحاجة عملية عاجلة في آنٍ واحد. إذ يتعرض للخطر مستقبل نظام الحكم الديمقراطي إن أخفقنا في دمجهم في مشاغل العقل العام.

ويمثل العثور على طرق يدمج بها الدين في المجال العام كما يعتقد هابرماس تحدياً حيوياً يواجه المجتمع المعاصر، ونظريات المجتمع المعاصر أيضاً.

اقرأ أيضاً: الإسلام السياسي أم العلمانية.. أين يكمن الخطر الحقيقي؟

ويقترح تشارلز تيلر أن الدين يجب ألا يعامل بوصفه حالة خاصة، سواءً بالنسبة للخطاب السياسي أم العقل والجدل بعامة، لكن هابرماس يرد بالقول: إنّ العقل فاعل في التقاليد الدينية كما هو في أي مشروع ثقافي آخر، بما في ذلك العلم، لكن أيضا تنتمي العقول العلمانية إلى سياق من الافتراض يختلف عن التقليد الديني، فليس شرطاً أن يكون عضواً في جماعة من المؤمنين، إذ في العقل الديني تحتكم ضمنياً لعضوية في جماعة دينية، ولذلك فإن الدليل على صحة العقول الدينية لا يعتمد على العقائد الإدراكية وارتباطاتها الدلالية مع بقية العقائد فحسب، ولكن على العقائد الوجودية المتجذرة في البُعد الاجتماعي للعضوية والمشاركة الاجتماعية والممارسات المفروضة.

يمثل العثور على طرق يدمج بها الدين في المجال العام كما يعتقد هابرماس تحدياً حيوياً يواجه المجتمع المعاصر

إننا نتحرك في فضاء التعقل الفلسفي والتاريخي والاجتماعي، لا يحتاج خطابنا إلى ترجمة، ولكن الكلام الديني في المجال السياسي العام يحتاج إلى ترجمة إن شئنا لمحتواه أن يدخل ويؤثر في تبرير وصياغة قراراتٍ سياسية ملزمة يتم فرضها بقوة القانون في البرلمانات والمحاكم أو الهيئات الإدارية؛ يجب تفسير أية إحالة إلى سفر التكوين بصيغ علمانية.

وفي المقابل فإن تيلر يؤكد أنه يوافق على أن ثمة اختلافات كبيرة بين تعقل شخص ورع بخصوص الأخلاق العامة وتعقل من ليس كذلك، هناك مفاهيم معينة عن التحولات الإنسانية الممكنة يؤمن بها أحدهما دون الآخر. تلك هي الحالة بالتأكيد.

لا بد للعقول، كما يقول هابرماس، أن تكون علمانية بالمعنى غير المسيحي للعلمنة، غير المسيحي بمعنى منظور أكثر شمولاً من خلال التعالي على فضاء الخطاب الخاص بالجماعات المختلفة.

إنّ الليبرالية السياسية بحاجة إلى استبصارات أخلاقية والتزامات جديدة، وهي تعترف بالدين بوصفه مصدراً ممكناً للتجديد، وفي الوقت نفسه يجب ألا يتخذ مثل هذا التجديد شكل لجوء مباشر للعقائد الدينية أو رؤى العالم الشمولية بطرق تغلق الجدل العام.

اقرأ أيضاً: ما مصير المؤسسات الدينية مستقبلاً؟

والمجال العام عالم من الجدل العقلاني النقدي تخضع فيه الأمور المتعلقة بالخير العام للنظر، وهو أيضاً فضاء تشكيل ثقافي لا يكون الجدل الممارسة المهمة الوحيدة فيه، هنالك أيضاً الإبداع والطقس، والاحتفاء والاعتراف، وكلها مهمة، وهو يحتوي التعبير الناطق المتبادل بين الحساسيات العميقة وحالات الفهم الواضحة ويحتوى المحاولة التي تستعين أحياناً بنداءات بنوية طلباً للفت الانتباه لجعل الطريقة التي نفكر بها ونمارس الفعل مستجيبة لأعمق قيمنا والتزاماتنا الأخلاقية.

 

اقرأ المزيد...
الوسوم:



"ماذا يعني انتمائي للإسلام" لفتحي يكن: الهدم وسيلة الإخوان للسلطة

2020-05-27

ظلت جماعة الإخوان المسلمين، كتلة في مجتمعاتها تتعبد بهدم دولها، ونقض أنظمتها، رافضة أن تسخر إمكاناتها للمساهمة الإيجابية في أوساطها المجتمعية، أو المشاركة فيها، فضلاً عن محاولة البناء، فنخرت كسوس في عظام الدولة، في انتظار لحظة الانهيار، وعندما سقطت عدد من الدول إثر "الربيع العربي"، وقف التنظيم عاجزاً تماماً عن أن يبني ما قد هدم، أو أن يقدم مشروعاً لنهضة الدولة، كما أنه تعرض لتلك العزلة التي ضربها من قبل على أوساطه المجتمعية، وشرب من الكأس نفسه.

إنّ أكثر ما يلفت الانتباه في كتاب الإخواني اللبناني فتحي يكن "ماذا يعني انتمائي للإسلام"، هو قوله: "إن قبضة الحركة الإسلامية، ينبغي أن تكون موجهة دائماً، وباستمرار إلى مقاتل النظم الوضعية الحاكمة، إلى مرتكزاتها الأساسية وقواعدها ومنطلقاتها".. ولم يكتف بذلك؛ بل تتعالى نبرته التحذيرية من أن تأتي خطوة لصالح النظم فيقول: "حذار من أن تكون الخطوة سبباً في عيشها، لا مسماراً في نعشها، حذار من نقطة تكون مبرراً لبقائها، لا عاملاً في زوالها وفنائها".

يكن: ترى الحركة الإسلامية، في تبني النظم الرأسمالية، والاشتراكية، والشيوعية، كفراً بالإسلام العظيم

تفوح من كلمات الرجل ميكيافلية سافرة، تبعد مسافات عن العمل الصالح المجرد، إن لم يكن يخدم أهداف الجماعة في الوصول لأهدافها؛ بل ينهار النظام أولاً ثم تأتي بعد ذلك الحركة لينسب إليها النجاح وحدها دون غيرها: "ليس من مهمة العمل الإسلامي أن يلتمس حلول المشكلات؛ التعليمية، والإعلامية، أو الغذائية، أو الكسائية، أو السياسية، والاقتصادية،..."، كأنّه تطبيق نموذجي لمقولة "دعه يغرق"؛ فلا مشاركة في بناء، أو حل لمشكلات، حتى تنهار السلطة.

الشرب من الكأس نفسه

عندما صعد "الإخوان" إلى سدة الحكم في مصر، وجدوا أنفسهم أمام كتل من المشكلات المتراكمة في كافة القطاعات، فوقفوا عاجزين عن وضع حلول لها؛ إذ إنّهم لم يساهموا في عمليات إصلاحية من القاعدة من قبل، واكتفوا بنقد النظم الحاكمة في كل خططها ومشاريعها، في انتظار تهاوي النظام، حتى يصعدوا هم، وعندما صعدوا لم يجدوا سوى مؤسسات مترهلة، ولم ينجحوا في إقناع القوى الأخرى بوضع طاقاتهم في سلة واحدة، فكان السقوط المدوي.

فإذا كان هناك التحام أو تفاعل مع مثل هذه المشكلات، فإن الهدف الأساسي ليس تقديم مشروع أو حتى طرح ما يمكن أن يساعد في حلها.. يقول يكن: "إذا كان لا بد من التعرض لمثل هذه المشكلات، من قريب أو بعيد، فبقدر ما يؤدي إلى إدانة النظم التي أفرزتها، وبقدر ما يعري هذه النظم ويفضحها".

ويوضح ذلك بضرب عدد من الأمثلة العملية: "فإذا عرضت مشكلة الغلاء مثلاً، كان على الحركة أن تبيّن أنّها ثمرة طبيعية لحاكمية النظم الرأسمالية، وسيطرة فئة من الناس على ثروات البلاد، وتسخيرها لمصالحها الذاتية، وأنّ الإسلام هو المنهج الوحيد الذي يملك خلق مجتمع نظيف تتحقق فيه العدالة، لا أن تعمل الحركة على مساعدة هذه النظم على حل المشكلة؛ لأنها بذلك تكون قد أعطتها مبرراً للبقاء".

ويذهب يكن ليؤصّل المهمة الأساسية للتنظيم بوضوح: "إن مهمة الحركة الإسلامية أن تهيئ كل الإمكانات لإزالة حكم الطاغوت، فهي ليست حركة إصلاحية اجتماعية، تبذل العطاء في مجالات اجتماعية بشكل مجرد؛ بل عملها كله ينصب على إزالة النظام، وإقامة آخر بديلاً له يحكم بالإسلام"

يحدد يكن خطواته مستشهداً بمقولة البنا:  "قوة العقيدة والإيمان، وقوة الوحدة والارتباط، وقوة الساعد والسلاح"

يحدد الرجل خطواته بدقة مستشهداً بمقولة حسن البنا، مؤسس الجماعة، التي تحصر خطواتها في 3 مراحل رئيسة "قوة العقيدة والإيمان، وقوة الوحدة والارتباط، وقوة الساعد والسلاح".

كما يؤطر للعلاقة الحاكمة بينه وبين المجتمع الذي يصفه بـ"الجاهلية"، فيرى أنه "لا يكون التعايش مع الجاهلية "أمداً وقدراً" إلا في حدود ما تحتاجه عملية الانقلاب عليها من قوى وإمكانات؛ لأن الغاية هي تحقيق هذه النقلة".

الهدف إذن نسف النظام والانقلاب التام وإعمال المعول لنقض الحضارة والثقافة التي يقوم عليها المجتمع، ولذا فإنه يكشف عن ذلك بجلاء: "فإذا كانت غاية المنهج الإسلامي، هي تعبيد الناس لله في سلوكهم وتعاملاتهم، في أنظمتهم وتشريعاتهم، وفي كل مناحي حياتهم، فإنّ ذلك يعني إحلال المنهج الإسلامي محل النظم الوضعية، فإن ذلك يعني استبدال وضع بوضع، يعني نقض الأسس والمرتكزات، التي يقوم عليها المجتمع ونقض الحضارة التي يتبناها ويعتمدها".

فتحي يكن

سياسة النفس الطويل

في سردية المرحلية، يشدد يكن على وجوب تبنّي "سياسة النفس الطويل"، وهدم اللبنات بصبر شديد، فإن ذلك سيوصل في النهاية إلى الغاية المخطط لها بعناية: "إن ضخامة العبء وثقل التضحيات، الملقاة على عاتق العاملين في الحقل الاسلامي، يؤكدان أنّ الطريق طويل، والعمل شاق والجهاد مرير، ولا يستعجلوا الثمرة قبل نضوجها".

ثم يعيد تكرار مقولة "علانية العمل وسرية التنظيم"، "فصوت الجماعة يجب أن يعلو، لكن التنظيم يجب أن يبقى سراً.. فاستعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان، والحرب خدعة".

ينحاز الرجل في الكتاب، إلى أفكار سيد قطب، ويؤكد على مفهوم "العزلة النفسية لا الحسية": "مفهوم العزلة هنا التي يشير إليها سيد قطب هي عزلة الشعور من أن يدنّسه رغام الجاهلية، والعزلة هنا تعني التمايز، تمايز الفئة المؤمنة عن الفئة الكافرة".

 

 

ولا ينسى وهو في طريقه لإيصال فكرته، أن ينسف الجماعات الإسلامية التي تتخذ طرائق للعمل مغايرة لما تنتهجه جماعته: "عليّ أن أدرك حين أنتمي للحركة الإسلامية، أنّ طرائق العمل الإسلامي الأخرى، ومنظماته المختلفة لا تمثل الخط الإسلامي الأصيل، وأنّ واحدة منها لا تلتزم بمنهج الرسول الكريم كاملاً، فيما يتعلق بالجانب الروحي والثقافي والخيري والسياسي".

ومع أنّه يستخدم مصطلح "الحركة الإسلامية" إلا أنه بالطبع يقصد بها "جماعة الإخوان" فيغلق المسارات كافة على الجماعات الأخرى التي يقول عنها: "لا تمارس العمل الإسلامي الأصيل المتكامل، العمل الذي يمكن أن يحقق النقلة الكبيرة من الجاهلية للإسلام، العمل الذي يمكن أن ينقذ العالم الإسلامي من تحكم الحضارة الغربية الفاجرة، وحكم الكفر والطاغوت، ولذلك تبقى أعمال كل هذه الفئات مبتورة شوهاء".

لا تعتقد أنك مسلم!

"لا تعتقد أنك مسلم في الحقيقة، فأنت لست كذلك، فكثير من الناس مسلمون بهوية إثبات الشخصية؛ لأنّهم ولدوا من أبوين مسلمين".. ترتكز جماعة الإخوان المسلمين، وغيرها من الجماعات، على هذا المدخل الصادم في خطابهم الدعوي، حتى يأتي دور دعاتها في تلقف المستهدفين الباحثين عن الخلاص عبر عقيدة صحيحة، وجماعة تمثل المحضن الذي يتعهد بتوفير مستلزمات الانتماء للإسلام.

يبين الكاتب الشروط التي يجب توافرها في كل من انتمى لهذا الدين، "إن كثيراً من الناس مسلمون بالهوية، أو مسلمون لأنهم وُلدوا من أبوين مسلمين، وهؤلاء وأولئك لا يدركون في الحقيقة معنى انتمائهم للإسلام، ولا يعرفون مستلزمات هذا الانتماء، ولذلك تراهم في وادٍ والإسلام في وادٍ آخر، يبيّن ما يطلبه الاسلام من المسلم، ليكون انتماؤه للإسلام انتماءً صحيحاً وحقيقياً"؛ لا تنطبق غالبية الشروط التي يسردها على معظم المسلمين اليوم، ولذا فإن غالبيتهم الكاسحة لا تنتمي للإسلام حقيقة بنظره.

لــ"يكن" كتاب مهم لدى الإخوان عنوانه "المتساقطون على طريق الدعوة" يدّعي فيه أنّ من يترك التنظيم عاجز عن الإيمان

لا يعترف فتحي يكن، وهو زعيم الجماعة الإسلامية في لبنان "فرع الإخوان المسلمين"، من العام (1962-1992)، في كتابه، بصحة عقيدة المجتمعات الإسلامية؛ بل يسوق 17 شرطاً، يجب أن تتوافر في الفرد حتى يوصف بالإسلام، ولا يخرج في هذا المعنى عن المفهوم الذي دشن له سيد قطب، وتبعته في ذلك الغالبية الكاسحة من الجماعات والتنظيمات الإسلاموية، فشهادة التوحيد "لا إله إلا الله محمد رسول الله" لا تكفي لوصف قائلها بالإسلام، حتى تتجلى عليه حقائقها وسماتها وشروطها.

يأخذنا يكن (1933–2009)، من هذا المدخل إلى أن يصل في النهاية إلى أنّ جماعة الإخوان هي الجماعة التي تتوافر فيها صفات الجماعة الربانية، التي يجب الانتماء إليها، دون غيرها من الجماعات، وإذ يفعل ذلك يمر بمراحل تدريجية مرتّبة يحاول أن يستلب فيها عقول المخاطبين وأفئدتهم، حتى يصل في النهاية إلى مبتغاه.

لــ"يكن" كتاب مهم لدى جماعة الإخوان عنوانه "المتساقطون على طريق الدعوة"، كتبه ليثبت أنّ من يترك التنظيم، ما هو إلا فرد لم تتوافر فيه خصائص المؤمن الحق، وأنّه يمتلك من المشكلات النفسية الداخلية، ما يجعله ينتكث عند التعرض للفتنة، لتبقى الجماعة نقية بعد عمليات التمحيص، وقسّمهم لأنواع عديدة، إلا أنه نفسه سقط "وفق مفاهيمه" على طريق "الدعوة"؛ إذ إنّه انشق عن الجماعة فيما بعد، وتسوق قادتها بعد انشقاقه مقولات من قبيل أنّ ما كتبه كان جيداً، لكن الشخص نفسه تعرض للفتنة.

اللافت أنّ كتاب "يكن" هذا لم تدرسه جماعة الإخوان لأعضائها فقط، بل تبنّته جماعات متطرفة، ودرسته لأعضائها، مثل جماعة الجهاد والجماعة الإسلامية في مصر.

معسكر الباطل

يستخدم الكاتب في توصيله لأفكاره أسلوب ضمير المتكلم، فيقسم الناس إلى ثلاثة أقسام في فصل "أن أعيش للإسلام":

"الناس في هذه الدنيا 3 أصناف، فأي صنف من هذه الدنيا أنا يا ترى؟: صنف يعيش للدنيا، اعتقاداً أو واقعاً، وقد سمّاهم القرآن بالدهريين، والشيوعيون والعلمانيون ومن لفّ لفّهم، يصدرون من نفس المعتقد، وعندما يكفر الإنسان بوجود حياة بعد هذه الحياة يحاسب فيها الإنسان عما كسبت يداه، تصبح الدنيا أكبر همه، ومبلغ علمه، يعيش لها، ويلهث وراءها، ويغرق في شهواتها ولذائذها بدون حساب".

أما الصنف الثاني فهم: "عموم الناس الذين اضطربت معتقداتهم وضلّ سعيهم في الحياة الدنيا، وهم يحسبون أنّهم يحسنون صنعاً، وهؤلاء وإن كانوا مؤمنين بالله وباليوم الآخر، إلا أنّ معتقداتهم هذه صورية منفصلة انفصالاً كلياً عن واقعهم العملي، فهؤلاء مادّيون حقيقة، وإن كانوا يمارسون في الواقع بعض الطقوس الروحية".

بين طيات كلماته تتعالى ذروة ترهيب هذا الصنف؛ لأنّ الأول ميئوس منه، لا يحبّذ منظرو الجماعات بذل الجهد في محاولة جذبه واستقطابه؛ فيصنع الكاتب حالة من التنادي للصنف الآخر، "الذي يقبع بين المؤمنين والملحدين العلمانيين"، على حد تعبيره.

يدعو "يكن" الصنف الثاني، في محاوله لجذبه للصنف الذي ينتمي إليه: "صنف يعتبرون الدنيا مزرعة الآخرة، وهؤلاء هم المؤمنون حقاً، الذين يدركون حقيقة هذه الحياة، كما يدركون قيمة الدنيا من الآخرة".

فريضة الانتماء للجماعة

بذل الكاتب كل هذا الجهد حتى يصل إلى فريضة الانتماء للجماعة، مؤكداً على المقولات الإخوانية في أن العمل للإسلام لا يصح إلا وفق العمل في إطار الجماعة، ثم يبدأ في تفعيل الخطوة التالية في الإقناع، "هذه الجماعة هي جماعة الإخوان دون غيرها".

يواجه يكن المخاطبين بما يزعم أنها الأدلة: "يفرض عليّ الإسلام أن أعمل له ضمن جماعة، أن أتعاون مع العاملين غيري في الدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر "يد الله مع الجماعة وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية"، "عليك بجماعة المسلمين وإمامهم"، "الجماعة بركة"، "الجماعة رحمة والفرقة عذاب".. ينزع الرجل المفهوم الكلي للجماعة التي تعني الدولة أو الأمة، ليخصّ بها جماعته، بينما يرى غيره أنّ جماعة الإخوان تمثل "الغنم القاصية"، ولا تمثل الجماعة العامة.

يحدد يكن الهدف الأصيل لهذه الجماعة: "إنّ العمل للإسلام لإيجاد الشخصية التي تتمثّله عقيدة وأخلاقاً، لإيجاد المجتمع الذي يلتزمه فكراً وسلوكاً، لإيجاد الدولة التي تطبقه شريعةً ومنهجاً ودستوراً، وتحمله دعوة هادية لإقامة الحق والعدل في العالمين، إنّ هذا العمل، وما يحتاجه ويتصل به ويتفرع عنه ويتطلبه هو واجب إسلامي شرعي لا يسقط حتى تقوم "السلطة" التي تتولى القيام بهذه المسؤولية وترعى شؤون المسلمين".

يكن: إنّ تكاليف العمل للإسلام أكبر من أن يتصدّى لها إنسان بمفرده، فالعمل للإسلام يقتضى هدم الجاهلية برمتها

ويستطرد: "وما دامت هذه السلطة غير موجودة، فإنّ كل تقصير من العاملين أو قعود من المسلمين إثم، لا يرفعه إلا المبادرة السريعة للنهوض، بتكاليف العمل للإسلام، وإنّ ما يؤكّد وجوب العمل للإسلام، وأنه تكليفي وليس تطوعياً، كون وجوبه يقينياً".

ثم يعيد مرة أخرى أفكار الهدم: "إنّ معظم الأقطار الإسلامية إن لم يكن كلها، بأنظمة وضعية هي خليط من تشريعات يونانية ورومانية وفرنسية وغيرها، والنظم الاقتصادية السائدة في هذه الأقطار هي الرأسمالية والاشتراكية، مما يجعل العمل لهدم هذه الكيانات الجاهلية واجباً". ويتابع: "ترى الحركة الإسلامية، في تبني النظم الرأسمالية، والاشتراكية، والشيوعية، كفراً بالإسلام العظيم".

ثم يعزف مرة أخرى على إيقاع المعاول: "إنّ تكاليف العمل للإسلام أكبر من أن يتصدّى لها إنسان بمفرده، فالعمل للإسلام يقتضى هدم الجاهلية برمتها، وإقامة الإسلام مكانها.. ولا يقوى على النهوض به مع الجهد والمكابدة والمعاناة إلا تنظيم حركي يكون في مستوى المواجهة وعياً وتنظيماً وقدرة".

كل ذلك لإقامة دولة الإسلام؛ لأن "كثيراً من الواجبات الشرعية يتوقف تنفيذها وممارستها على إقامة الخليفة والإمام، وهذا بالتالي مرتبط بوجوب سلطة إسلامية، فكل التشريعات المتعلقة بالحكم والعقوبات، والسلم والحرب، والجهاد والصلح، والمعاهدة والمعاملات الاقتصادية، هذه وغيرها من جوانب التشريع الإسلامي لا يمكن تنفيذها إلا على طريق دولة تقوم على أساس الإسلام".

للمشاركة:

"الطريق إلى جماعة المسلمين".. قراءة في أخطر كتب التكوين السري للإخوان

2020-05-21

الاطلاع على المناهج التربوية والحركية للإخوان المسلمين كفيل بكشف جزء كبير ومهم من أهدافهم، ووسائلهم، وأساليب تعاملهم المرحلي "المداهن" مع المجتمع، والسلطة، وأجهزة الدولة، والقوى السياسية، وقادة الفكر والرأي، والمنشقين عنها، والجماعات الدينية الأخرى، ونظرتهم الحقيقية تجاه كل هؤلاء.
وقد وضع أعلام الإخوان مؤلفات أكثر من أن تحصى تروّج لأفكارهم وتؤسطر مؤسس حركتهم ورجالاتهم و"نضالاتهم"، لكن "الطريق إلى جماعة المسلمين" يعد أخطرها على الإطلاق، ومكمن خطورته أنّه يخلص إلى أنّ "الإخوان" هم الجماعة المرشحة لتخليص الأمة الإسلامية مما تعانيه من فساد وضياع مستخدماً  لغة "البحث العلمي"؛ إذ إنه في الأصل رسالة ماجستير نوقشت في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة نهاية السبعينيات لباحث إخواني يمني مغمور يدعى حسين بن محسن علي جابر، وقامت بطباعته أول مرة جماعة الإخوان المسلمين في الكويت العام 1984 من خلال مكتبتهم "دار الدعوة"، ثم توالت طبعاته في مصر حتى أنه صدرت منه 4 طبعات خلال 4 أعوام فقط (1987-1990)، ويكفي لإدراك أهمية هذا الكتاب معرفة أنّ من قدم له القيادي الإخواني التاريخي المستشار علي جريشة.

 يكشف الكتاب عن أن العنف وسيلة معتمدة مؤجلة لدى الجماعة الإسلامية حتى تحين اللحظة المواتية

يعد الكتاب المرجع الأساسي الذي يشكل العقل الخفي للقاعدة الإخوانية، وكان يدرس في مناهجها حتى وقت قريب في الأسر الإخوانية المنتظمة والعاملة، ويعتبر "المنافستو" الذي يلتزم به الأعضاء العاملون في الدعوة الفردية، وهو مصطلح في قاموس الأدبيات الإخوانية يعني "تجنيد الأعضاء الجدد".
ينبني هذا الكتاب الذي يقع في نحو 466 صفحة على مقولة تأسيسية، جاءت في الفصل الأول منه، وهي أنه "لا توجد جماعة للمسلمين"، ولذا فإن على المسلمين إنشاء هذه الجماعة، فإذ به يأخذ المتلقي في النهاية إلى مقولة أخرى، وهي أن جماعة الإخوان المسلمين هي نفسها جماعة المسلمين، والتي ستعيد "دولة الخلافة الإسلامية"، وذلك بعد أن يكون الكاتب قد قام بتهيئة عقل المتلقي، لاستقبال النتيجة دون التعرض للاندهاش المباغت.
انتظار اللحظة المواتية
ويكشف عن أن العنف وسيلة معتمدة لدى الجماعة، فأعضاء التنظيم يتربون على انتظار لحظة مواتية لاستخدامها، ويرسخ الأفكار العنفية، باعتبار أن دولة الإسلام المنتظرة لن تقوم إلا بعد معركة دامية بين الحق والباطل، وهو ما اشتهر بين دارسي الإخوان بمفهوم "العنف المؤجل"، أي العنف حينما يأتي وقته، وتقدر عليه الجماعة، ولا يكون له تبعات ولا حساب.
ويعرف الكتاب "جماعة المسلمين" بأنها " أهل الاسلام إذا أجمعوا على أمر فواجب على غيرهم من أهل الملل أتباعهم"؛ فلا تختلف "الإخوان" في هذا الشأن عن الجماعات التكفيرية، والتي ترى من نفسها، جماعة المسلمين، إلا أنّ هذا الكتاب شبه السري الذي استخرجناه من الصناديق المغبرة للجماعة، لا يرى حتمية القتال الفوري والآني، كما تراه غيرها من الجماعات التكفيرية؛ بل يعتمد المرحلية المتدرجة، حتى يصل في النهاية لمشهد إمبراطوري دموي، تقاتل خلاله الجماعة كل الأغيار عنها، بعد تخييرهم بين الالتحاق بركبهم، أو الجهاد ضدها.
يحدد الكتاب الارتباط بين الفكرة والتطبيق بواقع الحركة نفسها من حيث السلب والايجاب، مستشهداً بالرسول محمد -صلى الله عليه وسلم- الذي لم يحدد الدخول في مجابهة قريش عسكرياً في معركة بدر، إلا بعد أن تأكد من استعداد كافة قطاعات جيشه لهذه المجابهة.
تنضح سطور الكتاب، بتكفيرية واستعلائية واضحة، ويعتبر المرجع الأهم للباحثين عن روافد العنف المسلح والتكفير، الذي بدا تحولاً كبيراً وسريعاً ظهر في التنظيمات الدموية التي انبثقت عن جماعة الإخوان المسلمين بعد أحداث 30 حزيران (يونيو) 2013 في مصر.
فلا تختلف مضامين ما جاء في الكتاب، عما جاء في كتاب فقه المقاومة الشعبية، الذي أصدره في 25 كانون الثاني (يناير) 2015 القيادي بجماعة الإخوان المسلمين محمد كمال، الذي لقي مصرعه على أيدي قوات الأمن في العام 2016، واستخدمت فيه مصطلحات من عينة " الطائفة الممتنعة" و"أحكام دفع العدو الصائل".
فالكتاب يرى "ممانعة جميع الدول الاسلامية في تحكيم شرع الله، ورفع راية الجهاد لأنها تأمر بالمنكر، وتنهى عن المعروف، وتقمع من طلب عكس ما تريد، وإن الذين يسعون في ركابها بحسب ما تريد رغبة في التعايش السلمي معها مخطئون، وعليهم أن يتوبوا ويقلعوا عن الذي هم فيه، ويستغفروا الله".
حدود "الجماعة".. العالم كله
يحاول الكاتب بين الحين والآخر، تغذية المستهدفين، بما يطلق عليه، مبدأ سيسيولجيا الأمل، الذي ثبت تأثيره عند تلك الجماعات، لدى شرائح واسعة من الشباب المحبط، فيؤكد أن هدف تلك الجماعة هو "فتح" العاصمة الإيطالية روما، وعلى أن الكرة الأرضية ملك لها خالصة من دون الناس.
حدود تلك الجماعة، كما يكشف الكتاب، هي "العالم كله"، لكن التنفيذ يبدأ بديار المسلمين، ثم ينتقل للغزو بعد ذلك في اتجاه "دار الحرب"، حتى تعلو راية تلك الجماعة على المعمورة.
تنطلق الفكرة من قاعدة تقضي بأن للمسلمين ملكية الأرض جميعاً، واستيلاء "أهل الباطل" لبعض أجزائها، هو استيلاء منهم على حق من حقوق جماعة المسلمين، إلا أن الكاتب يعود ليؤكد مرة أخرى، على مبدأ الفتح التدريجي.

 يحاول الكاتب تغذية المستهدفين بالأمل الذي ثبت تأثيره عند تلك الجماعات خاصة بين الشباب المحبط

يحدد الكتاب هنا نقاطاً للوصول؛ الأولى: أن كل شبر على هذه "الأرض" قامت عليه جماعة من الناس تحكم نفسها بشرع الله، فهو "دار عدل"، ونقطة الانطلاقة الثانية: هي أن يتحد أهل دار العدل هؤلاء مع غيرهم، من دور العدل إن وجدت ليكونوا دولة واحدة، ثم نقطة الانطلاقة الثالثة: هي أن تنطلق جبهة دار العدل إن وجدت ليكونوا دولة واحدة.
ثم نقطة الانطلاقة الرابعة: أن تنطلق جبهة العدل المتحدة أو دولة دار العدل المتحدة إلى من حولها من الناس تبلغهم الأحكام وتخضعهم لأحكامه انطلاقة مستمرة "حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله".
أما الهدف العام لجماعة المسلمين كما يحدده الكتاب هي: "أن تعبد البشرية رباً واحداً وتتزعم مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن تزيل الفتنة من الأرض كافة وفتح رومية عاصمة إيطاليا".
التحذير من استعجال قطف الثمرة
ويحذر الكتاب من مغبة الدخول في المواجهة قبل امتلاك الأرض فيقول: إن الجماعة التي تحدد المواجهة مع السلطة على الأرض التي تقف عليها الجماعة نفسها جماعة تعبث بقوتها وتهلك أفرادها بأقل كلفة، وأيسر خسارة لتلك السلطة المهيمنة على تلك الأرض، وهي جماعة مقضي عليها بالفشل والهلاك، وهي بعيدة عن النهج النبوي والتوجيه الرباني.
ثم يعود الكاتب للتحذير مما يطلق عليه "استعجال قطف الثمرة قبل نضوجها" ويضرب بذلك مثالاً بشعب أريتريا مع إثيوبيا، وقضية مسلمي الفلبين مع حكومة الفلبين، ففي قضية شعب أريتريا أدخلته قياداته في مواجهة عسكرية مع حكومة إثيوبيا، وحكومة إثيوبيا هي القابضة على أرض ذلك الشعب، فكانت النتيجة أن قتل وشرد أكثر من ذلك الشعب وانسحبت القيادة تجر وراءها ذيول الفشل والخسارة.
وكذلك قضية مسلمي الفلبين "يقتلون جندياً واحداً من جنود الحكومة التي تحكم الأرض التي يقطنها المسلمون فتبيد الحكومة "الفاجرة" قرية أو عدداً من قرى المسلمين، كل ذلك لأن قيادة المسلمين حددت نقطة المواجهة مع تلك الحكومة قبل أن تملك الأرض التي سوف تنطلق منها إلى تلك المواجهة".
لا للتعددية
يخوض الكاتب حرباً ضد الجماعات الإسلامية من غير الإخوان المسلمين، فهو يرى أن "تعدد الجماعات في الأمة باطل يجب أن يزول، وأن الواجب أن تصب جهود الأمة كلها في قالب واحد وفي اتجاه واحد".
ويقف بالمرصاد ضد فكرة التعددية؛ بل إنه يرى في التعددية ظاهرة يجب القضاء عليها بالقتال قضاء مبرماً، وفي سوقه للأدلة على عدم وجود جماعة المسلمين يقول: "الإسلام لا يعترف بتعدد الحكومات التي تحكم الأمة الإسلامية، فالإسلام لا يعترف بغير حكومة واحدة على رأس الأمة الإسلامية، بل يطالب الأمة الإسلامية أن تقتل الحاكم الثاني مباشرة كما بينت النصوص الشرعية (إذا بويع لخلفتين فاقتلوا الآخر منهما)".
ويعود للسرد التاريخي ليحاول تأكيد صدقية مقولاته: "لو كان التعدد في الحكومات جائزاً لما قاتل عليٌّ معاوية القتال العادل، وأهدر دماء صفوة الأمة الاسلامية من الصحابة الكرام والتابعين الابرار، ولما سمى الرسول صلى الله عليه وسلم الجبهة المقاتلة لعلي الفئة الباغية".
السرية والكتمان
تعتبر السرية ركناً أصيلاً ومهماً عند تنظيم الإخوان، لا يرتبط بمرحلة معينة، ولا بظروف طارئة، فالجماعة عرفت السرية منذ إنشاء مؤسسها حسن البنا لــ"النظام الخاص" الذي اشتهر لاحقاً بـــ"الجهاز السري".. فقد أحاط البنا هذه القوة العسكرية الخاصة بقدر كبير من السرية والكتمان.
ويسقط الكاتب تاريخ السرية النبوية، على جماعة الإخوان، فيختلط السياق، وتندمج السردية؛ إذ تؤصل مناهج الإخوان لأهمية السرية، وتفرد لها مساحات واسعة، وكعادة الإخوان دائماً، تزعم كتب المناهج أن السرية هي اقتداء بالرسول -صلى الله عليه وسلم- الذي عرفت دعوته في مكة مرحلتين: الأولى هي سرية الدعوة وسرية التنظيم، والثانية هي علنية الدعوة مع استمرار سرية التنظيم.

 الكتاب يتهم جميع الدول الاسلامية بممانعة تحكيم شرع الله لأنها تأمر بالمنكر وتنهى عن المعروف

هو نفسه ما يقوله فتحي يكن في كتابه "ماذا يعني انتمائي للإسلام؟": "لا يجوز أن تكشف الحركة كل ما عندها من مخططات وتنظيمات، فليس في ذلك مصلحة على الإطلاق، بل إن ذلك يعد جهلاً بالإسلام، وتعريضاً للحركة وأفرادها لمكر الأعداء".
ولا يختلف ما جاء في هذا الكتاب عن سابقه؛ فعندما يعرض للوسيلة التي سيتحقق من خلالها أهداف الجماعة، فيكشف عن أنها "السرية" مبرراً لها بمقولة: "حتى لا تضرب الدعوة في مهدها"، ثم يعرض للوسيلة الثانية في بناء "الجماعة المسلمة" وهي "الجانب التنظيمي".
ويوضح الكتاب المقصود بالسرية في عمل بناء الجماعة فيؤكد أن "تنحصر معلومات خطة العمل في محيط القيادة العامة للعمل، وأن يجهل الأشخاص في العمل السري بعضهم بعضاً من حيث التكاليف والمهام، وأن يعلم كل واحد في العمل مهمته دون غيره، فلا تخرج معلومات مهام عمرو إلى زيد بحال من الأحوال".
وكل عمل ينقسم إلى قسمين من حيث وجوده في الحياة والعمل الإسلامي، قسم تنظيمي: ويجب أن يكون سراً، وقسم فكري وروحي: وهو الذي يجب أن يكون جهراً ضمن خطة مدروسة.
وتبقى السرية، مبدأً سارياً وممتداً، حتى بعد دخول مرحلة الدعوة العلنية، فيبقى جزء علني معروف للناس، ويظل الجزء الآخر في طي الكتمان، ويضرب بذلك مثالاً بما كان في عهد الجماعة المسلمة الأولى من إعلان أعلام قريش الذين أسلموا ولم تخش الدعوة عليهم سطوة الكفار بسبب قوة قبائلهم فكانوا الواجهة التي تدعو للإسلام.
وأما الطائفة الثانية فهي تمثل ضعاف المسلمين ممن لا سند لهم يدافع عنهم أمام سطوة قريش وجبروتها، فكان عملهم كله سرياً، وكانت مناهجهم كلها سرية.

تَقِيّة المرحلية
ويتوقف الكتاب عند قضية "المرحلية" أكثر من مرة؛ فهي إحدى أهم ركائز جماعة الإخوان، بل هي الإطار الحاكم لتصرفات وقرارات وخطاب الجماعة عبر عقود، وإدراكها يكشف تماماً طبيعة فكر الإخوان ونوايا الجماعة، فتحت مظلة "المرحلية"، تعطي الجماعة وعوداً تنوي إخلافها، وتتعهد بالتزامات تنوي عدم الوفاء بها.
فيرى الكاتب أن التدرج في الخطوات عند التنظيم من أهم ما يميزه؛ لأن ذلك كان من فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- لاعتقادهم أن كل دعوة لا بد لها من مراحل ثلاث: الدعاية والتعريف بالدعوة وإيصالها إلى الناس، ومرحلة التكوين وتجهيز الأنصار وإعداد الجنود، ومرحلة التنفيذ وهي مرحلة العمل والإنتاج.

 تحت مظلة "المرحلية" تعطي الجماعة وعوداً تنوي إخلافها وتتعهد بالتزامات تنوي عدم الوفاء بها

إن إدراك الموقف الحقيقي للإخوان من استخدام القوة والعنف لفرض رأيهم السياسي، أو للتخلص من خصومهم، هو أمر في غاية الأهمية، ليس فقط للإحاطة بحقائق الماضي، ولكن لإدراك سبل التعامل المناسب مع الجماعة مستقبلاً.
ومفهوم "المرحلية" عند الإخوان أن يكون للجماعة خطاب ومواقف تخدم تنظيمهم في مرحلة سياسية وزمنية معينة، حتى لو كانت هذه التصرفات مضرة بالصالح العام للمجتمع، وحتى لو كان هذا الخطاب يكذب على المخاطبين، وكتب الإخوان تعرف ما يسمى بـ"خطاب الاستضعاف" و"خطاب التمكين"، فالأول يتسم بمودة مصطنعة، وقبول للآخر، لا تظهر فيه الجماعة نواياها، والثاني تكشف فيه الجماعة عن أهدافها ووسائلها دون خوف أو تردد.
وقد تحدث سيد قطب في كتاب "معالم في الطريق" عن المرحلية معتبراً إياها سمة من سمات الدين، الذى يحدد لكل مرحلة وسائلها من بدء ميلاد طليعة البعث الإسلامي، وصولاً إلى مرحلة التمكين وإزالة الطواغيت، بتحطيم الأنظمة السياسية الحاكمة أو قهرها حتى تدفع الجزية.
 

الحشد والمفاصلة
أما عن وجوب اكتمال العدد؛ فيشدد الكاتب على أنه لا بد أن يصل عدد أفراد الجماعة الذين سيدخلون المعركة رقماً معيناً من الجيش المقابل، وأن يكون قرار بدء المواجهة من خصوصيات القيادة العليا للجماعة، وأنها لا تكون إلا بعد التمكين من الأرض الصالحة التي سيكون منها ذلك الانطلاق واكتمال العدد الذي ستكون به المواجهة.
ويصل الكاتب إلى أهم وسائل الجماعة إلى أهدافها الخاصة، وهي "وجوب إعادة أجهزة الإعلام والتعليم والاقتصاد وغيرها من أجهزة الدولة إلى الإسلام، ليتولى توجيهها ضمن حدوده وتشريعاته".، و"الضرب بيد من حديد على كل عناصر النفاق والفسق في الأمة وتطهير المجتمع منهم، وإعداد الأمة الإسلامية إعداداً يتناسب مع مطالب المرحلة القادمة من حيث الإعداد والعدة".
أما الوسائل العامة لجماعة المسلمين فهي: "إعلان مبادئ الإسلام للبشرية كافة من خلال أجهزة الإعلام في الدولة الإسلامية، مطالبة كافة البشرية بالدخول للإسلام لنسخه سائر الأديان، ومطالبة كافة الدول بالخضوع لتعاليم الإسلام، وفى هذا الباب سواء كانت هذه الدول غربية علمانية لا صلة لها باليهودية والنصرانية، أو شرقية اشتراكية لا تعترف بالأديان".
ثم يتبع ذلك "إعلان الجهاد المسلح والمستمر حتى النصر على كل من خالف ورفض مطالب جماعة المسلمين الآنفة، وذلك حسب أحكام ومراحل الجهاد المنصوص عليها في مواضعها من هذا الدين، وبحسب خطة وإمكانات تلك الجماعة المباركة".
ويحدد الكاتب محاور الانتقال من نقطة إلى نقطة أخرى؛ الأمر الذي يحدد نقاط الحركة بين الوسائل والأهداف في الجماعة، فالرسول لم يحدد الدخول في مجابهة قريش عسكرياً في معركة بدر إلا بعد أن تأكد من استعداد كافة قطاعات جيشه لهذه المجابهة.
ثم يتبع ذلك "إعلان الجهاد المسلح والمستمر حتى النصر على كل من خالف ورفض مطالب جماعة المسلمين الآنفة، وذلك حسب أحكام ومراحل الجهاد المنصوص عليها في مواضعها من هذا الدين الحنيف، وبحسب خطة وإمكانات تلك الجماعة المباركة"، وعند إقامة الجماعة المسلمة للدولة الاسلامية فإن أحكام الشريعة يجب أن تطبق بشكل كامل وفوري.

الإخوان.. المخلص الأوحد
ويخلص في النهاية إلى أن "الجماعة تتبرأ من كل الحكومات ولا تعترف بالدول التي لا تحكم بالإسلام"، مستشهداً بسعيد حوّى: "وبما أن ولاة الأمر في الأمة اليوم بين كافر أو منافق أو فاسق لا تصح موالاتهم، فأقرب جهة يجب أن يعطيها المسلم ولاءه هي أكمل الجماعات الإسلامية الموجودة في عصرنا الحاضر"، ليصل الكتاب بذلك إلى مبتغاه بأن يجير للإخوان المسلمين جميع مع ذكر من صفات "الجماعة" الصادقة؛ فهي التي يجب الالتحاق بركبها شرعاً؛ "من خلال دراستنا لمبادئها وأفكارها... يتقرر أنها أقرب الجماعات المرشحة لتخليص الأمة الإسلامية مما تعانيه من فساد وضياع، وأنها الجماعة التي سيكون على يدها عودة مجد الأمة الإسلامية وكرامتها بإذن الله"، فما تتمتع به "من الدقة والوضوح في النظام والتنظيم هو ما ينبغي على كل جماعة من الجماعات الإسلامية الاهتمام به، خاصة في هذا الوقت الذي نظم الكفر نفسه ليحول بين المسلمين وأهدافهم".
ثم يعرج على أهم الجماعات الإسلامية العاملة على الساحة ليكشف ثغراتها وعيوب منهجها ومن ثم مخالفتها للدين، ويحرضها على الالتحاق بالإخوان لأنها الجماعة المنوط بها الوصول لهدف إقامة الدولة والدين، كما يخاطب الفرد المستهدف بالدعوة الإخوانية من أجل إقناعه بأن جماعة الإخوان هي الجماعة الكاملة الربانية.
وبعد تفكيك الكتاب لمناهج الجماعات الإسلامية الأخرى المنافسة لجماعة الإخوان المسلمين، من خلال إثبات قصور مناهج تلك الجماعات، وعدم موافقتها لمراد الله، ليقدم بعد ذلك ما أسماه "الجماعة المرشحة" لأن تكون "جماعة المسلمين" التي تحمل راية الله في الأرض وتقيم دولة الخلافة الإسلامية".
وفي الختام يتطرق الكتاب إلى صفات مؤسس جماعة الإخوان المسلمين، حسن البنا، فيجعله كائناً قديساً اجتمعت فيه خصائص القائد الرباني الذي صنعه الله على يديه ليجدد لهذه الأمة دينها، ويصنع هو جماعة المسلمين التي ترجع للأمة عزها ومجدها فيقول "وقد كتب عن هذه الشخصية الفذة وعن جماعته الكثير من العلماء.. ولم يبق لي من مزيد سوى الاقتباس القليل بما يناسب المقام"، ثم ينقل عن حوّى: "إن المسلمين لم يروا مثل حسن البنا منذ مئات السنين في مجموع الصفات التي تحلى بها وخفقت إعلامها على رأسه الشريف.. كان لله بكلية روحه وجسده بقلبه وقالبه بتصرفاته كلها، كان لله فكان الله له واجتباه وجعله من سادات الشهداء الأبرار".

 

للمشاركة:

صناعة الإرهاب في خطاب القرضاوي.. قراءة في كتاب ''جيل النصر المنشود''

2020-05-17

ينطلق يوسف القرضاوي في كتابه ''جيل النصر المنشود'' من رؤية سوداوية إلى الواقع الرّاهن للمسلمين، ويصوّر حجم التأزّم والنّكوص، والضّلال الذي يرى أنّه يسود هذا الواقع، ويؤدّي به إلى الهزائم والانحراف عن ''المثال الإسلامي''، ويحدد ''قوانين النصر المنشود'' في ثلاثة؛ ويبين أنّها جميعاً مسجّلة في القرآن؛ وهي: أنّ ''النصر من عند الله''، وأنّ ''الله لا ينصر إلا من نصره''، وأن ''النصر لا يكون إلا بالمؤمنين''، ويرسم من ثم ملامح أولئك المؤمنين؛ أي من يسمّيهم ''جيل الدّعوة والجهاد، الذي سيعيد الأمة إلى مسارها الصّحيح''، والذي سيعود بالإسلام إلى ''ينابيعه الصّافية'' التي تتحدّد معالمها في حيّز الإسلام الأول الذي نزل به القرآن ودعا إليه الرسول وآمن به أصحابه، والأوصاف التي يقدّمها القرضاوي لهذا الجيل المنشود لا تكاد تنتهي على امتداد هذا الكتيّب الصّغير الأشبه بخطبة مسجدية مسترسلة، يطغى على نصّها الاستشهاد بالقرآن والحديث وأحداث فترة النبوّة، كما أنّها لا تكاد تخرج عن النّمذجة المبالغ فيها.

الإخوان هم الجيل المنشود!
ويؤكّد القرضاوي على الهوية الإخوانية التي ينتمي إليها، ويعتبر أن الإخوان المسلمين في الزمن الحاضر هم النّظير المماثل للصّحابة في زمن النبوّة، ويقول إنّ همَّ المصلحين الإسلاميين الواعين أن ينشأ في الأمّة جيل مسلم مؤمن جديد يستحق أن يسمّى ''جيل النّصر'' الذي يؤمن بأنّ العمل الجماعي لنصرة الإسلام واستعادة سلطانه فريضة وضرورة؛ ''فريضة يوجبها الدّين وضرورة يحتمها الواقع''؛ فللجماعة الإسلامية في تقدير القرضاوي مكانة كبرى تجعله لا يرى بناء ''الجيل المنشود'' بعيداً عنها، بل يعتبر أنّ ''إصلاح الفرد لا يتم إلا في ظل جماعة يعيش في كنفها''.
فكما أنّ النبي بدأ دعوته بتغيير العقائد السائدة في المجتمع القبلي الذي ظهر فيه، وتكوين ''الجماعة المؤمنة'' التي حملت لواء التغيير بالسيف، ومارست السياسة عبر امتلاك السلطة وتأسيس الدولة الإسلامية، فإن ما تفضي إليه أفكار القرضاوي من خلال هذا الكتيّب لا يخرج عن الالتزام بالتمشي ذاته دون إعادة فهم أو قراءة، ودون أي اختلاف أو تنسيب، ولكن مع كثير من الانتقاء؛ فالمنظومة الإسلامية التي يمثلها القرضاوي، هي منظومة تعيش حالة من التكرار والثبات، وتنشدّ إلى جزء من الماضي وتحاول استعادته في الحاضر والعيش فيه.

يعتبر القرضاوي أن الإخوان المسلمين في الزمن الحاضر النّظير المماثل للصّحابة في زمن النبوّة

وليس ''الجيل المنشود'' في ذهن القرضاوي سوى شخوص قائمة على أنماط مكرّرة ومشوّهة لنماذج إسلامية بعينها. فلو نظرنا في تاريخ الصّحابة، سنجد في سيرهم نجاحات وإخفاقات، وصراعات فيما بينهم، وانتصارات وهزائم، وظالماً ومظلوماً وقاتلاً ومقتولاً... ولكن القرضاوي يجعل منهم رموزاً للاقتداء، خاصة في الجوانب الحربية والقتالية التي وسمت تاريخهم التي يراها فاعلة في صناعة الجيل المنشود، ويرى أنّ على هذا الجيل أن يحمل من روحهم ''في مقاومة الردّة وحرب المرتدّين''، ويعمدُ إلى ذكر شخصيات لها سمات حربية وقتالية بأسلوب انتقائي واضح، ويستحضر أياماً ''كيوم خالد في اليرموك أو سعد في القادسية، أو عمرو في أجنادين...''، ويعتبر أنّ روحهم القتالية مجبولة بروح الصّحابة، وأنّهم لمحات مضيئة لا بد من استعادتها في شكلها الأكثر عنفاً وبطشاً، من أجل إعادة أسلمة المجتمع المعاصر.

الوصول إلى السّلطة
وتكون أسلمة المجتمع بحسب هذا الخطاب أوّلاً، ويليها بعد ذلك السّيطرة على الحُكّام ومحاولة امتلاك السّلطة، وإخضاع المجتمع لمسلّمات عقائدية وفكريّة تفضي به إلى الشكل النّهائي للمجتمع الإسلامي الذي يتحدّد بواسطة الدّولة الإسلامية المنشودة، ولعل الخطر الذي ينطوي عليه هذا الخطاب يتبيّن بوضوح في مستوى الغايات والمقاصد التي يقوم عليها فهم القرضاوي للمجتمع والوسائل التي يطرحها لتغييره، والصّورة النّهائية التي سيكون عليها المجتمع الإسلامي ومن ثم الدولة الإسلامية، وهي من دون شكّ صورة مرعبة إذا ما تمثّلنا حجم العنف المعنوي والمادي الذي تنطوي عليه.
فأسلمة المجتمع تمر وجوباً عبر اعتماد أحكام الشّريعة وتطبيقها في المجتمع والدّولة، انطلاقاً من القول بأنّ ''الشريعة هي المنهاج والقرآن هو الدستور''، فلا اعتبار مطلقاً لدى القرضاوي لمنهاج أو شريعة من وضع بشر مثله. ولا نعرف ما إذا كان هذا الطّرح الذي يقدمه يستبطن طرقاً ما لكيفيات استنباط تلك الأحكام في المجتمع، ومن سيقوم بذلك ومن سيتولى الحكم بها؛ فعندما نقول إنّ القرآن هو الدّستور، فذلك يعني أن نتجاهل أنّه نزل بلغة بشرية تحتمل تعدّد القراءة وتعدّد الفهم والتّأويل، وأنّ إصدار الأحكام منه لا بد أن يمر بتدخّل بشري، وأنّ أحكام الشّريعة المستنبطة من القرآن لا يمكن أن تكون إلهية مطلقاً، وأنّ مقولة ''إن الحكم إلا لله وحده'' إنّما هي مطيّة يحمّلها القرضاوي أهواءه العنفيّة والتسلّطية من أجل الهيمنة.

بحسب خطاب القرضاوي الأولوية لأسلمة المجتمع ويليها السّيطرة على الحُكّام ومحاولة امتلاك السّلطة

تكفير العلمانية
ويهاجم بناء على ذلك العلمانية، وينسبها إلى النّخب اللادينية، ويعتبرها نوعاً من الاستعمار الثّقافي الذي يعزل الشّعوب عن دينها، ويحشو أذهانها بمفاهيم خاطئة عن الإسلام وشريعته وتاريخه وأمّته، ويرى أنها مؤامرة الهدف منها منع الدّين من أن يقود الحياة أو يتدخّل في المجتمع بالتّشريع أو التّوجيه أو التنفيذ. ولا يخفى أنّ فهم القرضاوي للعلمانية فهم موجّه يغلب عليه التّضليل والمغالطة، فالعلمانية لا تفصل الشعوب عن دينها وإنّما هي فصل بين الدين والسّياسة. ولذلك فالقرضاوي لا يكفّر العلمانيين فحسب؛ بل كل من لا يقولون بالدولة الدينية، سواء كانوا شيوعيين أم ليبراليين أم غيرهم... ويرميهم بالفجور والإلحاد، والتّآمر على الأمّة وعلى الدّين، ويعتبرهم مرتدّين عن الإسلام، ومن ثم يوجب أن تطبّق عليهم حدود الردّة.
ويبدو جلياً في خطاب القرضاوي سعيه إلى بعث الفرقة في النّسيج المجتمعي عبر استغلال الاختلافات الاجتماعية والعقائدية والتّأسيس عليها؛ من خلال تعميق الخلاف بين أفراد المجتمع، وتقسيمه إلى مؤمنين وكفّار... لينتهي إلى إحداث شكل من التّدافع القائم على الفرز الأيديولوجي؛ وبالتّالي فخطابه يهيئ المنطلقات اللازمة للتناحر والتّقاتل والاحتراب الدّاخلي بين أفراد المجتمع الواحد والتحكّم فيه والعمل على تخضيعه بالقهر والعنف والإرهاب.

''جيل معارك لا تنتهي''
كما يهاجم القرضاوي حكّام المسلمين استناداً إلى الاعتبار نفسه القائل بالمؤامرة، ويرى أنّهم بحكم نشأتهم وتربيتهم ومصالحهم وولاءاتهم، مرتبطون بالمعسكرات المعادية للإسلام، وأنّهم لهذا ''يخشون من حُكمه أن يعود، ويخافون من تعاليمه أن تسود وتقود''، ولا ينفكّ يصفهم بـ ''الطّاغوت''، ويدعو إلى الجيل المنشود الذي سيخرج عليهم وسيقاوم ظلمهم... والحقيقة أنّ القرضاوي لا يدعو إلى حكّام أقل ظلماً ولا أقل بطشاً، فلا تبدو تلك غايات خطابه في هذا الكتيّب، وهو لذلك لا يتحدّث عن صفات بعينها لحاكم ما، عدا أن يكون متوافقاً مع شروط الدّولة الدينية، ومردّ ذلك أنّه لا يرى لهذه الدّولة حدوداً قطريّة، وإنّما هي مفهوم شامل يخترق الكيانات الضيّقة وحدود الدّول القائمة.

خطاب القرضاوي يهيئ المنطلقات اللازمة للتناحر والتّقاتل والاحتراب الدّاخلي بين أفراد المجتمع الواحد

لذلك فمفهوم الصّحوة الإسلامية المنشودة يتجاوز حدود الصّراع الضيّق على الهيمنة واكتساب السّلطة في الدّولة الواحدة، نحو التوسّع اللانهائي لقاعدة الصّراع والعنف، ليشمل الدّول والكيانات السّياسية المخالفة، وبالتّالي يستعيد القرضاوي التّاريخ التوسّعي للدولة الإسلامية، ويجعل من مهام الجيل المنشود أن يدير الصّراع على مستويات متعدّدة في الدّاخل والخارج؛ فهو كما يصفه ''جيل معارك لا تنتهي'' وهو جيل ''صراع متواصل مع الفجرة في الدّاخل والكفرة في الخارج'' و''أرض الله كلّها ميدانه''، ويرى القرضاوي الجهاد فرضاً على المسلمين جميعاً ''يجاهدون في سبيل الله في كل معركة تطلبهم وبكل سلاح يمكنهم، قد يكون باليد إذا كان لا بد من اليد تحمل المدفع، وقد يكون بالمال إذا احتاج الجهاد إلى المال، وما أحوج الجهاد إلى المال''.

 القرضاوي لا يكفّر العلمانيين فحسب؛ بل كل من لا يقولون بالدّولة الدينية ويرميهم بالفجور والإلحاد والتّآمر على الأمّة

الوسطية الكاذبة
منطق الجهاد والقتال والتكفير هو الذي يحكم خطاب القرضاوي ويوجّهه إلى صناعة جيل أشبه ما يكون بالقنبلة الموقوتة أو العبوّة النّاسفة التي يمكن أن تنفجر في وجه المسلمين أنفسهم، كما يمكن أن تنفجر في وجه العالم في أي لحظة ومن أيّ مكان.
من المؤكّد أنّ خطاباً بمثل هذا المحتوى العنفي والظلامي، وبمثل هذه الأهداف التوسّعية المكشوفة، يمثّل تهديداً خطيراً للأمن الداخلي للدّول سواء كانت إسلامية أو أجنبية، ولكنه رغم ذلك يحافظ على وجوده وعلى استمراره، ورغم معاداته الشديدة للحداثة فإنه يستفيد من آخر منتجاتها الاتّصالية، كما يستفيد من تغيّر موازين النفوذ العالمي، وقد شهد العالم وما يزال عمق أثره في الواقع، وقدرته على الاستقطاب وعلى التأثير، ولعلنا بإعادة قراءة هذا الكتيّب ''جيل النصر المنشود'' نساهم في كشف الصورة الحقيقية لهذا الخطاب من داخله؛ وهي صورة بعيدة كل البعد عمّا يسوّق إعلامياً عن وسطيّة القرضاوي واعتداله، فيكفي أن نتساءل ما الذي يميّز أشد الظواهر الإسلامية عنفاً وأكثرها إرهاباً في العالم، من أمثال ''القاعدة'' و''طالبان'' و''داعش'' و'' جبهة النصرة''... عن ''جيل النصر المنشود'' الذي ينادي به القرضاوي في هذا الكتيّب؟ لنكتشف ألا اختلاف بين هذا وأولئك على الإطلاق، ولا يعدو القرضاوي بوسطيّته المتطرّفة الكاذبة في اعتدالها في النهاية إلا أن يكون واجهة أخرى لحالة بن لادن، والزرقاوي والبغدادي وأمثالهم.
 

للمشاركة:



تحركات جديدة لحزب الإصلاح الإخواني في عدن.. ما أهدافها؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-05-27

أثارت كثير من التسريبات التي تحدثت عن قرب التوافق على بنود ملحق تنفيذي جديد لاتفاق الرياض، بين قيادات المجلس الانتقالي الجنوبي والحكومة الشرعية، غضب واستهجان قيادات سياسية ووجهات إعلامية تابعة لحزب الإخوان المسلمين.

أثارت تسريبات تحدثت عن توافق جديد لاتفاق الرياض غضب واستهجان قيادات إخوانية في اليمن وخارجه

وذكرت مصادر، وفق ما أوردت صحيفة "العرب" اللندنية، أنّ "وجود قيادة المجلس الانتقالي الجنوبي في العاصمة السعودية منذ أيام، وتسرب أنباء عن قرب التوافق على بنود ملحق تنفيذي جديد لاتفاق الرياض، أثارا غضب التيار الإخواني المدعوم من قطر وتركيا داخل الحكومة، في ظل تنامي مخاوف هذا التيار من خسارة ما يعتبرها استحقاقات سياسية مكّنته من السيطرة على محافظات غنية بالنفط والغاز مثل شبوة، وحضرموت".

وترافقت الجهود التي تبذلها السعودية لتنفيذ اتفاق الرياض مع تجدد الخطاب الإعلامي والسياسي الإخواني المطالب بدور لتركيا في المشهد اليمني. وكشف ناشطون وإعلاميون يمنيون وعرب من جماعة الإخوان وجود مخطط تركي جاهز للتدخل في اليمن.

وفي الإطار ذاته كتب السياسي الإخواني الكويتي ناصر الدويلة، في تغريدة على تويتر، حظيت باستحسان إعلاميين وناشطين من إخوان اليمن: "نظراً لتطاول الحرب في اليمن أقترح أن يُمنح الأتراك دوراً في البلد وستنتهي كل الخلافات فوراً. واقترح أن تُمنح تركيا قاعدة في جزيرة سوقطرى، تدير منها عمليات دعم الشرعية في اليمن والصومال وتضبط الأمن في بحر العرب بالتنسيق مع دول المنطقة".

واستبق مستشار الرئيس اليمني ونائب رئيس مجلس النواب عبدالعزيز جباري، نتائج الجهود التي تبذلها الرياض لدفع الأطراف الموقّعة على الاتفاق لتنفيذه وفق برنامج مضبوط بمواعيد زمنية، من خلال رفض أي مخرجات في هذا الاتجاه.

وكتب جباري في تغريدة مثيرة للجدل، على حسابه في "تويتر" قبل أيام: "إذا صحت الأخبار المسربة بخصوص ما يسمى بملحق لاتفاق الرياض وفرض تسمية رئيس حكومة جديدة بإرادة غير يمنية، فخير للرئيس ونائبه الانسحاب من المشهد السياسي بدلاً من البقاء المذل".

هذا وتحول حزب الإصلاح الإخواني في اليمن إلى الشارع في محاولة مكشوفة لشراء الدعم الشعبي بعد فشل جهوده الميدانية ضد القوات الجنوبية في محافظتي شبوة وأبين جنوب البلاد.

حزب الإصلاح الإخواني يحاول شراء الدعم الشعبي بعدن بعد فشل جهوده الميدانية ضد المجلس الجنوبي

ونظم الحزب عدداً من التظاهرات في عدن رفع خلالها شعارات مناصرة لوزير الداخلية المحسوب على حزب الإصلاح والدول الراعية له كقطر وتركيا، أحمد الميسري، والذي يحاول الإخوان إعادته مجدداً لتصدر المشهد في عدن.

واقتصرت التظاهرات على تمجيد الميسري، وقادة في الشرعية محسوبين على الإخوان، والإساءة للمجلس الانتقالي الجنوبي، ودول التحالف العربي لدعم الشرعية، دون أن تؤازر حزب الإصلاح صراحة أو ترفع شعاراته، فيما قال مراقبون إنها حيلة أراد فيها حزب الإصلاح تصوير التظاهرات على أنّها تعبير عن مطلب الشارع وليس عن أجندة الإخوان، لكن سرعان ما انكشف المخطط لتلك التظاهرات، وفق ما أوردت مؤسسات إعلامية يمنية.

وقال شاب شارك في مظاهرات نظمتها مجموعات ممولة من حزب الإصلاح في عدن الأسبوع الماضي لـموقع "الرؤية" إنّه انضم للمظاهرات بعد حصوله على مقابل مادي.

وقال الشاب، الذي اشترط عدم ذكر اسمه: "حصلت على 10 آلاف ريال (نحو 17 دولاراً) مقابل الخروج مع زميلي في العمل في التظاهرة قرابة نصف ساعة، ورفضت الخروج في اليوم التالي عندما لم أحصل على المقابل".

وقالت مصادر محلية إنّ الحزب الإخواني استدرج من خلال خلاياه الموجودة في محافظة عدن سكاناً آخرين للتظاهر مقابل المال وسط تفشي وباء كورونا في المدينة.

وقال مصدر أمني لموقع "رؤية"، إنّ الهدف الذي يسعى إليه حزب الإصلاح من وراء هذه الأفعال مدفوعة الأجر، هو محاولة إرباك الوضع في الجنوب ومحافظة عدن خاصة لعرقلة جهود المجلس الانتقالي في تطبيع الحياة بالمحافظة، التي بات الانتقالي مسؤولاً عنها أمام الجماهير منذ إعلانه الإدارة الذاتية في 25 نيسان (أبريل) الماضي.

للمشاركة:

الإمارات تدعم القطاع الصحي في طاجيكستان

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-05-27

تواصل دولة الإمارات العربية المتحدة مدّ يد العون للكثير من البلدان المتضررة بسبب تفشي فيروس كورونا، بإرسال إمدادات طبية لمساعدة العاملين في مجال الرعاية الصحية في مواجهة الجائحة.

وفي هذا السياق، أرسلت دولة الإمارات، اليوم، طائرة مساعدات تحتوي على 10 أطنان من الإمدادات الطبية إلى طاجيكستان، لدعمها في الحد من انتشار فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19)، وسيستفيد منها أكثر من 10 آلاف من العاملين في مجال الرعاية الصحية، وفق ما أوردت وكالة الأنباء الإماراتية (وام).

الإمارات ترسل طائرة مساعدات من الإمدادات الطبية إلى طاجيكستان لدعمها في الحد من انتشار كورونا

وقال سفير الدولة، غير المقيم لدى طاجيكستان، الدكتور محمد أحمد الجابر: "إنّ السعي من أجل عالم أكثر صحة وأمناً هو أولوية لدولة الإمارات، التي كرست موارد هائلة لتعزيز الجهود العالمية ضد (كوفيد-19) منذ بداية الأزمة".

وأضاف الجابر: "مع تسليم المساعدات الحيوية اليوم إلى طاجيكستان، تؤكد دولة الإمارات أنّها ماضية في التعاون والتضامن مع الدول الأخرى لمساعدتها على مكافحة هذا الفيروس".

هذا ووزّعت هيئة آل مكتوم الخيرية بتوجيهات من نائب حاكم دبي وزير المالية الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم، أكثر من عشرين طناً من المواد الغذائية على الأسر الفقيرة في بوروندي تشمل "سلال رمضان" التي تحتوي على الأرز والسكر ودقيق الذرة الشامية.

هيئة آل مكتوم الخيرية توزع أكثر من عشرين طناً من المواد الغذائية على الأسر الفقيرة في بوروندي

كانت الهيئة نظمت أيضاً برنامج إفطار جماعي حضره عدد من الأئمة والدعاة والشخصيات الرسمية والشعبية ورؤساء المنظمات المحلية النسوية والدعوية .

من جانبه، قال مدير مكتب الهيئة في بوروندي، هاشم محمد إبراهيم موسى: إنّ برنامج إفطارات هيئة آل مكتوم الخيرية وتوزيع السلال الغذائية لقي ترحيباً واسعاً من كافة القطاعات المستفيدة، التي أشادت بدور دولة الإمارات المعطاءة وجهودها الخيرية، موجهين الشكر والامتنان للشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم على هذه المكرمة، وسائلين الله، عز وجل، أن يجزيه خير الجزاء ويجعلها في ميزان حسناته.

يذكر أنّ مكتب الهيئة في بوروندي تم افتتاحه أواخر 2019 وتنفذ الهيئة حالياً مشروع مدرسة الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم في إقليم رومبينقي ويضم مدرسة ثانوية ومسجداً وعيادة طبية .

وتجدر الإشارة إلى أنّ دولة الإمارات قدمت حتى اليوم أكثر من 651 طناً من المساعدات لأكثر من 56 دولة، استفاد منها نحو 651 ألفاً من العاملين في مجال الرعاية الصحية.

للمشاركة:

حزب العدالة والتنمية التركي الإسلامي يتعرض لهجمات غير مسبوقة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-05-27

يتعرض حزب العدالة والتنمية الإسلامي الحاكم في تركيا إلى هجوم غير مسبوق من قبل عدد كبير من السياسيين والحزبيين على خلفية ما تردد حول سعي الحزب إلى إجراء تعديلات على قانوني الانتخابات والأحزاب السياسية لمنع أحزاب معينة من الدخول إلى البرلمان.

  آخر تلك الهجمات جاءت على لسان وزير الاقتصاد التركي السابق ورئيس حزب "الديمقراطية والتقدم" علي باباجان، الذي أكد في تصريح صحفي، أنّ لدى حزبه خططاً بديلة في حال حاول الرئيس رجب طيب أردوغان وحكومته عرقلة مشاركته في الانتخابات المقبلة.

باباجان: أردوغان ارتكب أخطاء فادحة على جميع المستويات والسياسات الداخلية والخارجية

وشدد المنشق عن الحزب الحاكم، على أنّ الشعب سيفعل اللازم في الانتخابات المقبلة بعد أن دمّر أردوغان النظام الديمقراطي في البلاد بتغييره النظام السياسي من برلماني إلى رئاسي، وفق ما أورد موقع "العربية".

وقال باباجان: إنّ أردوغان ارتكب أخطاء فادحة على جميع المستويات والسياسات الداخلية والخارجية، وأفسد كل شيء بعد أن سيطر على جميع أجهزة الدولة.

وأشار إلى أنّه قضى بشكل كامل على استقلالية القضاء، ما جعل الأوساط المالية العالمية تشكك بمجمل سياساته الاقتصادية والتجارية والمالية.

وأشار باباجان إلى ملفات الفساد الخطيرة التي تطال أقطاب سلطة أردوغان، لافتاً إلى أنّ الشعب التركي ضحية لسياساته الطائشة وأنّ الأزمة المالية التي تعصف بالبلاد على وشك أن تدمرها.

ورأى أنّ أردوغان "يعمل على إشاعة مناخ من الخوف في البلاد واعتاد أسلوب التهديد لكل من يخالفه".

بدوره، قال رئيس حزب المستقبل، أحمد داود أوغلو، إنّه لن يكون هناك شيء في تركيا اسمه حزب العدالة والتنمية في المستقبل، مؤكداً أنّ عدد الأشخاص الذين يشعرون بالرضا من الاتجاه الذي يسير فيه حزب العدالة والتنمية "قليلون جداً".

أحمد داود أوغلو: لن يكون هناك شيء في تركيا اسمه حزب العدالة والتنمية في المستقبل

وأشار داوود أوغلو إلى أنّ اقتراح رئيسة حزب الخير، ميرال أكشينار، بجلوس رؤساء جميع الأحزاب السياسية بتركيا على طاولة واحدة لمناقشة الأوضاع الراهنة، كان اقتراحاً حيوياً للغاية، وأنّهم انتظروا أن يلبي أردوغان الدعوة ويدعم الاقتراح، لكن اتضح أنّ أكبر مشكلة تواجهها تركيا هي عدم الاهتمام بالآراء وقلة الاستشارات.

وقال رئيس حزب المستقبل، في تصريحات نقلتها منصات تركية معارضة: "أرى أنّ الانحياز للاستبداد تمكن من السيطرة على أشخاص ظهروا كانوا عاديين من قبل، فأصبح الاستبداد مثل الثقافة. الاستبداد مرض عالمي. لا أعتقد أنّ هذا الهيكل الاستبدادي الموجود بتركيا سيبقى".

وأشار إلى أنّه شعر بحرية أكثر في اليوم الذي قرر فيه أن يترك منصبه كرئيس للوزراء، مؤكداً بأنّ السلطة الحاكمة حينها أردات أن تجعل منه دُمية في ذلك الوقت لمدة 20 شهراً.

وأوضح أوغلو أنّ تركيا أصبحت تعاني مؤخرًا من مشاكل في الحريات، وتعاني أيضاً من مشاكل حول العدالة، وقال: "خرجت العصابات من السجون وبقي الصحفيون بالداخل. وزادت نسبة الفقر".

للمشاركة:



كورونا يتمدد باليمن.. صنعاء على شفا كارثة لتكتم الحوثي

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-05-27

باتت العاصمة اليمنية صنعاء على شفا كارثة صحية مع اتساع رقعة فيروس كورونا الجديد، وإنكار المليشيا الحوثية التي تسيطر عليها، رغم تسجيل عشرات الإصابات والوفيات خلال الأيام الماضية، وفقا لمصادر حكومية وطبية.

وطالبت مصادر طبية، بإعلان صنعاء مدينة منكوبة جراء تفشي الوباء، وتقاعس مليشيا الحوثي بتحمّل مسؤولياتها، بالتعتيم على وجود المرض، وإدارة كورونا عبر التوظيف السياسي، في محاكاة للطريقة الإيرانية.

وفيما أعلنت المليشيا رسميا عن تسجيل 4 إصابات فقط، أكدت مصادر طبية لـ"العين الإخبارية"، أن عدد الحالات المؤكدة التي تم التكتم عليها منذ أواخر أبريل/نيسان الماضي بصنعاء، تجاوزت 2000 إصابة بينها 200 حالة وفاة.

وقالت المصادر، إن المليشيا قامت بإرهاب أهالي المصابين وطالبتهم بعدم كشف الحقائق كما تم اعتقال عدد من الطواقم الطبية في مستشفى الكويت الجامعي، الذي تم تخصيصه كمركز عزل رئيسي بصنعاء.

وخلافا للإنكار، أكدت مصادر محلية بصنعاء لـ"العين الإخبارية"، أن التساهل الحوثي في التصدي للوباء، ساهم في سرعة انتشار الفيروس، حيث سمحت المليشيا للمئات بحضور جنازات أشخاص توفوا بالفيروس، كما تم فتح مجالس عزاء حضرها المئات وهو ما جعل الوباء يتفاقم.

ومع اتساع رقعة الفيروس، وتعالي نداءات استغاثة سكان صنعاء، طالبت الحكومة اليمنية الشرعية، من منظمة الصحة العالمية بالكشف عن الأرقام الحقيقية لكورونا في صنعاء، وعدم التماهي مع التعتيم الحوثي.

ودعا وزير الصحة، ناصر باعوم، في مذكرة لممثل الصحة العالمية باليمن، ألطاف موساني، اطلعت عليها "العين الإخبارية"، المنظمة الدولية بالشفافية، وحمّله مسؤولية تفشي الوباء داخل صنعاء.

وزير الإعلام بالحكومة الشرعية، معمر الإرياني، قال من جانبه، إن المعلومات الواردة من صنعاء ومناطق سيطرة المليشيا الحوثية حول ضحايا كورونا، تحمل مؤشرا كارثيا عن مستوى تفشي الفيروس وانعدام الرعاية الطبية، في ظل استمرار الانقلابيين بسياسة الإنكار وتعريض حياة الملايين للخطر".

واتهم الوزير اليمني، في بيان نشرته وكالة "سبأ" الرسمية، المليشيا الحوثية باستنساخ طريقة النظام الإيراني في إدارة ملف ‎كورونا عبر التوظيف السياسي للوباء العالمي، وإخفاء البيانات والمعلومات عن المنظمات الدولية والرأي العام المحلي.

كما اتهم الوزير الإرياني، المليشيا بـ"تصفية المصابين والمشتبه بإصابتهم، والتساهل بالإجراءات الاحترازية والوقائية، وإنكار حقيقة وحجم تفشي الوباء رغم إصابة كبار قياداته".

ووجه الإرياني، نداء استغاثة للمجتمع الدولي والأمين العام للأمم المتحدة ومبعوثه الخاص إلى اليمن، مارتن جريفيث، ومنظمة الصحة العالمية لإنقاذ ملايين اليمنيين في صنعاء ومناطق سيطرة المليشيا من جرائم الابادة الجماعية التي يرتكبها الحوثيون.

ولم يتوقف التنديد الحكومي عند ذلك، حيث وصف "عبدالملك المخلافي"، مستشار الرئيس اليمني، ما يحدث في صنعاء من تغطية على انتشار الوباء بأنه "جريمة".

وأضاف المخلافي، في تغريدة عبر "تويتر": "إصرار الحوثي على الحرب والموت جريمة، الشعب اليمني يتعرض لإبادة جماعية متعمدة من قبل الحوثي".

وخلافا للتعتيم الحوثي بصنعاء، أعلنت وزارة الصحة بالحكومة الشرعية، أن المناطق المحررة، سجلت حتى مساء الثلاثاء، 249 حالة إصابة مؤكدة، من بينها 49 حالة وفاة، فيما تعافت 10 حالات.

كورونا يصل لقيادات الحوثي
ورفضت المليشيا الحوثية الاعتراف بوجود فيروس كورونا في صنعاء، وقامت بتسويق عدد من الخرافات، أبرزها أن كورونا صنيعة أمريكية، وأن أمريكا تكن العداء لهم فقط وتشن عليهم مؤامرة تهدد جباتهم القتالية.

وطالب وزير الصحة الحوثي، طه المتوكل، الناس في مناطق سيطرتهم بـ"الاستغفار والدعاء"، من أجل التصدي للفيروس، بعد أيام من إعلانه تسجيل 4 إصابات فقط، قال إن 2 منها تماثلت للشفاء.

وفي تطابق مع ما يقوله خطباء المساجد بمناطق الحوثيين، ظهر القيادي الحوثي، شفيع ناشر، في إحدى القنوات التابعة لهم، يطالب الناس بالتوجه إلى جبهات القتال الخاصة بهم وعدم الموت في المنازل  كالبعير.

وكانت المفارقة، أن القيادي ناشر، والمعيّن مستشارا في وزارة الخارجية التابعة للانقلاب، أصيب بالفيروس منتصف رمضان، وأعلن عن وفاته، مساء أمس الإثنين في أحد مراكز العزل بصنعاء.

وفي مؤشر على تفشي الفيروس داخل الوزارة، أقرت خارجية الحوثيين بوفاة السفيرين محمد الوزير وعبدالواحد العديني، بالإضافة إلى المستشار شفيع ناشر.

كما خطف الفيروس مفتي المليشيا محمد علي مرعي، وأبرز الشعراء الداعمين للانقلاب، حسن عبدالله الشرفي، والشيخ عبدالكريم السيلي، والدكتور أحمد المؤيد، فضلا عن قيادات عسكرية وأمنية.

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:

تركيا المحاصرة بين قرارات مؤتمر برلين وتطبيق خطة ايريني

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-05-27

على الرغم من موجة التفاؤل ونشوة النصر الكاذبة التي تعتري أوساط حكومة العدالة والتنمية بعد انجازات حققتها على الارض بشكل مباشر الا ان استحقاقات اخرى ما تزال بانتظار انقرة.

المجتمع الدولي لا ولن يدع تركيا أن تنفرد بليبيا وتنهب ثرواتها وتشكّل نظامها السياسي وهي أحلام اردوغانية غير واقعية.

أوروبا المحاذية لليبيا والمتشاطئة معها تستند الى شرعية قرارات مؤتمر برلين وتطبيق مشروع ايريني في محاصرة امدادات تركيا من السلاح لحكومة الوفاق والجماعات المسلحة وخاصة الإخوانية التي تسامندها.

يأتي ذلك في وقت قدّم فيه رئيس مجلس النواب الليبي عقيلة صالح مبادرة جدية الى المجتمع الدولي لفرض تسوية سياسية عادلة تراعي التوازنات العسكرية وتقطع مع اتفاق الصخيرات الذي رسخ سطوة الإسلاميين بعد انقلابهم على نتائج الانتخابات التشريعية في ما عرف حينئذ بـ”انقلاب فجر ليبيا"، وذلك بحسب تقرير لصحيفة العرب اللندنية.

وقال المستشار الإعلامي لرئيس مجلس النواب فتحي المريمي “نحتاج إلى بعثة الأمم المتحدة والمجتمع الدولي للإشراف على هذه المبادرة وبمشاركة الدول الكبرى بما فيها روسيا والولايات المتحدة لمساعدة الشعب الليبي على الخروج من أزمته”.

وعاد عقيلة صالح، السبت، ليطرح مبادرته التي كان قد أعلن عنها نهاية أبريل الماضي، تزامنا مع تراجع الجيش في عدة محاور على وقع تزايد وتيرة التدخل التركي الذي جاء ليدعم ميليشيات حكومة الوفاق بالأسلحة والمرتزقة السوريين، من بينهم قيادات في تنظيم داعش وجبهة النصرة.

وقال عقيلة صالح في بيان بمناسبة العيد ”إن انسداد العملية السياسية بتجاهل مخرجات مؤتمر برلين وفي ظل مخاطر الغزو الأجنبي وتوقف إنتاج وتصدير النفط وهبوط أسعاره وارتفاع سعر الصرف وتأثيرات وباء كورونا على اقتصاديات الدول وسيطرة المجلس الرئاسي غير الشرعي والجماعات والميليشيات والعصابات المسلحة على المصرف المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط، بالإضافة إلى المصارف الخارجية وشركات الاستثمار الخارجي، سيخدم هذه الجماعات ويمكنها من تعزيز سيطرتها على العاصمة والاستمرار في ارتكاب جرائم النهب لثروة الليبيين”.

وأضاف صالح “أن نجاحنا في إعادة تشكيل المجلس الرئاسي وتشكيل حكومة وطنية والوصول إلى آلية لتوزيع الثروة سيمكننا من توفير الميزانيات للصرف على احتياجات المواطنين وتيسير سبل الحياة الكريمة ويدعم جهود وتطوير المؤسسة العسكرية لتقوم بدورها في محاربة الإرهاب وحماية الحدود والحفاظ على سيادة الدولة”.

ولا تلقى مبادرة عقيلة صالح ترحيبا من قبل الجيش، وهو ما عكسته كلمة قائده المشير خليفة حفتر الذي دعا، في كلمة بمناسبة العيد، الجنود إلى الاستمرار في القتال. ويعد البرلمان ورئيسه أحد أبرز حلفاء الجيش منذ 2014.

ولإقناع حفتر بمبادرته يحتاج عقيلة صالح إلى ضمانات دولية بعدم تكرار سيناريو اتفاق الصخيرات؛ إذ أن هذا هو السبب الذي كان وراء اندلاع معركة طرابلس حيث كان الإسلاميون وحلفاؤهم الدوليون يخططون لفرض تسوية جديدة على مقاس الإخوان المسلمين عن طريق مؤتمر غدامس الذي ألغي بعد إعلان المعركة.

وعقب إطلاق الجيش معركةَ السيطرة على طرابلس في 4 أبريل 2019 وجهت للجيش اتهامات بتقويض المسار السياسي، لكن شخصيات سياسية محسوبة عليه قالت إن إطلاق المعركة جاء ردا على الانقلاب على تفاهمات أبوظبي بين حفتر ورئيس المجلس الرئاسي فايز السراج.

ومن أبرز تلك التفاهمات دخول الجيش إلى طرابلس وإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية، وهو الأمر الذي يرفضه الإسلاميون لإدراكهم تراجع شعبيتهم بسبب تورطهم في دعم المجموعات الإرهابية في مختلف مناطق البلاد، إضافة إلى تردي الأوضاع المعيشية وانتشار الفوضى والفساد خلال إدارتهم للبلاد.

ومنذ اندلاع المعركة قبل أكثر من سنة يحاول المجتمع الدولي استئناف العملية السياسية والتوصل إلى تسوية تضمن مشاركة جميع الأطياف السياسية في الحكم، وهو ما يفسر تجاهل التدخل العسكري التركي رغم تعارضه مع القوانين الدولية وخاصة قرار حظر التسليح المفروض على البلاد منذ 2011.

ويسعى المجتمع الدولي من خلال إطلاق يد تركيا في ليبيا لإحداث توازن عسكري يجبر الجيش على العودة إلى العملية السياسية، لاسيما بعد رفض حفتر في يناير الماضي التوقيع على اتفاق لوقف إطلاق النار برعاية روسية – تركية، يبدو أنه لم يراع تفوق الجيش عسكريا.

وبينما تراهن الدول الداعمة للإسلاميين على إضعاف موقف الجيش عسكريا يركز الإسلاميون وحلفاؤهم الإقليميون (قطر وتركيا) على شق التحالف بين الجيش والبرلمان من جهة وبين الجيش والقبائل الداعمة له من جهة أخرى، وذلك في مسعى لتحجيم أي دور لحفتر في المحادثات وفسح المجال أمام عقيلة صالح الذي يعتبر أقل تعنتا وأكثر انفتاحا على الإسلاميين الذين سبق أن اجتمع بممثليهم.

على صعيد متصل وفيما يسرّع الإتحاد الأوروبي تنفيذ مشروع ايرينا لتطويق السلاح التركي المتدفق الى ليبيا ومنع تهريبه، كشف خبراء في الأمم المتحدة عن مهمة سرية تقوم بها قوات غربية خاصة في ليبيا.

وورد أنه شارك في المهمة كل من أستراليا وفرنسا ومالطا وجنوب إفريقيا وبريطانيا والولايات المتحدة لإيقاف سفن الإمداد التركية وهي في طريقها إلى العاصمة الساحلية طرابلس.

عن "أحوال" التركية

للمشاركة:

هل يلجأ "حزب الله" إلى التصعيد في لبنان؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-05-27

حسن فحص

لا تخفي أوساط مقربة ومنضوية تحت منظومة ميليشيات "حزب الله" قلقها من المرحلة المقبلة على الساحة اللبنانية. وقد بدأت تتحدث عن توقيتات قريبة لا تتجاوز مايو (أيار) الحالي، ويونيو (حزيران) المقبل، للإعلان عن سلسلة من "التحركات السياسية والشعبية"، التي تصفها بـ"الموجهة والمحركة" من قوى وأطراف داخلية وخارجية. وذلك من أجل رفع مستوى الضغوط على الحزب ومحوره الممتد إلى طهران تحت عناوين مختلفة محلية وخارجية- إقليمية، تستمد دعمها من مظلة دولية، بخاصة الأمم المتحدة والقرارات الصادرة عن مجلس الأمن الدولي، التي شكّل أول المؤشرات عليها، خروج الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، بعد جلسة استماع حول مهمة القوات متعددة الجنسية المنتشرة في الجنوب اللبناني منذ حرب يوليو (تموز) 2006 بين "حزب الله" وإسرائيل، وأعاد إلى الأذهان موضوع تطبيق القرار رقم 1559، الذي ينصّ على نزع سلاح الميليشيات، بما فيها سلاح "حزب الله". 

الإشارة التي جاءت في كلام حاكم البنك المركزي اللبناني، رياض سلامة، خلال المؤتمر الصحافي الذي عقده أواخر أبريل (نيسان) الفائت (29- 5- 2020) حول الاستنزاف المالي الذي حصل خلال السنوات الخمس الماضية، الذي وصلت قيمته إلى نحو 20 مليار دولار صرفت على استيراد مواد إلى خارج السوق اللبنانية، شكّلت الشرارة التي فتحت باب الحديث عن عمليات تهريب واسعة تجري على الحدود اللبنانية السورية لصالح النظام السوري على حساب الاقتصاد اللبناني. وعادت بعدها وتيرة الحديث عن قوافل لتهريب المشتقات النفطية، خصوصاً المازوت، والطحين من لبنان عبر معابر غير شرعية لا تخضع لسلطة الدولة.

انطلاقاً من هذه المعطيات، تعتقد هذه الأوساط المقربة من ميليشيات "حزب الله" أن المرحلة المقبلة ستشهد ارتفاعاً في وتيرة المعركة الإعلامية التي ستحمّل هذه الجماعة مسؤولية ما آل إليه الوضع الاقتصادي والمعيشي للبنانيين، والتردي غير المسبوق الذي أصاب الاقتصاد اللبناني. كما تعتقد أن من أدوات هذه المعركة تحميل الحزب واتهامه - حسب تعبيرها - بالتلاعب بسعر صرف الدولار الذي تسبّب في انهيارٍ كبيرٍ في قيمة العملة الوطنية مما أدى بدوره إلى ارتفاع مستويات التضخم، ما انعكس ارتفاعاً في ميزان البطالة وخسارة شرائح كبيرة من الشعب اللبناني لأسس العيش الكريم والمحترم جرّاء خسارتهم للقدرة الشرائية، وابتلاع الغلاء وأسعار السلع للرواتب التي لم تعد تكفي كفافهم وتبعد الجوع والعوز عنهم.

وتتوقف هذه الأوساط عند الحملة الواسعة التي تشهدها مواقع التواصل الاجتماعي على الحزب من بوابة الدعوات إلى تطبيق القرارات الدولية المتعلقة بلبنان، خصوصاً القرارين 1559 و1701، وتوسيع مهمات القوات متعددة الجنسية، تمهيداً لانتشارها على طول الحدود اللبنانية السورية لمنع التهريب وضبطها ووقف عمليات دخول السلاح لـ"حزب الله".

لذلك هي تعتقد أن هذه الدعوات تعتبر جزءاً من المعركة التي يتم التحضير لها ضد "حزب الله" في إطارٍ يخدم مسار العقوبات الأميركية في المرحلة المقبلة.

وتتوقع هذه الأوساط أن تشهد الأيام أو الأشهر المقبلة تصاعداً في وتيرة الاحتجاجات الشعبية والمظاهرات المطلبية على خلفية المشكلة الاقتصادية وانهيار القطاع المالي وعجز الحكومة عن تقديم حلول جذرية للأزمات المتفاقمة والمتسارعة التي تطال الطبقات المتوسطة والفقيرة في الوقت نفسه. كما تعتقد أن هذه التحركات الشعبية لن تقف عند حدود المطالب المعيشية، بل سيلجأ القيّمون عليها إلى توظيفها سياسياً من خلال التصويب على دور "حزب الله" وسلاحه في هذه الأزمات واستغلال النفوذ والسيطرة التي يمارسها في تهريب الأموال اللبنانية، وتحديداً الدولار الأميركي، لدعم النظام الإيراني في مواجهة العقوبات الاقتصادية الأميركية على حساب الشعب اللبناني ومصالحه، من دون الأخذ بعين الاعتبار الأضرار التي ستصيب أيضاً وبشكل مباشر البيئة الشعبية الحاضنة له، وذلك في ظل حالة من القمع والتضييق الإعلامي الذي بدأت وتيرته ترتفع في الأشهر الماضية لمنع الأصوات المعترضة على هذه الممارسات التي يقوم بها، والتي أدت إلى مصادرة الدولة وقراراتها وتوجهاتها.

وتضيف هذه الأوساط أن قيادة "حزب الله" تعتقد أن المرحلة التالية لعودة التحركات الشعبية والتوجه الذي ستتخذه والشعارات التي ترفعها الواضحة في معاداتها لسلاح الحزب ودوره ونفوذه والآثار السلبية على الاقتصاد اللبناني والتسبب في عزلة لبنان عن محيطه العربي وعلاقاته الدولية، ستتبعها جهود سياسية بهدف تشكيل جبهة سياسية تضمّ وتجمع الأحزاب وقوى 14 آذار. ويضاف إليهم المستقلون وبعض رموز ثورة 17 أكتوبر (تشرين الأول) 2019، التي ستعمل على بلورة موقف سياسي موحد لهذه القوى في مواجهة الحلف الذي يقوده "حزب الله" على الساحة الداخلية التي بدأت بالتصدع بعد الإشارات السلبية التي برزت أخيراً عن بعض المسؤولين في التيار الوطني الحرّ، الحليف الأبرز والأساس للحزب على الساحة المسيحية وشريكه في السلطة.

وعلى الرغم من محاولات بعض أطراف الحزب التقليل من شأن هذه التحركات والتحضيرات وعدم قدرتها على إحداث تغيير في المشهد السياسي اللبناني، فإنها لا تنكر أن هذه التحركات سيكون لها أثر كبير وستسهم في التشويش على خطط الحزب وستتعدى المعركة الإعلامية مستفيدة من الأزمة الاقتصادية القائمة. ولكن هذه الأطراف تؤكد في الوقت نفسه أن الحزب لم يسمح لواشنطن أن تأخذ عبر تجميع بعض قوى 14 آذار، ما عجزت عن أخذه بالحروب والمعارك العسكرية، وأن السيناريو الذي تعمل عليه هذه القوى لن يشكل تهديداً للحزب ورؤيته، شرط أن يتخذ خطوات سريعة وجريئة لمواجهة الأزمة الاقتصادية وتداعياتها، خصوصاً ما يتعلق بالبحث عن البدائل الاقتصادية في ظل استمرار التضييق والحصار الأميركي ضد لبنان. وتعتقد هذه الأطراف أنه في حال لم يستطع الحزب استيعاب هذه التحركات والمطالب والضغوط الدولية التي تطالب بنزع سلاحه وتطبيق القرارات الدولية، خصوصاً القرارين 1559 و1701، وما يعنيانه من مسألة السلاح وتهريبها من سوريا، إلى جانب تهريب البضائع وآثارها السلبية على الاقتصاد اللبناني، سيكون خيار الذهاب إلى ما هو أصعب. وفي هذه الحال قد يجد الحزب نفسه في حالة من الدفاع عن وجوده واستمراره، ما يعني أنه سيعمد إلى إسقاط كل المحاذير التي التزمها بعدم تفجير الساحة الداخلية لحاجته الذاتية لذلك، ولاستمرار الهدوء والتهدئة للخروج من نفق هذه المرحلة المعقدة، وعندها فإن أحد الخيارات أمامه سيكون إعادة خلط الأوراق، حتى وإن كان عبر استخدام الذراع العسكرية. فهل يفعلها؟

سؤال قد يكون من الصعب الإجابة عنه لأنه مرتبط بقدرة هذه الميليشيات على تحمل الضغوط الداخلية والدولية ضدها، وقدرة المحور الذي تنتمي إليه على الصمود أكثر أمام الحصار الدولي الاقتصادي والسياسي، ومدى استطاعتها الحدّ أو التقليل من الخسائر التي بدأت معالمهما بالظهور على الساحة العراقية مع الحكومة الجديدة التي تبنت نهجاً يأخذ بعين الاعتبار المصالح العراقية أولاً قبل مصالح الجيران الأقرب أو الأبعد.

عن "اندبندنت عربية"

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية