كيف يهدد التطرف والإرهاب القيم والسلم الاجتماعي؟ ‏

كيف يهدد التطرف والإرهاب القيم والسلم الاجتماعي؟ ‏

مشاهدة

15/06/2021

إنّ الكتابة حول أثر التطرف العنيف والإرهاب – بشكلٍ عام – على القيم والسلم الاجتماعي ‏في أي دولة ‏يمكن أن تكون واحدة من أهم التحديات التي يواجهها أي باحث في الإرهاب؛ لأنه يتطلب غربلة ‏وفحص الكثير من البيانات  والأجزاء المعقدة والمتضاربة من الأدلة.

 ولذلك فإنّ البحث عن فهم ‏عالمي مشترك، والموضوعية وعدم التحيز في عرض البيانات خلال العملية المضنية للبحث عن ‏جوهر الإرهاب تبدو "مهمة مستحيلة" للباحث السياسي.‏

إن البحث عن فهم ‏عالمي مشترك، والموضوعية وعدم التحيز في عرض البيانات خلال العملية المضنية للبحث عن ‏جوهر الإرهاب تبدو "مهمة مستحيلة" للباحث السياسي

ومن المهم التأكيد بأنه ليس الهدف هنا السرد والتأريخ فقط؛ بل لتتبع جينولوجيا ظاهرة التطرف ‏والإرهاب في الوطن العربي من خلال كافة المحطات التاريخية، وفحص فرضية أنّ ‏التطرف العنيف والإرهاب خلال الـ 100 عام الماضية قد أثر على القيم والسلم ‏الاجتماعي والأهلي.  ‏

وقد ظهرت "أحداث" خطيرة تنبئ عن مقدار لا يستهان به من التطرف العنيف وخطاب الكراهية ‏والتنمر وعدم قبول الآخر، خاصة بين المسيحيين، والذي ينتشر ويتوسع باستمرار مستفيداً من وسائل ‏التواصل الاجتماعي ويتزعمه رموز السلفية الجهادية، وقد يتحول إلى خطرٍ شديد إذا لم يتم الانتباه ‏له وكبحه قبل أن يستفحل أكثر ويُفرخ إرهاباً محلياً لا يمكن السيطرة عليه إلا بخسائر وتضحيات ‏كبيرة. ‏

أول ما يجب أن نحاول تّذكره هو الأحداث والتغيرات والتفاعلات المعقدة "بين أحداث تبدو بعيدة ‏ومخاوف قريبة بين تواريخ قديمة واستفزازات جديدة، بين حدود أعيدت كتابتها من جديد وأوامر ‏غير مكتوبة" ساهمت في تكوين العالم العربي  المعاصر ودخوله "جغرافية الغضب"‏ التي تعتبر ‏الحصيلة المكانية لكل التفاعلات أعلاه، أما وقود هذه الجغرافيا الغاضبة فهو سيرورة العولمة ‏التكنولوجية "وسائل الإعلام الجماهيري، والإنترنت، ووسائل التواصل الاجتماعي الحديثة ‏والخطب السياسية والتقارير والوثائق التحريضية. وشرارتها دائماً حالة الارتياب الاجتماعي حيال ‏الآخر، العدو"‏‏. ‏ والتي تتجلى في التطرف العنيف و العمليات الإرهابية.‏

الأهمية الاستراتيجية لهذه المنطقة الجغرافية تكمن ‏في أنها البوابة التي تربط أوروبا بالشرق الأقصى بسهولة ويسر ساهم في سهولة تسرب الغضب ‏بين أطرافها

يقع العالم العربي اليوم  في قلب "جغرافية الغضب"؛ ألا وهي منطقة الشرق الأوسط المنطقة "الأكثر ‏اختراقاً بين الأنظمة الدولية السياسية". فمنذ حطت حملة نابليون على أرض مصر عام 1789م، باتت المنطقة تنافس بين القوى العظمى. فالأهمية الاستراتيجية لهذه المنطقة الجغرافية تكمن ‏في أنها البوابة التي تربط أوروبا بالشرق الأقصى بسهولة ويسر ساهم في سهولة تسرب الغضب ‏بين أطرافها. 

وقد عزز اكتشاف النفط في بداية القرن العشرين من أهمية المنطقة للاقتصاد ‏العالمي. وبعد الحرب الكونية الأولى أصبحت المنطقة من أعظم مسارح الحرب الباردة، وكانت ‏تتورط رغماً عنها في النزاعات بين القوى العظمى المتنافسة على السلطة والهيبة والتأثير ‏السياسي".‏

وحتى تتجلى جغرافية الغضب بأوضح صورها؛ كانت تلتقي في المنطقة "المصادر الخارجية ‏للنزاع والعنف بالمصادر الداخلية فتنتج دوامة من الأزمات والعنف والحروب والإرهاب.  وما  ‏يزال الصراع بين إسرائيل والعرب واحداً من عوامل زعزعة الاستقرار في هذه المنطقة خاصة ‏للأردن بحكم التلاحم الشعبي والقرب الجغرافي. أما جوهر الصراع فهو القضية الفلسطينية"‏ ‏.‏

لا يمكن لنا أن نحمي أنفسنا من الإرهاب إلا إذا تعلمنا كبشر العيش معاً. ‏ولهذا العيش حتى يتحقق وينجز مصفوفة طويلة من القيم التي تفضي إلى التقدم. ولا بد لنا ‏كبشر من التأكيد عليها لأن التطرف العنيف المفضي إلى الإرهاب إنما يتسلل من خلالها إلى ‏عمق مجتمعاتنا. ‏

بعد الحرب الكونية الأولى أصبحت المنطقة من أعظم مسارح الحرب الباردة، وكانت ‏تتورط رغماً عنها في النزاعات بين القوى العظمى المتنافسة على السلطة والهيبة والتأثير ‏السياسي

وهذه القيم هي: الانتماء والمشاركة التي تتصل بالمنظومة الثقافية والأخلاقية في محاور قيم ‏العمل والإنتاج، والتمدن، وأساليب الحياة والسلوك الاجتماعي، والمسؤولية الاجتماعية وتعظيم ‏دور مؤسسات المجتمع المدني في مجالات العمل التطوعي والخيري بعد أن تخلت الدولة عن ‏الكثير من وظائفها. والاعتدال كقيمة مشتقة من العدل والصواب والاستقامة وكل ما هو حسن ‏وجميل، وتقليل غلواء التطرف والعنف. ولقد جرت العادة أن يستخدم مفهوم التسامح بين الأديان، والواقع أنّ ما يلائم العلاقة بين البشر ‏في تنوعهم واختلافهم الديني والثقافي والعرقي هو العيش معاً.‏

‏ لذلك تمثل قيم الاعتدال، والتسامح؛ رغم النقد الذي وجهه (جاك دريدا) لهذا المفهوم مقترحاً ‏مفهوم الضيافة بدلاً عنه؛ هدفاً للجماعات والدول لتكون قادرة على العيش معاً بسلام في ‏ظل الاختلاف والتنوع‏. ‏

من أهم ‏أولوياتنا اليوم بناء ثقافة العفو والتعاون والتسامح بمختلف أشكاله، ويرتبط بذلك ضرورة التأكيد على قيم التفاعل والتواصل الاجتماعي

ويبدو واضحاً اليوم، في خضم ما نشهده من عنف مجتمعي، وشجارات، وسلوك اجتماعي ‏متوتر، واحتقان سياسي سواء في الشارع أو حتى في أروقة السياسيين بسبب ‏الظروف الاقتصادية والاجتماعية الضاغطة خصوصاً بسبب جائحة كورونا، أن من أهم ‏أولوياتنا بناء ثقافة العفو والتعاون والتسامح بمختلف أشكاله، ويرتبط بذلك ضرورة التأكيد على قيم التفاعل والتواصل الاجتماعي. ‏

فالتواصل والتفاعل الاجتماعي أساس ‏الحياة الاقتصادية والسياسية والثقافية للأمم من خلال: العائلة والقرابة والجمعيات التطوعية خارج ‏صلات القرابة كالمدارس والأندية والنقابات. ويرتبط بعملية التواصل القدرة على الاستماع والحوار ‏بين البشر من خلال تنمية مفاهيم ومهارات الإصغاء والاستماع وفهم الذات، والآخر المختلف.


آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية