كيف يوظّف الإخوان الشعور الانفصالي لمسلمي أوروبا؟

كيف يوظّف الإخوان الشعور الانفصالي لمسلمي أوروبا؟

مشاهدة

08/11/2020

مع انكشاف الغطاء الديني عن جماعة الإخوان المسلمين في بلدها الأم مصر، وضلوع التنظيم في تنفيذ أجندة سياسية، تسعى من خلالها إلى الهيمنة على المؤسسات الوطنيّة، انتبهت الدولة إلى الخطر الذي يمثله التنظيم الانفصالي، الرامي إلى خلق مجتمع موازٍ، يتمدد على حسابها، حتى يتمكن في المرحلة النهائية من التهامها.

كان على الجماعة أن تتجاوز خط الجغرافيا لتواصل تواجدها ضمن إطار التاريخ السياسي

سقوط أقنعة الجماعة أدّى إلى تعرّضها لجملة من الملاحقات الأمنية، وبما أنّها لا تؤمن بمفهوم الوطن، سعت إلى البحث عن وطن بديل، تستطيع، من خلال التواجد به واستغلال بنيته القانونية، متابعة تنفيذ الإيديولوجيا الانفصالية، وتفعيل آليات التشكيلات الاجتماعية والاقتصادية الموازية، قبل أن تشرع بعد تثبيت أقدامها في البني التحتية، في الإجهاز على البناء السياسي الفوقي، لخلق بؤر توتر في البلد الأم سعياً نحو الانتقام الكامل.

مفهوم الوطن البديل وشروط تحققه

كان على الجماعة أن تتجاوز خط الجغرافيا، لتواصل تواجدها ضمن إطار التاريخ السياسي، ساعدها على ذلك البُعد الأممي تبعاً لإيديولوجيتها العابرة للحدود، ومن ثم وضعت شروط الهجرة الثالثة، بحسب توصيفها الديني، على اعتبار أسبقيّة هجرتي الحبشة ويثرب، هذه الشروط تضمنت جملة من المعايير أبرزها:

- أن تسمح القوانين للجماعة بممارسة أنشطتها.

- أن يكون المجتمع على قدر كبير من التسامح مع الآخر، بحيث يتقبل إيديولوجيا دينية مغايرة لمفاهيمه.
- أن تسمح بنية هذا المجتمع، فيما بعد، بالدخول إلى مرحلة التوسع والتمكين، وخلق دوائر ضغط على صنّاع القرار، بهدف التأثير على السياسات الخارجية، وتوجيهها نحو خدمة أجندتهم.

غضّ الإخوان الطرف عن شتى الاختلافات الثقافية والاجتماعية ليتأسّس التنظيم الدولي في أوروبا

- أن يكون النظام الاقتصادي ذا توجه ليبرالي يميني، يسمح بممارسة الأنشطة الريعية والاتجار في النقد السائل، وتكوين إمبراطورية مالية، تتماهى ونمط الاقتصاد الذي يجيد الإخوان القيام به.

كل هذه الشروط لم تكن تتوفر سوى في أوروبا، إلا أنّ إشكاليات أخرى كان على الجماعة التعامل معها، وهي بإزاء هذا الاختيار، فالتارخ الاستعماري للدول الأوروبية كان ماثلاً، ولم يزل، في منتصف الخمسينيات من القرن الماضي، بالإضافة إلى البُعد الديني، كما أنّ التاريخ الطويل من الصراع الإسلامي/ الصليبي في العصور الوسطى كان مرتكزاً أساسياً من مرتكزات أدبيات الإخوان، لتبرير مفاهيم مثل: الجهاد وعودة الخلافة. وبانتهازية شديدة، تجاوزت الجماعة كل هذه الإشكاليات، لتطرح مفهوم أرض الحياد، وتغضّ الطرف عن شتى الاختلافات الثقافية والاجتماعية، ليتأسّس التنظيم الدولي في أوروبا، وتبدأ الجماعة رحلة بناء الوطن البديل انطلاقاً من سويسرا، بفضل جهود سعيد رمضان، قبل أنّ يبدأ التنظيم في التسلل رويداً رويداً، بفضل القوانين العلمانية التي تحافظ فيها الدولة على مسافة واحدة من الجميع.

التنظيم الدولي ومساعي الهيمنة

شرع الإخوان، منذ اللحظة الأولى، في تكوين إمبراطورية مالية بجمع التبرعات، والشروع في المضاربة في البورصات العالمية، مع ممارسة الأنشطة التجارية المتعددة، وغسيل الأموال في مرحلة لاحقة، وفرضت الجماعة وجودها على المجال الديني الإسلامي، بالسيطرة على المساجد الكبرى، وتكوين الجمعيات والمراكز الإسلامية، التي مارست العمل الدعوي، ونشطت في الوقت نفسه في مجال جمع التبرعات، مع الاستفادة من القوانين التي أتاحت الحصول على دعم مالي من الحكومات الأوروبية، ونجحت من خلال تقديم الخدمات التعليمية والثقافية، ودعم المهاجرين اقتصادياً وقانونياً في تكوين نفوذ، دفع بها نحو المجال السياسي، بعدما استوفت شروط التجذر في البنى التحتية، فانتشرت المجالس الإسلامية التابعة للإخوان في: ألمانيا، وفرنسا، وإنجلتر، وأسبانيا، وإيطاليا وبلجيكا، وأوكرانيا وكل أنحاء القارة الأوروبية، وفق خطة عمل تسير في خطين متوازيين: الأول الحصول على شرعية قانونية، لتثبيت الأقدام على الأرض، والثاني السعي نحو السيطرة والهيمنة على الجاليات الإسلامية الموجودة في هذه الدول.

الذراع الديني للإخوان المسلمين

يُعدّ مجلس مسلمي أوروبا بمثابة الذراع الديني للإخوان المسلمين في أوروبا، والذي تأسّس بجهود الداعية الإخواني الأشهر يوسف القرضاوي، وعضو التنظيم الدولي الدكتور خالد حنفي، رئيس لجنة الفتوى بألمانيا، وظهر في البداية تحت اسم: اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا، وخرجت منه عدة كيانات منها: المجلس الأوروبي للأئمة، والمجلس الأوربي للإفتاء والبحوث، ويدير مجلس مسلمي أوروبا حالياً، ومقره دبلن، الأنشطة الدينية التي تنبثق عن المراكز الإسلامية في عموم القارة، ويقدم نفسه وكيلاً حصرياً للإسلام هناك، حيث يتابع عمل المراكز والجمعيات، ويباشر جمع التبرعات، ويدير عدداً كبيراً من المساجد، تربط ما بين الجاليات الإسلامية، وتنسق سياسات القيادات القطرية المختلفة.

نجحت الجماعة من خلال تقديم الخدمات التعليمية والثقافية ودعم المهاجرين اقتصادياً وقانونياً في تكوين نفوذ

يدرك الإخوان المسلمون أنّ السيطرة على المسلمين في أوروبا تكمن في السيطرة على المجالس الإسلامية المركزية، وتقديم الخدمات مقابل الولاء، هذا الولاء توجهه الجماعة فيما بعد وتوظفه لخدمة أهداف سياسية خارج الحدود، مثل: توجيه المقاتلين لأماكن الصراع، وحشد المرتزقة نحو بؤر التوتر، خاصّةً سوريا وليبيا.

ويمكن القول إنّ المراكز الإسلامية التابعة للإخوان دعمت حالة انفصالية، وفرضتها على المسلمين بتكريس العزلة، في مرحلة ما قبل التمكين، أمّا بعد التمكين، فيجري التخطيط لتوجيه السياسات الأوروبية، عن طريق رأس المال الضخم المهيمن على الكيانات الاقتصادية؛ من شركات وشبكات إعلامية وأندية شهيرة لكرة القدم، وغيرها، ما يساعد على خلق لوبي إخواني له من القدرة على التأثير ما يفوق اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة.

ويباشر مجلس مسلمي أوروبا أجندة أخرى، أكثر خطورة من الهيمنة على المجال التداولي للدين الإسلامي، وهي عزل الأقليات المسلمة عن محيطها الاجتماعي، والحيلولة دون اندماج المسلمين، بداعي الحفاظ على الهوية، عبر خلق مجتمع موازٍ منفصل، تنشط فيه الأفكار المتطرفة، ويؤدي أدواراً تبادلية تابعة للدول الراعية، خاصة تركيا وقطر، بتكوين كتلة إسلامية حرجة، تتبع أجندة سياسية واحدة تقوم بها الجماعة بابتزاز الحكومات والتأثير على قراراتها، والضغط على الدول الأم، والتدخل في شؤونها الداخلية.

اقرأ أيضاً: الإخوان.. كابوسنا الإسلامي!

وتؤكد الدكتورة نائلة السليني، "أنّنا نعيش أوّل مواجهة صريحة بين الدولة العلمانية والمنظمات التي تدّعي أنّها تحمل رسالة كونية باسم الإسلام، وخاصّة أنّ هذه المنظمات ولدت في أرض أوروبا وأمريكا، وتعتبر رسالتها أهمّ من رسالة تلك المنظمات التي تنشط في أرض الإسلام، وإن قلنا أوّل مواجهة صريحة؛ فلأنّها لم تكشف على جانب من وجهها الحقيقي سوى بعد حادثة ذبح الأستاذ الفرنسي، أيّ بعد أعوام من البحث عن التمكين بأراضي أوروبا، وهي في نظرها دار أهل الذمّة والكفر"، مضيفة في تصريحها لـــ"حفريات": "هذه المنظمات استقوت طيلة هذه الأعوام وتكاثرت ثمّ تفرّعت، ولم يعد خطابها منطلقاً من قاعدة المستضعفين في الأرض، بقدر ما هي مؤمنة بأنّ جميع الأرض تعود إليها ملكيتها، لأنّها صاحبة الحقّ الوحيد، كيف لا، وهي حاملة الراية للإسلام الحقّ؟".

 يُعدّ مجلس مسلمي أوروبا بمثابة الذراع الديني للإخوان المسلمين في أوروبا

ولفتت أستاذة الحضارة بجامعة سوسة إلى "أننّا لم نكن لنقف على مثل هذه الصلابة في موقف هذه المنظمات في بدايات تكوينها، وحتى ندرك خطرها، نذكّر بأنّ أوروبا تتسع لمنظمات ذات طابع إسلاموي يفوق عددها ما نجده في دولنا العربية؛ خذ مثال ألمانيا التي تضمّ منظمات ذات طابع عقائدي وجمعيات هي في ظاهرها مستقلّة عن الجماعة، لكنّها في الحقيقة تحتكم إلى فكر الإخوان، ولعلّ أهمّ مركز هو التجمع الإسلامي في ألمانيا الذي أسسه "سعيد رمضان" العام 1958، ويترأسه اليوم التونسي "سمير الفالح" خلفاً لـــ"إبرهيم الزيات"، ومقرّه في ميونخ، وهو يقيم علاقة عنقودية مع العديد من المراكز الإسلامية، لعلّ أهمها في برلين، ونورينبرج، وماربورج، وفرانكفورت، وشتوتجارت، وكولن، وتعود إليه بالنظر فضاءات عبادة متنوّعة: المساجد والمدارس الدينية، وينظم سنوياً لقاءً للمسلمين الألمان.

وتتابع السليني: يصدر التجمع مجلة "الإسلام" بصفة دورية؛ مثل هذا التجمّع ساهم بصفة مباشرة في انفصال المسلمين المهاجرين إلى ألمانيا عن مشاغل المجتمع الألماني، وفي إقرار أعضائه بالتعايش داخل طوائف إثنية، اعتراف صريح بأنّهم مختلفون في نظرتهم إلى الاجتماع، ولعلّ التفتح الذي يقولون به لا يتجاوز تلك النافذة التي يفتحونها للمطالبة بالأخذ بما يرونه إيجابياً، ومدعّماً لمكانتهم بألمانيا، ولا يمكن الحديث البتة عن تعايش وذوبان هذه المجموعات مع غيرها في المجتمع الألماني.

اقرأ أيضاً: كيف علقت جماعة الإخوان على فوز بايدن؟

نقطة أخرى تثيرها السليني، وهي أنّ "هذه الجمعيات الإسلاموية بأوروبا وأمريكا تلتمس دعمها الاقتصادي من المالية الإخوانية، سواء في بناء المساجد أو المدارس، التي تكاد تحاكي المدارس القرآنية، أو حتى في تنظيم اللقاءات الدورية مع المهاجرين، والذين أعلنوا اعتناقهم الإسلام من بين الأوروبيين، فكانت النتيجة -في رأيها- أن قوي هذا الأخطبوط الذي يسعى إلى أن يضمّ تحته المسلمين المهاجرين، ويعزلهم عن المجتمع الذي نزلوا فيه، ولضمان ذلك تجاوز عدد فضاءات العبادة بفرنسا نحو 2500 فضاء".

 المراكز الإسلامية التابعة للإخوان دعمت حالة انفصالية وفرضتها على المسلمين بتكريس العزلة

والسؤال الذي تطرحه الأكاديمية التونسية هو: هل هذه الفضاءات أقيمت لأجل الصلاة حقاً؟ أم لأجل تلقين مبادئ الإخوان تحت غطاء الدعوة إلى الصراط المستقيم والجهاد؟

وتشير السليني إلى أنّ "الإجابة تبيّن أنّ انفصال المهاجرين المسلمين ليس سوى مقاربة إخوانية، وجدت صداها عند من كان حديث العهد في انتقاله إلى موطن غير موطنه، وهي رؤية متكاملة في الفكر الإخواني، لأنّها ترسم صورة المعبد الذي تنضوي تحت مذبحه رعية الإخوان، معبد افتراضي شُيِّد في حرص كبير، وبدأ بنيانه يعلو ويكتمل، وسيجد لا محالة مقرّاً يوم تتجسّم مطامحهم القائمة على أستاذية الكون".

الصفحة الرئيسية