"لأننا كُرد": حكاية مذبحة "روبوسكي" وخُرافة النظام القضائي التركي

"لأننا كُرد": حكاية مذبحة "روبوسكي" وخُرافة النظام القضائي التركي
10032
عدد القراءات

2020-01-09

قبل أيام، وكما في كلّ عام منذ سبعة أعوام متّصلة، أحيا أهالي قرية "روبوسكي"، الواقعة في كردستان تركيا، على الحدود مع إقليم كردستان العراق، ومتضامنين معهم وحزب الشعوب الديمقراطية "HDP" المعارض، ذكرى مجزرة "روبوسكي"، التي ارتكبها الجيش التركي بحقّ أبناء هذه القرية، ليلاً، في 28 كانون الأول 2011، وأسفرت عن مقتل 34 مدنياً كردياً، كانوا جميعاً في رحلة تهريب "اعتيادية"، عبر الحدود التركية العراقية، أمام أنظار الجيش التركي الذي يغضّ النظر عن التهريب ويسهّله، إلّا أنّ الجيش التركي كان له موقف آخر في تلك الليلة، التي أمست كابوساً دائماً لأهالي تلك المنطقة الحدودية، لا يبارحهم حتى اليوم؛ فقد قصفت الطائرات التركية قافلة التهريب تلك الليلة، وأسفرت عن مذبحة كبيرة: 34 رجلاً وولداً، 19 منهم في سنّ أقل من 18 عاماً، 16 منهم من عائلة واحدة (عائلة إنجو)، فقدوا حياتهم في تلك الليلة الرهيبة، التي تخيّم بوقعها القاسي على أهالي الضحايا في المنطقة؛ حيث عاد الضحايا إلى ذويهم نعوشاً ملفوفة ببطانيات على ظهور البغال، وسيلة النقل الوحيدة في دروب كردستان الوعرة، المَثْلُوجَةِ في مثل هذه الأيام.

ينحدر تسع من الضحايا من قرية "روبوسكي"، التي وقع القصف بالقرب منها، وهو الاسم الكردي لقرية "أورتاسو" في السجلات التركية الرسمية، وينحدر 25 ضحية من أصل 34 من قرية كول يازي (بالكردية باجوه) القريبة منها، في السجلات الرسمية؛ عُرفت المجزرة باسم "واقعة أولوديري"، وهو الاسم التركي للمنطقة التي تضمّ قريتَي باجوه (كول يازي) وروبوسكي (أورتاسو)، التي تتبع محافظة "شرناخ" الحدودية.

في الذكرى السنوية الثامنة للمجزرة، أكّد الرئيس المشارك لحزب الشعوب الديمقراطي أنّ الآلام الناتجة عن الحادث ما تزال حية

ومنذ تلك الفاجعة الأليمة يقوم أهالي الضحايا بزيارة أضرحة أبنائهم وإحياء تجمعات جماهيرية، وبمظاهر تحدّي السلطة الحاكمة وتذكيرها بعدم نسيان الحادثة وعدم الغفران، وضرورة تحقيق شفاف، وإعلان المسؤولين عن الجريمة، وتقديمهم للمحاكمة وتحقيق العدالة، في الوقت الذي أغلقت السلطات الحاكمة ملف المجزرة قضائياً عبر الالتفاف والتلفيقات والتهرّب، والضغط على ذوي الضحايا واعتقال بعضهم في مسعى لثنيهم عن المطالبة بإعلان أسماء المسؤولين عن المذبحة، ونيل جزائهم، كما يصرّ ذوو الضحايا، الذين رفضوا، منذ الأيام الأولى للمجزرة العرض الذي قدّمته السلطات بقبول تعويض مادي عن كلّ ضحية، وهم قرويون فقراء يكابدون  لتأمين قوت يومهم، ولسان حالهم يقول "لا بديل عن الكشف عن المسؤولين عن مقتل أولادنا  ونيل جزائهم العادل واعتذار رسمي من الدولة ووعود بعدم تكرارها".

اقرأ أيضاً: أكراد إيران بين كمين طهران وفخ واشنطن

من جهته، يحمل حزب الشعوب الديمقراطية المناصر للقضية الكردية ملف المجزرة على عاتقه، عبر نوابه في البرلمان وإعلامه ومنظماته، محاولاً تسليط الضوء عليها ومطالباً بفتح تحقيق قضائي شفاف بشأنها ومحاسبة المسؤولين عنها. ومن اللافت أيضاً حضور أمهات الضحايا وشقيقاتهم في إحياء ذكرى ضحايا المذبحة والمطالبة بالعدالة؛ ففي كلّ يوم خميس، ودون انقطاع منذ دفن الضحايا، يتجمعن في المقبرة التي تحتضن رفات أبنائهم، ويحيون ذكراهم.
في الذكرى السنوية الثامنة للمجزرة، قبل أيام، أكّد الرئيس المشارك لحزب الشعوب الديمقراطي، سزائي تمالي؛ أنّ "الآلام الناتجة عن الحادث ما تزال حية في قلوبهم"، مشيراً إلى أنّهم شاركوا في الفاعلية للتضامن معهم، ومؤكداً أنّ حزبه سيواصل المقاومة من أجل تحقيق العدالة، قائلاً: "نحن نواصل تجرّع هذا الواقع الأليم، لأنّنا لم نواجههم بمجزرة روبوسكي، ولم نحاسبهم عليها، لو كنا حاسبناهم على مجزرة روبوسكي/ أولودره، ربما لم تكن تلك المجازر الأخرى لتحدث" وأضاف: "سنواصل المقاومة والكفاح من أجل تحقيق العدالة على هذه الأرض؛ لأننا نعرف أنّ هذه المنطقة هي منطقة مجازر" (صحيفة الزمان التركية-الإلكترونية- 29/12/2019).
كتاب "مات الأولاد – مجزرة روبوسكي والمسألة الكردية في تركيا"

"فريدا": صحفية هولنديّة تروي حكاية المذبحة
لعلّ كتاب "مات الأولاد – مجزرة روبوسكي والمسألة الكردية في تركيا"؛ هو أوسع وأشمل ما كُتب عن الحادثة وتفصيلاتها وسياقها وتوثيقها وطريقة استجابة السلطات التركية لتداعياتها. مؤلفة الكتاب هي فريدريكا خيردينك (Fréderike Geerdink)؛ صحفية هولندية بدأت حياتها المهنية بالكتابة في مجال حقوق الإنسان، أقامت في تركيا بين أعوام 2006 وحتى مطلع 2015؛ حين طردت من تركيا ومُنعت من دخول البلاد، وأتقنت اللغة التركية، إلى جانب الهولندية والإنكليزية، والكردية إلى حدّ ما، وعُرفَت كصحفية متخصصة بالشأن التركي والمسألة الكردية في تركيا، تمّ تصنيف الكتاب، عام 2014، ضمن قائمة أفضل الكتب الصحفية من قبل مؤسسة "Bruss Prize"، تُرجم الكتاب إلى العربية في لغة سلسة وجميلة من قبل المترجم السوري الأرمني (كيفورك خاتون وانيس)، وصدر عن دار الفارابي عام 2018.

اقرأ أيضاً: أردوغان "فاشي العصر".. لماذا لقّبه الأكراد بذلك؟
أهمية الكتاب تكمن في ملاحقة الحدث منذ لحظة وقوعه، عبر التحقيق الصحفي الميداني، والعيش بين ذوي الضحايا، وطريقة تعامل الإعلام التركي مع المجزرة وآلية تشكيل وعمل اللجنة القضائية المنبثقة من البرلمان التركي، وتقليب حجج الحكومة التركية على وجوهها، ونظرتها المحايدة للأحداث.
بعد أيام من وقوع المذبحة، التي حاول الإعلام التركي تصويرها بداية كعملية ضدّ "الإرهابيين"، تطيرُ "فريدا"، كما ستناديها النساء الكرديات القرويات اللواتي يصعبن عليهن نطق اسمها كما هو، من إسطنبول إلى موقع الحادثة، لتتحقّق بنفسها من الواقعة ومجرياتها على لسان ذوي الضحايا أولاً.
جميع الضحايا كانوا مدنييّن، ومعظمهم أولاد غير بالغين

التهريب بمعرفة الجيش تماماً  
القضية الأولى التي تحسمها المؤلفة في تحقيقها الميداني؛ أنّ جميع الضحايا كانوا مدنييّن، ومعظمهم أولاد غير بالغين يعملون في التهريب؛ "ففي الوقت الذي يقوم الأولاد في هولندا بتوزيع الجرائد، يعمل الأولاد في هذا الجزء من تركيا في التهريب، إنّه عمل شاقّ وخطر وغير قانوني، لكنّه الوحيد المتوافر، أضف إلى ذلك أنّ الأولاد هنا يتحولون إلى بالغين بسرعة غير عادية: فبالنسبة إليهم تنتهي مرحلة الطفولة عند وصولهم إلى سنّ الـ 12"، لقد كانوا في رحلة تهريب روتينية عبر الحدود، فالتهريب هو مصدر عيش أهالي تلك القرى الحدودية، الذين يعترضون على استخدام كلمة "تهريب"؛ لأنّ الأرض على جانبي الحدود "كلّها كردستان" في تعبيرهم، وأنّ التهريب يجري تحت أنظار الجيش التركي وبمعرفة وموافقة منه، وكذلك عدم إخبار المخافر العسكرية الحدودية المهربين، عبر المخاتير و"حُرّاس القرى" المُعيّنين من قبل السلطات التركية، بأية عمليات عسكرية في تلك الليلة، كما تجري العادة عندما يكون هناك عمليات عسكرية للجيش التركي ضدّ مقاتلي حزب العمال الكردستاني.

تُذكّر المؤلفة بـ "اعتذار" أردوغان في البرلمان التركي، في نهاية نوفمبر 2011، عن مجازر "ديرسم" في ثلاثينيات القرن الماضي

تُقرر المؤلفة أثناء تواجدها في المنطقة أن تخوض تجربة التهريب بنفسها مع المهرّبين والأدلّاء، بدءاً من قرية "أورتاسو"، لتكتشف بنفسها أنّ عملية التهريب تتمّ بتنسيق كامل مع النقاط العسكرية، وتقول: "تلاشت آخر شكوكي فيما إذا كانت الدولة تسمح بالتهريب أم لا، ليس فقط بسبب مشاهدتي للجنود الذين بدورهم شاهدوني في رحلتي مع الدليل، أو بسبب النقاط العسكرية في قمم التلال على مرمى حجر من مسار المهربين اليومي، ومكان وقوع المذبحة، بل أيضاً بسبب الحياة اليومية التي عاينتها في قرية "أورتاسو"".
وتضيف المؤلفة: "المنطقة مليئة بالعسكر؛ حيث تصعب مزاولة التهريب دون علم الجيش، فهناك مخافر الشرطة فوق الجبال، إضافة إلى أنّ طائرات الدرون تحوم بشكل دائم فوق منطقة الحدود، سواء من جهة العراق أو تركيا (أمريكية فوق الجبال على الجانب العراقي، وأخرى تركية، إسرائيلية المصدر، على الجانب التركي من الحدود)، يتشارك الأمريكيون المعلومات التي تجمعها طائرات "الدرون" مع تركيا؛ حيث يقوم خبراء من الجيش التركي بتحليل الصور وتقويمها بشكل مستمر، فلا يعقل أن لا تكون السلطات التركية قد لاحظت طوال هذه السنين، قيام مجموعة مكونة من 20 إلى 50 مهرباً، والعدد نفسه من البغال تقريباً، وبمعدل 8 إلى 12 مرة في الشهر، وفي التوقيت نفسه تقريباً، وعلى المسار نفسه من تركيا إلى العراق بالدخول إلى العراق والعودة بعد قليل، هذا يعني أنّ ثروت محقّ فيما ذكره: المهربون مكشوفون دائماً ولا يتم التعرض لهم.

حاول الإعلام التركي تصويرها بداية كعملية ضدّ "الإرهابيين"
أما لماذا تسمح الدولة بالتهريب، فتقول المؤلفة: "إنّه أسلوب آخر لمحاربة حزب العمال الكردستاني "pkk"؛ فانشغال الناس والشباب بشكل خاص بالتهريب وتحصيل دخل مادي يقلل كثيراً من احتمالات انضمامهم إلى المتمردين، كما أنّها تمنح سلطة معينة؛ كلّ من يعمل في التهريب، ولا يوالي الدولة، ولا يخدم حارس قرية، يكون أول من تتم محاسبته في حال تمّ القبض على المهربين، هكذا لا تضع الدولة محاربة التهريب ضمن أولوياتها، لكن للمحافظة على التوازن؛ يتم فتح المجال أمام الناس للحصول على دخل عبر نشاطات شبه قانونية، ويتم في الوقت نفسه تعزيز الولاء؛ للمحافظة على هذا التوازن، الحاجة لا تدعو فقط إلى السماح بعمليات التهريب عبر الحدود؛ بل أيضاً تسهيل ذلك عن طريق المحافظة على الممرات مفتوحة أمام أغلب مواد التهريب، لا يتم التعرض لعمليات التهريب وتوقيفها إلا في أوقات محددة تحكمها دوافع معينة، منها، على سبيل المثال: تقديم إثبات للشعب بأنّ الدولة تتصدى للنشاطات غير القانونية.
لجنة "تحقيق" برلمانية
تحت ضغط هول الحادثة، ومع انتشار الصور والفيديوهات المُفزعة، التي حاول الإعلام التركي تصويرها بداية كعملية ضدّ "الإرهابيين"، قام البرلمان التركي بتشكيل لجنة تحقيق في الحادث لـ "التحقق من الادّعاء بمقتل 34 مدنياً"، مكونة من ثمانية أعضاء: 5 من حزب العدالة والتنمية "Akp" الحاكم، وبرئاسة واحد منهم، وواحد من الحزب الجمهوري المعارض "Chp"، وواحد من حزب الحركة القومية "Mhp" المتطرف، وواحد من حزب السلام والديمقراطية "Bdp" المناصر للكرد، وتتخذ اللجنة مبدأ الأكثرية في عملها والتقرير النهائي، وتمّ ختم العديد من الوثائق الحاسمة بـ "سري"، ما يعني أنّ اللجنة لن تتمكن من الاطلاع عليها، كما تمّ استثناء صنّاع القرار السياسي والعسكري في المراتب العليا من مقابلة اللجنة، تقول المؤلفة: "كلّ هذه الإجراءات تشير إلى أنّ مهمة اللجنة هي إخراج رئيس الوزراء، آنذاك، أردوغان، والقادة العسكريين من دائرة الحدث أكثر من سعيها إلى كشف الحقيقة، بالمقابل قامت منظمتان مستقلتان في مجال حقوق الإنسان ("IHD" و"MazlumDER") بإعداد تقرير مشترك بعد زيارة ميدانية، واستكشاف مكان القصف بعد يوم من وقوع المجزرة، وطرحت المنظمتان أسئلة مثل: لماذا لم يتم إخبار أهل القرية بالعملية الوشيكة ضدّ الـ "Pkk" كما يحدث عادة؟ هل قدمت طائرات الاستطلاع بدون طيار "درون" معلومات عن نوع الحمولة التي تقوم المجموعة بنقلها وفيما إذا كان بين أفرادها مدنيون أم لا؟ لماذا لم يتم، بشهادة العديد من الشهود، تقديم المساعدة الطبية مباشرة بعد القصف حيث يكون ممكناً تقليل عدد الضحايا؟

القضية الأولى التي تحسمها المؤلفة في تحقيقها حول المجزرة أنّ جميع الضحايا كانوا مدنييّن، ومعظمهم أولاد غير بالغين

بحسب عضو لجنة التحقيق، ممثل حزب السلام والديمقراطية، أرطغرل كوكجو، الذي تمكّن من الاطلاع على فيديو العملية الملتقط بطائرات الاستطلاع التركية مع أعضاء اللجنة الآخرين بمساعدة خبراء لتحليل الصور الملتقطة؛ فإنّ هذه الصور تُضعف رواية الحكومة بأنّ العملية حادث غير مقصود، لسبب أولي؛ وهو ذهاب وعودة المجموعة مع بغالهم من تركيا إلى العراق في المسار نفسه، ما يعني أنّها ليست مناورة منطقية تقوم بها عادة مجموعة تمرد مقاتلة، ولو كانت المجموعة من المقاتلين لكانوا انتشروا في المكان، وبحثوا عن مخابئ، للتقليل من الخسائر البشرية، أما ما قامت به هذه المجموعة فهو العكس؛ إذ زحفوا باتجاه بعضهم، وأمسكوا بعضهم بقوة، ولم يختبئوا، كانوا خائفين، لقد كان أغلبهم أطفالاً". 
لاحقاً، سوف تضيف وزارة الداخلية في تقريرها اسم القيادي في حزب العمال الكردستاني، فهمان حسين (الاسم الحركي باهوز أردال)، على الحدود، لإيجاد مبرر للقصف، رغم أنّ التقرير نفسه تضمن، وفق ضباط عسكريين؛ أنّ المنطقة كانت هادئة نسبياً، وليست منطقة نشاطات إرهابية، وأنّها منطقة تهريب.

اقرأ أيضاً: "حفريات" توثّق عمليات مصادرة ممتلكات الأكراد في سوريا وسرقة أعضائهم في أنقرة
في التقرير النهائي للجنة، في آذار (مارس) 2013، يظهر فجأة ادّعاء جديد حول مخبر مجهول، قام بمراجعة السلطات بعد 5 أيام من القصف، وإفادته بالتقائه في شمال العراق بمقاتلَين اثنين من الـ "Pkk" قالا له إنّهما كانا ينويان الدخول مع المهربين إلى داخل الأراضي التركية، لكن لا يوجد أيّ دليل أو إثبات على ذلك، وبقي هؤلاء الثلاثة مجهولين، سوف يطالب مندوب حزب السلام والديمقراطية بصور تثبت ذلك، ويطالب بالصور الملتقطة من قبل الطائرات الأمريكية على الجانب العراقي، لكنّ طلبه جوبه بالرفض، وفي المحصلة؛ سوف يصدر التقرير النهائي بخلاف ما جرى من استنتاجات من قبل اللجنة، وتقرير خبراء تحليل الصور في شركة "Aselsan" ، وهي أكبر شركة تركية متخصصة في شؤون الدفاع، تابعة للجيش التركي، الذي لا يظهر أيّة مؤشرات على حركة غير اعتيادية للمجموعة، وسيقوم أعضاء اللجنة من الحزب الحاكم بتعديل النتائج التي توصّل إليها تقرير الشركة، كلّ ذلك من أجل تبرير القصف.

وبحسب كوركجو نفسه: "كانت مذبحة "أولوديري" عملية مقصودة وموجّهة، أخذت في الحسبان احتمال سقوط ضحايا مدنيين، هدفها القضاء على أحد قياديي الـ "Pkk"، لو تحقق ما كانوا قد خططوا له، لما تم ذكر الضحايا المدنيين، بل وربما كانوا سيعتبرون أعواناً للـ "Pkk"، وكان سيتم الاحتفال بالقصف كنصر"، وتضيف المؤلفة: "المسؤولون الأتراك كانوا في حاجة ماسة إلى نصرٍ كهذا؛ فالسياسيون كانوا قد أقسموا على الانتقام لمقتل 24 جندياً وجرح 22 آخرين، سقطوا في هجوم قام به الـ "Pkk" في محافظة حكاري، في مساء 18-19 تشرين الأول (أكتوبر)".

اقرأ أيضاً: تركيا... تاريخ حافل بالقمع ضد الأرمن والأكراد
يجدر بالذكر، رغم استحالة التحقق؛ أنّ بعض الصحف المقربة من الجيش التركي سرّبت بعد الحادثة تقارير تُحمّل جهاز المخابرات الوطنية التركية "Mit"، وتحديداً رئيسه، هاكان فيدان، اليد اليمنى لأردوغان حتى اليوم، مسؤولية "توريط" الجيش بمعلومة خاطئة قصداً عن تواجد  قيادي من حزب العمال الكردستاني، باهوز أردال، على الحدود في ليلة "القصف  الخاطئ"، وكذلك أيضاً تشيع الأوساط الموالية لفتح الله غولن، رفيق أردوغان السابق، وعدّوه اللدود حالياً، (وهذا ما لم تتطرق له المؤلفة لأنّ نشر الكتاب سبق العداوة بين أردوغان وغولن التي ساهمت بنشر الملفات السرية والفضح المتبادل).
الحكومة تعرض تعويضاً دون اعتذار والأهالي يرفضون
الأهالي، الذين لم يكونوا يثقون في أيةّ لجنة تحقيق تركية، وطالبوا بأن تقوم لجنة حقوق الإنسان التابعة للاتحاد الأوروبي بتولي التحقيق، تفسيرهم للجريمة بسيط: "قتلونا لأننا كُرد"؛ هذا التفسير الشعبي البسيط، المبني على المعايشة المديدة، وعلى تاريخ حافل بحملات الإبادة والتدمير، يريد القول ببساطة متناهية في الدقة: "لو لم نكن أكراداً، ولو لم نكن مُستضعَفين وبلا حماية قانونية وإنسانية، لما تجرأوا على استباحتنا وقتل أولادنا بهذه البساطة"، ومن هذا الشعور أتى رفضهم للتعويض المادي.

تقول المؤلفة: "رفض أهالي الضحايا قبول أيّ تعويض هو أمر له علاقة بطريقة العرض، فقد اعتبروه ثمناً للسكوت أكثر من كونه تعويضاً عن ضرر، ولا شكّ في أنّ التعويض المادي المتعارف عليه يشمل هذا النوع من الأحداث، لكن يجب أن يترافق مع بعض الشروط؛ مثل أن يظهر الجاني الأسف العميق عن الفعل ويقدم الاعتذار، وبعدها يمكن الحديث عن التعويض المادي، وهذا ما لم يتحقق في هذه الحادثة، ما هو مهم بالنسبة إلى أهالي قريتي كول يازي وأورتاسو، كشف ملابسات القصف؛ كي يتمّ تجنب تكراره، وما يريدونه في نهاية المطاف هو معرفة من الذي أعطى أمر القصف!".  

اقرأ أيضاً: هل يفسد الأكراد التحالف التركي القطري الدافئ؟
تقول إحدى السيّدات: "الحكومة تعلم أنّ الناس هنا فقراء؛ لذلك تعتقد أنّها بالتعويض المالي تستطيع تسوية كلّ شيء، أفضّل أكل العشب على أن أقبل هذا التعويض من الحكومة".
سيدة أخرى اسمها زاهدة (45 عاماً)، أم لستة أولاد، اثنان منهم ذكور، الأكبر يبلغ من العمر 26 عاماً، انفجر به لغم أرضي قبل ثمانية أعوام، عندما كان ذاهباً لجمع الحطب، ومنذ ذلك الوقت لم يعد قادراً على إعالة العائلة، أما الابن الأصغر، أصلان، فقد قتل أثناء القصف.
تقول زاهدة: "من أين نستطيع العيش؟ لا أدري، لكن لا، لم أتوانَ ثانية واحدة عن رفض عرض أردوغان بشأن التعويض، أنا أثق بأنّ الله سيساعدنا".

اقرأ أيضاً: العملية التركية في سوريا: هل ارتكب حلفاء تركيا جرائم حرب ضد الأكراد؟
آنذاك؛ كان رجب طيب أردوغان رئيساً للوزراء، أعلى سلطة تنفيذية في البلاد، وبأسلوبه الشعبوي المعهود والهروب إلى الأمام الذي يجيده، أشار ذات مرة إلى الحادثة بالقول؛ كلّ عملية إجهاض هي "أولوديري"؛ أي استغلال الحادثة في سياقات أخرى (المناقشات حول عمليات الإجهاض).

تُذكّر المؤلفة بـ "اعتذار" أردوغان في البرلمان التركي، في نهاية تشرين الثاني (نوفمبر) 2011، عن مجازر "ديرسم" في ثلاثينيات القرن الماضي، حين قام الجيش التركي بعمليات قتل وحرق وتدمير وإعدامات جماعية بحقّ سكان منطقة ديرسم الكردية طالت الآلاف من المدنيين ونجم عنها تفريغ المنطقة، جاء ذلك الاعتذار غير الرسمي في سياق المزايدة على منافسه، كليجدار أوغلو، زعيم حزب الشعب الجمهوري المعارض، حين فُتح نقاش بمبادرة من عضو في الحزب نفسه، يندّد بتلك المجازر التي طالت آنذاك أقرباء من عائلته. التقط أردوغان هذا الموضوع ورأى فيه مادة جيدة للنيل من منافسه، قائلاً: "من يجب أن يعتذر ليس حزبنا، بل هو حزب الشعب الجمهوري، لأنّ أتاتورك هو مؤسس هذا الحزب، وهو كان رئيساً للبلاد آنذاك"، هذا كلّ ما جاء في "اعتذار" أردوغان! تبدي المؤلفة اشمئزازها من هذه الطريقة الاستعراضية غير الصادقة، وتراها "طريقة مخجلة في كسب النقاط السياسية على حساب آلام آلاف الناس، الاعتذار الذي يحمل حسن النية يتطلب قبل كلّ شيء البدء بنقاش هادئ وصادق ومفتوح، حول ما حدث بالضبط؛ لماذا حدث؟ ولماذا يجب الاعتذار؟".

اقرأ أيضاً: "التايمز": تركيا تستخدم أسلحة محرَّمة ضدّ الأكراد بسوريا
في صيف 2013؛ التقى 6 من أهالي ضحايا مجزرة روبوسكي بأردوغان، بمبادرة وضغط من حزب السلام والديمقراطية، وزعيمه الشاب صلاح الدين ديمرتاش، الذين قبلوا مبادرة ديمرتاش على مضض، وتأسف المؤلفة بدورها على هذه المبادرة من ديمرتاش، الذي حمّل قبلها، مراراً، أردوغان شخصياً مسؤولية المجزرة، ووصفها بأنّها "تحمل توقيع أردوغان"، ووصف لقاء ذوي الضحايا بأردوغان بإيجابية، على عكس انطباعات أهالي الضحايا الذين قابلتهم المؤلفة؛ " كانوا مصابين بخيبة أمل لأنّ أردوغان لم يقدم لهم أيّ شيء، حتى أنّ أحد المدعوين كان قد ترك الجلسة وخرج غاضباً ومحبطاً".
ترى المؤلفة أنّ هذا تلاعب من الحركة السياسية الكردية، لكنّها تشرح أيضاً أنّ المبادرة جاءت في مناخات التفاوض بين حزب العمال الكردستاني والحكومة التركية، ورسالة أوجلان المفتوحة في نيروز 2013، الداعية للسلام.

اقرأ أيضاً: أكراد العراق.. لماذا كانوا الأقرب إلى تحقيق الاستقلال؟
في كانون الثاني (يناير) 2014؛ قرّر المدعي العام العسكري أنّ الجيش لا يتحمّل أيّ ذنب عن القصف؛ لذلك لم تجرِ محاكمات، وهكذا تمّ طيّ القضية قانونياً، وبأمر من رئيس الوزراء "أردوغان".
فضلاً عن التفاصيل الواردة عن المجزرة، وطريقة تعامل الدولة مع ملفها القانوني، وكذلك التقاط حيوات القرويين وأطفالهم خلال معايشة الكاتبة لسكان المنطقة الكردية، يشكّل الكتاب نافذة معرفيّة مهمة للغاية عن المسألة الكردية في تركيا والسياسات التركية المتعاقبة إزاء الكرد في البلاد؛ حيث لا تستكين للرواية التركية الرسمية في أيّ موضوع متعلّق بالكرد، وبحسّ إنساني مُرهف يُعلي من قضية حقوق الإنسان والشعوب قبل أيّ اعتبار آخر.

"ماتَ الأولاد"!
تعبير "خرافة النظام القضائي التركي" الذي جاء في العنوان هنا، يعود لمؤلفة الكتاب، بيدَ أنّها استعملته في سياق تحليلها لجانب محدد، يتعلق ببعض أوجه السماح للغة الكردية، وثمة من يراه مناسباً تماماً للموضوع المحوري للكتاب، أي مجزرة روبوسكي؛ فهو خير تعبير عن آلية عمل القضاء التركي والقوانين التركية حين يتعلق الأمر بالأكراد والمسألة الكردية، رغم استقلالية القانون الموجودة فعلاً في تركيا (نزاهة الانتخابات على سبيل المثال)، إذا ما قورن الأمر بمحيطها (سوريا مثلاً)، إلّا أنّ هذا الهامش القانوني يتلاشى في حال تعلق الأمر بجرائم الجيش التركي، أو المنظمات السريّة، بحقّ الكرد، أو ضرورة فتح مجال شفاف لتناول القضية الكردية  والاعتراف الصريح بوجود شعب غير تركي، يبلغ قوامه ما يقارب الـ 20 ميلون نسمة، وما ينبغي أن يترتب على هذا الإقرار في المجال العام، سياسياً وثقافياً وقانونياً، فاستقلالية القانون تتحول هنا إلى خرافة.

اقرأ أيضاً: الأكراد الأوروبيون ينتفضون ضدّ العدوان التركي
ورأى بعضهم أنّ عنوان الكتاب "ماتَ الأولاد"، يتضمن للوهلة الأولى عبارة تبدو ضعيفة أدبياً، وتعبيراً إنشائياً غير مناسب في هذا الكتاب، الرشيق لغةً وتعبيراً ومهارة سردية، إلى أن يصل القارئ إلى حديث المؤلفة مع سميرة:
"إنه خريف 2012، وقد بلغت (سميرة) تواً سنّ الثامنة عشرة، توقّفتْ سميرة منذ بضع سنوات عن الذهاب إلى المدرسة، ومن المرجَّح أنه لن يطول الوقت حتى تتزوج، أحاول ألّا أكلّمها عن القصف الذي أودى بحياة شقيقها بدران، أي مجرد دردشة عادية، فسألتها: "هل تفكرين في الزواج؟" نظَرت إليّ بشراسة وقالت: "لن أتزوج أبداً"، فسألتها: "لم لا؟"، فأجابت: "ماتَ الأولاد"!

اقرأ المزيد...
الوسوم:



أكراد في تركيا.. كيف حدث الانتقال من السلاح إلى صناديق الانتخاب؟

2020-10-16

بين السلاسل الجبلية الممتدة ما بين شمال جبال زاغروس والمرتفعات الأرمنية شرق الأناضول، انتشرت قبائل الأكراد منذ العصور القديمة، وبعد سقوط مملكة ميديا في القرن السادس قبل الميلاد على يد الفرس، خضعوا لحكم الإمبراطوريات المتعاقبة، مع الاحتفاظ بقدر من الحريّة منحتهم إيّاها تضاريس بلادهم المنيعة.

في السبعينيات تبلور بين الشباب الكردي الاتجاه نحو إطلاق عمل سياسي ضمن الإطار اليساري

وبحكم ما اقتضاه نشوء الدول في صيغتها الحديثة من ترسيم وتثبيت حدود فاصلة بينها، وما استتبع ذلك من تقطيع وتجزئة لروابط عرقية واجتماعية وثقافية، تكوّنت وتشكّلت عبر عصور طويلة متلاحقة، ونتيجة عدم نشوء دولة جامعة للأكراد، كان مصيرهم التفرّق بين أربعة دول هي: إيران وتركيا والعراق وسوريا.
سنعرض في أربعة تقارير مسيرة تفاعل الأكراد على المستوى السياسي مع كلّ من الدول الأربع، والبداية في هذا التقرير مع تركيا.
من الانتفاضات المحليّة إلى الدولة الموعودة
عرف الأكراد في تركيا أطواراً عدّة فيما يتعلق بموقفهم وحراكهم على المستوى السياسي، وبالإمكان تتبع المرحلة الأولى في الفترة المتأخرة من العصر العثماني؛ حين كان الأكراد يحظون بقدر من الحكم المحلي، مع ظهور عدد من الأسر الحاكمة والزعامات القبليّة المحليّة، وذلك منذ اختيارهم الانحياز إلى جانب الدولة العثمانية عوضاً عن الصفويّة، لكن وفي عهد السلطان عبد الحميد، ومع حالة التراجع التي أصابت الدولة في أعقاب الخسارة في الحروب مع روسيا، شهدت مناطق الأكراد عدداً من الانتفاضات والثورات قادها زعماء محليون من أمراء وزعماء قبليين، كما نجد مثلاً في ثورة الأمراء البدرخانيين، عام 1879، وثورة مدينة "شمدينان" عام 1880، بقيادة الشيخ عبيد الله النهري، وانتفاضة يزدان شير البوتاني، وحتى انتفاضة عبد السلام البارزاني في دهوك عشيّة الحرب العالمية الأولى.

اقرأ أيضاً: رسالة أوجلان... هل تصنع السلام بين أكراد سوريا وتركيا؟
ومع دخول الدولة أتون الحرب العالمية الأولى؛ تمكّنت من تجنيد عدد كبير من الأكراد، قاتلوا إلى جانب الجيش العثماني الرابع، ومع نهاية الحرب وهزيمة الدولة العثمانية، جاء انعقاد مؤتمر الصلح في فرساي، عام 1991، والذي حرص الأكراد على إيصال صوتهم فيه عبر ممثلهم شريف باشا، وتمكن من إيصال مطالب الأكراد بإقامة دولتهم الخاصّة، وهو ما تمّت ترجمته فعلياً بعد ذلك بعام، عند توقيع معاهدة سيفر، عام 1920، فجاءت متضمنةً خطة مقترحة لإقامة دولة كردية مستقلّة، وكانت تلك اللحظة الأقرب لتحقيق الدولة المنشودة.

شريف باشا خندان حمل مطالب الكرد إلى مؤتمر الصلح في فرساي

تبدّد الوعد.. وبداية المواجهة
رفض الأتراك معاهدة سيفر القاضية بتقسيم بلادهم إلى عدّة دول على أساس العرق، وخاض الجيش التركي بقيادة مصطفى كمال حرباً لأربعة أعوام، عرفت بـ "حرب الاستقلال"، انتهت بإقرار معاهد لوزان عام 1923، والتي قضت تماماً على سيفر ووعودها، بما في ذلك الدولة الكردية الموعودة، ولتصبح مناطق الأكراد جزءاً من دولة جديدة قامت، هي الجمهورية التركيّة، بقيادة مصطفى كمال أتاتورك.

اقرأ أيضاً: العراق "فاترينة" عرض .. 6 أسلحة يستخدمها أردوغان ضد الأكراد
كانت دولة أتاتورك الجديدة دولة قوميّة، لا تعترف بالأقليّات، وإنما تسعى لدمجهم قسرياً ضمن النسيج القومي للدولة، ووجد الأكراد بذلك أنفسهم في مواجهة سياسات الإدماج القسري، فحُظر عليهم استخدام اللغة الكردية في الأماكن العامّة، ومنع استخدام كلمة "الكرد"، وأطلق عليهم اسم "شعب شرق الأناضول"، ومع بداية هذه المرحلة جاءت ثورة الشيخ سعيد بيران الكردي، عام 1925، لتعبّر عن ذروة الرفض لسياسات الجمهوري الجديدة، قبل أن يتصدى الجيش لها ويقمعها.
استمرار النهج.. ولحظة الثورة
استمرت الحكومات التركيّة المتعاقبة بممارسة نهج التمييز والاضطهاد بحقّ الأكراد؛ فكان التكلّم بغير اللغة التركيّة في الأماكن العامّة محظوراً وتترتب عليه العقوبات والغرامات، وكان من المحظور إصدار الصحف، أو عقد الاجتماعات العامّة، التي تنادي بمطالب الأكراد وحقوقهم.

شهدت مرحلة التسعينيات بداية تشكّل اتجاهات سياسية جديدة بين الأكراد في تركيا

ضمن هذا السياق؛ اتّجه أغلب الشباب الكردي الناشط إلى الانتماء للأحزاب والحركات اليساريّة المعارضة، ومع مطلع السبعينيات، بدأ يتبلور بين الشباب الكردي اتجاه نحو إطلاق إطار جديد للعمل السياسي ضمن الإطار اليساري، للمناداة بالمطالب القومية الكردية على أساس مماثل للحركات الثورية والتحرريّة التي كانت منتشرة حول العالم آنذاك، ومن هنا جاء الإعلان عن تأسيس النواة الأولى لحزب العمال الكردستاني، في تشرين الثاني (نوفمبر) من عام 1978، بعد أعوام من النشاط السريّ، واختير عبد الله أوجلان، كأول رئيس له.
تبنّى الحزب الهدف المنشود بإقامة دولة كرديّة في تركيا تكون بمثابة المرحلة الأولى على طريق إقامة دولة كردستان الكبرى، وتبنى الحزب بدايةً أساليب سلميّة، تقوم على نشر الأفكار، وتنظيم المظاهرات، وتوزيع المنشورات، وتعاملت السلطات التركيّة مع الحزب وأهدافه باعتبارها تهديداً يستهدف كيان الجمهوريّة، فتصدّت لأنشطته ولاحقت كلّ من انتسب له.

اختير عبدالله أوجلان كأول رئيس لحزب العمال الكردستاني

خمسة عشر عاماً من العمل المسلّح
وفي عام 1980، قاد كنعان إرفين انقلاباً عسكرياً في تركيا، وبعد استلامها الحكم، اتجهت الحكومة العسكريّة لتعزيز سياسات الإدماج، حتى شرعت بتغيير أسماء القرى والبلدات الكردية إلى أسماء تركيّة، وحظرت على الأكراد التسمّي بأسماء كرديّة. وفي عام 1984، مع اشتداد وطأة القمع، أعلن حزب العمال تبنّي خيار الكفاح المسلّح في مواجهته مع الدولة والمباشرة باستهداف مصالحها، حتى تحقيق الحرية والاستقلال للشعب الكردي، وفي بداية عقد التسعينيات تجاوز عدد مقاتلي الحزب العشرة آلاف مقاتل.

اقرأ أيضاً: السجون التركية تحظر صور كاسترو وجيفارا في زنازين الأكراد
جاء ردّ الدولة عبر إعلان حالة الطوارئ في المحافظات الكردية، وشنّ حملات عسكريّة ضدّ معاقل الحزب وقواعده، وخلال أعوام الصراع؛ تمّ تدمير مئات القرى الكرديّة، وتدمير أجزاء من كبرى المدن في جنوب تركيّا، كديار بكر، وماردين، ونصيبين، وتسبب الصراع في نزوح نحو أربعمئة ألف كردي عن ديارهم.

مقاتلون من حزب العمال الكردستاني

عام 1998؛ قررت دمشق إبعاد عبد الله أوجلان من سوريا؛ حيث كان قد لجأ إليها ونشط منها منذ عام 1979، وقامت بترحيله إلى روسيا، ومن هناك ذهب إلى أوروبا، وتنقّل بين اليونان وإيطاليا، قبل أن يختار التوجّه إلى كينيا. وبعد وصوله إلى نيروبي، في الخامس عشر من شباط (فبراير) عام 1999، نفذّت الاستخبارات التركيّة، بمساعدة من جهازيْ الاستخبارات المركزيّة الأمريكية والموساد، عملية اختطاف لأوجلان، ونقلته إلى تركيّا، وهناك جرى عرضه بصورة مهينة على شاشات التلفزة بغرض بثّ شعور الهزيمة في نفوس الأكراد ومقاتلي الحزب، وتمت محاكمته وصدر بحقه الحكم بالإعدام قبل أن يخفف لاحقاً إلى عقوبة السجن المؤبد.

اقرأ أيضاً: من سيحمي أكراد سوريا من أردوغان؟
وفي العام ذاته؛ أعلن حزب العمال، في الأول من أيلول (سبتمبر)، هدنة، وانسحبت قواته من تركيّا إلى قواعده في شمال العراق، في المقابل أعلنت الحكومة التركيّة وقف العمليّات العسكريّة، رغم عدم التزامها الكامل بذلك واستمرارها في تنفيذ الطلعات الجويّة.
اتجاهات سياسية جديدة
شهدت مرحلة التسعينيات بداية تشكّل اتجاهات سياسية جديدة بين الأكراد في تركيا، تمثّلت في تأسيس أحزاب سياسية اتجّهت لتبنّي خيار العمال السلمي والمشاركة بالعملية الديمقراطيّة في البلاد، مع السعي لإيصال ممثلين عنها إلى البرلمان يحملون مطالب الشعب الكردي، بدايةً من تأسيس "حزب العمل الشعبي"، عام 1990، والذي نجح في الوصول إلى البرلمان التركي في انتخابات عام 1991، بعد تحالفه مع حزب الشعب الديمقراطي الاشتراكي، واشتهرت نائبته، ليلى زانا، التي أرادت القيام بأداء قسم اليمين في البرلمان باللغة الكردية، فمنعت، وأثارت ضجّة واسعة في حينها.
وعام 1993؛ جاء قرار المحكمة الدستوريّة التركيّة بإغلاق الحزب، وذلك بدعوى ثبوت إقامة أعضائه صلات مع حزب العمال، وعام 1994؛ أزيلت الحصانة البرلمانيّة عن ليلى زانا، وحُكم عليها بالسجن مدة خمسة عشر عاماً، بتهمة إلقاء خطابات انفصاليّة.
ومباشرة، بعد قرار إغلاق حزب العمل الشعبي، عام 1993، تأسس حزب كرديّ آخر؛ هو "حزب العمل الديمقراطي"، قبل أن تغلقه المحكمة الدستورية مباشرة بدعوى أنّه امتداد للحزب السابق.

ليلى زانا في مواجهة المحكمة

وفي أيار (مايو) 1994؛ أسّس المحامي الكردي، مراد بوزلاق، حزب "ديمقراطيّة الشعب"، وحرص الحزب الجديد على الابتعاد تماماً عن حزب العمال، تجنباً لمصير الأحزاب السابقة، لكن، وفي اجتماع للحزب، عام 1996، تمّ إنزال العلم التركي ورُفع علم حزب العمال، ما أدّى إلى اعتقال عدد من أعضاء الحزب.

تمكّن حزب الشعوب في انتخابات 2015 من حصد 13% من مجموع أصوات الناخبين في البلاد

شارك الحزب في الانتخابات التشريعية للعام 1995 والعام 1999، واستمر حتى عام 2003؛ حين صدر قرار المحكمة الدستوريّة بإغلاقه، وأيضاً من جديد بالتهمة ذاتها: إقامة صلات مع حزب العُمّال.
وفي عام 1997؛ تأسّس حزب الشعب الديمقراطيّ، وفي الانتخابات التشريعيّة للعام 2002، تمكّن الحزب من حصد (6.2%) من مجموع أصوات الناخبين في البلاد، لكنّه لم يتمكّن من دخول البرلمان لعدم تجاوزه العتبة (10%)، وعام 2005 اتجّه الحزب للاندماج في مبادرة "حركة التجمع الديمقراطي"، بقيادة ليلى زانا، التي نجم عنها تأسيس "حزب التجمّع الديمقراطي" عام 2005.
تحوّلات متسارعة
دخلت تركيا مع بداية الألفيّة منعطفاً جديداً، مع وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم، عام 2002، والذي حرص على تأكيد الالتزام بإطلاق توجّه جديد في التعامل مع قضايا الشعوب والأقليات غير التركيّة في البلاد، وفي مقدمتها الأكراد، والتراجع عن الاتجاه الذي ساد والقائم على سياسات الدمج والتمييز والاضطهاد، وذلك مقابل الالتزام الكردي بالتراجع عن العمل المسلّح والتخليّ عن مطالبات الاستقلال والانفصال.

اقرأ أيضاً: الأكراد والثورة الإيرانية.. مسلسل بلا نهاية من المآسي
وفي هذه المرحلة، ومع تسارع التحوّل على مستوى المشاركة السياسة الكرديّة، وتحوّلها إلى الإطار القانوني، أعلن أوجلان في السجن عن مراجعة أفكاره السياسية، واتجه نحو التخلّي عن العنف، وفي آذار (مارس) عام 2005؛ أصدر منشوراً بعنوان "الكونفدراليّة الديمقراطيّة في كردستان"، تبنّى فيه مطلب إنشاء إقليم حكم ذاتي كرديّ على غرار الإقليم العراقيّ، وقد تبنى الحزب الرؤية الجديدة في العام ذاته.
المزيد من النواب الأكراد في البرلمان
بعد انطلاق نشاط حزب التجمع الديمقراطي عام 2005، لم تمر سوى أربعة أعوام حتى صدر القرار بحظره هو الآخر، عام 2009، بالتهمة ذاتها أيضاً، ومع حظره تأسس حزب بديل جديد وهو "حزب السلام والديمقراطيّة"، قبل أن يُحظر ويُحلّ عام 2014.
وفي عام 2012، تأسس "حزب الشعوب الديمقراطي" كحزب يساري يتبنى الديمقراطية الاشتراكية، ويناصر قضايا الأقليّات في تركيا، وفي مقدمتها قضايا المطالبة بالحقوق الكرديّة، وفي انتخابات عام 2015 تمكّن الحزب من تحقيق نقلة نوعيّة على مستوى العمل السياسي الكردي، مع تمكّنه من تجاوز نسبة الـ 10%، وحصوله على نحو 78 مقعداً، بعد حصده 13% من مجموع أصوات الناخبين، ما شكّل مفاجأة للمحللين حينها، وفي الانتخابات الأخيرة عام 2018، تمكّن من حصد نحو 11.7% من مجموع الأصوات، وحصل على 69 مقعداً في البرلمان من أصل 600 مقعد.

صلاح الدين ديمرداش رئيس حزب الشعوب الديمقراطي

ويرى محمد عثمانلي، باحث الدكتوراه في التاريخ التركيّ الحديث، من جامعة "باموق قلعة" بتركيا، في إجابته لـ "حفريات" عن سبب التحوّل في شكل المشاركة السياسية لدى الأكراد في تركيّا؛ بأنّ "ذلك يعود بالأساس إلى شعور الناخب التركي بأنّ المسار الديمقراطي والمشاركة في الانتخابات جلبت له المنافع الملموسة عبر الحصول على المزيد من الحقوق على المستوى الثقافي، إضافة إلى تعزيز مستوى التنمية في المحافظات ذات الغالبية الكرديّة، عبر إيصال الممثلين إلى البرلمان، في حين أنّ القناعة ترسّخت لدى شريحة واسعة من الأكراد بأنّ نهج حزب العمال لم يحقق لهم مطالبهم، وإنّما أدّى إلى الكثير من الخسائر على مختلف الصعد".
ويعلّق عثمانلي على الاختلاف بين مشاركة الأحزاب الكرديّة الناشئة منذ التسعينيات وبين حزب العمال، بأنّ "تلك الأحزاب اتجهت إلى مناجزة الحكومات التركيّة عبر ذات الآليات الديمقراطية التي أوصلت الحكومات إلى السلطة، في حين أنّ حزب العمال لم يدرك التحوّلات في تركيّا، واستمر بمناجزة الدولة على الأساس ذاته الذي فرضته الحكومات غير الديمقراطيّة في العقود السابقة من القرن الماضي".

للمشاركة:

هزة جديدة للنهضة: الغنوشي يشعل غضب التونسيين.. ما علاقة أردوغان؟

2020-01-16

بسبب زيارةٍ سريةٍ إلى تركيا، وعقد اجتماعٍ مغلقٍ مع الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، يواجه زعيم حركة النّهضة الإسلامية، راشد الغنّوشي، دعوات برلمانية متصاعدة، ومطالب شعبية متواترة بسحب الثقة منه كرئيس برلمانٍ، خاصّة أنّها جاءت بعد ساعات قليلة من إسقاط حكومة الحبيب الجملي مرشّح النّهضة.

اقرأ أيضاً: تونس: الطبوبي يوجه رسالة للنهضة ولأردوغان
هذه الزيارة المفاجئة أثارت الريبة، لدى الرأي العام التونسي، نظراً لحساسية التوقيت والظرف الذي جاءت فيه، فضلاً عن المستجدات المحلية في البلاد التي تستعد لتشكيل حكومةٍ جديدة، والأحداث الإقليمية، المتعلّقة بالأزمة الليبية التي تلعب أنقرة دوراً كبيراً في تأجيجها، والانتقادات الموجّهة لتونس بدعمها في ذلك.
ردّاً على هذه الانتقادات، أوضحت قياداتٌ من حركة النهضة، في تصريحاتٍ مختلفةٍ أنّ الزيارة التي قام بها الغنوشي كانت بصفته رئيساً لحركة النهضة، وتندرج في إطار زيارةٍ مبرمجة مسبقاً، فيما قال الغنّوشي إنّ "الصفة الرسمية لا تلغي الحياة الشخصية".
راشد الغنوشي يعقد اجتماعاً سرياً مع أردوغان

عريضةٌ برلمانيةٌ
أثارت الزيارة وتبريراتها الغضب لدى بعض الأحزاب المعارضة، في مقدّمتهم الحزب الدستوري الحر، الذي دعا إلى مساءلة رئيس البرلمان ومن ثم سحب الثقة منه، وطالبت رئيس كتلته بالبرلمان التونسي (17 نائبا) عبير موسى، مختلف الكتل النيابية إلى التوقيع على عريضةٍ لسحب الثقة من الغنوشي، معتبرةً أنّها فرصةٌ للقطع مع الإسلام السياسي، الذي أظهر بالكاشف مخططاته الحقيقية وارتباطاته الخارجية.

تحتاج العريضة البرلمانية بسحب الثقة بالغنوشي إمضاء 73 نائباً لتمريرها على المجلس والنظر فيها

وقالت موسي، خلال مؤتمرٍ صحفي، إنّ طلب سحب الثقة من الغنوشي، مسألة "تتجاوز التجاذبات الحزبية والأيديولوجية؛ لأنّها تمسّ الأمن القومي"، نظراً إلى أنّ رئيس البرلمان يحضر اجتماعات مجلس الأمن القومي ويعرف الكثير، مؤكدةً أنّ هذه الزيارة "غير المعلنة" للبرلمان يحفّ بها الكثير من الغموض وتثير تساؤلات جدّية عن "ارتباطات حركة النهضة بأطراف خارجية وسعيها لتوريط البلاد في محاور أجنبية".
من جانبه، اعتبر محسن مرزوق أمين عام حركة مشروع تونس (4 نواب) أن "ذهاب رئيس مجلس نواب الشعب ورئيس حركة النهضة راشد الغنوشي إلى إسطنبول لمقابلة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، مباشرةً بعد سقوط الحكومة في البرلمان، كما ذهب في مناسباتٍ مماثلة، يؤكد مرّةً أخرى بما لا مجال للشكّ فيه أن قرار حركة النهضة مرتبط بتوجيهات تركيا".
وقال مرزوق في تدوينةٍ على فيسبوك "يمكن أن يذهب الغنّوشي  للقاء زعيمه التركي متى شاء ولكن بصفته الشخصية، أما صفة رئيس البرلمان المؤتمن على سيادة الشعب، فهذا غير مقبول ولا يجب أن يتواصل".
هذا ويدرس حزب التيار الديمقراطي (22 نائباً)، الذي يشترك مع حركة الشعب (16 نائباً) في كتلةٍ واحدةٍ، إمكانية إمضاء العريضة، التي أكد أحد نوابه محمد عمار، أنّهم سيتعاملون معها بكلّ جديةٍ.

ويعتقد الأستاذ في العلوم السياسية، الصادق مطيمط، أنّ سحب الثقة من الغنّوشي وارد جدّاً في ظلّ التوازنات السياسية الحالية، "لكن يجب التفكير في ما بعد إسقاط الغنّوشي من رئاسة البرلمان، خاصّة أنّ المشهد السياسي الحالي، يتقاسمه تيّاران وحيدان، هما تيّار الإسلامي السياسي المتمثّل في حركة النّهضة ومن يدور في فلكها، والذي يعطي لنفسه شرعية رعاية الثورة والديمقراطية".
ويضيف مطيمط في حديثه لـ"حفريات"، أنّ التيّار الثاني تختزله المنظومة القديمة والمتمثلة في الحزب الدستوري الحر، الذي يقوم على مقارنة الأوضاع بعد الثورة، بما كانت عليه قبل الثورة، في المقابل تغيب الأحزاب التقدّميّة عن المشهد.

اقرأ أيضاً: الأحزاب التونسية تهزم "النّهضة" بطريقة ديمقراطية
وتتطلّب العريضة البرلمانية إمضاء 73 نائباً، ليقع تمريرها على المجلس، من أجل النظر فيها، فيما ينص النظام الداخلي لمجلس نواب الشعب على أنه "يمكن لمجلس نواب الشعب سحب الثقة من رئيسه أو أحد نائبيه بموافقة الأغلبية المطلقة من أعضاء المجلس بناء على طلبٍ كتابي معلّلٍ، يُقدم لمكتب المجلس من ثلث الأعضاء على الأقل.
ويعرض الطلب على الجلسة العامة للتصويت على سحب الثقة من عدمه في أجلٍ لا يتجاوز ثلاثة أسابيع من تقديمه لمكتب الضبط.

عريضةٌ شعبيةٌ
بالتزامن، أطلق ناشطون ومثقفون وجامعيون تونسيون حملاتٍ مفتوحة لسحب الثقة من الغنّوشي، وأطلقوا عريضة شعبية بعنوان " لا لراشد الغنّوشي على رأس البرلمان"، على مواقع التواصل الاجتماعي، أمضى عليها إلى حدود اللّحظة أكثر من 23 ألف ناشطٍ تونسي.

التحرك ضد الغنوشي تزامن مع تعرض حركة النّهضة لهزاتٍ أضعفت تماسكها بعد تتالي الاستقالات داخلها

وتقول العريضة: "نحن – التونسيون – رجالاً ونساء نطلب من كل نائب نزيه ومن كل رجل وامرأة حرة أن يوقعوا على مطلبنا الراهن بإعفاء راشد الغنوشي من مهام رئاسة البرلمان، الوطن أمانة، عاشت تونس".
من جانبه، يعتبر المحلّل السياسي والمختص في القانون الدستوري، عثمان الحاج علي، أنّ هذه العريضة "لا يمكنها قانونياً سحب الثقة من الغنّوشي، لكن يمكنها أن تكون ورقة ضغطٍ قويةٍ على أعضاء البرلمان، ليكونوا أكثر صرامةً في التعامل مع الشأن العام التونسي الذي يهم الشعب، والمصلحة العامّة".
وشدّد علي في تصريحه لـ"حفريات"، أنّه يمكنها أيضاً أن تسبّب إحراجاً كبيراً لدى رئيس البرلمان نفسه في حال، كان عدد الإمضاءات كبيراً، مشدّداً على أنّ "ما قام به الغنّوشي بزيارة دولةٍ أجنبيةٍ بصفته الرسميّة، وحيداً دون وفدٍ مرافقٍ له، غير سليمٍ، سياسياً ولا قانونياً؛ لأنّه التقى برئيس بلدٍ أجنبي وعقد معه اجتماعاً سرياً تطرّق فيه إلى قضايا تهم تونس وشعبها".
وكان الغنوشي قد اختير لرئاسة البرلمان التونسي في 13 تشرين الثاني (نوفمبر) 2019، بعد فوز حزبه بالانتخابات التشريعية، وحصل على 123 صوتاً من مجموع 217 ليشغل للمرّة الأولى منذ عودته من منفاه في بريطانيا 2011 منصباً رسمياً.

شبح التمرّد يخيّم على حركة النّهضة
جاء ذلك في وقتٍ، تعيش فيه حركة النّهضة هزاتٍ أضعفت تماسكها، بعد توالي الاستقالات داخلها، وكانت هاجر بركوس المسؤولة المحلية لحركة النهضة في نيس بفرنسا، آخر المستقيلين، بعد أن أعلنت الأربعاء 15 كانون الثاني (يناير) 2020، أنّ قرارات وخطابات النهضة، وأنشطتها لم تعد تمثلها.

سليم بسباس: النّهضة تمرّ بمنعرجاتٍ كبيرة خاصّة أنّ الغنّوشي لم يعد له الحق في الترشّح لعهدة ثالثة

وتُعتبر استقالة بركوس حلقةً في سلسلة الاستقالات التي باتت أشبه بحالة تمرّدٍ يضرب البيت الداخلي للحركة، خلال الساعات القليلة التي تلت زيارة زعيمها إلى تركيا؛ إذ أعلن عضو شورى الحركة زياد بومخلة عن استقالته من الحزب، بعد سنواتٍ من النشاط داخل هياكله، دون الكشف عن الأسباب التي دفعته إلى ذلك.
كما أعلن قبله بساعاتٍ، هشام العريض وهو نجل القيادي الأبرز في الحزب ووزير الداخلية علي العريض، استقالته من الحركة التي شغل داخلها مناصب مهمّة لعشرة أعوام، دون أن يوضح الأسباب، وخرج قبلهما عن الطاعة، كلٌّ من الأمين العام للحركة زياد العذاري، ومستشار الغنوشي لطفي زيتون، ومدير مكتب الغنّوشي السابق زهير شهودي.
ويؤكّد ذلك وجود تصدعٍ وانشقاق في صفوفها، يعكس صراعاً محموماً على إعادة التموضع داخلها، بما قد يؤشر إلى أزمة هيكلية خلال الأشهر القادمة، مع اقتراب تاريخ عقد مؤتمرها الوطني، الذي سيشهد منافسة شديدةً على خلافة الغنوشي في رئاسة الحزب.

وقد أشار القيادي في حركة النّهضة سليم بسباس إلى ذلك، في تصريحه لـ"حفريات"؛ حيث أكّد أنّ الحركة تمرّ بمنعرجات كبيرةٍ، تتعلّق بخياراتٍ كبرى داخلها، كاختيار رئيس حكومةٍ، أو اختيار رئيسٍ جديدٍ للحركة خلال المؤتمر الذي اقترب عقده، خاصّةً أنّ الغنّوشي لم يعد له الحق في الترشّح لعهدةٍ ثالثةٍ.
وأضاف بسباس أنّ ما تعيشه الحركة من استقالاتٍ، وانشقاقاتٍ، طبيعي؛ لأنّ جلّ القيادات ترى في نفسها الكفاءة، لخلافة الغنّوشي، والكلّ يرغب بالتموقع، لافتاً إلى أنّها "حركةٌ كبيرةٌ تضمّ آراء ومواقف مختلفة، وهو ما يكرّس مظهر الديمقراطية، وأنّها لم تعش من قبل مثل هذه الاستقالات، لأنّها لم تمرّ بمنعرجاتٍ كبرى سابقاً".

للمشاركة:

تقرير مرصد الفتاوى: داعش يفتح جبهات جديدة.. هذه وجهتها

2020-01-16

بانتهاء العام 2019 وقعت ألف عملية إرهابية تقريباً، أوقعت 13688 شخصاً بين قتيل وجريح، كما  شهد الربع الأخير من العام تصاعد موجة جديدة من الإرهاب، تحديداً مع بداية كانون الأول (ديسمبر)، وخاصة مع احتفالات رأس السنة الميلادية الجديدة، ومقتل أبو بكر البغدادي، زعيم تنظيم داعش الإرهابي؛ حيث شهد هذا الشهر فقط تنفيذ تسعة وتسعين عملية إرهابية، فيما شهدت الخمسة  شهور الأولى حدوث 518 عملية إرهابية، من كانون الثاني (يناير) حتى نهاية أيار (مايو)، وذلك قبل أن تنخفض موجة الإرهاب من حزيران (يونيو) وحتى نهاية تشرين الثاني (نوفمبر)، بواقع 383 هجوماً، ثم تعود للتصاعد حتى نهاية العام.

الهجمات الإرهابية مرشحة للتزايد وفق التقرير الذي أعدّه مرصد فتاوى التكفير والآراء المتشددة التابع لدار الإفتاء المصرية

ووفق التقرير الذي أعدّه مرصد فتاوى التكفير والآراء المتشددة التابع لدار الإفتاء المصرية؛ فإنّ عدد الهجمات الإرهابية مرشح للتزايد، خاصة مع رغبة تنظيم القاعدة استعادة موقعه على خريطة الإرهاب الدولي، وسعيه الحثيث لشغل الفراغ الذي تركه "داعش"، ورغبة التنظيم في الانتقام لمقتل زعيمه "أبو بكر البغدادي"، إضافة إلى التدخلات الخارجية في الشؤون الداخلية للمنطقة.
وخلص التقرير إلى أنّ هناك عدداً من المناطق، أبرزها جنوب آسيا، ومنطقة القرن الأفريقي، ووسط وغرب أفريقيا، ومنطقة الشرق الأوسط، ستشهد موجات جديدة من العمليات الإرهابية؛ حيث تستغل التنظيمات الإرهابية، مثل؛ داعش والقاعدة، الظروف المعيشية المتردية وغياب الأمن والاستقرار في تلك المناطق.


تابع التقرير السنوي؛ بأنّ 42 دولة تحولت إلى ساحات لتنفيذ الهجمات الإرهابية، خلال العام 2019، حيث وقع في ستّ دول فقط (أفغانستان، العراق، سوريا، الصومال، نيجيريا، باكستان، بوركينافاسو) ما يقارب من 800 هجوم إرهابي؛ أي ما يقارب من 80% من حجم العمليات الكلية المنفذة العام 2019، وراح ضحيتها 10497 شخصاً، ما بين قتيل وجريح، أي يقرب من 76% من حجم الضحايا الكلي لعام 2019، فيما شهدت 37 دولة أخرى ما يقارب 200 هجوم إرهابي، راح ضحيتها ٣١٩ ما بين قتيل ومصاب.

شهدت أفغانستان والعراق وسوريا والصومال ونيجيريا وباكستان وبوركينافاسو 80% من حجم العمليات الكلية المنفذة العام 2019

كما شهد العام الماضي نشاطاً إرهابياً ملحوظاً لأكثر من 34 تنظيماً إرهابياً في عدة مناطق، وتعدّ تنظيمات (داعش، طالبان، بوكو حرام، شباب المجاهدين، نصرة الإسلام والمسلمين) أكثر التنظيمات النشطة والدموية خلال 2019؛ حيث نفذت التنظيمات الخمس ما يقرب من 695 هجوماً إرهابياً؛ أي ما نسبته 70% من حجم العمليات الكلية المنفذة خلال العام، وقد راح ضحيتها 9642 ما بين قتيل ومصاب، وهو ما يشكل 70% من حجم الضحايا الكلي، فيما نفذت جماعات مجهولة ما يقرب من 174 هجوماً إرهابياً، بنسبة بلغت 17.4% من حجم العمليات الكلية، راح ضحيتها ما يقارب من 1553 قتيل ومصاب؛ أي ما تبلغ نسبته 11.3% من حجم الضحايا الكلي، فيما نفذت بقيت التنظيمات ما يقرب من 131 هجوماً إرهابياً بنسبة بلغت 13% من حجم العمليات الكلي، وراح ضحيتها 2196 بنسبة بلغت 15.8% من حجم الضحايا الكلي للعمليات المرصودة خلال العام.

وأكد تقرير المرصد أنّ تنظيم داعش الإرهابي، رغم الضربات الموجعة التي تعرض لها العام 2019، بإخراجه من آخر معاقله في الباغوز بسوريا، واستعادة كافة الأراضي التي سيطر عليها خلال العام 2014، والقضاء على غالبية قياداته ورموزه المؤسسين، وعلى رأسهم أبو بكر البغدادي، زعيم التنظيم، واعتقال معظم مقاتليه في سوريا والعراق، إلا أنّ التنظيم ظلّ قادراً على تنفيذ عمليات إرهابية في مناطق عدة، خاصة بعد فتح جبهات جديدة لعناصره في غرب أفريقيا ووسطها، والتي تعدّ الساحة الأولى للتنظيم، وهي ساحة مرشحة لعمليات متزايدة للتنظيم في 2020.

غرب أفريقيا ووسطها تعدّ الساحة الجديدة لداعش ومرشحة لعمليات متزايدة للتنظيم في 2020

ويعدّ تنظيم داعش أكثر التنظيمات دموية؛ حيث تسببت عملياته، والبالغ عددها 294 هجوماً في قتل وإصابة أكثر من 3598، بما يقارب من 26% من حجم الضحايا الكلي للعمليات المنفذة خلال العام 2019، فيما يحلّ تنظيم طالبان ثاني أكثر التنظيمات نشاطاً، بواقع 193 هجوماً، راح ضحيتها 2741، بين قتيل ومصاب، رغم المساعي الدولية لتحقيق سلام في أفغانستان، وعقد سلسلة من جولات المفاوضات بين طالبان وحكومة الولايات المتحدة.
وأشار التقرير السنوي إلى أنّ العمليات الإرهابية خلال العام الماضي استهدفت العديد من الفئات، سواء كانوا عسكريين ( قوات عسكرية وجيوش، قوات حفظ سلام دولية وأممية، قوات شرطة وأمن داخلي)، كما استهدفت قطاعات واسعة من المدنيين ومناطقهم الرخوة، سواء في الأسواق أو التجمعات المدنية والسكانية المختلفة، فيما استهدفت بعض العمليات عسكريين ومدنيين معاً، وبلغت نسبة العمليات التي استهدفت العسكريين أكثر من 50% من حجم العمليات المنفذة، فيما بلغت نسبة العمليات التي استهدفت مدنيين 44%، بينما بلغت نسبة العمليات التي استهدفت مدنيين وعسكريين معاً ٥% من حجم العمليات المنفذة خلال العام.

اقرأ أيضاً: من تركيا إلى "داعش".. رحلة مصري منشقّ تكشف الحقيقة
وانتهي تقرير المرصد إلى رسم خريطة للمناطق التي ربما ستشهد ارتفاع في عمليات العنف والإرهاب خلال العام 2020، بناء على خريطة العنف والإرهاب لعام 2019، وهي مناطق (جنوب آسيا، منطقة القرن الأفريقي، وسط وغرب أفريقيا، منطقة الشرق الأوسط)، وحذّر المرصد من أنّ التدخلات الإقليمية والخارجية في شؤون الدول التي تشهد صراعات داخلية، ستعمل على مضاعفة العمليات الإرهابية والعنف في تلك البلدان، ودعا المرصد إلى ضرورة تبنّي خيارات الحوار الوطني والخيارات السياسية والدبلوماسية لحلّ النزاعات المسلحة في تلك المناطق، بعيداً عن التدخلات الخارجية، وأكد المرصد على ضرورة تعظيم أدوار التحالفات الدولية في القضاء على الإرهاب، وعدم تشتيت جهودها في صراعات إقليمية حتى لا تعطي للإرهاب حواضن جديدة، تعيد فيها هيكلة أفرعها ونشاطها، كما دعا المرصد إلى ضرورة الحفاظ على النجاحات التي حققتها الجهود الدولية في القضاء على الإرهاب ومكافحته في الأعوام الماضية. 

جدير بالذكر؛ أنَ تقرير الإرهاب السنوي لعام 2019 يأتي ضمن مخرجات مرصد الفتاوى التكفيرية والآراء المتشددة، وهو المؤشر الذي يهتم بتتبع العمليات الإرهابية ورصدها وتحليلها، واستشراف مستقبل المناطق التي تشهد عمليات إرهابية.
ويهدف المؤشر السنوي إلى تقديم صورة تحليلية مبسطة عن النشاط الإرهابي وامتداداته المختلفة في مختلف دول العالم، في محاولة لرسم خريطة انتشار الجماعات الإرهابية ومناطق توزيعها وتموقعها، مع محاولة تحديد مراكز انطلاق العمليات الإرهابية في الأقاليم المختلفة، كما يركز المؤشر فقط على العمليات الإرهابية التي تنفذها الجماعات المتطرفة التي تتبنّى أيديولوجيا دينية، التي تستهدف المدنيين والقوات النظامية، ويستبعد عمليات العنف التي تنفذها جماعات عرقية أوقبلية في مناطق الصراعات، كبعض الهجمات التي تشهدها منطقة غرب ووسط أفريقيا، خاصة في نيجيريا والكاميرون ومالي.

للمشاركة:



قبل أيام من مؤتمر برلين.. هذا ما أعلنه أردوغان!

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-16

أعلن الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، اليوم، إرسال قوات إلى ليبيا لدعم قوات ميليشيات، فايز السراج، ضدّ القوات المسلحة الليبية التي يقودها المشير خليفة حفتر.

ويأتي الإعلان عن إرسال القوات التركية قبل أيام من لقاء برلين المخصص للأزمة الليبية، والذي سيشارك فيه أردوغان، وفق ما أوردت وكالة "رويترز".

وقال أردوغان: "تركيا ستواصل استخدام جميع الوسائل الدبلوماسية والعسكرية لضمان الاستقرار على حدودها الجنوبية البرية أو البحرية".

أردوغان يعلن اليوم أنّه سيرسل قواته إلى ليبيا قبل أيام من لقاء برلين المخصص للأزمة الليبية

 مراقبون ليبيون ربطوا تصريحات أردوغان بأطماعه التي تتعلق بسيطرته على ليبيا، ومحاولته عرقلة التوجه الدولي الساعي لإحلال السلم في ليبيا عن طريق إحياء المفاوضات بين الفرقاء الليبيين.

وكانت صحيفة "الغارديان" البريطانية قد نشرت، أمس، تقريراً قالت فيه إنّ ألفي مقاتل سوري قد وصلوا، أو سيصلون قريباً إلى ليبيا قادمين من تركيا، للقتال إلى جانب حكومة الوفاق غير الشرعية، التي يترأسها فايز السراج.

ونقلت الصحيفة، عن مصادر سورية، تأكيدها أنّ 300 عنصر من الفرقة الثانية فيما يعرف بـ "الجيش الوطني السوري"، وهو مجموعة من المقاتلين تدعمهم أنقرة، دخلوا تركيا عبر معبر حور كلس العسكري، في 24 كانون الأول (ديسمبر) الماضي، كما دخلت مجموعة أخرى قوامها 350 عنصراً، في 29 كانون الأول (ديسمبر)، لتلقي التدريبات الضرورية قبل إدماجهم في ساحات الحرب في تركيا ضدّ الجيش الليبي.

 

 

للمشاركة:

روحاني يقرّ برفع معدلات تخصيب اليورانيوم.. ماذا سيكون ردّ الدول الأوروبية؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-16

أقرّ الرئيس الإيراني، حسن روحاني، اليوم، بتوسيع بلاده معدلات تخصيب اليورانيوم، بما يفوق الاتفاق النووي.

وقال روحاني في كلمة متلفزة: "تخصيب اليورانيوم اليوم في إيران أكثر مما كان عليه قبل توقيع الاتفاق النووي"، مشيراً إلى أنّه "لا توجد اليوم أيّة قيود على البرنامج النووي الإيراني".

وقال روحاني: "طهران لم تنسحب من الاتفاق النووي، وطلبت من البقية التعويض، وإلا ستخفض من التزاماتها".

وأضاف روحاني: "الإدارة الأمريكية خططت للقضاء على النظام الإيراني في غضون 3 أشهر وفشلت".

روحاني: لا يوجد قيود على البرنامج النووي وتخصيب اليورانيوم اليوم أكثر مما كان عليه قبل توقيع الاتفاق

ولفت روحاني إلى أنّ الخطاب الأمريكي تغير تجاه إيران إلى حدّ كبير بعد الضربة الصاروخية، التي وجهتها إيران إلى القواعد الأمريكية في العراق، قائلاً: "الولايات المتحدة الأمريكية تظلم الجميع وتعتدي على الجميع وتسحق مصالح الجميع، لكن لا أحد يجرؤ على قصف معسكراتها بالصواريخ كما فعلت إيران، ربما تطلق بعض الدول التحذيرات والتهديدات، لكن أن تهزّ قاعدتها العسكرية وتجبرها على التراجع عن تهديداتها وتجعل البنتاغون متيقظا طوال الليل فهذا أمر مهم. لقد تغيّرت اللهجة الأمريكية تجاهنا وتراجعت بعد هذه الضربة إلى حدّ كبير".

 جاءت هذه التصريحات تزامناً مع إعلان وكالات الأنباء أنّ" الضربة الإيرانية جاءت بتنسيق مع الولايات المتحدة، وأنّها لم تستهدف إلا أجزاء من القواعد العسكرية، التي لا يوجد بها أيّ جندي أمريكي".

 

للمشاركة:

هل ينهي الغنوشي الضجة السياسية التي رافقت زيارته لتركيا؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-16

قال الغنوشي، خلال جلسة عامة في البرلمان، أمس: إنّ "زيارته إلى تركيا ولقاءه المغلق بأردوغان، السبت الماضي، كانت بصفته رئيساً لحزب حركة النهضة الإسلامية، وليس رئيسا للبرلمان التونسي، محاولاً تدارك الضجة السياسية التي رافقت زيارته المفاجئة".

وكانت الزيارة المفاجئة أثارت جدلاً في تونس كونها جاءت بعد ساعات من تصويت البرلمان ضد منح الثقة للحكومة المقترحة من مرشح حركة النهضة، وفق ما نقلت وكالات انباء تونسية.

الغنوشي: زيارتي إلى تركيا شخصية حزبية ولا علاقة لها بتمثيل (البرلمان) ولم أتحدث باسمه

ويدور النقاش حول ما إذا كان لقاء الغنوشي بالرئيس التركي، بصفته رئيساً لحزبه حركة النهضة أم بصفته رئيساً للبرلمان، وما إذا كان أحاط البرلمان علماً بتلك الزيارة.

وقال الغنوشي، رداً على استفسار برلماني: "حتى نغلق هذا الموضوع، وكي لا تبقى ملابسات؛ فهي زيارة شخصية حزبية، ولا علاقة لها بتمثيل المجلس (البرلمان)، ولم تستخدم إدارة المجلس، ولا أموال المجلس، ولم أتحدث باسم المجلس في أيّ حديث".

وتابع الغنوشي: "لا يوجد مانع في البرلمان لأن يؤدي أحد رؤساء الأحزاب زيارة خارجية، لا أرى في هذا مشكل"، مضيفاً في توضيحه: "الصفة الرسمية للمسؤول لا تلغي حياته الخاصة ولا صفته الحزبية".

الحزب الدستوري الحرّ يدعو لتوقيع عريضة بين النواب تمهيداً لسحب الثقة من الغنوشي

والغنوشي هو الزعيم التاريخي لحركة النهضة الإسلامية وأحد مؤسسيها مع القيادي الآخر، عبد الفتاح مورو، منذ سبعينيات القرن الماضي، لكن منذ صعوده لرئاسة البرلمان بعد الانتخابات التشريعية، التي أجريت في السادس من تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، وفازت بها حركة النهضة، بدأ قياديون في الحزب بالدعوة إلى ترشيح شخصية بديلة لرئاسة الحركة.

وصرّح عبد اللطيف المكّي، أحد القياديين المخضرمين للحزب في وقت سابق؛ بأنّه يجب التعجيل بتنظيم مؤتمر للحركة لأنّ رئيس الحركة لم يعد قادراً على تخصيص وقت لرئاسة الحزب.

وأوضح المكي: "هناك وجهة نظر قانونية؛ لأنّ هناك من يقول داخل الحزب إنّ القانون الداخلي للحركة ينصّ على أن يكون رئيسها متفرغاً لقيادة الحركة".

وعلى صعيد متصل، طالب الحزب الدستوري الحرّ في تونس، بسحب الثقة من رئيس البرلمان، راشد الغنوشي، غداة زيارته المفاجئة له إلى تركيا.

تونسيون يطالبون بسحب الثقة من الغنوشي لأنّ زيارته إلى تركيا في هذا الوقت تعدّ خرقاً للسيادة

وقال الحزب في مؤتمر صحفي؛ إنّ سحب الثقة من رئيس مجلس نواب الشعب (البرلمان)، تعدّ الوسيلة الوحيدة المتاحة، لمساءلة راشد الغنوشي.

 ولم يقتصر الأمر على الأوساط السياسية؛ حيث طالبت شريحة كبيرة من الشعب التونسي بسحب الثقة من الغنوشي، لأنّ زيارته تلك إلى تركيا تعدّ خرقاً للسيادة التونسية، خاصة أنّها جاءت بعد قرار عدم منح الثقة للحكومة، ما يعدّ مؤشراً على علاقة تركيا وتدخّلها في الشأن الداخلي لتونس.

 

للمشاركة:



"الوطن الأزرق": أيديولوجيا التدخل التركي في ليبيا

2020-01-16

ترجمة: محمد الدخاخني


في 2 كانون الثّاني (يناير) الجاري، وافقت الجمعيّة الوطنيّة التّركيّة الكبرى على تفويض نشرٍ عسكريّ فيما يتعلّق بإرسال قوّات إلى ليبيا. ووصف جنكيز شاندر، الصّحافيّ التّركيّ البارز وخبير الشّرق الأوسط، الأمر بأنّه "تفويض بالمغامرة" يدعم الاتّفاق الثّنائي الذي أبرمته تركيا، في 27 تشرين الثّاني (نوفمبر) 2019، مع حكومة الوفاق الوطني الليبية، التي تتفاوت قوّتها ونفوذها من يوم لآخر. كان السّبب الأسمى لتمرير التّفويض على عجل، دون شكّ، رغبة أردوغان في دخول مفاوضات 8 كانون الثّاني (يناير) الجاري، وهو في موقعٍ قويّ أمام فلاديمير بوتين، الّذي يدعم القوّات الّتي تتعزّز تدريجيّاً لخليفة حفتر، قائد الجيش الوطنيّ الّليبيّ، ضدّ حكومة الوفاق الوطنيّ الّليبيّة. ومع ذلك، يبدو أنّ أردوغان لم يستطع الوصول إلى هدفه، كما ينبغي.

بالإضافة إلى ذلك، فإنّ المصادفة بين تاريخ تمرير التّفويض والتّاريخ الّذي وقّعت فيه دول إسرائيل واليونان وجمهوريّة قبرص اتّفاق خطّ أنابيب الغاز الطّبيعيّ "إيست-ميد"، لنقل الغاز الإسرائيليّ والقبرصيّ إلى أوروبا، بعثت برسالة دبلوماسيّة منفصلة تماماً. في هذا السّياق، تقوم تركيا، وفقاً لسرديّتها الخاصّة، بقلب الّلعبة الّتي أُديرت في شرق البحر المتوسّط وتحقّق الاستقرار في المنطقة من خلال استباق "المتمرّدين" الّليبيّين الّذين تدعمهم القوّات الغربيّة. هذا، دون شكّ، ما يراه نظام أردوغان وأنصاره - أو، على وجه التّحديد، ما أملوا في رؤيته - في تركيا.

السّياسة الحالية الّتي تتّبعها تركيا في ليبيا محفوفة بالمخاطر العسكريّة، وإشكاليّة من منظور العلاقات الدّوليّة

لكن الجانب الآخر من هذه "المغامرة" مختلف كثيراً وأكثر قتامة. يعدّ هذا القرار مؤشّراً في الأساس على أنّ تركيا ابتعدت عن فهمها الكلاسيكيّ والمركّز على التّوازن للسّياسة الخارجيّة، والّذي بدأت تنأى عنه منذ أوائل العقد الثّاني من الألفيّة الحاليّة. كما أنّه مؤشّر على أنّ تركيا قد تنوي بسهولة استخدام القوّة العسكريّة والمشاركة في النّزاعات القائمة خارج حدودها.
هذه ليست المرّة الأولى لتركيا أردوغان؛ فقد كان هناك وضع حرج في سوريا، يمكن أن يكتسب شرعنة نسبيّة في السّياسة الدّاخليّة بسبب قرب هذا البلد، وبسبب الورقة الكرديّة. لكن تركيا تسعى الآن إلى المشاركة في الفضاء العسكريّ والاجتماعيّ والسّياسيّ المعقّد لليبيا، وهي المكان الّذي قمعته عسكريّاً آخر مرّة حين كانت ليبيا أرضاً عثمانيّة. تركيا لا تمتلك أيّ حدود برّيّة مع ليبيا، لكن لديها مسافة طيران تقارب 1,400 ميل. علاوة على ذلك، وفقاً لمصادر إخباريّة عديدة، تستعدّ تركيا لدفع الجماعات الإسلامويّة الّتي دعمتها في سوريا قبل الانخراط مباشرة، وقد يؤدّي هذا الوضع إلى تفاقم صورة تركيا الدّوليّة الّتي هي موضع إشكال بالفعل.

اقرأ أيضاً: هل ليبيا جارة تركيا؟!

عندما ننظر في الوقت ذاته إلى كلا جانبي العملة، يمكننا الوصول إلى بعض الاستدلالات. أوّلاً، من الواضح أنّ قضيّة ليبيا لن تجسّد إنجازاً داخل تركيا؛ حيث عادةً ما تستخدم السّياسة الخارجيّة لأغراض سياسيّة محلّيّة. فهذا البلد غير المعروف إلى حدّ كبير، و، لو كان معروفاً، الّذي لا يجد تعاطفاً نحوه في المجتمع التّركيّ، لن يوفّر الكثير من القوّة لنظام أردوغان. ثانياً، لم يكن واقعيّاً أن نتوقّع من حكومة الوفاق الوطنيّ الّليبيّة، الّتي تدعمها تركيا، تولّي زمام الأمور في البلاد. على العكس من ذلك، فإنّ قوّات حفتر، الّتي تدعمها روسيا وبعض الدول العربية، من المرجّح أن تسيطر على البلاد. وفي مثل هذه الحالة، ستكون تركيا قد فشلت والاتّفاقيّات الّتي أبرمتها قد اختفت. أخيراً، ستواجه تركيا مشكلات أكبر بكثير إذا حاولت نشر كتيبة أو سريّة مدرّبة ومسلّحة مؤلّفة من أكثر من 100 إلى 150 فرداً، بناءً على متطلّبات التّفويض. واتّفاقات التّزويد بين المهابط اليونانيّة والمصريّة قد لا تكون طويلة الأجل، وينظر الخبراء بشكّ لما إذا كانت تركيا لديها القدرة العسكريّة الّلازمة للتّغلّب على هذه العقبة.

لماذا تقوم تركيا بهذه المخاطرة الكبيرة؟

باختصار، إنّ السّياسة الحالية الّتي تتّبعها تركيا في ليبيا محفوفة بالمخاطر العسكريّة، وإشكاليّة من منظور العلاقات الدّوليّة، وستحقّق مكاسب قليلة للحكومة التّركيّة الحاليّة في ميزان السّياسة الدّاخليّة. من المؤكّد أنّ تركيا قوّة مهمّة في موازين القوى في شمال إفريقيا والشّرق الأوسط وشرق البحر المتوسط ولا ينبغي استبعادها في عمليّة التّأسيس لأيّ خطّة. وكما هو الحال مع مصر وقبرص وإسرائيل واليونان، يجب أن تردّ تركيا على إقصائها من جانب دول تعتبر حالياً خصومها، لكن هذا الرّدّ يجب ألّا يكون محفوفاً بالمخاطر بشكل صريح. من ناحية، ربّما تسعى تركيا إلى حلّ النّظام في المنطقة، كما فعلت في شمال سوريا، من خلال اتّفاقيّة تنسيق مع روسيا. لكن، من ناحية أخرى، يجب أن نتذكّر أنّ ليبيا ليست مصدر قلق كبير على الحدود بالنّسبة إلى تركيا كما هو حال سوريا، كما أنّ تركيا لا تحدّد الّلاعبين في ليبيا كما هي الحال في سوريا. فلماذا وكيف تتحمّل تركيا أردوغان هذه المخاطر متعدّدة الجوانب؟ للإجابة عن هذا السّؤال، سيكون من الأفضل البحث عن الدّاعمين الرّئيسين لسياسة تركيا الحاليّة تجاه ليبيا في السّياسة الدّاخليّة التّركيّة، وعندما نفعل ذلك يمكننا أن نرى صورة مثيرة للاهتمام تستحقّ شرحاً.

 

 

الأورو-آسيويّة ومفهوم "الوطن الأزرق"

استخدم الّلواء البحريّ المتقاعد جيم غوردينيز، الّذي حوكم وأدين في محاكمات باليوز (المطرقة الثّقيلة) الّتي نشأت عن الشّراكة بين حركة غولن المثيرة للجدل وحزب العدالة والتّنمية الّذي يتزعّمه أردوغان، لأوّل مرّة مفهوم "الوطن الأزرق" في 14 حزيران (يونيو) 2006، في ندوة حول البحر الأسود والأمن البحريّ نظّمتها قيادة القوّات البحريّة. ووفقاً له، فإنّ "الوطن الأزرق" هو اسم الأرض الّتي تشتمل على مساحات من الاختصاص البحريّ في البحر الأسود والبحر الأبيض المتوسّط وبحر إيجة (المياه السّاحليّة والجرف القاريّ والمناطق الاقتصاديّة الخالصة) والّتي تحيط تركيا بموارد حيويّة وغير حيويّة. وقد استُخدم هذا المفهوم أيضاً من جانب أعضاء سابقين في القوّات البحريّة، والآن، فريق السّياسيّ التّركيّ دوغ بيرنجيك يُعرّف على أنّه أورو-آسيويّ ويخلق مساحة حرّيّته من خلال استغلال الصّراع بين حركة غولن وحزب العدالة والتّنمية، خاصة بعد منتصف عام 2015. ويجسّد الأورو-آسيويّون، الّذين يحملون شعار "الوطن الأزرق" باعتباره "الميثاق القوميّ في البحر"، فريقاً تعاون مع أردوغان بعد محاولة الانقلاب العنيفة في 15 تمّوز (يوليو) 2016، ويمتلكون القدرة على التّأثير عليه بعمق في عمليّة إبعاد تركيا عن انتهاج سياسة خارجيّة تركّز على الغرب ودفعها نحو الكتلة الصّينيّة-الرّوسيّة مع التّشكيك في أهميّة حلف شمال الأطلسيّ (النّاتو) بالنّسبة إلى تركيا.

يجسّد الأورو-آسيويّون، الّذين يحملون شعار "الوطن الأزرق" فريقاً تعاون مع أردوغان بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في 2016

يؤكّد هذ الفريق، إلى حدّ ما، على أنّ مكان تركيا ليس في الاتّحاد الأوروبيّ أو في إطار مُهيمنٍ شرق متوسّطيّ يركّز على مصر وإسرائيل، وإنّما في تأسيس هيمنة في شرق البحر الأبيض المتوسّط بمفردها. في هذا الصّدد، يجادلون بأنّ مصالح تركيا تقع خارج العالم الغربيّ وأنّ تركيا يجب أن تنضمّ إلى المعسكر المعادي للإمبرياليّة الّذي تقوده روسيا والصين. ويتطلّب تحقيق هذا الهدف الحفاظ على الحدود الّتي أطلقوا عليها اسم "الوطن الأزرق". ومن أجل حماية هذه الحدود، توقّع الأورو-آسيويّون أن تتّبع تركيا بعد اتّفاق ليبيا مبادرة من شأنها أن تضمن التّأثير نفسه الّذي حصل في سوريا. ومن بين القضايا الّتي من المؤكّد أنّها غير قابلة للنّقاش سؤال مع من ستعقد تركيا هذا الاتفاق في سوريا.

 

 

محبّة الإخوان المسلمين والسّباق من أجل قيادة الأمّة

من المثير للاهتمام، بالرّغم من زعم الأورو-آسيويّين أنّهم يمثّلون الجناح العلمانيّ المتشدّد في تركيا، أنّهم أوصوا باتّخاذ إجراءات ضدّ ليبيا بنفس مستوى الإسلامويّين الّذين يمثّلهم أردوغان في تركيا. ورؤية السّياسة الخارجيّة الّتي بدأت بشكل ملحوظ خلال فترة ولاية رئيس الوزراء السّابق، أحمد داود أوغلو، تحت اسم "العثمانيّة الجديدة"، وسعت إلى السّيطرة على سكان الأقاليم العثمانيّة السّابقة والتّأثير على مسلمي العالم من خلال السّلطويّة والتّوظيف الفعّال للدّين فشلت بقدر طموح أردوغان في قيادة العالم الإسلاميّ.

يمتلك الأورو- آسيويون قدرة على التّأثير بعمليّة إبعاد تركيا عن انتهاج سياسة خارجيّة تركّز على الغرب ودفعها نحو الكتلة الصّينيّة-الرّوسيّة

هنا، وجدوا السّعوديّة الأكثر قوّة اقتصاديّاً ومصر الأكثر نفوذاً من النّاحية الّلاهوتيّة في وجههم في كلّ مكان تقريباً في العالم. وهذا دفعهم بالضّرورة نحو تعاون عالميّ متعدّد الأوجه مع جماعة الإخوان المسلمين. في النّهاية، زواج أردوغان بين القوميّة والإسلام يتماشى إلى حدّ بعيد مع أيديولوجيا الإخوان المسلمين.
ومع سيادة هذه الظّروف، وجد أردوغان نفسه، والجناح الإسلامويّ المحيط به، بطريقة ما، يدعم رئيس حكومة الوفاق الوطنيّ الّليبيّة، فايز السّراج، وهو عضو معروف في جماعة الإخوان المسلمين. وبالتّالي، فتحت تركيا أردوغان جبهة أخرى ضدّ السّعوديّة، الّتي دخلت معها في صراعات متعاقبة منذ النّصف الأخير من العقد الثّاني من الألفيّة الحاليّة، وضدّ مصر، الّتي أعلنت تركيا صراحة عداءها لها.

لقاء الغريمين
بالرّغم من أنّ الفريقين، الأورو-آسيويّ والإسلامويّ، كانا في صراع حول أشياء كثيرة في تركيا، فقد تقاطعا، بالضدّ من كلّ الخلافات التّاريخيّة، حول قضيّة ليبيا. وفيما يناور أحد الفريقين لتطليق تركيا من الغرب عندما تتعلّق الأمور بالسّياسة الخارجيّة، يسعى الآخر لبناء حصن جديد في منافسة لا تليق بتديّن تركيا. سيكون من الصّعب تقدير المدى الّذي ستكون عليه الطّبيعة الجماعيّة لهذين الفريقين في السّياسات المحلّيّة التّركيّة، لكنّهما بالتّأكيد أغرقا تركيا في مهرب من شأنه أن يؤثّر تأثيراً عميقاً وسلبيّاً في المنطقة.


أحمد إردي أوزتورك، أوبن ديموكراسي

مصدر الترجمة عن الإنجليزية:
https://www.opendemocracy.net/en/north-africa-west-asia/who-pushing-turk...

للمشاركة:

هل ليبيا جارة تركيا؟!

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-16

سلمان الدوسري

عندما تكون أدوات الدولة السياسية تصادمية وحادة جداً، فهي لا تستطيع استخدام الدبلوماسية أو بالأحرى لا تجيدها. هذا ما ينطبق على السياسة التركية حرفياً، فالأجندات السياسية المتخبطة تطغى على لغة العقل والمنطق والعلاقات الدولية، وتكتيكات الدولة العثمانية في القرن الثامن عشر تسيطر على ذهنية السلطان في القرن الحادي والعشرين، لذلك تجد نفسها دائماً في صراعات واختلافات وحروب مع الجميع، فما الدولة التي تحظى بصداقة تركيا حالياً؟ إذا استثنينا الدوحة التي تتطابق سياساتها مع أنقرة تماماً، لاعتبارات القاعدة التركية في قطر، فإن بقية دول العالم تضع حواجز ومسافات ومحاذير. فبعد العمليات العسكرية وغزو الشمال السوري، جاءت آخر المغامرات التركية غير المحسوبة بإعلان الرئيس التركي رجب طيب إردوغان عن تدخل بلاده عسكرياً في ليبيا، قبل أن تبدأ أنقرة في إرسال جنود ومرتزقة، وهي من سبق وأرسل أسلحة، في مخالفة صريحة للشرعية الدولية وانتهاك لقرار مجلس الأمن رقم 1970 لعام 2011، الذي ينص على عدم مد ليبيا بالأسلحة.. كل هذا يحدث رغم عدم وجود حدود مباشرة بين ليبيا وتركيا، فجزيرة كريت اليونانية تفصل بينهما، كما أنه لا توجد بينهما أي فواصل بالبحار حتى يتم توقيع اتفاق بحري لم يعترف به أحد، إلا أن وزير الدفاع التركي خلوصي أكار، له تعريف آخر للجغرافيا، عندما صرح أمس بأن «ليبيا جارتنا من البحر»!، ووفق هذا التعريف «العثماني» الخيالي، فإن الهند وباكستان جارتان للسعودية، وسوريا جارة لفرنسا، ولبنان جار لإسبانيا!
تحتل ليبيا المرتبة الخامسة عالمياً في احتياطيات النفط، بمعدل 74 مليار برميل تكفي لتصدير النفط 112 عاماً أخرى، وهو قد يكون سبباً كافياً يدفع أنقرة لمحاولة التدخل، خصوصاً مع معاناتها في موارد الطاقة واستيرادها 90% من احتياجاتها النفطية، ناهيك باستهلاكها 500 ألف برميل يومياً، إلا أن الهدف الاقتصادي ليس وحده ما يدفع تركيا إلى التدخل عسكرياً، فلا يخفى على أحد المكانة المتنامية لليبيا كعامل استراتيجي رئيسي في السياسة الخارجية التركية، تستخدمها سواء لمنافسة خصومها القدامى كاليونان أو الجدد كمصر، وكان ذلك يحدث بواسطة أذرعها من الميليشيات، لكنه أصبح يتم بشكل رسمي وفاضح، بالإضافة إلى أن ليبيا تمثل المركز الرئيسي في طرق الهجرة بين القارتين الأفريقية والأوروبية، وهذا الملف استخدمته تركيا جيداً لابتزاز جيرانها الأوروبيين وتهديدهم بغزو المهاجرين السوريين للحصول على مكاسب مادية لا حصر لها، وهي هنا أيضاً تريد أن يكون لها دور جديد، بحيث لا يمكن لأي سياسات مناهضة للمهاجرين في أوروبا التصدي لها دون أن يكون لتركيا يد فيها تمارس ابتزازها مجدداً.
الغزوة التركية لليبيا فشلت قبل أن تبدأ، فبالإضافة إلى صعوبة تنفيذ ذلك على أرض الواقع، واختلاف الظروف الجغرافية التي دفعت أنقرة إلى التدخل العسكري في سوريا، والتي لم تحقق أهدافها حتى الآن على كل حال، فإن السمعة التركية أصبحت في الحضيض عالمياً، ولا توجد دولة لم تُدِن هذا التدخل التركي الغاشم، باستثناء قطر طبعاً التي أيّدته، وغدت السياسة التركية مرتبطة بالتهور والعنجهية والغرور، لذلك فإن السياسة التركية تستحق جائزة المركز الأول في تحقيق الفشل الذريع سياسياً وعسكرياً واستراتيجياً.
وبعيداً عن واجب «الجيرة» الذي دفع تركيا إلى غزو ليبيا، وقبلها سوريا، أليس الأقربون أولى بالمعروف؟ أليس الجزر التركية التي تقول تركيا إنها «محتلة» من اليونان في بحر إيجه أكثر قرباً من سوريا وليبيا؟ فإذا لم تتحرك من أجل تراب بلدك، فكيف تفعلها من أجل تراب دول أخرى؟!

عن صحيفة "الشرق الأوسط"

للمشاركة:

الصراع في ليبيا: ما حقيقة وجود مقاتلين سوريين؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-16

نددت سفارة الولايات المتحدة في ليبيا بتصاعد العنف وتدهور الوضع الأمني في البلاد، نتيجة الاقتتال بين حكومة فايز السراج وقوات القائد العسكري خليفة حفتر.

وقالت في بيان إن هذا التدهور "يُبرز مخاطر التدخل الأجنبي السام في ليبيا، مثل وصول المقاتلين السوريين الذين تدعمهم تركيا وكذلك نشر المرتزقة الروس".

فهل يوجد بالفعل مقاتلون سوريون في ليبيا؟

نشرت صحيفة "غارديان" البريطانية، اليوم الأربعاء، تقريرا قالت فيه إن ألفي مقاتل سوري قد وصلوا، أو سيصلون قريبا إلى ليبيا قادمين من تركيا، للقتال إلى جانب حكومة الوفاق المعترف بها دوليا برئاسة فايز السراج.

ونقلت الصحيفة عن مصادر سورية في الدول الثلاث، سوريا وليبيا وتركيا، تأكيدها أن 300 عنصر من الفرقة الثانية في ما يعرف بـ "الجيش الوطني السوري"، وهو مجموعة من المقاتلين تدعمهم أنقرة، دخلوا تركيا عبر معبر حور كلس العسكري في 24 ديسمبر/ كانون الأول الماضي، كما دخلت مجموعة أخرى قوامها 350 عنصرا في 29 ديسمبر/ كانون الأول.

وتقول غارديان إنه تم نقل العناصر جوا إلى طرابلس، معقل حكومة الوفاق، حيث تم إرسالهم إلى مواقع المواجهة شرقي العاصمة.

ووفقا للصحيفة، دخل في 5 يناير/ كانون الثاني الجاري نحو 1350 مقاتلا إلى تركيا قادمين من سوريا، وأُرسل بعضهم إلى ليبيا، فيما لا يزال آخرون يتلقون التدريب في معسكرات جنوبي تركيا.

وقد فاقت هذه الأرقام التقديرات السابقة لأعداد المقاتلين السوريين الذين دخلوا إلى ليبيا.

رواتب كبيرة

كما أشارت الصحيفة، نقلا عن مصدر موثوق، إلى أن المقاتلين السوريين سيشكلون فرقة سيطلقون عليها اسم، عمر المختار، زعيم المقاومة الليبية الذي ناضل ضد الاحتلال الإيطالي وأُعدم عام 1931.

وقالت غارديان، إن مصادر في "الجيش الوطني السوري" ذكرت أن المقاتلين أبرموا عقودا لمدة ستة أشهر مع حكومة الوفاق مباشرة وليس مع الجيش التركي، ويحصلون بموجبها على رواتب بقيمة ألفي دولار شهريا للمقاتل الواحد، وهو مبلغ كبير مقارنة بحوالي 90 دولارا شهريا فقط كانوا يتلقونها من تركيا لقتالهم في سوريا.

كما قُطعت وعود لهؤلاء المقاتلين بالحصول على الجنسية التركية.

وأكدت الصحيفة أن أربعة مقاتلين سوريين على الأقل قد قُتلوا في ليبيا، غير أن فصائلهم أعلنت أنهم لقوا مصرعهم في جبهات المواجهة مع المقاتلين الأكراد في شمال شرقي سوريا.

وتداولت وسائل التواصل الاجتماعي الشهر الماضي لقطات مصورة بهاتف محمول لرجال لهجتهم سورية ويدّعون أنهم ينتمون لـ "الجيش السوري الحر" وأنهم موجودون في ليبيا "للدفاع عن الإسلام".

ونفت كل من أنقرة وطرابلس، وكذلك فعل "الجيش الوطني السوري"، مرارا وتكرارا وجود مقاتلين سوريين في ليبيا.

وقال الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، الأسبوع الماضي إن تركيا نفسها أرسلت حتى الآن 35 جنديا فقط إلى طرابلس بصفة استشارية.

ووفقا للصحيفة، لا يلقى التدخل التركي في ليبيا تأييدا في الشارع التركي على عكس التوغل في أكتوبر/ تشرين الثاني في الأراضي السورية لمواجهة المقاتلين الأكراد.

عن "بي بي سي "

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية