لبنان النهاية والقيامة.. الأفضليات الضائعة والمتبقية

لبنان النهاية والقيامة.. الأفضليات الضائعة والمتبقية

مشاهدة

07/07/2021

حسن منيمنة

كلام أنقله، بالمعنى من الذاكرة لا بالحرف، من أحد الشيوخ من الوجهاء الخليجيين، سمعته منه قبل قرابة العقد من الزمن: "للبنان مكانة خاصة في قلوبنا، نحن الجيل الذي شهد انتقال بلادنا من الشظف إلى الرخاء. أوطاننا كان فيها القليل، بادية، صحراء، تنمية في أول عهدها، ومجرد براعم للازدهار. لبنان في طفولتنا كان صناديق الفواكه الشهية التي تصلنا مع أولى الطائرات. ثم كانت رحلاتنا خارج ديارنا، إليه قبل غيره، للاصطياف، للطبابة، للدراسة. ما شهدناه هناك لم يكن مألوفاً أو متوقعاً لنا كأطفال. جبال وتلال خضراء، أشجار وأنهار، وناس تطفح بالأناقة واللطف والجمال. كل هذا ما كان معتاداً في حياتنا اليومية، ولكنه كان يحاكي ما يحدثنا به أهلنا عن جنان الخلد. لبنان كان لنا جنة من هذه الجنان".

أن يوشك الجيل الذي شهد لبنان كجنة من الجنان أن ينقضي هي سنّة الحياة. في لبنان من يحفظ لهذا الجيل مودّة توازي العطف الذي أبداه تجاه لبنان في محنته التي ابتدأت متخفية عام 1969، ثم انفجرت عام 1975 واستمرت باستنزافه إلى العام 1990، قبل أن تخمد، بنارها لا بجمرها، في الطائف، في السعودية، حيث ولدت الجمهورية الثانية.

بل أن هذه الجمهورية الثانية ما كانت لتحظى ببعض إمكانيات النهوض لولا المساهمة الخليجية عامة، والسعودية خاصة، في دعم لبنان ومدّه بأسباب النجاح، وإن تعثّر.

هي فرصة، خارجة عن السياق المنتظر بعد حروب داخلية مدمّرة كالتي عاشها لبنان، تلك التي تشكلت في العلاقة الخاصة التي جمعت رفيق الحريري، الرجل التاريخي الذي سعى إلى بناء لبنان ودفعه قدماً، والملك فهد بن عبد العزيز، إذ وضع ثقته بالحريري، وأتاح له التعويل على دعم سعودي سخي، وعلى مصاحبة خليجية صادقة، كويتية طبعاً (أما كادت العلاقة بين الكويت ولبنان  قبل حروبه أن تبلغ حد التوأمة) ثم بحرينية وقطرية وإماراتية فعُمانية، ليداوي لبنان جراحه ويسعى إلى الشفاء.

طبعاً كان للسعودية وسائر دول الخليج مصالح موضوعية في لبنان، ولا شك أنه كان في سياسة استقطاب الاستثمارات حوافز للعديد من أصحاب الأعمال الخليجيين للعودة إلى لبنان. 

على أنه من الإجحاف إنكار الحقيقة التي يراد لها اليوم أن تغيّب، وهي أن الدعم السعودي والخليجي للبنان كان مدفوعاً بأبعاد عاطفية معنوية تتجاوز المصلحة المادية، إلى أن أمعنت الأقدار في تغييب جيل "لبنان الجنة" الخليجي، وإلى أن قتلت يد السوء رفيق الحريري.

لبنان، يوم يحين أجل قيامته، بعد انقضاء الانهيار المتواصل الذي يشهده، وزوال عبء الاحتلال الرازح على صدره، عليه أن يواجه واقع ضياع أفضليات عديدة كانت له في مراحله السابقة.

طبيعته الجميلة انتهكت واستبيحت ليمسي "لبنان الأخضر" بلد النفايات والكسارات. لبنان الأمن والنظام بذل الجهود للعودة بعد الحرب، على أن عودته تبقى مستحيلة بوجود قوة قاهرة غير خاضعة للمساءلة وتابعة دون تورية لقرار خارجي. الحصيلة كان تشكل منظومة التعايش بين النهب والاحتلال تحت مسمّى الدولة، مع فقدان معيب لمقومات الحياة الكريمة.
هي وقائع تنفّر اللبنانيين المقيمين في الخارج أنفسهم من زيارة وطنهم، ولا تسمح البتة باستعادة لبنان لدوره كمقصد للسياحة الراقية.

أفضليات لبنان في القطاع المصرفي والجامعات والمستشفيات، والإعلام والصحافة ودور النشر والانتاج الفني والحركة الفكرية، والضيافة والاصطياف، والتي كانت الأساس البنيوي لازدهار لبنان ما قبل الحرب، كلها انكفأت وتآكلت خلال سنوات الأذى، ولم تتمكن من استعادة أدوارها السابقة مع بروز مراكز منافسة تتجاوزها بخطوات ثم بأشواط في دول الجوار، ولا سيما في الخليج، ولاحقاً مع غياب أي محاولة جدية لاستنهاضها في خضمّ التناحر والتناكف طوال أمد الجمهورية الثانية.

حتى مشروع استنهاض لبنان، والذي قاده رفيق الحريري في العقد الأخير من القرن الماضي، إذ اهتم فائق الاهتمام ببناء قلب تجاري ومعماري يعيد إلى لبنان بعض رونقه وجاذبيته، فإنه تخلّف عن تحضير الأرضية للانتقال إلى اقتصاد المعلومات، رغم ما كان متبقياً للبنان في التسعينيات من إمكانيات لتحقيق هذا الانتقال، ولا سيما على مستوى الطاقات البشرية.

حروب لبنان جرّدته من الكثير من أوجه تفوقه، على أن سوء الاعتبار بعد الحرب أضاع فرصة لن تعود. 

بدلاً من أن يتبوأ لبنان مكانة كان أهلاً لها، بأن ينهض كمركز المعلومات والتشبيك والابتكار والإبداع في عالم يجتمع افتراضياً، جرى تقنين ولوج اللبنانيين إلى منصات التواصل والابتكار المستجدة، لدوافع آنية مختلفة، منها تحقيق مدخول جديد للدولة وعدم التفريط بتحصيلها من شبكة الهاتف الدولية.

على أن الأخطر كان في أن ضياع هذه الأفضليات التفصيلية ساهم كذلك بالتفريط، العرضي حيناً والمتعمد أحياناً، بالعلاقة اللبنانية الخليجية.

جزء كبير من نجاح لبنان قبل الحرب كان معتمداً على هذه العلاقة، وقسم رئيسي من بقاء لبنان خلال الحرب كان في أن الخليج استوعب الكثير من الكفاءات اللبنانية وأتاح لها مدّ أسرها بالعون المالي المتواصل.

كما أن نسبة هامة من تحسّن أوضاع لبنان ما بعد الحرب كان في قدوم الودائع والهبات والاستثمارات من الخليج إليه، بالإضافة إلى استمرار التحويلات من اللبنانيين المقيمين في هذه الدول، وتواصل استيعاب أفواج جديدة من اللبنانيين فيها.

حين تحين ساعة قيامة لبنان، في الآجل لا العاجل على ما يبدو للأسف، يتوجّب على القوى الساعية إلى إنهاضه القبول بواقع أن أفضلية لبنان الخليجية قد زالت.

ربما أنها كانت موقوتة ابتداءً. ربما أن اللبنانيين قد تمكنوا من ملء بعض فراغ مرحلي، في خبرتهم ضمن الأطر الدولية في مجال الأعمال ومشاطرتهم الخليجيين اللغة العربية. اتقان الأجيال الخليجية التالية لما يحتاجونه من لغات، واتساع انفتاحهم على العالم أفقد اللبنانيين بعض الزخم. 

كان بالإمكان تعويض ذلك، سواء على مستوى العلاقات العامة بين الدول، أو العلاقات التجارية والاجتماعية الخاصة. غير أن التفريط هو التقييم الواقعي لما جرى ويجري.

كان من العبث أن يُنتظر من الدولة اللبنانية، بعد رحيل رفيق الحريري، بما انحدرت إليه من تآكل انتهابي غيّب كل الاعتبارات البعيدة المدى في سياساتها، أن تعتمد توجهاً مستقبلياً بنّاءً في العلاقة مع دول الخليج (أو غيرها).

بل جاءت سياستها بما ينسجم مع حاجة الطبقة السياسية الناهبة إلى الموازنة بين استمرار الاستيلاء الممنهج إلى حد الوقاحة على المال العام، وإرضاء قوة الأمر الواقع، أي الاحتلال الإيراني بالواسطة، والذي يقدّم بحد ذاته التأطير لتمكين النهب والعذر والتبرير إزاء الجمهور لتمريره باستدعاء المنطق الطائفي.


وأن يستجيب حزب الله لما هو مطلوب منه من شيطنة دول الخليج، تنفيذاً لمطلب الولي الفقيه، فيما إيران تحتفظ بعلاقات ثابتة وبناءة مع معظم الخليج، لا اعتبار فيه لمصلحة اللبنانيين في هذه الدول. بل إنه في الإضرار بهذه العلاقة مصلحة مباشرة لإيران، وذلك في تشتيت القليل المتبقي من المنافسة لنفوذها في لبنان.

ثم أن الانتقال الجيلي في دول الخليج، ولا سيما في بروز الأمير محمد بن سلمان في السعودية، كان له الوطأة السلبية على العلاقة مع لبنان. 

السعودية الجديدة، في تقييمها للعلاقة الثنائية، لحظت، صائبة إلى حد ما، اختلال الميزان بين استثمارها الضخم في لبنان وعوائده الشحيحة. 

بل أدركت أن جلّ ما تخصّصه للبنان يضيع في زوايا النهب والفساد المتأصلة في نظامه الخاضع بين السرّ والجهار لوكلاء إيران. ليس مستغرباً أن تتراجع السعودية عن هذا الترتيب، وتترك لبنان الفاشل لفشله. وليس المطلوب من السعودية أن تكون لبنانية أكثر من اللبنانيين أنفسهم، أو أن تعمد إلى تمويل دولة يسيطر عليها حزب الله، والذي يصدح لها بالشتائم والتهديدات ليلاً نهاراً، دون أفق تبديل للواقع الفاسد.

في هذا التخلي استسلام موضعي لإيران وتسليم للبنان لها.  هي معركة يبدو أن السعودية رضيت بأن تخسرها. على أن هذا القرار، وإن كان له ما يبرره على المدى القريب والمتوسط، له أيضاً ما يفيد بأنه خطأ فادح على المدى البعيد إذا كانت ثمة جدوى في المحافظة على قدر من لبنان بسماته الحالية.

والأنكى أن التطورات الخليجية لا تقف عند حد التحوّل في السياسة إزاء لبنان إلى المصلحية الصارمة، وإلى حاجة الخليج إلى درء المخاطر التي تأتي إليه من لبنان، إرهاباً إجراماً وتهريباً، وإلى انقضاء ما كان للبنان من مميزات وبنى.

ربما أن الضربة القاضية على أفضلية لبنان الخليجية هي معاهدات السلام مع إسرائيل، ما جرى التوقيع عليه وما سوف يتبعه. 

قد تكون الكفاءات اللبنانية، على مستوى الأفراد، موازية لما يقابلها من كفاءات إسرائيلية. على أن الفارق بين المؤسسات والشركات والمبادرات الإسرائيلية، بما لها من إمكانيات وإنجازات ومشاريع بحوث وتطوير، وبما هي قادرة عليه من شراكات مع من يتبين قيمتها في الخليج، والغياب المعيب لما يقابلها من لبنان، ينفي حتى إمكانية المقارنة.

نتيجة لظروف بعضها خارج عن إرادة اللبنانيين، وبعضها الآخر من اقتراف أيديهم، الخيار المطروح أمام الخليجيين هو أما، استقدام لبنانيين على كفاءات متراجعة نتيجة انهيار النظم التأسيسية في بلادهم، مع ما يحمل الكثير منهم من شبهات ارتباط بالإرهاب والتهريب، بل مع ما يجاهر الكثير منهم، بالأصالة أو الوكالة أو الذمية، من عداء لدول الخليج.
 أو الخيار الثاني قد يكمن باستقدام إسرائيليين مشبّعين بالكفاءات المتطورة وحاملين للإنجازات المشهودة وراغبين، أفراداً ودولة، بعلاقات مستديمة بناءة مع دول الخليج. ليس هذا بالخيار الصعب.

بالمقابل، لبنان كذلك من حيث المبدأ أمام أحد خيارين. إما إدراك حجم التحول التاريخي على مستوى المنطقة، وتصحيح العلاقة مع دول الخليج، بالتزامن مع السعي إلى إعادة بناء الهيكلية المادية والمعنوية الكفيلة بالمحافظة على الإيجابيات المتبقية في لبنان، ولا سيما منها روح الحرية والإبداع والابتكار والرؤية والتي لا تزال سمات ملازمة للجيل اللبناني الحالي، والبناء عليها لاستعادة الدور الفاعل للبنان بالشراكة مع كافة دول المنطقة، بما فيها إسرائيل.

 أو أن الخيار الثاني التمسك بالمنطق العقائدي المثابر على الرهان على زوال إسرائيل وسقوط الرجعية العربية وانهيار الولايات المتحدة، مع تواصل تحقيق الوعود الصادقة والانتصارات الجلية للمقاومة، وإن صاحَب هذا الجلاء انهيار الوطن وخرابه وضياعه وهجرة شبابه، كي لا يضيع التركيز على القضية المركزية، قضية فلسطين.

المشكلة في الخيارين المطروحين أمام لبنان هو أنه لا اعتبار لرأي اللبنانيين فيهما. في إحدى كلماته السابقة، امتدح أمين عام حزب الله اليمنيين إذ خرجوا حفاة الأقدام تحت وطأة الحر الشديد للتظاهر تأييداً للفلسطينيين، حاملين شعارات "أنصار الله" الحوثيين، الجماعة التي تدعو بالموت لأميركا وإسرائيل واليهود. الراجح، بل الأكيد، أن اللبنانيين، وجلّهم يرى الحقّ الفلسطيني ويطالب بإحقاقه، لا يتمنون الخروج حفاة الأقدام صادحين بالموت للآخرين.

اللبنانيون، شأنهم شأن غيرهم من الناس، يتقاطعون مع بعضهم البعض وفق اعتبارات تسمح بأقدار من الإجمال. 

غالباً ما يجملون على أساس الطوائف، حتى أن البعض بلغ حد اعتبار الطوائف حقائق أصلية ثابتة. 

فاليسار يريد إجمالهم على أساس الطبقات، وإن كان الوعي الطبقي، إلى أمس قريب ربما، ضعيفاً بالمقارنة مع ما يتوقعه أو يرغب به.

اعتبارات موضوعية أخرى تبني على التوزع المناطقي، حيث يشترك سكان الأقضية والمحافظات بأحوال يتوجب أن تدفع بهم إلى وحدة الموقف، وإن لم يحققوا الأمر بعد.

على أنه في لبنان، إلى حد لا يزال يعاني من الإهمال، تمايز وتقاطع وتماهٍ بين اللبنانيين على أساس الانتماء الجيلي، بما صاغته المراحل المتتالية من تاريخ لبنان من تباينات.

ربما أن الإسراف في الالتزام العقائدي، على ما هو لدى بعض القياديين والمفكرين (عند إحسان الظن بمواقفهم المعلنة)، كما الإمعان في النهب واستباحة المال العام لدى السياسيين، هما وجهان لنتيجة مشتركة لأفراد الجيل الممسك بزمام الأمور اليوم في لبنان، وهو جيل تشكلت بناه الذهنية خلال الحروب التي عاشها لبنان، فكان اليأس من الواقع خلفيته غير المعلنة. 

ثمة من يندفع إلى المزايدة على هذا الواقع اليائس فيفرط في المطالبة العقائدية، وثمة من يسلّم بأنه لا سبيل للإصلاح فيستعيض عنه بالكسب الذاتي نهباً وفساداً.

يتمسك هذا الجيل (ضمناً، دون افتراض وعي مشترك) بنفوذه، بمواجهة جيل ما بعد الحرب، والتي تشكلت بنيته الذهنية في زمن رفيق الحريري، فطبعت الرغبة بالارتقاء معظم خلفيته الصامتة. ليس أن هذا الجيل عاجز عن الفساد، ولكن توقعاته وانشغالاته وتواصلاته العالمية تضفي عليه إيجابية وتفاؤلاً يفتقدهما الجيل السابق له. بالإجمال طبعاً، لا بالتعميم التأحيدي.

الخشية على أن الجيل الذي تتشكل معالمه اليوم، على خلفية خيبات الأمل واليأس والعبث، قد يستعيد سمات جيل الحرب السلبية. 

فقد يكون للبنان نافذة ضيقة، جيل إقدامي بين جيلين يائسين، للانتقال من منطق الانتحار إلى منطق البناء. 

فهل تتاح لهذا الجيل الإيجابي فرصة البناء بارتفاع الاحتلال وتمكينه من التعبير عن اندفاعه نحو لبنان الأفضل، في واقعه الجديد، ومع إدراك ذهاب ما كان مصدر قوة له في ماضيه؟ ربما هنا تكمن الأفضلية المتبقية للبنان، على ما هو عليه من وهن وضعف.

عن "الحرة"

الصفحة الرئيسية